الدرس : 02 - سورة النور - تفسير الآيتان 1 – 2 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 02 - سورة النور - تفسير الآيتان 1 – 2


1988-10-07

الحمد لله رب العالمين، والصلاة، والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

سبب تسمية سورة النور:

أيها الإخوة المؤمنون مع الدرس الثاني من سورة النور، أولا: لماذا سميت هذه السورة سورة النور ؟ بعضهم يقول: لأن ما فيها من أحكام تشريعية، وما فيها من آداب خلقية، وما فيها من أصول أسرية تعدُّ بمثابة النور الذي يلقى على حياة المجتمع، فمجتمع بلا آداب، و بلا حدود، و بلا أحكام، وبلا معاملات وفق الحق والكمال هو مجتمع في ظلام:

﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾

[سورة البقرة: الآية 257]

يخرجهم من الظلمات إلى النور بهذه الأحكام التشريعية، بالأحكام المتعلقة بالنساء، بأحكام الزواج، بأحكام الطلاق، بأحكام حسن المعاملة، بآداب المجتمع، بالآداب التي يجب أن تكون بين أفراد الأسرة، فلذلك سميت هذه السورة سورة النور لأن أحكامها التشريعية، وآدابها الخلقية بمثابة النور الذي يضيء جنبات حياتنا الاجتماعية.

محور سورة النور: الأسرة والقيم الأخلاقية:

الشيء الآخر، هذه السورة تتجه إلى الأسرة، والأسرة هي نواة المجتمع، فالمجتمع قائم على خلايا، الأسرة هي اللبنة الأولى في المجتمع، لذلك أكثر أحكام هذه السورة تتجه إلى الأسرة، وإلى حفظ الأنساب، إلى الآداب، وإلى التعفف، إلى عقوبة الانحراف الخلقي، وإلى عقوبة الخيانة الزوجية، كأن هذه السورة تتجه إلى الأسرة، والأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع.
أمر آخر ؛ هذه السورة بأكملها تتجه إلى ترسيخ القيم الخلقية في المجتمع، فالمجتمع دون قيم خلقية مجتمع حيواني، مجتمع بهيمي، تتحكم فيه الغرائز، والانفعالات السفلية، تتحكم فيه النزوات، مجتمع دون قيم خلقية هو مجتمع كالبهائم، لذلك تتجه عناية هذه السورة إلى الأسرة تارة، وإلى القيم الخلقية التي ينبغي أن تسود المجتمع تارة أخرى.
وهذا مثل نضربه للتوضيح: لو أن بيتا فخما بني على أحدث طراز، وأثِّث بأفخر الأثاث، وجهز بكل التجهيزات، فيه كل الأدوات والآلات، لكن لا يوجد في هذا البيت نوافذ، وليس فيه إضاءة، فما قيمة جمال بنائه، وما قيمة جمال أثاثه، وكيف يهتدي الإنسان إلى مداخله ومخارجه، وإلى استعمال أدواته، واقتناء أجهزته، كل ما فيه من ميزات لا تعرف إلا بالنور، لذلك خلق الله سبحانه وتعالى السماوات والأرض، وأنزل الكتاب:

﴿ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ﴾

وقال عز وجل:

﴿ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾

[سورة الكهف: الآية1]

فكأن الله سبحانه وتعالى بما أنزل علينا من تشريعات، وبما أنزل علينا من كتب، بما بعثه فينا من أنبياء، ورسل، والله سبحانه وتعالى نور السماوات والأرض، لذلك يقول الله سبحانه وتعالى في هذه السورة:

﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾

فالنور هو الحقيقة التي تصح بها حياتنا، وهو من عند الله، وليست هناك جهة غير الله يمكن أن تأخذ منها الحقيقة، الحقيقة وحدها من الله عز وجل، لأن الله نور السماوات والأرض، فلذلك سميت هذه السورة سورة النور لأن فيها إضاءة لحياتنا.
في حياتنا شيء مباح، وشيء ممنوع، وآخر حرام، أمرنا الله بغض البصر، وبحفظ الفرج، أمرنا بعدم الاختلاط، وأمرنا بالزواج، نهانا عن الزنى، جعل للزنى حدا رادعا، وحدا قاسيا، فهذه التشريعات لحياتنا الاجتماعية بمثابة النور الذي يضيء جنبات هذه الحياة لذلك سميت هذه السورة سورة النور، تتجه إلى الأسرة أولا، وإلى ترسيخ القيم الخلقية ثانيا، وهذا النور الذي سميت به هذه السورة مضاف إلى ذات الله عز وجل:

﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾

كل مشكلة وراءها معصية:

فما من مشكلةٍ تقع في المجتمع إلا وراءها معصية، وما من معصية إلا وراءها جهل، فالإنسان إذا آمن بالله عز وجل أخرجه من الظلمات إلى النور، وقد وُصِفَ هذا القرآن مرات عديدة بأنه نور يمشي المؤمن بهداه، قال تعالى:

﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوِمُ﴾

[ سورة الإسراء: الآية 9]

والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((وَالصَّلاَةُ نُورٌ))

[مسلم ابن ماجه، أحمد، الدارمي ]

إنك إذا اتصلت بالله عز وجل قذف الله في قلبك النور، فرأيت فيه الخير خيرا، والشر شرا، فكلمة هذه السورة ؛ سورة النور فيها من الضياء، وفيها من النور ما يكشف به كل ملابسات الحياة التي نحياها.
شيء آخر ؛ لو أن مجموعة من القوارير فيها مواد مختلفة، ولا تَعْرِفُ هذه المواد، بعضها نافع، وبعضها ضار، بعضها عديم الجدوى، وبعضها سامٌّ، بعضها شديد السمية، بعضها ثمين، وبعضها رخيص، قوارير متشابهة، فيها مواد مختلفة، فأنت إذا ألقيت عليها نورا كشافا عرفت بهذا النور كل عنصر مما يتألف، وثمنَه، واستعماله، وفوائده، ومضاره، أو أنه ألصق على كل قارورة لوحة صغيرة تقول لك: هذا العنصر كذا وكذا، وفوائده كذا وكذا، واستعماله كذا وكذا، فالكتابة التي يمكن أن تكون على هذه القارورة كشاف، فعندما يقول ربنا عز وجل: هذا حرام، وهذا حلال، وهذا نافع، وهذا ضار:

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾

( سورة النور الآية 30)

هذه الآية نور، والأحكام الشرعية نور تهتدي به، فحينما تغض بصرك عن محارم الله يلقي الله في قلبك حلاوة حتى تلقاه، حينما تغض بصرك عن محارم الله يخلق الله مودة بينك وبين أهل بيتك، حينما تغض بصرك عن محارم الله تشعر بالطهر، تشعر بالسمو، تشعر بالقدسية، إذاً هذا الأمر الإلهي بمثابة النور الذي ملأ حياتك ضياء، وبهجة، وسرورا، وسكينة، وملأها اطمئنانا، وسعادة، فأيُّ حكم إلهي إذا طبقته كان بمثابة النور في الظلام، هذا النور يبدد الظلام، يذهب الترهات، يذهب الأباطيل، لهذا قال الله عز وجل، وهاأنا أعيد الآية على مسامعكم مرة ثانية:

﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾

( سورة البقرة: الآية 257)

فإذا قرأت هذه السورة، وطبقت ما فيها خرجت من الظلمات إلى النور، وإذا كان هناك اختلاط، وكان هناك تجاوز لأحكام هذه السورة نشأت الخلافات الزوجية، وانتهت بالطلاق، وانتهت بضياع الأولاد، وتشريدهم، واختلاط الأنساب، وقد تنشأ معها الجريمة إذا رافقَها عدوان، فلذلك إذا طبقت أحكام هذه السورة كان النور الذي يشع من ثنياتها يبدد الظلام الذي يعيش فيه معظم الناس، فبالنور تظهر قيمة البيت الفخم المؤثث بأثاث غال، والمجهز بأجهزة متنوعة، ولكن بلا نور ما قيمة هذا البيت ؟ قوارير فيها مواد مختلفة من دون لصائق ما قيمة هذه المواد ؟ لا تعرفها ولا تعرف كيف تستعملها، أو تتجنب مضارها، وكيف تعرف فوائدها، لذلك يعني تسمية هذه السورة، أو كما يقولون: اسم على مسمى، سورة النور، إنك إذا قرأتها، وتمعنت فيها، ووقفت عند أحكامها، وطبقتها شع النور في حياتك، شع النور في بيتك، ولا تنسوا أن سيدنا عمر رضي الله عنه قال: << عَلِّمُوا نِسَاءَكُمْ سُورَةَ النُّورِ >>.

[سنن سعيد بن منصور، وذكره البيهقي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم عن مجاهد ]

وسوف ترون كيف أن فيها من التشريعات، وفيها من الآداب ما لو طبق لأصبح بيت المسلم جنة على الأرض، لو طبقت هذه الأحكام لأصبحت بيوت المسلمين جنات على وجه الأرض.
بسم الله الرحمن الرحيم

سُورَةٌ

كما قلنا في الدرس الماضي: إن هذه السورة، هذه الآية الوحيدة التي فيها كلمة سورة:

﴿ سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾

( سورة النور)

سورة النور سورة تربوية:

في هذه السورة موضوعات متنوعة، ولكن يجمعها محور واحد، هو نظام الأسرة، الآداب الاجتماعية المتعلقة بالنساء، القيم الخلقية المتعلقة بعلاقة الرجل بالمرأة، الحدود المانعة، والحدود الرادعة، هذا كله يفهم من كلمة سورة، وأن هذه الآيات العديدة التي تشملها سورة النور بمجملها تتمحور حول محور واحد، ألا وهو علاقة الرجل بالمرأة، وثانيا النظام الاجتماعي الذي ينبغي أن يكون سائدا في البيت.
هذه السورة يمكن أن تكون من نوع التربية، التربية تعني التوجيهات المستمرة لنقل الإنسان من طور إلى طور، فيها توجيهات إلهية تنقل المسلم من طور إلى طور، هذا الكلام كله ينضوي تحت كلمة:

﴿سُورَةٌ﴾

أَنْزَلْنَاهَا

أما:

﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾

فالإنزال يتم من شيء مرتفع إلى شيء منخفض، فهذه التشريعات ليس مصدرها بني البشر، ولكن مصدرها إله البشر، هذه التشريعات أنزلت من السماء، والإنسان لا يتقبل تشريعا إلا إذا كان من عند خالق الأرض والسماوات، لأن الخالق هو المشرع، فمثلاً إذا صنع معمل آلة، فأيّة جهة مؤهلة أن تصدر تعليمات تشغيلها ؟ إنها الجهة الصانعة، هذا في عالم الصناعة، الجهة التي صنعت هذه الآلة وحدها مؤهلة أن تصدر نشرة فيها بيان طريقة استعمالها، وطريقة صيانتها، وطريقة أن يكون مردودها جيدا، فالصانع هو المشرع، ولأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق، وهو العليم الخبير، والحكيم العليم، وهو اللطيف الخبير، وهو القدير، وهو الغني، وهو السميع، وهو البصير، هو وحده سبحانه وتعالى يمكن أن يشرع لنا ما يمس علاقاتنا الاجتماعية، هذا معنى أنزلناها:

﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾

وهذا يعني أن تطبيق هذه الأحكام ليس من قبيل الزيادة، ولا من قبيل التجمل، ليس من قبيل أنّ لك أن تأخذه، ولك ألاّ تأخذه، ليس هذا هو الموضوع.

ليس للعبد خيار أمام أحكام الله: وَفَرَضْنَاهَا

يعني أنه إن لم يطبق ما فيها من أحكام انقلبت حياة الإنسان إلى جحيم، دمر البيت، وفسد، طلقت الزوجة، وتشرد الأولاد، وهذا يحدث يوميا، ما من طلاق جرى، تعسفيًّا كان أو غير تعسفي، ما من فراق بين زوجين، ما من أولاد قد شردوا إلا بسبب مخالفة لأحكام هذه السورة.
لذلك:

﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾

هذا يعني أن الإنسان ليس له خيار، لأنّ الله تعالى يقول:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

( سورة الأحزاب:الآية 36)

أنت ليس لك خيار، عندما يُنزّل ربنا عز وجل في قرآنه الكريم حكما تشريعيا، أمرا، نهيا، فليس للمؤمن خيار، الخيار قد انتهى، أنت تختار أن تأكل هذا الطعام، أو ذاك الطعام، أنت هنا مخير، أنت تختار أن تسكن في هذا الحي، أو في ذاك الحي، أن تقترن بهذه المرأة، أو بتلك، ولكن فيما أنزله الله من أحكام تشريعية ليس لك خيار، لقول الله عز وجل:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

( سورة الأحزاب:الآية 36)

يعني أن الله عز وجل أمرنا بغض البصر، فلا يجوز أن نقول: هذا ممكن، وهذا ليس ممكناً، أو أن الزمان صعب، والوقت معقد، الفساد عمَّ، والطريق مليء بالنساء الكاسيات العاريات، هذا الكلام مرفوض، لأن ربنا عز وجل قال:

﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾

( سورة البقرة:الآية 285)

ولا يمكن أن يكون الأمر الإلهي إلا في إمكان كل أن إنسان يطبقه، فلذلك:

﴿أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾

لنفترض أنكَ قلت: تتوقف حياتي على شرب الماء، فشرب الماء فرض، تتوقف حياتي على تنفس الهواء، فتنفس الهواء فرض، تتوقف سعادتي في الدنيا، والآخرة على تطبيق هذه الأحكام، فهذه الأحكام هي فرض من قِبَل الله عز وجل، لذلك:

﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾

الأوامر التي سوف تأتي في هذه السورة لا مجال للحل الوسط فيها، فلما يقول بعض الصناع: لا يوجد في الآلة حل وسط، إما أن تكون وفق ما صممت، وإما أن تتوقف عن العمل، كذلك الإنسان ؛ إما أن يطبق هذا التشريع بكل ما فيه، بجمله وتفصيلاته، أو أن تصبح حياته منكدة، حياة فيها الشقاء، وفيها الهلاك.

سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ

فيها أحكام تشريعية، وفيها آيات تعرّف بذات الله سبحانه وتعالى، وفيها آيات تشريعية، وآيات كونية، فالآيات التشريعية فَرَضْنَاهَا، والآيات الكونية بيّناها، فإذا عرفت الخالق طبقت أمره، لذلك يجب أن تعرف الآمر قبل أن تعرف الأمر، هكذا قال أصحاب النبي العدنان، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ:

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَلا أَجِدُ قَلْبِي يَعْقِلُ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ قَلْبَكَ حُشِيَ الإِيمَانَ وَإِنَّ الإِيمَانَ يُعْطَى الْعَبْدَ قَبْلَ الْقُرْآنِ))

[أحمد]

فإذا تعلمت الشرع قبل أن تعرف الله عز وجل فإنك لن تطبقه، بل تحتال عليه، أما إذا عرفت الله أولا من خلال هذه الآيات الكونية، إذا عرفته خشعت له، فإذا خشعت له بحثت عن أمره، وطبقته بحذافيره، وطبقته بإخلاص ودقة، لذلك معرفة الله سبحانه وتعالى هي البداية.
هذا يؤكده الإمام الغزالي رضي الله عنه إذ يقول: "العلم بالله، وبأمر الله، وبخلق الله"، فالعلم بالله أن تعرف الله سبحانه وتعالى، وأن تعرف أسماءَه الحسنى، وصفاته الفضلى، أن تعرف لماذا خلقك ؟ ولماذا أوجدك ؟ أن تعرف الغاية التي من أجلها أنت موجود على وجه الأرض، أن تعرف أن الله سبحانه وتعالى حسيب لَمْ يخلق الإنسان سدى، لم يخلقه عبثا قال عز وجل:

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ﴾

( سورة المؤمنون:الآية 115)

وقال:

﴿أَيَحْسِبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾

( سورة القيامة:الآية 36)

فهذا الذي يعصي الله بالتأكيد لا يعرفه، قد يعرف أمره ونهيه، وقد يتبحر في أمره ونهيه، وقد ينال في ذلك أعلى الشهادات، هذا عالم بأمر الله، وليس عالماً بالله، لأنّ علامة العالم بالله أنه يخشاه، لقول مَسْرُوقٍ:
<< كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلا أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ >>.

[سنن الدارمي، والطبراني في الأوسط مرفوعا إلى النبي عليه الصلاة والسلام بلفظ: كفى...أعجب برأيه]

وعلامة الذي يعرف أمر الله أنه يعرفه إذا سألته عن قضية في المواريث، في أحكام التجويد، في أحكام الطلاق، في أحكام البيوع، هذه موضوعات كلها تحتاج إلى دراسة، وإلى حفظ، وإلى تذكر، وإلى أداء امتحان، وتحفظ، وتؤلف فيها كتب كثيرة جدا، ولكنك إذا عرفت الله أطعته، وإذا عرفت هذه الأحكام حفظتها، ولا يغنيك هذا عن معرفة الله، فإذا عرفت الله فتعلم بعدها كل شيء، لأن كل شئ بعد معرفة الله كالصفر أمام الواحد، معرفة الله وحدها هي الأساس، فإذا عرفت بعض الأحكام التفصيلية فهذا صفر أمام الواحد، صاروا 10، إذا علمت أحكام المواريث 10 أحكام البيوع 100 صاروا، أحكام النكاح 1000 صاروا، إذا عرفت أصول الفقه 10000 صاروا، إذا عرفت هذه الأشياء الإسلامية الدقيقة فهو علم أضيف إلى ذخيرتك، فإذا عرفت كل هذه العلوم، ولم تعرف الله عز وجل فهذه كلها أصفار، لا يوجد فيها واحد، لأن أصل الدين معرفته كما يقول الإمام علي كرم الله وجهه (أصل الدين معرفته)، وفي الأثر يقول تعالى:

((ِاْبَن آدَمَ اطْلُبْنِي تَجِدْنِي، فَإِذَا وَجَدْتَنِي وَجَدْتَ كُلَّ شَيْءٍ، وَإِنْ فُتُّكَ فَاتَكَ كُلُّ شَيْءٍ، وَأَنَا أَحَبُّ إِلَيْكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ))

[تفسير القرطبي ]

سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

ولأن التدين عند الإنسان بالفطرة أحيانا تأتي الشهوات، وتأتي الدنيا، وما فيها من متاعب تطمس هذه الفطرة، فهذه الآيات للتذكرة، فكل إنسان يعرف الله عز وجل بالفطرة، فإذا انطمست هذه الفطرة احتاج إلى مذكِّرات، لو أن الإنسان كان صافيا، كان بعيدا عن كل مشكلة، بعيدا عن كل قضية، عن كل همٍّ، عن كل إغراء، وعن كل ضغط، لو ابتعد عن وُحُولِ الحياة، تستيقظ فيه الفطرة، فطرته تدعوه إلى الإيمان بالله عز وجل، وإلى طاعته، فهذه النفس لا تسعد إلا إذا أَوَت إلى الله، قال تعالى:

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾

( سورة طه:الآية 124)

وقال سبحانه:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾

( سورة النحل:الآية 97 )

فلذلك لا يسعد الإنسان إلا بالله عز وجل:

﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون َ﴾

 

لأن الفطرة طيبة،

﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾

( سورة الروم:الآية 30 )

فالإنسان فطرته سامية، لذلك إذا تحدث الأجانب عن بعض الانحرافات الخلقية يقولون: إن هذه الانحرافات تسبب شعورا بالكآبة، فعلا ! لماذا ؟ لأن هذا الشعور بالكآبة هو تحرك الضمير، تحرك الفطرة العالية، الحق حق، والباطل باطل، في كل مكان، وفي كل زمان.

﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾

( سورة النور )

حكمة إيداع الشهوة في الإنسان:

طبعا ربنا سبحانه وتعالى حينما أودع فينا هذه الشهوة أودعها لحكمة بالغة، وهذه الشهوة لا يمكن أن توصف بأنها شريرة ولا خيِّرة، إنها حيادية، قوة دافعة تدفعك إلى شيء ما، سبحانه وتعالى أودع في نفس كل إنسان حب النساء، والعكس بالعكس.

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالبَنِينَ وَالقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

( سورة آل عمران:الآية 14)

فهذه الشهوة إنما أودعها الله في الإنسان ليرقى بها إلى الله، كيف ترقى قطعة الخشب إلى الله، فهي لا تحب، ولا تكره، ولا تغضب، لكن الإنسان بما فيه من شهوات إذا ضبطها ارتقى إلى الله عز وجل، إذا مرَّت امرأة سافرة، وغضضت بصرك عنها فعلت هذا من أجل من ؟ من أجل الواحد الديان، فلأن هذا الأمر تميل نفسك إليه، وإرادتك ألزمتك أن تغض البصر عنها، من هنا ارتقيت إلى الله شاكرا، فالشهوة في الأصل لا يمكن أن تسمى شريرة، الله سبحانه وتعالى أودع فينا هذه الشهوة من أجل أن تنشأ الأسرة، فإذا وجدت سيارة قد تدهورت في قاع الوادي هل تقول: يا أخي هذا المعمل هو الذي فعل هذا الحادث ؟ لا ! المعمل صنع هذه السيارة من أجل أن تركبها، وتنتقل بها من مكان إلى آخر، أما هذا السائق الذي قادها مخمورا، ونزل بها في الوادي فهو الذي أساء، فهل توصف هذه السيارة بأنها شريرة، إن صانعها قد صنعها من أجل أن تكون في خدمتك، كذلك الشهوات إنما أودعها الله في الإنسان لترقى به، لا لتهلكه، فإذا أساء استخدامها يهلك نفسه.

مثلٌ من واقع الناس:

شئ بسيط جدا، 3 مساحيق بيضاء، سكر، وملح، ومنظف، فإذا وضعت السكر في الشاي فهذا عمل خير، تشرب الشاي، وتحمد الله عليه، وإذا وضعت الملح في الطبخ تأكل الطعام، وتحمد الله عليه، وإذا غسلت الصحون بهذا المسحوق تحمد الله على هذه النعمة نعمة الصابون، فإذا وضعت هذا المسحوق التنظيفي في الطبخة ألقيتها في سلة المهملات، وإذا وضعت الملح في الشاي لفظت هذا الشاي، ما هو الشر ؟ حينما تسيء استخدام هذه المواد، الشر هو إساءة الاستخدام، المواد كلها خيرة، فحينما تتزوج، وتنجب الأولاد، ويكبر الأولاد، وترى أن هذه الأسرة أصبحت عشاً إسلامياً فيه السعادة، والسرور، والطمأنينة والوفاء، والمحبة، والأنس تشعر أن الحياة الزوجية فيها أنس، وربنا عز وجل كر أنّ من آياته الشمس والقمر، ومن آياته الليل والنهار، آياته كثيرة جدا:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾

( سورة الروم:الآية 21)

فربنا سبحانه وتعالى حينما أودع في الإنسان هذه الشهوة من أجل أن تنشأ الأسرة، وهي اللبنة الأُولى في المجتمع، لا من أجل الزنى، ولا من أجل السفاح، أو من أجل دور اللهو، ولا من أجل الأفلام الساقطة، هذا كله خلاف الأصول، وهذه كلها قنوات قذرة، وهناك قناة نظيفة واحدة، هي قناة الزواج.
فهذه الشهوة التي أودعها الله في الإنسان جعل لها قناة نظيفة طاهرة خيرة مسعدة تأنس بها، وما سوى هذه القناة فالقنوات كلها قذرة.

﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾

لابد لكل تشريع من مؤيِّد عقابي ردعي:

تحدثت في الدرس الماضي عن أن التشريع لا قيمة له إلا إذا دعم بمؤيد، أي بعقاب، فالإنسان من طبيعته التفلت، وحينما يعرف أنه إذا زنى فلابد أن يلقى في ساحة عامة، وأن يجلد على مرأى من الناس مائة جلدة، فإنه يعد للمليون قبل أن يزني، وفي الحديث:

((إِنَّ اللهَ لَيَزَعُ بِالسُّلْطَانِ مَا لاَ يَزَعُ بِالْقُرْآنِ))

أي ليمنع بالسلطان عن ارتكاب الفواحش والآثام ما لا يمتنع كثير من الناس بالقرآن، وما فيه من الوعيد الأكيد والتهديد الشديد، وهذا هو الواقع.

[تفسير ابن كثير(3/60)]

فلو أن ربنا سبحانه وتعالى قال: الزاني فاجلدوه مئة جلدة لشمل هذا الحكم الزانية على طريقة القرآن الكريم في كل الآيات، ولكن هنا لئلا يتوهم بعضهم أن الزاني هو وحده المعاقب، بينما الزانية لم يكن دورها إيجابيا، فإن الزانية جرمها في الزنى لا يقل عن جرم الزاني، لذلك فإن ربنا سبحانه وتعالى لو قال من باب التأكيد: الزاني فاجلدوه مئة جلدة، لانطبق هذا الحكم على الزانية، ولكن لئلا نقع في التباس، لئلا يفهم من هذا الحكم أن المرأة إذا زنت فلا شيء عليها فإنه سبحانه وتعالى يقول:

﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ﴾

لكن هناك آية في سورة النساء قال الله فيها:

تنبيه مهمٌّ: هذا حد للزنا منسوخٌ:

﴿ وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾

( سورة النساء:الآية 15)

هذه الآية في سورة النساء كان مضمونها أن المرأة إذا زنت يجب أن تحبس في البيت حتى يتوفاها الله، ويجب أن تؤذى بالكلام، هذا الحكم نسخ بهذه الآية، لماذا نسخ ؟ لأن ربنا عز وجل حكيم، الأشياء التي كانت مستحكمة في الجاهلية كالخمر، والزنى جاء تحريمها تدريجيا، لأن النقلة المفاجئة قد تسبب صعقاً، وهذا تعليم لنا، الزنى كان متفشيا في الحياة الجاهلية، بل إن الزانية كانت تضع على بيتها علامة تفتخر بها، بل إن الرجال كانوا يشتركون في امرأة واحدة زواجا، فكان هناك فوضى في العلاقات الزوجية، لذلك فإنه سبحانه وتعالى بدأ بهذا التعذير، أن تحبس المرأة الزانية في البيت حتى يتوفاها الموت، فلما نزلت هذه الآية نسخت تلك الآية، وهذا النسخ معناه التدريج في التشريع، كيف ؟ إن الله سبحانه وتعالى قال:

﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾

( سورة النساء:الآية 43)

ثم جاء التحريم القطعي، كيف كان التدريج في تحريم الخمر، كذلك كان التدريج في حد الزنى، من تعزير بمثابة حبس في البيت حتى الموت، إلى الجلد مائة جلدة، على كل هذا حد الزاني الحر، لأن للزنى إذا اقترفه العبد حكم آخر، وحد الزاني الحر البالغ البكر أيْ غير المحصن، غير المتزوج حده وحد الزانية الحرة البالغة البكر مائة جلدة، فلو فرضنا أننا أردنا أن نبحث عن أسباب مخففة لهذا الزاني الحر، البالغ، العاقل، البكر، لو أردنا أن نبحث له عن بعض المخففات لوجدناه بدافع الشهوة، بدافع الحرمان، بدافع الضغط، لذلك حده مائة جلدة، لكن هذا الزاني المحصن الذي أكرمه الله بزوجة فما عذره ؟ ليس له عذر، ضغط الشهوة لا أصل له، فهذا الشيء محقق عنده، ولكنه الفساد في الأرض، ولكنه إفساد العلاقات الزوجية، ولكنه تضييع للأنساب، وانتهاك الحرمات، ولكنه العدوان على زوج هذه المرأة، العدوان على زوجها، والعدوان عليها بأن جعلها زانية، والعدوان على أولادها بالتشريد، والعدوان على نفسه بجريمة الزنا، إن هذا الزاني المحصن ثبت في السنة أن حده الرجم حتى الموت، وبعضهم يستنبط من قوله تعالى:

﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا﴾

( سورة المائدة:الآية 33)

حتى الموت.

أحكام فرعية متعلقة بحد الزنى:

لكن هناك بعض الأحكام الفرعية المتعلقة بالزنى.

1 – مسألة الجمع بين الجلد والرجم:

أولا: هناك خلاف حول الجمع بين الجلد والرجم، والجمهور على أنه لا يجمع، فبعض الفقهاء رأوا أن الزاني المحصن يجلد، ويرجم، بينما جمهور العلماء يرى أنه يرجم فقط من دون جلد.

2 – مسألة الجمع بين الجلد والتغريب:

وهناك خلاف حول تغريب الزاني غير المحصن مع جلده، والتغريب أن ينفى من مدينته، هذا الموضوع أيضا خلافي.

3 – مسألة حد الزاني المملوك:

وهناك خلاف حول حد الزاني غير الحر.
هذه ثلاثة موضوعات خلافية تترك لكتب الفقه، ولبعض الموسوعات الفقهية، ما هو حد الزاني غير الحر ؟ وهل يغرب الزاني غير المحصن مع الجلد ؟ وحول الجمع بين الجلد والرجم حتى الموت، وقد ثبت هذا بالسنة المطهرة.

﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾

الحكمة من تقديم الزانية في الذِّكر:

لماذا قدمت الزانية ؟ قال القرطبي في تفسيره: " قيل: لأن الزنى في النساء أعر، هو لأجل الحبل أضر، وقيل لأن الشهوة في المرأة أكثر، وعليها أغلب فصدَّرها تغليظا لتردع شهوتها، وإن كان قد ركب فيها حياء، ولكنها إذا زنت ذهب الحياء كله، وأيضا فإن العار بالنساء ألحق، إذ موضوعهن الحجب والصيانة، فقدم ذكرهن تغليظا، واهتماما ".

[القرطبي في تفسيره]

لذلك بدأ ربنا سبحانه وتعالى بالزانية لأنها الأصل في جريمة الزنى.

الحكم شامل لعموم الزنا:

شيء آخر:

﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾

هذه الألف واللام هذه أل الجنس، أيْ: أيّة زانية، وأيّ زان كائنا من كان إذا زنا في ديار المسلمين يجب أن يجلد إذا كان غير محصن، ويجب أن يرجم إذا كان محصنا، هذه إشارة دقيقة، الآن الدول قوانينها نافذة على أرضها في حق كل إنسان يطأ أرضها، سواء أكان من جنسيتها، أم من غير جنسيتها، فلو فرضنا أن إنساناً غير مسلم زنى فيجب أن يقام عليه الحد، ما دامت واقعة الزنى تمت في ديار الإسلام، هذه إشارة دقيقة جدا، فكل من يسكن مع المسلمين يجب أن يلزم حدودهم، ويجب أن يطيع تشريعهم، ويجب أن يدفع ثمن المخالفة، الآن أي إنسان ولو كان غير مسلم إذا سرق تقطع يده، ما دامت هذه السرقة تمت في بلاد المسلمين، لذلك الزانية والزاني، أيْ جنس الزاني، وجنس الزانية، كائنا من كان، مسلما أو غير مسلم، فاجلدوهما، فهذه الألف واللام تسمى في علم النحو ألف الجنس، تقول: الحديد، أيْ جنس الحديد، النحاس، قلْ: نحاس، لا، النحاس أيْ جنس النحاس على وجه الأرض، وخصائصه كذا وكذا.

إقامة الحدود من اختصاص السلطان:

شيء آخر ؛ كلمة:

﴿فَاجْلِدُوا﴾

لم يقل الله: فاجلد، قال:

﴿فَاجْلِدُوا﴾

لماذا كان وجه الخطاب إلى المجموع ؟ لأنّ كل خطاب موجه إلى مجموع المسلمين معناه أن أولي الأمر الذين أنيط بهم الأمر عليهم أن يطبقوه نيابة عن المسلمين، مادام المسلمون قد ارتضوا زيدا أو عبيدا ليدير شؤونهم، فهذا الإنسان موكل بتطبيق حد الزنى، لذلك هذا الحد لا يجوز أن يطبق من آحاد المسلمين، هذا الحد يطبق من قبل أولي الأمر فقط، فلا يجوز أن يقول شخص: إذا شاهدت شخصاً يزني فسأجلده ‍‍‍!! من أنت ؟ أنت من آحاد المسلمين، هذا الحد لا يطبق إلا من قبل أولي الأمر، وحتى تريح نفسك فالحدود منوطة كلها بأولي الأمر وحدهم، فالإنسان يفكر إذا ظن بأنه مسلم يجب أن يقيم حد الله ما دام مسلماً، هذا الكلام مرفوض.

﴿الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾

حتى إن الله حينما يقول:

﴿وَأنَكْحِوُا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾

( سورة النور:الآية 32)

كلمة:

﴿وَأنَكْحِوُا﴾

تعني على أولي الأمر أن ييسروا سبل الزواج، هذا أمر موجه إلى الأمة، وبالتالي إلى من يلي أمور الأمة، فتيسير الزواج للشباب هذا العمل من أوائل أعمال أولي الأمر.

أأَنتم أرحمُ أم الله ؟

﴿وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾

فلعل هذه الرأفة رأفة مزيفة، أأنتم أرحم أم الله ؟ هو الخالق، هو الرحمن الرحيم، هو الذي يعلم كل شيء، هو الخبير بنفوس عباده، لذلك هذه الرأفة لا معنى لها، هي رأفة ساذجة، قال تعالى:

﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾

( سورة البقرة:الآية 179)

فحياة المجتمع تقوم على إقامة الحدود، فإذا أقيم حد السرقة، وحد الزنى، عاش الناس في بحبوحة، وفي أمن، وسلام، وطمأنينة.
هناك إشارة في سورة الإسراء متعلقة بالزنى، يقول الله عز وجل:

﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً (31) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً (32) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾

( سورة الإسراء:الآيات 31-33)

الحكمة من ورود النهيِ عن الزنا بين آيتي النهي عن قتل النفْس:

هنا سؤال، لماذا جاء النهي عن الزنى بين آيتي النهي عن القتل ؟

﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ﴾

﴿وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾

ثم جاء النهي بينهما عن الزنى، فقد استنبط بعض العلماء أن الزنى بمثابة القتل، ولكنه قتل معنوي، فالمرأة إذا زنت تكون وكأنها قُتِلَت، وكأنها انهارت، وفقدت مكانتها، وكذلك الرجل، فلذلك لشدة العناية بهذه الفضيلة ؛ فضيلة العفاف جاءت جريمة الزنى بين جريمتي القتل، وكأنه قتل معنوي، إذا كان القتل المادي إزهاقَ الروح، فالقتل المعنوي تضييع النفس، واضمحلالها، وذهاب كرامتها، وشأنها، وعزتها.
هذا شيء.

أسلوب التهييج: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ

والشيء الآخر:

﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾

فهذه الآية هي أسلوب التهييج، أقول له: إذا كنت رجلاً فافعل ذلك، إذا كنت مؤمنا حقا فأقم الحد،

﴿وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾

لأنّ من لوازم المؤمن أن يبتعد عن الزنى، ومن لوازم المؤمن أن يقيم هذا الحد

حد الزنا عقوبة للزاني وردع للباقي:

﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾

لماذا قال العلماء: المشاهدون ؟ في الحقيقة أن الإنسان يتلقى أحيانا ضرباً، فإذا تلقى هذا الضرب وحده من الضارب فالألم مادي فقط، ولكن إذا تلقى هذا الضرب أمام ملأ من الناس يعتقد أن الألم يتضاعف آلاف، بل ملايين الأضعاف فعندنا ضرب، وعندنا إهانة، فربنا عز وجل لا يقصد ضرباً مؤلماً إلى درجة أنه يؤذي، ولكن أن يوضع الإنسان في ساحة عامة، وأن يجلد على ملإٍ من الناس، فلان أعوذ بالله، يا لطيف، فلان يجلد، أين شأنه ؟ أين كرامته ؟ أين عزته ؟ فهذا عقاب رادع، عقاب مخيف.

﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾

وهناك شيء آخر، فهؤلاء المشاهدون حينما يرون الرجل قد ألقي على الأرض، وقد انهالت عليه السياط، وقد شعر بالألم والهوان معا صار المشاهدون يحسبون ألف حساب لجريمة الزنى قبل أن يقدموا عليها، وكأن هذا الحد إذا أقيم على ملإٍ من الناس كان بمثابة التطعيم ضد مرض الزنى، فكما أنّ الإنسان يتلقى بعض المصول فيحصن من بعض الأمراض، كذلك إذا رأى منظر جلد الزاني، فلربما كان هذا الجلد تلقيحا له ضد مرض، أو جريمة الزنى.

﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾

من ثلاثة إلى ألف.
إذًا:

﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾

أسلوب تهييج، إذا كنت كذا فافعل كذا، فهو مؤمن قطعا، المخاطب مؤمن، ولكن هنا يستثير الله حماسته، ونخوته، وقواعد إيمانه، فلعله يبتعد، أو ينطلق إلى إقامة حد الله عز وجل.

﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾

وإن شاء الله في الدرس القادم نتابع تفسير قوله تعالى:

﴿الزَّانِي لاَ يَنْكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنْكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾

( سورة النور:الآية 3)

هذا ما يحدث في الغرب فاتَّعِظوا:

هناك بعض الأشياء الطريفة في أمريكا، حيث ترتكب في كل 30 ثانية جريمة قتل، أو اغتصاب، أو سرقة.
أعطاني أخ كريم بعض الكلمات مقتطفة من جريدة الثورة تفيد أن نتائج دراسة أجراها معهد لاستطلاع الرأي في هامبورغ، أن امرأة ألمانية غربية من كل اثنتين تقريبا تخون زوجها، أيْ خمسين بالمئة، امرأة من كل اثنتين تخون زوجها، وأن واحدة من كل عشرة تقريبا لها عشيق منتظم، وأن النساء المتزوجات يخن أزواجهن، وهناك تفصيلات أخرى، على كل يعني حينما يطلق للإنسان العنان، وحينما لا تقام حدود الله عز وجل يصبح المجتمع كله فوضى، فكما جاء النبي إلى قومه في الجاهلية، والحياة فيها فوضى، إذاً تعود الحياة أحيانا إلى نوع من الفوضى لا ينقذها منها إلا إقامة حدود الله.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018