الدرس : 4 - سورة السجدة - تفسير الآيات 8 - 14 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 4 - سورة السجدة - تفسير الآيات 8 - 14


1991-09-06

 الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الأكارم، مع الدرس الرابع من سورة السجدة، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ﴾

( سورة السجدة )

الصنعة تدلُّ على الصانع:

 مِن الثابت أيها الإخوة أن الصنعة تدلُّ على الصانع، وأن النظام يدل على المنظِّم، وأن الكون يدل على المكوِّن، وأن الخلق يدل على الخالق، فإذا أردت أن تعرف الله عزَّ وجل فدونك الكون، فانظر إلى الكون..

﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾

( سورة السجدة: آية " 7 " )

 أي أن يخلق الكون صدفةً فهذا من سابع المستحيلات، وهذا تنفيه كل الأدلَّة العقلية، إذاً: هذا الكون له مكوِّن، فإذا تأمَّل الإنسان تأملاً دقيقاً، وقال: هذا الكون خلقه إلهٌ عظيم، لماذا خلقه ؟ وماذا يريد مني ؟ وماذا بعد الموت ؟ وإذا كان الإنسان يملك فكرةً صحيحةً عن حقيقة الكون، وعن حقيقة الحياة، وعن حقيقة الإنسان، إذا عرف إجابات هذه الأسئلة الثلاثة عندئذٍ يكون قد بدأ السير على طريق الإيمان.

﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾

 فالآية الكريمة في سورة الملك:

﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ﴾

( سورة الملك: آية " 3 " )

الَّذي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ

 ففي الخلق إحكام دقيق، وأيُّ شيءٍ خلقه الله كاملٌ في الخلق، كاملٌ في الصفات، قال ربنا عزَّ وجل:

﴿ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾

( سورة السجدة: آية " 7 " )

 أي أن مخلوقاته جميعاً ؛ النباتات، الحيوانات، الإنسان، الجمادات، كل شيءٍ أودع الله فيه الخواص التي يؤدِّي بها مهمته أداءً كاملاً، الإنسان أحياناً بحاجة إلى معدن يتمدد عندما يبرُد، وهذه الخاصة في الرصاص على عكس القانون العام، إذاً خلق الله الرصاص، فهذا المعدن يحتاجه الإنسان وهو في أَمَسِّ الحاجة إليه، ومن خصائصه التمدد عند التَبَرُّد، والإنسان بحاجة إلى معدن خفيف، إلى معدن متين، إلى معدن قاسٍ، فكل أنواع المعادن أعطاها الله خصائص، لو درس الإنسان خصائص المعادن لشعر أن الله سبحانه وتعالى إنما خلقها على هذه الصفة تكريماً وتسخيراً له.

﴿ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾

مِن تفصيلات هذه الآية:

 والحقيقة أن تفصيل هذه الآية يحتاج إلى وقتٍ طويل:

 

1 – العين:

 فالعين مثلاً تندرج تحت قوله تعالى:

 

﴿ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾

 فالعين لها جسم بلوري، وهذا الجسم البلوري من شأنه أنه مرن، ومعنى أنه مرن أي إذا جاء الخيال بعد الشبكية أو قبل الشبكية، ضغطت عليه عضلاتٌ هُدْبية حتى تجعل الخيال على الشبكية، هذه العملية عملية المطابقة من أعقد العمليات في العين، من يجريها ؟ الله سبحانه وتعالى تصوَّر عدسة ضع أمامها شمعة، وأمسك لوحةً من الورق المقوَّى، وحرِّك هذه اللوحة إلى أن يرتسم عليها ظِلُّ، أو شكل الشمعة، هذه المسافة بين العدسة والورق المقوَّى هي المحرق، مسافة المحرق، لو أن هذه الشمعة حركتها قليلاً لتلاشى خيالها على الورق المقوى، إذاً ماذا نفعل حتى نعيد هذا الخيال ؟ لا بدَّ من تحريك الورق المقوى أو تحريك الشمعة، وهذا في العين يستحيل أن تحرك الشبكية أماماً أو خلفاً، ما الذي يجب أن يكون ؟ هذا الشيء المعجز أن الجسم البلوري ( العدسة ) في العين مرنة، يزداد احتدابها أو يقلّ حتى ينطبع على الشبكية خيال الأجسام المرئية، هذه العملية لو كلفنا إنساناً يحمل دكتوراه في الضوء لما استطاع أن يقوم بها لشدة تعقيدها، ولكن كل إنسان قد يتابع كرةً تطير بين أيدي اللاعبين، هذه الكرة تقع دائماً على شبكية العين، هذه العين وحدها ما أُلِّف عنها من كتب يفوق حدَّ الخيال، بدءاً من قرنيتها الشفافة إلى قُزحيتها ذات الفعل المنعكس، فهذه القزحية تتسع إذا قل الضوء، وتضيق فتحتها إذا كثر الضوء، اتساع الحدقة وضيق الحدقة عملٌ لا إرادي، حتى إن من علامات الحياة إذا شكَّ الطبيب في موت إنسان يسلط على عينه ضوءاً شديداً، فإذا ضاقت الحدقة فهناك حياةٌ في الإنسان، لوجود ردود فعل، وإذا لم تضق الحدقة فهذه علامةٌ من علامات الموت، إذاً القرنية الشفافة التي تتغذى بالحلول، إلى القُزحية ذات الفعل المنعكس، إلى الجسم البلوري المرن الذي يزداد احتدابه، ويقل احتدابه من دون أن تدري، من أجل أن ينطبع الخيال على الشبكية، إلى السائل الزجاجي ذي قرينة الانكسار الخاصة، إلى الشبكية ذات العشر طبقات، وفيها مئة وثلاثون مليون عصية ومخروط، إلى عصبٍ بصري يخرج منه تسعمئة ألف عصب، لكل عصب غِمْدٌ يُغَلِّفه، هذه العين التي خلقها الله و:

﴿ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾

2 – الأُذن واللسان:

 فكِّر في الأذن، فكِّر في اللسان، كُلُّ حرفٍ قد تسهم فيه سبع عشرة عضلة، هذه الحروف التي ننطق بها يسهم في تكوينها عضلاتٌ كثيرة، فحينما تلقي كلمة، أو تلقي الخطبة كل حرفٍ يحتاج إلى عددٍ كبير من العضلات انبساطاً وانقباضاً، في تشكيله:

﴿ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾

3 – العظام:

 هذه العظام التي خلقت فيها خلايا تنمو، فإذا بلغت النمو المطلوب توقفت عن النمو وهجعت، فإذا كُسِر العظم بعد ثلاثين عاماً مثلاً تستيقظ هذه الخلايا، وتُعيد بناء العظام من جديد:

 

﴿ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾

 

 أنت أمامك جسمك، فإذا أردت ألا تبتعد، وأردت أن تكون واقعياً، إذا أردت أن ترى آيات الله عزَّ وجل بين يديك ماثلةً صارخةً واضحةً ففكِّر في جسمك، فكر في رأسك، هذه الحواس، هذه العضلات، هذه الأعصاب، هذه الأوعية، هذه الشرايين، هذه الأعضاء، هذه الأنسجة، يوجد نسيج لحمي معين، ونسيج عضلي، ونسيج عصبي، كلُّه يتلقَّى الغذاء من القلب، هذه عناوين موضوعات.
 فحركة اليد، ما طبيعة الحركة ؟ كيف تتقلَّصا لعضلة ؟ كيف تأتمر ؟ من يأمرها ؟ من ينفِّذ هذا الأمر ؟ كيف يتلقَّى الإنسان أو الدماغ المعلومات من المحيط عن طريق الحواس ؟ فكل شيء له نظام خاص به. كيف يتوازن الإنسان على قدمين لطيفتين ؟ لمَ لا يقع ؟ لمَ إذا مات وقع ؟..

﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾

( سورة السجدة )

 الله عزَّ وجل خلق سيدنا آدم من طين..

﴿ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾

( سورة السجدة )

أقوال العلماء في معنى: السُلاَلَة

 ماذا تعني كلمة ( سُلالة ).
 المعنى الأول:
 بعضهم قال السلالة تعني الخلاصة.
 المعنى الثاني:
 وبعضهم قال السلالة: الخواص، أي جعل نسل الإنسان من ماءٍ، هذا الماء الذي يفرزه الإنسان، يتمُّ تصنيعه في ثمانية عشر يوماً، وتُعَطَّل فاعليَّته إلى أن ينطلق من مكانه، إذا انطلق من مكانه تحرَّك عن طريق ذيلٍ وعنقٍ ورأسٍ مدبب، وفي مقدمة الرأس مادةٌ نبيلةٌ شفَّافةٌ تخترق جدار البويضة، فهذا الماء المهين الذي يُصَنَّع في ثمانية عشر يوماً، والذي لحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل تعطل فاعليته إلى حين انطلاقه من عقاله، هذا الحيوان إذا مضى عليه ساعة أو ساعتان يموت، فمن جعله ينطلق من عقاله ؟ ومن أعطاه الفاعلية حينما ينطلق ؟ لو أنه وهو مخزنٌ في الخصيتين أعطي الفاعلية لمات في مستودعاته، إذاً حينما ينطلق تُعطى فاعليته، فإذا عاش ساعتين أو أكثر فقَد فاعليته ومات، إذا وصل إلى البويضة حوينٌ قويٌ، ولَقَّح البويضة تشكَّل الإنسان من هذه البويضة الملقحة، إذاً ربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾

 

( سورة السجدة )

 خلاصة من ماءٍ مهين..

﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾

( سورة الإنسان )

 نطفة أمشاج، أي أن هذه النطفة عليها معلومات، خمسة آلاف مليون معلومة، وهذه البويضة عليها معلومات خمسة آلاف مليون معلومة، وقد جعل الله البويضة كبيرةً لتكون هدفاً للحوين، ولحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل، جعل البويضات التي يُطلقها مبيض المرأة محدودةً، أي أن هذه البويضات تنتهي في سن اليأس، لو أن البويضات شأنها كشأن الحوينات تنطلق إلى آخر العمر لكان وقع الحمل في سن الثمانين، وفي السبعين، وفي التسعين، وفي الخامسة والتسعين، لكن حكمة الله عزَّ وجل جعلت عدد البيوض في المرأة محدوداً، فإذا انتهى عدد البيوض التي أودعها الله في مبيض المرأة جاء سن اليأس، وتوقَّف الحمل، بينما الحوين الذي يُفْرِزه الرجل يستمر في الخروج حتى نهاية الحياة، هذه حكمةٌ بالغة من حكم الله سبحانه وتعالى، إذاً بَدْءُ خلق الإنسان من طين، وأما نسل بني آدم:

﴿ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾

معنى: مَاءٍ مَهِينٍ:

 ومعنى ماءٍ مهين كما قال بعض المفسرين: هو الماء الضعيف، معنى ضعيف، أيْ أنَّ أيَّ عَرَضٍ يصيبه يجعل هذا الحوين ميتاً، فهو يحتاج إلى وسط معين، يحتاج إلى سيولة معيَّنة، إلى غذاء معين، فحينما يخرج هذا الماء من مكانه، وينتقل عبر القنوات يصل إلى نقطة، أو إلى مكان، أو إلى منعطف هو منعطف البروستاتة، هذه الغدة التي تفرز مادة مطهرة، ومادة معطِّرة، ومادة مغذية تسبح فيها الحوينات، هذا صنع من ؟ البروستاتة تُغلق مجرى البول حينما يخرج ماء الحياة، وتغلق مجرى ماء الحياة حينما يخرج البول، إذا خرج البول ليسير في الطريق الذي خُصِص له تفرز البروستاتة مادة قلوية تتعادل مع المادة الحامضية، فإذا خرج ماء الحياة.. الطريق فيه بول.. تفرز البروستاتة مادة مطهرة، وبعدها مادة معطِّرة، وبعدها مادة مغذية، وهذه الغدة تعمل ثمانين عاما أو أكثر من دون كللٍ أو ملل، فإذا كان هناك إفراطٌ أو تفريطٌ تتضخم وتلتهب، هذا صنع من ؟

﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾

 لو أردت أن تقف عند خصائص الإنسان لوجدت العجب العجاب.

﴿ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) ﴾

( سورة السجدة )

 ماءٌ ضعيف، أو ماءٌ مُمْتَهن فالإنسان يستحيي من هذا الماء إذا ظهر على ثوبه، وكُلُّنا من هذا الماء، لحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل أن الإنسان يخرج من عورةٍ، ويدخل في عورةٍ، ثم يخرج من عورة، ويشكَّل من ماءٍ مهين، فعلامَ الكبر ؟ لذلك جاء في بعض الأحاديث الشريفة:

 

(( ويلٌ لعبدٍ سها، ولها، ونسي المبتدا والمنتهى، ويلٌ لعبدٍ طغى، وبغى، ونسي الخلاَّق الأعلى ))

 الرب الكريم.

 

﴿ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ﴾

( سورة السجدة: آية " 9 " )

تسوية الله للإنسان:

 التسوية دقيقة جداً، التسوية أوضحتها بمثل: أن الإنسان لو أراد أن يضع مركبته في مرآب ( كراج ) بالتعبير الشائع.. يجب أن يكون حجمه مسوًّى مع حجم المركبة، أكبر بقليل، أعلى بقليل، أطول بقليل، فلو لم تكن هناك تناسبات بين حجم هذه الغرفة وحجم المركبة لما كان هذا المكان صالحاً لمبيت هذه السيارة، إذاً ليس مسوًّى، التسوية هي التناسب، فالإنسان جعل الله له يدين، اليد من حيث طولها، ومن حيث مفاصلها، ومن حيث رسغها، ومن حيث الأصابع، وطول الأصابع، ومن حيث الكف، باطن الكف وظاهر الكف، هذه التجاعيد، وهذه الأطوال المختلفة، وهذه السُلاميات، وهذا المكان الذي لا شعر فيه، وهذه الخطوط على رؤوس الأنامل، هذه كلها تسوية، وهذه المفاصل ذات الاتجاه الداخلي.
 والرِجل لها تركيبٌ آخر، عظام الفخذ، وعُنق الفخذ، وعلاقتها بالحوض، والركبة، وطبيعة الركبة، ومِشط الرجل، هذه التسوية، أي نظامٌ بديع يتوافق مع أحدث أو مع أدق النظريات الميكانيكية:

﴿ ثُمَّ سَوَّاهُ ﴾

 بعد أن صار هذا الجنين كائناً بشرياً له رأسٌ، وله عينان، وله سمع، وله فم، وله لسان، وجهاز هضم، وجهاز دوران، وجهاز أعصاب، وجهاز إفراز، وجهاز تعرُّق، وعضلات وعظام:

﴿ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ﴾

ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِه

 إذا دبَّت فيه الحياة، وتحرَّك، ونبض قلبه:

﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ﴾

( سورة السجدة )

الحكمة مِن خلق الحواس في الإنسان:

 طبعاً السمع والأبصار والأفئدة كما قال بعض المفسرين: إنما هي حواس أودعها الله في الإنسان ليتعرَّف بها إلى خالق الأكوان، فبالعين ترى الكون، وبالأذن تستمع إلى الحق، وبالفؤاد الذي إذا جاء مع السمع والبصر يعدُّ الفِكر الذي أودعه الله في الإنسان، فهذه العين وهذه الأذن، وهذا الفكر مناط التكليف:

﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ﴾

 بالعين ترى آيات الله الدَّالة على عظمته، وبالأذن تستمع إلى كلام الله عزَّ وجل، وإلى سنَّة نبيه، بالعين والفكر تعقل، وبالأذن تسمع، وأنت أمام آياتٍ تحتاج إلى تفكُّر، وبين نقلٍ يحتاج إلى تدَبُّر، النقل عن طريق الأذن يحتاج إلى تدبر، والكون عن طريق العين يحتاج إلى تفكُّر، فمن خلال الكون تتعرف إلى الله عزَّ وجل، ومن خلال الأذن تتعرف إلى أمره ونهيه فتعبده، إذاً مجيء السمع والبصر والفؤاد هذه ثلاثة ؛ حاستان وجهازٌ مُعَقَّدٌ جداً، وهو الفكر، هذه الحواس مناط التكليف، بالعين والفكر تتأمل في آيات الله التي بثَّها في الكون فتعقل، وبالأذن تتدبَّر أوامره ونواهيه فتعبده، فلا بدَّ من اجتماع الفكر والعين والسمع:

﴿ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ﴾

لكن تأمَّلْ: قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ

 أي لو نظرت قليلاً، لو استمعت قليلاً، هذا الأعرابي الذي سأل النبي عليه الصلاة والسلام قال: يا رسول الله عِظْني، ولا تطل، فتلا عليه قوله تعالى:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾

( سورة الزلزلة )

 قال: كُفيت، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( فَقُهَ الرجل))

 القضية أبسط مما تتصورون، القضية آيةٌ واحدٌ تكفي، حديثٌ واحدٌ يكفي، في القرآن والسنة آياتٌ لا تزيد على أصابع اليد تكفيك طَوال الحياة، وأحاديث أيضاً لا تزيد على أصابع اليد تكفيك طوال الحياة.

﴿ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ﴾

 أي إذا سمعت قليلاً يكفيك، إذا تأمَّلت قليلاً يكفيك، إذا تفكَّرت قليلاً يكفيك.

﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ﴾

 إذاً هذا الكون سخَّره الله لك تسخير تعريف، وتسخير تكريم ؛ فماذا ينبغي أن تفعل ؟ ينبغي أن تؤمن، وينبغي أن تشكر، ولن تشكر قبل أن تؤمن، إذا آمنت شكرت، فإذا آمنت، وشكرت فقد حققت المُراد الإلهي، لأن الله عزَّ وجل يقول:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

( سورة النساء: آية " 147 " )

 أي إذا آمنت، وشكرت فقد حققت المُراد، فإن لم تشكر فمعناها لم تؤمن، لا تشكر إلا إذا آمنت، إذا آمنت فعلاً شكرت ومن لوازم الإيمان الشكر، والآن مقولة الكفار:

﴿ وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ ﴾

( سورة السجدة: آية " 10 " )

مقولة باطلة في إنكار البعث: أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ

 أي إذا متنا، ودُفِنا تحت الأرض، وأصبحنا تراباً، واختلط جسمنا البالي بتراب الأرض:

﴿ وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ ﴾

 معنى ضللنا أي دُفِنا، غُيِّبنا في باطنها، وكذلك معنى ضللنا، أي اختلط تراب جسمنا بتراب الأرض، وكلا المعنيين صحيح:

﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾

( سورة السجدة: آية " 10 " )

 أيْ أيعقل بعد أن تفنى أجسامنا، وتصبح تراباً مختلطاً بتراب الأرض أنخلق ثانيةً من جديد لنحاسب ؟

﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾

( سورة السجدة )

 أيْ أن يخلق الإنسان مرةً ثانية ليحاسب على أعماله كلها ؛ خيرها وشرها، جَيِّدها وسيئها، صالحها وطالحها، هذا شيءٌ يكفرون به، مع أن الله سبحانه وتعالى من أسمائه الحق، ومن الأدلة على اليوم الآخر أن الإنسان في الحياة قد يكونُ قوياً، وقد يطغى في قوته، وقد يكون ضعيفاً فيظلم في ضعفه، وقد يكون غنياً، وقد يكون فقيراً، وقد يكون صحيحاً، وقد يكون مريضاً، ويأتي الموت عند هذه الأوضاع غير المتكافئة، ألا ينبغي أن تكون هناك حياةٌ أخرى تسوَّى فيها الحسابات، يؤخذ من القوي للضعيف، ألا ينبغي أن يقيم الله عزَّ وجل حياةً أبديةً يجازي فيها المحسن على إحسانه، والمسيء على إساءته ؟ لذلك كما يقولون: " وزعت الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء، وسوف توزَّع في الآخرة توزيع جزاء ".

﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾

الكفر نوعان: جليٌّ وخفيٌّ:

 لذلك فالكفر أيها الإخوة نوعان، كفر جلي وكفر خفي:

 

الكفر الخفي:

 فإن لم تجد في عمل الإنسان اليومي ما يؤكِّد إيمانه باليوم الآخر فهو كافرٌ باليوم الآخر كُفراً خفياً، أضرب على هذا مثلاً: لو أنَّك زرت طبيباً، وعالجك علاجاً جيداً، وكتب لك وصفة، قد تصافح الطبيب، وقد تشكره على عنايته بك، ولكن لمجرَّد أنك لا تشتري هذا الدواء فلست إذاً واثقاً من علم هذا الطبيب، فعدم شراء الدواء تكذيبٌ لعلمه، ولو أثنيت على علمه، فالتكذيب نوعان تكذيبٌ جلي، وتكذيبٌ خفي مبطن، فإذا قلت: أنا مؤمن بالجنة والنار، أنا مؤمنٌ باليوم الآخر، ولم تعمل لليوم الآخر، ولم نجد في حركتك اليومية ما يدل على خوفك من النار، ولا طمعك في الجنة، فنقول: إنك تكذِّب باليوم الآخر تكذيباً عملياً، لا تكذيباً قولياً، فلذلك:

 

﴿ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾

 لمجرد أن تعمل للدنيا وحدها، لمجرد أن تأكل مالاً حراماً ليس لك، لمجرَّد أن تتحرك بلا ضابط وبلا منهج وبلا قيم، لمجرَّد أنك لا تأتمر بما أمر الله، ولا تنتهي عما نهى الله، لمجرد أنك تعصي الله، ولا تنوي أن تتوب من هذه المعصية، لمجرد أنك مقيمٌ على معصية الله فهذا يؤكِّد عدم إيمانك باليوم الآخر، ولو آمنت باليوم الآخر حق الإيمان لاختلفت كل علاقاتك اليومية، لاختلفت كل حياتك، لظهر هذا واضحاً في سلوكك، لذلك الذي يؤمن بالآخرة يقول لك: هذه حرام لا أفعلها، والله إني أخاف الله رب العالمين، هذه معاذ الله أن أفعلها، هذه لا تجوز، إذاً بحياتك ورع، وبحياتك خوف، هذه لا أفعلها، وهذه لا أقبلها، وهذه لا تُرضي الله، وهذه أعاقب عليها يا أخي، أما الذي يفعل ما يشتهي، ويتحرَّك كما يحلو له من دون قيدٍ ولا شرطٍ، ولا منهجٍ ولا ضابطٍ، هذا يجب أن يؤكِّدَ لنفسه أنه ليس مؤمناً باليوم الآخر:

﴿ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾

 حتى لا يغش الإنسان نفسه، هناك نوع من الناس يشكلون نموذجاً مشاعاً الآن:
 وهذا النموذج إنسان مسلم بالانتماء، يحب أن يسمع كلام الحق، يحب أن يحضر مجالس علم، عنده عواطف إسلامية، إذا سمع نشيداً يتأثَّر، لكن تجد أفكاره في واد وأعماله في واد، هذا النموذج لا يُجدي، ولا تقوم عليه أمةٌ قوية، لا يقوم المجتمع الإسلامي الصحيح إلا على أفراد متمسكين بمبادئ الإسلام، لذلك:

﴿ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾

الكفر الجلي:

 وإما أن يكون الكفر جلياً، فيقول الإنسان: أنا لست قانعاً باليوم الآخر، وهذا كفرٌ به جلي، وإما أن تعلن بلسانك أنك مؤمنٌ باليوم الآخر، وليس في العمل ما يؤَكِّد ذلك، وهذا كفرٌ خفي، فالتكذيب جليٌ وخفي:

﴿ وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ﴾

( سورة السجدة )

 كل مخلوقٍ يموت، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت.

 

الليل مهـما طال فلابدَّ  مـن طـلوع الـفجر
والعمر مهما طال فلا  بدَّ من نزول القــبر
***
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته  يوماً على آلةٍ حدباء محمولُ
فإذا حملت إلى القـبور جنازةً  فاعلم بأنك بعـدهـا محمول
***

 

﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ ﴾

( سورة السجدة: آية " 11 " )

 ما منا واحدٌ أيها الإخوة إلا وهو يصدِّق بأن الموت حق، لكن الفرق بين المؤمن وغير المؤمن أن المؤمن يستعدُّ لهذا اليوم، بينما غير المؤمن يفاجئه ذلك اليوم، يأتيه على غير موعد، ويأتيه على غير استعداد، لذلك يُصْعَقُ الكافر حينما يأتيه ملك الموت، عندئذٍ يقول:

﴿ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾

( سورة الفجر )

 عندئذٍ يقول:

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾

( سورة المؤمنون )

 عندئذٍ يندم بعد فوات الأوان:

﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾

( سورة السجدة )

 ترجعون لتحاسبوا على أعمالكم كُلِّها، خيرها وشرها، جليلها وحقيرها، صالحها وطالحها، هذا معنى قوله تعالى:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8) ﴾

( سورة الزلزلة )

 العمل مهما بدا لك صغيراً فستحاسب عليه.

 

مشاهد من يوم القيامة: صورة من ذل المجرمين:

 الآن ربنا عزّ وجل ينقُلنا إلى مشهدٍ من مشاهد يوم القيامة:

 

﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾

( سورة السجدة: آية " 12 " )

 لو شاهدت يا محمد هؤلاء المكذِّبين، هؤلاء المُعاندين، هؤلاء المستكبرين، هؤلاء المكذبين، لو شاهدتهم يوم القيامة، وهم ناكسو رؤوسهم ؛ خجلاً، وخزياً، وشعوراً بالعار..
 إن العار ليلزمُ المرءَ يوم القيامة حتى يقول: يا ربِ لئن تُرسل بي إلى النار أهون عليّ مما ألقى، وإنه ليعلم ما فيها من شدة العذاب ".
 فهذا الذي يقول لك: أنا لا أصدق، أيعقل أن يكون الإنسان تراباً، ثم يُخلَق من جديد ؟!! يا أخي من الذي مات ورجع وقال: هناك دار آخرة ؟ هذه كلمات الجُهَّال، كلمات العوام، كلمات المُعاندين، كلمات الماديّين، هذه الكلمات التي يتبجحون بها في حياتهم، وفي أوج قوتهم، وصحتهم، وجبروتهم، لو رأيت هؤلاء وهم ناكسو رؤوسهم عند ربهم.
 في الدنيا تقريباً هناك بعض العصابات، هذه العصابات، وهي قبل أن يلقى القبض عليها تجد أن لها مظاهر القوة، ورئيس العصابة يهدِّد أتباعه، فإذا أُلقي القبض عليهم جميعاً، وأودعوا في السجن، وجاء من يصوِّرهم لتحقيقٍ صحفي تراهم ناكسي رؤوسهم وأبصارهم في الأرض لشعور الخزي والعار، وهذه صورة نراها كل يوم، أحياناً حينما يُصَور مجرم في الجريدة ترى رأسه منخفضاً، وبصره ناكساً، لماذا ؟ لأنه تلَبَّس بالخزي والعار، فالمعنى هكذا: ولو ترى يا محمد إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم..

﴿ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا ﴾

البطولة أن تعرف الحق قبل فوات الأوان:

 عرفنا الحقيقة، قلت لكم سابقاً: قضية الإيمان ليست قضية أن تؤمن أو ألا تؤمن، هذه قضيةٌ مرفوضة، قضية متى تؤمن ؟ لأنَّك لابدَّ من أن تؤمن، لابدَّ من أن تؤمن ولكن بعد فوات الأوان، فالبطل هو الذي يؤمن قبل فوات الأوان، قضية الإيمان لا تُطْرَح على الشكل التالي: نؤمن أو لا نؤمن، لا. بل متى نؤمن ؟ لأنه لابدَّ من أن تؤمن، لأن فرعون الذي قال:

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾

(سورة النازعات )

 حينما أدركه الغرقُ آمن، وكلُّ إنسانٍ مكابرٍ، معاندٍ، مكذّبٍ لابدَّ من أن يؤمن عندما يلقى الله عزّ وجل..

﴿ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾

( سورة السجدة )

 إذاً يجب أنة نؤمن في الوقت المناسب، ونحن أصحاء، ونحن أشِحَّاء، ونحن في قوتنا، ونحن في صحتنا، هذا الذي قاله النبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحَّتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك، وغناك قبل فقرك ))

 والحديث الذي تعرفونه:

 

 

(( بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعًا، هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا ؟ أَوْ غِنًى مُطْغِيًا ؟ أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا ؟ أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا ؟ أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا ؟ أَوِ الدَّجَّالَ، فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةَ ؟ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ))

 

( سنن الترمذي عن أبي هريرة )

الإيمان عملية واعية:

 بالمناسبة، الإيمان ليس شيئاً يأتيك عفوَ الخاطر، أي ينمو هكذا، وأنت لا تدري، لا.. الإيمان عملية واعية، عملية تفكُّر وبحث، عملية استماع وتَبَنٍّ، عملية عقل، فالإنسان إن لم يكن عنده وقتٌ ليؤمن لا يؤمن، أي إن هذا الذي تستغرقه أعماله، هذا الذي ليس عنده وقتٌ ليحضر مجلس علم، ولا ليقرأ القرآن، ولا ليُصغي إلى موعظة، ولا إلى نصيحة، هذا متى يؤمن ؟ لابدَّ أن تخصصُ وقتاً من زُبْدَة وقتك كي تؤمن، وحضورك مجالس العلم هو مساهمةٌ في بناءِ إيمانك، استماعك إلى الحق مساهمةٌ في بناء إيمانك، تلاوتك القُرآن، وتدبُّرك له مساهمةٌ في بناء إيمانك..

﴿ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾

بعد فوات الأوان:

 بعد فوات الأوان !! لذلك الإنسان حينما يأتيه ملك الموت لا يندم إلا على شيءٍ واحد، ما سمعت في حياتي أن إنساناً أدركه الموت فقال: رب أرجعوني كي أُنهي هذه الصفقة، رب أرجعوني كي أنهي هذا البناء، لم ينته البناء، يا رب بقيت له المرحلة الأخيرة، لا، هذا لا يُقال، إن الذي يُقال: رب أرجعوني لكي أعمل صالحاً، إذاً أنت في الدنيا خُلقت من أجل العمل الصالح، بل ما الذي تندم عليه حينما يأتي ملك الموت ؟ هو أهَمُّ ما في الدنيا، الذي تندم عليه حينما يأتيك ملك الموت هو أهم شيءٍ في الدنيا، فاقرأ كل الآيات تنبئك:

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾

( سورة المؤمنون )

 إذاً العمل الصالح المبني على إيمانٍ يقيني هو سرُّ وجودك في الأرض، هذا يؤكِّده قوله تعالى:

﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ﴾

( سورة العصر )

 الآن هناك آيةٌ من أدَقِّ الآيات:

﴿ وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾

 قال الله تعالى:

﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾

( سورة السجدة )

وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نفْسٍ هُدَاهَا

مفهوم مغلوط للآية:

 طبعاً ظاهر هذه الآية أنّ الإنسان إذا قرأها من دون تبَصُّر، ولم يسأل أهل الذكر عنها فقد يتوهَّم أن الله عزَّ وجل كان من الممكن أن يهدي الناس جميعاً، ولكنه لم يشأ ذلك..

﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾

 أي كان من الممكن أن يهدي الله الناس جميعاً، ولكن لم يشأ ذلك..

﴿ وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾

( سورة السجدة )

المعنى الصحيح للآية: اختيار العبد:

 لكن لهذه الآية معنىً أدق من ذلك، ومعنىً أبعد من ذلك، هو: أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مختاراً، وأعطاه حرية الاختيار، أو ما يسمى حرية الكسب، أعطاه حرية الاختيار ليثمَّن عمله، أي أن عمله الصالح لا قيمة له إطلاقاً إن لم يكن مختاراً، لو أن الله سبحانه وتعالى أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب، حينما يُجْبِر الله عباده على الطاعة لبطل الثواب، ولما ارتقى الإنسان عند الله عزَّ وجل، لا قيمة للعمل الصالح إلا إذا فعلته مختاراً، إذاً حرية الاختيار من أجل تثمين العمل، لو أن الله سبحانه وتعالى أجبرك على الإيمان، أو أودع فيك فقط نداء العقل، ولم يضع فيك نداء الغريزة، أي ليس لديك إلا الخير، وليس لديك إلا الطريق السالك إليه وحده، لو أن الله أجبر الناس على طاعته لما ارتقوا في الجنة، ولما استحقوا الجنة.
 حينما أقدم للطالب ورقة الإجابة، وقد كتبتْ عليها الإجابة من قِبلي، وأقول لهذا الطالب: اكتب اسمك ورقمك، وهذه مئة من مئة، ما قيمة هذا النجاح ؟ أُلغي النجاح، وسقطت قيمة النجاح، وليس هذا النجاح مقبولاً، ولا مرغوباً، ولا مطلوباً، لا عند الطلاب، ولا عند الأساتذة، ولا عند الناس جميعاً.

 

نفي مفهوم الجبرية:

 إذاً لمجرد أن يجبر الله الناس على الهدى سقطت قيمة الهدى، وانتهى الهدى، وضاعت ثمرته، فقد يسأل سائل لماذا لم يجبرنا الله على طاعته وانتهى الأمر ؟ هكذا تقول الآية:

 

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾

( سورة الأنعام: آية " 35 " )

 لو كنت مجبركم على شيء لأجبرتكم على الهدى، ولو شئنا أن نجبركم، وأن نلغي اختياركم، وأن نلغي تكليفكم، وأن نلغي حرية كسبكم، لو أردنا ذلك لأجبرناكم على الهدى فقط:

﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾

( سورة السجدة: آية " 13 " )

 ولكن هذه الأعمال التي تفعلونها ليست من إجبار الله، أي أن هذا الذي يقول: أنا شربت الخمر، لأن الله قَدَّر عليَّ ذلك مخطئ في مقالته، سيدنا عمر حينما بلغه خبر أحد الأشخاص الذين ضبطوا متلبِّسين بشرب الخمر، وجاءوا به إلى سيدنا عمر، وسأله عمر " لماذا شربت الخمر ؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله قدَّر عليَّ ذلك، فقال رضي الله عنه: أقيموا عليه الحدً مرتين، مرةً لأنه شرب الخمر، ومرةً لأنه افترى على الله، قال له: يا هذا ويحك إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار "، أي أنت مخير، فهذا الذي يعصي الله، ويقول: الله قَدَّر عليَّ ذلك، والله أجبرني على معصيته، كلمات العامة يرددونها.. " طاسات معدودة في أماكن محدودة "، هذه كلماتٌ شيطانية لا أصل لها..

﴿ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾

( سورة الأعراف )

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾

( سورة الأنعام )

 هذا كذب، وهذا خَرص، وهذا إفك، وهذا افتراء، أيعقل أن الله سبحانه وتعالى الذي خلقنا للهدى، وخلقنا للرحمة أن يجبرنا على معصيته ؟ لذلك هذا الذي يقول: لو نظرت إلى العُصاة بعين الشريعة لعنَّفتهم، ولو نظرت إليهم بعين الحقيقة لعذرتهم، هذا كلام لا يقف على قدمين، كلامٌ باطل..
 ولو شئنا أن نأخُذ منكم اختياركم، لو شئنا أن نلغي تكليفكم، لو شئنا أن نجبركم لأجبرناكم على الهُدى، أما أن نجبركم على معصيةٍ فهذا مستحيل، لو أن الله أجبرنا على شيء لأجبرنا على الهُدى فقط، لكن حتى لو أجبرنا على الهدى لا قيمة لهذا الهدى، ولا نرقى بهذا الهدى، ولا نسعد بهذا الهدى، ولن يكون هذا الهدى القسري ثمناً لجنةٍ عرضها السماوات والأرض، لكن الهدى الاختياري أن تأتيه طائعاً، أن تأتيه مختاراً، أن تُقْبِل عليه وبإمكانك ألا تقبل، أن تحسن وبإمكانك ألا تحسن، أن تستقيم وبإمكانك ألا تستقيم، أن تجلس في مجلس علم، وبإمكانك أن تجلس في دار لهوٍ، أن تَغُضَّ بصرك عن محارم الله، وبإمكانك أن تطلق البصر، أن تخاف من أن تأكل مالاً حراماً، وبإمكانك أن تأكُله، هذا الذي يرفعك عند الله، وهذا الذي يقربك منه، أن تأتيه مختاراً، إنكم تدّعون أنني أجبرتكم على هذه المعاصي، لو أنني أجبركم على شيء لأجبرتكم على الهدى..

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾

 ولكن هذه الأعمال التي تفعلونها هي من كسبكم واختياركم، وسوف تحاسبون عليها..

﴿ وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾

 أيها الإخوة الأكارم، في القرآن آياتٌ محكمات، وهي كثيرةٌ جداً، بل هي أكثر ما في القرآن، وفي القرآن بعض الآيات المتشابهات التي إذا قرأتها من دون علمٍ، ومن دون نورٍ، ومن دون خبرةٍ، أو تدَبُّرٍ، أو سؤالٍ، أو استنارةٍ قد تقع في سوء ظنٍ بالله عزَّ وجل، وحسن الظن بالله ثمن الجنة.
 آية في سورة آل عمران:

﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾

( سورة آل عمران: آية " 154 " )

 أي قد تظنُ بالله ظناً غير صحيح، حسن الظن بالله ثمن الجنة، أي أن تعتقد أن الله أجبر الكفار على معصيته ولا خيار لهم في ذلك، ولا حيلة لهم أبداً، وأنهم استحقوا جهنم إلى الأبد، وهم مجبرون ؟ هذا سوءُ ظنٍ بالله عزّ وجل، فقيمة عملك أنك مخير، وما دمت مخيراً فلعملك قيمة، لعملك ثمن به ترقى، أي لا ترقى إلا إذا كنت مختاراً، فأيُّها العباد، إذا ظننتم أنني أجبركم على المعاصي فهذا سوء ظنٍ بالله عزَّ وجل، هذا ظن الجاهلية، هذا الذي يظن أن الله سبحانه وتعالى أجبر عباده على معصيته، ثم أدخلهم النار إلى الأبد، لأنه أجبرهم على معصيته، هذا هو الظن غير الحق..

 

﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾

 

( سورة آل عمران: آية " 154 " )

 هذا الظنُ يُهلكهم، ويُردِيهم..

﴿ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾

( سورة الأعراف )

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾

( سورة الأنعام )

 كلُّ الآيات التي تتحدَّث عن اليوم الآخر فيها إشارةٌ إلى ندم العصاة، ندمهم، وخزيهم، وعارهم، لو أنهم أجبروا على المعصية لما ندموا، ندمهم علامة اختيارهم.

 

مجرَّد الأمر والنهي دالٌّ على أنَّ الإنسان مخير:

 شيءٌ آخر: قال بعض العلماء: " مجرَّد الأمر والنهي معنى ذلك أنَّ الإنسان مخير "، أي إذا رسمنا طريقاً لهذا الإنسان، عرضه ستون سنتيمترا، على عرض كتفيه، وقلنا له: خذ اليمين، أيُّ يمينٍ هذا ؟ جدارا الطريق يلامسان كتفيه، وقلنا له: خُذ اليمين، أو خذ اليسار، هذا أمرٌ لا معنى له، ما دام الله يأمر وينهى الإنسانَ إذاً عنده حرية الحركة، ما دام الله قد أمرك فأنت مخيَّر، وما دام قد نهاك فأنت مخير، وما دمت تندم يوم القيامة فأنت مخير..

 

﴿ قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾

( سورة المؤمنون: آية " 106 " )

 أي غلبت علينا شهواتنا..

﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾

( سورة الإنسان )

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾

( سورة البقرة: آية " 148 " )

  الجهة بيدكم الإنسان فاستبقوا الخيرات.. فلا يخافَنّ العبد إلا ذنبه، ولا يرجوَّنّ إلا ربه.
 إذاً هذه الآية من الآيات التي إذا قرأتها من دون علمٍ أو تدبرٍ، أو من دون أن تسأل أهل الذكر كما قال الله عزّ وجل:

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

( سورة الأنبياء )

 ربما وقعت في سوء ظنٍ بالله، قد تقرؤها هكذا على ظاهرها:

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾

 هكذا على ظاهرها من دون تدبُّر، من دون تحقق، من دون فهم تقع في سوء ظنٍ في الله، أي نحن بنينا سجناً، ويجب أن نملأه، أقمنا حاجزاً على الطريق، وأخذنا الناس، مطيعهم وعاصيهم لملء السجن.. يا أخي، بنيناه وكلفنا كثيرا، هذا كلامٌ لا يقف على قدمين، لا يستقيم هذا الكلام، فإذا ادعيتم أيها العباد أنني أجبرتكم على معصية فهذا سوء ظنٍ منكم، ولو شئت أن أجبركم لأجبرتكم على الهدى، ولكن حتى لو أجبرتكم على الهدى فإن هذا الهدى القسري لا قيمة له إطلاقاً، ولا يرقى بكم، ولا يسعدكم، ولن تكونوا أهلاً به لدخول الجنة، أما الجنة ثمنها أن تأتي الله طائعاً، أن تطيعه، وبإمكانك أن تعصيه، أن تحسن، وبإمكانك أن تُسيء، أن تستقيم، وبإمكانك أن تنحرف، أن تؤمن، وبإمكانك أن تكفر، أن تعمل الصالحات، وبإمكانك أن تعمل السيِّئات، ما دام بإمكانك أن تُسيء، فإن إحسانك له قيمة، ولكن لماذا جعل الله النبي ضعيفاً ؟ في أول الأمر بإمكانك أن تكذِّبه، وأن تنام مطمئن البال، بإمكانك أن تسخر منه، وتنام مطمئن البال، لذلك هذا الذي يؤمن به.. الإيمان به شيءٌ عظيمٌ جداً.. أما القوي فإنك تطيعه، ولا أجر لك، لأنك تخاف بطشه، تطيعه لا عن حبٍ، بل عن خوف، فلذلك ما جعل الله الأنبياء في أول عهدهم بالنبوة إلا ضعافاً ليكون الإيمان بهم ثميناً، أنت تؤمن، ولو لم تؤمن لكان أقرب إلى مصالحك، إذاً جعل الله الإيمان له ثمن، هذه الآية أتمنى أن تُفهم على هذا النحو الذي يليق بحضرة الله عزّ وجل، يليق بأسمائه الحسنى وصفاته الفُضلى..

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾

الأعمال السيئة باختيار العبد وهو محاسَب عليها:

 ولكن أعمالكم السيِّئة لم أجبركم عليها، بل فعلتموها بمحض اختياركم، ومن كسبكم، وسوف تحاسبون عليها..

﴿ وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي ﴾

 أنَّ من أعطيته اختياراً، وأساء الاختيار سيدفع الثمن باهظاً، كل شيء له ثمن، مجيئكم لهذا المجلس، واجتماعكم له ثمن، تطبيقكم له ثمن..

﴿ وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا ﴾

( سورة السجدة )

 هؤلاء الذين قالوا:

﴿ وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾

(سورة السجدة: آية " 10 " )

مصيبة الناس في نسيان اليوم الآخر:

 فلاحظ الناس الآن، عامة الناس يحسبون حساباً لكل شيء، إلا اليوم الآخر، فيخططون لكل شيء، إلا ساعة وقوفهم بين يدي ربهم، يأخذون الأموال بلا تحفُّظ، يُعدُّون أخذ المال الحرام شطارةً، وذكاءً، وحنكةً، وحيويةً، يقول لك: هذا شاطر، هؤلاء الذين نسوا لقاء يومهم هذا هم الأغبياء، هم الأشقياء الذين سوف يدفعون ثمن إغفالهم، أو غفلتهم ثمناً باهظاً..

﴿ فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

( سورة السجدة )

حقائق ثلاث لا بد منها: الإيمان بالله، والإيمان بعلمه، والإيمان بحتمية الحساب:

 لذلك أيها الإخوة الأكارم... أقول لكم: لن يستقيم الإنسان على أمر الله إلا إذا آمن بوجوده، وآمن بأنه يعلم، ولا تَخْفى عليه خافية، وآمن بحتمية الحساب، آمنت بوجود الله، وبأنه يعلم، وبأنه سيحاسب، إذا تحقَّقت من هذه الحقائق الثلاث فمن النتائج الطبيعية والحتمية أن تستقيم على أمر الله، إذاً حاول أن تؤمن بوجوده إيماناً حقيقياً لا إيماناً ساذَجاً، أو إيمان تَبَرُّكٍ، بل ليكن إيماناً حقيقياً، إيمانك بوجود الله ظاهرٌ في سلوكك ؟ تقول: هذه لا أفعلها، إني أخاف الله رب العالمين ؟ هل تقف عند حدود الله ؟ هذا المبلغ لا آخُذُه، هذا اللقاء لن يكون، هذا العمل لا أفعله، يجب أن يظهر إيمانك في سلوكك، هذا الذي عناه الله عزّ وجل..

﴿ فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

 أي أن أعمالكم التي فعلتموها اختياراً هي سبب شقائكم في النار، هكذا يقول الله عزَّ وجل:

﴿ فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا ﴾

 لذلك فالعقل السديد أن تصل إلى الشيء قبل أن تصل إليك..

سمكات ثلاث: قصة وعبرة:

 هذه قصة أرويها كثيراً، وهي رمزية: صيادان مرَّا بغدير سمك فيه سمكاتٌ ثلاث، كيسةٌ، وأكيس منها، وعاجزة، الكيسة العاقلة، وأكيس منها، أي أرجح عقلاً، والعاجزة، أي الغبية، فرأى الصيادان ما في الغدير من السمك، فتواعدا أن يرجعا، ومعهما شباكهما ليصيدا ما فيه من السمك، فسمعت السمكات قولهما، أما أكيسهن فإنها ارتابت، وتخوفت، وقالت: العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها، وهذه كلمةٌ دقيقة: المؤمن العاقل يحتاط لليوم الآخر قبل مجيئه، يحتاط للموت قبل نزوله، يحتاط للشيخوخة قبل أن يصل إليها، يستقيم في شبابه.. " حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر "، " من عاش تقياًً عاش قوياً "، " من تعلَّم القرآن متَّعه الله بعقله حتى يموت "، المؤمن لا يخرف أبداً، ولا يشيخ، يشيخ جسمه، وتبقى نفسه شابةً بمعرفة الله عزّ وجل.. أما أكيسهن فإنها ارتابت، وتخوَّفت، وقالت: العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها، ولم تَعْرُج على شيء حتى خرجت من المكان الذي يدخل منه الماء من النهر إلى الغدير فنجت، هذا العاقل، العاقل يعيش المستقبل دائماً، والأقل عقلاً يعيش الحاضر، والغبي يعيش الماضي يقول لك: كنت وكنت، الأقلّ ذكاء يعيش حاضره، يفاجأ يوماُ بحادث فيأخذ تدابيره، لكن قد ينجح، أو قد لا ينجح، أما العاقل هو الذي يعيش مستقبله، وهو في شبابه يعيش ساعة الموت، كيف سأُحاسب ؟ فالمشكلة أن الإنسان حينما يأتيه الموت يفقد كل شيء، ويدفع ثمن كل شيء، ويحاسب عن كل شيء..

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾

( سورة الحجر )

 فهذه السمكة العاقلة جداً قبل أن يعود الصيادان أصبحت خارج الغدير، وارتاحت أعصابها، وأما الكيِّسة فمكثت في مكانها حتى عاد الصيادان، هذه تعيش وقتها، فوجئت، رجع الصيادان ومعهما الشبكة، فذهبت لتخرج من حيث خرجت رفيقتها، فإذا بالمكان قد سُد، الصيادان سدّوه فقالت: فَرَّطْتُ، وهذه عاقبة التفريط.. هذا جزاء عملي.. غير أن العاقل لا يقنط من منافع الرأي، فتظاهرت أنها ميتة، ثم إنها تماوتت، فطفت على وجه الماء، فأخذها أحد الصيادين.. أمسكها بيده.. ووضعها على الأرض بين النهر والغدير، فوثبت في النهر فنجت، لكن هذه غامرت وقامرت، كان من الممكن ألا تنجو، فلو وضعها في مكانٍ بعيد لماتت، وأما العاجزة فلم تزل في إقبالٍ وإدبارٍ حتى صيدت، إذاً العاجز دائماً يعيش ماضيه أولاً، ويستهلك وقته استهلاكاً رخيصاً، فيأتيه الموت فجأةً، وهو ليس مستعداً له.
 فلذلك نقلنا ربنا عزّ وجل نقلة، نقلنا إلى مشهد من مشاهد يوم القيمة، قال لك:

﴿ وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ (12) وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (14) ﴾

( سورة السجدة )

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018