الدرس : 24 - سورة البقرة - تفسير الآية 47 ، إن لم نتناهَ عن منكرٍ فعلناه وقعنا في أمراض بني إسرائيل - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 24 - سورة البقرة - تفسير الآية 47 ، إن لم نتناهَ عن منكرٍ فعلناه وقعنا في أمراض بني إسرائيل


1999-01-08

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الرابع والعشرين من سورة البقرة.

انطلاق الأسلوب الحكيم في هذا القرآن الكريم من التنبيه غير المباشر للمسلمين:

 مع الآية السابعة والأربعين وهي قوله تعالى :

﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47) ﴾

 أيها الأخوة الكرام، بادئ ذي بدء ينطلق الأسلوب الحكيم في هذا القرآن الكريم من التنبيه غير المباشر للمسلمين، فالمسلمون وقد جاءهم كتابٌ من عند الله معرَّضون لأمراضٍ كأمراض بني إسرائيل، فالمقصود من الحديث عن بني إسرائيل في القرآن الكريم هو المسلمون لأنهم أهل كتابٍ مثل بني إسرائيل، ولأن الأمراض المُهلكة التي حلَّت ببني إسرائيل يمكن أن تَحُلَّ بهم تماماً، وهذا الشيء واضح جداً:

﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) ﴾

 يعتقد المسلمون بشفاعة النبي، افعل ما شئت، ما دمت من أمة محمدٍ فالنبي الكريم يشفع لك، يفهمون الشفاعة فهماً ساذجاً، ويقعدون عن العمل، وكأنَّ هذه الشفاعة حلَّت لهم كل مشكلة، لو تتبعت الأمراض الوبيلة المُهلكة التي ألمَّت ببني إسرائيل لوجدت المسلمون قد تلبسوا بمعظمها، إذاً هذا أسلوبٌ حكيم، أسلوبٌ أشدُّ تأثيراً، يمكن لأمراضهم أن تنتقل إليكم، هم انحرفوا فهلكوا، وأنتم إذا انحرفتم هلكتم مثلهم، ويقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ، وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟ قَالَ: نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ ))

[البخاري عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِي اللَّه عَنْها]

إن لم نتناهَ عن منكرٍ فعلناه وقعنا في أمراض بني إسرائيل:

 لكن ما الذي سبَّب هلاك بني إسرائيل ؟ قال: كانوا لا يتناهون عن منكرٍ فعلوه، بربكم أليس هذا المرض الذي كان سبب هلاكهم واقعاً بنا جميعاً ؟ كلٌ يجامل أخاه، لا أحد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يجامله، يمدحه مع أنه يعلم أنه على باطل، يُثني عليه، ويثني على ذكائه وحكمته، يعلم أنه لا يصلي، مع أنه يعلم أنه لا يصلي أحياناً مجاملات بالاحتفالات، بعقود القِران، والمتكلِّم يعلم علم اليقين أن هذه الأسرة متفلِّتة، وغير منضبطة بمنهج الله عزَّ وجل، فإذا لم نتناه عن منكرٍ فعلناه وقعنا في مرض بني إسرائيل ؛ الأمل هذا مرضٌ مهلكِ:

﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7) ﴾

( سورة الجمعة)

 طول الأمل أيضاً وضعف اليقين مرضان مهلكان أهلكا المسلمين، متأمِّل في الدنيا فقط ولم يُدْخِل الآخرة في حساباته إطلاقاً، هذا مرَض أيضاً.

﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ (18) ﴾

(سورة المائدة: من آية " 18 ")

 نحن كذلك ندَّعي أننا أمَّة مختارة، ندعي أننا خير أمةٍ أُخرجت للناس، والله يعذِّبنا كل يوم، ما مرَّ بتاريخ المسلمين وقت أشدُّ إيلاماً من هذه الفترة، إذاً المرض نفسه، الأمراض نفسها.

ذكر الله أمراض بني إسرائيل لتكون واعظاً لنا :

 يا أيُّها الأخوة الكرام، ما ذكر الله أمراض بني إسرائيل في هذا القرآن الكريم إلا لتكون واعظاً لنا من أن تزل أقدامنا فنقع في أمراضٍ قد وقعوا هم بها أيضاً، وكما قال الله عزَّ وجل :

﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ (40) ﴾

 قال بعض العلماء: " النعمة أن أوصاف نبينا عليه الصلاة والسلام جاءت في كتبهم ليؤمنوا به، وهذه نعمة "، أي أنه أعانهم على أنفسهم بأن جاءت في كتبهم أوصاف النبي التفصيليّة، والدليل ؛ الآن أنا أسألكم: ما هي المعرفة الفطريَّة، البديهيَّة، السريعة، التي لا تحتاج إلى برهان، ولا إلى دليل، ولا إلا تَذَكُّر ؟ إنها معرفة الأب بابنه، هل يوجد أب في الأرض يدخل إلى البيت ويقول لابنه: ما اسمك يا بني ؟ لا تجد إنساناً يفعل ذلك، إنه يعرفه من صوته، من مشيته، من ظهره، قال الله عزَّ جل :

﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ (146)﴾

( سورة البقرة: من آية " 146 " )

 مع ذلك كفروا به، لماذا كفروا به ؟ بغياً، وعلواً، واستعلاءً، لذلك أخطر شيء في الحياة أن تعصي الله كِبراً، كم من إنسان يعلم أن هذه الجهة على حق وتأبى نفسه أن يكون منها، يرى نفسه أكبر من ذلك، المؤمن يخضع للحق .

تولَّى المسلمون اليوم عن تطبيق منهج الله كما فعل بنو إسرائيل من قبل:

 الشيء الثاني :

﴿ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47) ﴾

 هذا التفضيل لا يعني أنهم متفوِّقون، أحياناً يفضِّل الأب ابنه المقصِّر بعشرة مدرِّسين خاصين، هو فضَّله على بقية أولاده المتفوِّقين، فهذا التفضيل تفضيل تقصير، هم قتلوا الأنبياء، ماذا فعلوا ؟ قال :

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ (83) ﴾

( سورة البقرة: من آية " 83 ")

 لَمْ تفعلوا كل ذلك:

﴿ إِلا قَلِيلا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ(83) ﴾

( سورة البقرة: من آية " 83 ")

 تولوا عن تطبيق منهج الله كما تولَّى المسلمون عن تطبيق منهج الله الآن، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا الحديث من دلائل نبوَّة النبي:

(( يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ))

[ سنن أبي داود عن ثوبان ]

 كأن النبي عليه الصلاة والسلام بيننا، هذا الذي حدث، جاءت ثلاثون دولة لتحارب بلاد المسلمين، وتنهب ثرواتهم وأموالهم، وتدمِّر أسلحتهم، وتضعفهم، وتكسر شوكتهم، وتحتلَّ أرضهم، وتستبيح المُحَرَّمات.

 

معنى كلمة (فضلتكم):

 أيها الأخوة الكرام:

﴿ فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47) ﴾

 أي خصصتكم بأنبياء كثيرين ليعلِّموكم، شيءٌ آخر :

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) ﴾

(سورة البقرة)

 هذه آية ثانية، تولَّوا لم يقاتلوا:

﴿ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70) ﴾

(سورة المائدة)

 قتلوا أنبياءهم، إذاً هم مفضَّلون لتقصيرهم، مفضَّلون لانحرافهم، مفضلون لمعاصيهم، فقد يقول الأب لابنه: يا بني أخوتك درسوا بلا أساتذة خاصين، إنني فضَّلتك على كل أخوتك بعشرة مدرِّسين ولم تنجح !! بالضبط هذا هو المعنى.

 

من أسباب هلاك بني إسرائيل :

 قال تعالى:

﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ داود وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) ﴾

(سورة المائدة)

 حينما تدخَّل أحد أصحاب النبي ـ وهو حِبُّ رسول الله سيدنا أسامة بن زيد وكان النبي يحبُّه حبَّاً شديداً ـ في شأن المخزوميَّة التي سرقت ليشفع لها كي لا تُقْطَع يدها، غضب النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أشدَّ الغضب، وقَال:

(( أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ؟ ثُمَّ قَامَ فَخْطَبَ ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وأيم اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ))

[ البخاري عن عائشة رضي الله عنها ]

 هذا أحد أسباب هلاك بني إسرائيل أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد.

 

عشرات المعجزات رآها بنو إسرائيل بأعينهم ومع ذلك كفروا:

 قال تعالى:

﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) ﴾

( سورة الأعراف )

 ما فكَّروا، ما عقلوا، ما وحَّدوا، كل هذه المعجزات ؛ شُقَّ البحر لهم، أراهم العصا وقد أصبحت ثعباناً مبيناً، أراهم يده وقد جعلها الله بيضاء للناظرين، عشرات المعجزات رأوها بأعينهم ومع ذلك كفروا:

﴿ اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) ﴾

( سورة الأعراف )

 وقال:

﴿ وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4)﴾

( سورة الإسراء)

 ترون بأعينكم كيف أنهم يتآمرون على أقوى قوَّة في العالم، ويمرّغون من يقبع على سدَّة الحكم فيها في الوحل، خلقوا له مشكلةً لا تزال آثارها حتى الآن لأنه أخذ موقفاً شبه منصف:

﴿ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا(4) ﴾

( سورة الإسراء)

 هذا في القرآن.

 

تجمُّع اليهود في فلسطين ورد في القرآن الكريم:

 قال تعالى:

﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104) ﴾

( سورة الإسراء)

 تجمُّع اليهود في فلسطين ورد في هذه الآية

﴿ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ ﴾

 أي وعد الآخرة ؟ قال تعالى :

﴿ وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) ﴾

(سورة الإسراء)

 هذا غزو بختنصَّر لليهود واستباحة أموالهم ونسائهم، وكان هذا قد وقع:

﴿ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا(5)ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا(6) ﴾

 يقال الآن أن الإعلام في العالَم بيدهم، وأكثر الأموال بيدهم، والبنوك بأيديهم، والاقتصاد بأيديهم، والجامعات أكثرها بأيديهم.

 

بالنصوص القطعية الثبوت والدلالة في القرآن والسنَّة سوف ينتصر المسلمون على اليهود:

 قال تعالى:

﴿ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا(5)ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا(6)إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُم لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ (7) ﴾

 الوعد الثاني:

﴿ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ﴾

 المسلمون:

﴿ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ (7) ﴾

 المسجد الآن بأيديهم:

﴿ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا(7) ﴾

( سورة الإسراء)

 بالنصوص القطعية الثبوت والدلالة في القرآن والسنَّة سوف ينتصر المسلمون عليهم إن شاء الله، ونرجو الله أن نرى ذلك قبل أن نموت، وسوف يُجمَّع اليهود في هذه البلاد المقدَّسة لتكون إن شاء الله نهايتهم، فهم قد تجاوزوا كل حدٍ معقول في عدوانهم وغطرستهم واستهتارهم بالقِيَم.

تسوى الحقوق يوم القيامة ويؤخذ للمظلوم من الظالم:

 قال تعالى:

﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48) ﴾

 يوم القيامة يُحل مليار مشكلة، ويجيب عن كل سؤال يظهر أمامك، هناك معلومات يصعب على العقل أن يصدِّقها، مثلاً هل من المعقول أن يموت خمسمئة ألف طفل كل سنة من شعب واحد وهو العراق وبالمقابل هناك في بلاد الغرب تجرى عمليَّات زرع دَسَّام وزرع شريان وقلوب للكلاب وزرع مفاصل ؟!! وهناك طبيب نفسي لمعالجة الكآبة عند الكلاب، وطبيب أسنان لزرع الأسنان لديهم، ومقبرة للكلاب، ويأكلون من اللحم ما يأكله الشعب الهنديُّ بأكمله ـ الذي يعد تسعمئة مليون ـ هذا ظلم شديد، هم يعيشون كذلك وملايين مملينة يموتون من الجوع.
 ذكرت لكم من قبل أنه أُطْلِقَ النار على عشرين مليون رأس من الغنم ودُفِنت تحت الأرض للحفاظ على أسعار اللحم في العالَم مرتفعةً، تتلف محاصيل الحمضيات في أمريكا للحفاظ على أسعارها المرتفعة، وعندما بدأ الزنوج يتسلَّلون إلى أماكن إتلافها ليأكلوها سمَّموا هذا المحصول في العام القادم لئلا يأكل منه أحد، حجم مشتقات الحليب التي تُتلَف كحجم أهرامات مصر من أجل الحفاظ على الأسعار مرتفعة، وترون وتسمعون المجاعات في الصومال، وفي بنجلاديش، وفي السودان، وفي جنوب السودان، هم كالوحوش، فلذلك تسوى الحقوق يوم القيامة ويؤخذ للمظلوم من الظالم، يقول الله عزَّ وجل:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) ﴾

( سورة إبراهيم )

أمثلة من الواقع عن استهزاء الغرب بالدول النامية:

 معامل أدوية ضخمة جداً إذا فسدت طبخة دواء بيعت إلى الدول النامية، دواء فاقد الفعالية، يشتريه الناس الفقراء بأعلى سعر علماً أنه غير صالح لأن صانعيه لا يتلفونه، الدخَّان الذي يصدِّروه لنا أسوأ أنواع الدخان، يحوي أعلى نسبة نيكوتين ويباع بأعلى سعر، ونحن نُقْبِلُ على بضاعتهم، هذا شيء مخيف جداً .
 مرَّة خُصص في بلدنا أسبوع لمكافحة التدخين، وذكر وزير الصحَّة في برنامج أذيع في ذلك الأسبوع فقال: اتصل بي صديق من أمريكا وأعلمني أن كل الدُخان المصدَّر إلى الشرق الأوسط هو من أسوأ أنواع الدخان في العالَم، ونسب النيكوتين فيه عالية جداً، هكذا يبيعونك .
 شيءٌ آخر أيضاً، هناك بعض الشركات الأجنبية تزور كل المنتجات الغذائيَّة التي انتهى مفعولها وتُبَاع تهريباً لدول المنطقة، فانتبهوا أيها الأخوة، لا تفرح بالتهريب، هذا كلام علمي ودقيق، البضاعة النظامية خاضعة للتحليل ـ تحليل دقيق جداً ـ هذا أعرفه معرفةً تامَّة، هناك تحليل دقيق جداً، البضاعة المهرَّبة قد تكون منتهية المفعول، هناك معامل في بعض البلاد التي لا تعرف الله عزَّ وجل تقلِّد البطاقات النظاميَّة بشكل مذهل فكل بضاعة انتهى مفعولها ؛ من أجبان، ألبان، معلَّبات، وكل شيء انتهي مفعوله يزوِّر المعمل هذا المعمل ؛ تاريخ انتهاء المفعول، وتأتيك البضاعة بشكل غير نظامي وأنت فرح بها، وتقول: أخذناه أقل بمئة، ما هذا والله ؟ أنت هل تعرف أن هذه البضاعة منتهية المفعول، فلذلك يوم القيامة هذا تسوى فيه الحقوق .

﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48) ﴾

العبرة أن تكون عند الله مقبولاً ومستقيماً ومحسناً يوم الحساب:

 ذكرت مرَّة أنه وصل إلى مصر بعض الحلويات من إسرائيل تهريباً، فإذا فيها مادَّة تثير الجنس، تمت ثلاث عشرة حادثة زنا في جامعة واحدة، في ليلة واحدة، بسبب علكة تم توزيعها، وهذا الشيء ذُكِر في صحفنا، أنا أذكر شيئاً مذكوراً بالصحف، يصدِّرون موادَّ تصيب الرجال بالعُقم أحياناً، إذا كانت بضاعة مهرَّبة قد تأتي من محلات مشبوهة، قد يكون فيها مواد مؤذية جداً، مواد تجعل الإنسان عقيماً فيصبح بلا نسل، مواد تثير الجنس، أو مواد قد انتهى مفعولها، فالإنسان عليه أن يكون دقيقاً فيما يدخل إلى جوفه، المؤمن دقيق جداً فيما يُدخل إلى فمه وفيما يخرج من فمه، كلامي دقيق، فيما يدخل وفيما يخرج، فتظل صناعاتنا المحليَّة ـ ولو كانت أقل اتقاناً ـ ولكنها خالية من الغش، فالأمر معقول جداً قمح، وسكَّر، وزبدة من إنتاج بلدنا، أما شيء لا نعرف كيف وصل لعندنا، وبأي طريقة وصل، وغير خاضع للتحليل هذا شيء مخيف جداً.
 على كلٍ هذا الذي يبني مجده على أنقاض الآخرين، هذا الذي يبني غناه على إفقارهم، يبني صحَّته على مرضهم:

﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48) ﴾

 تُحَل بعض المشكلات في الدنيا بطريقةٍ أو بأخرى، أما في الآخرة عند قيّوم السماوات والأرض لا يمكن أن تُحَلَّ مشكلة إلا بشكلها الصحيح، هو يوم العدل، يوم الإنصاف، يوم الدينونة، يوم الجزاء، يوم الحساب الدقيق، يوم تنال فيه حقَّك الكامل، فالعبرة أن تكون عند الله مقبولاً، والعبرة أن تكون عند الله مستقيماً، والعبرة أن تكون عند الله محسناً:

﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا (48) ﴾

الله عزَّ وجل كامل كمالاً مطلقاً لا يقرِّب إلا الإنسان الكامل:

(( يا فاطمة بنت محمد ـ كلُّكم آباء أو أكثركم آباء، والبنت غالية جداً ـ أنقذي نفسكِ من النار أنا لا أغني عنك من الله شيئاً، لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم، من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه ))

[أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجة وأحمد والدارمي عن أبي هريرة ]

 عم سيدنا رسول الله أبو لهب:

﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) ﴾

( سورة المسد )

 توجد نقطة في هذا الموضوع دقيقة جداً، الله عزَّ وجل كامل كمالاً مطلقاً، لا يقرِّب إلا الإنسان الكامل، بخلاف الأقوياء، الأقوياء يقرِّبون من يعلن ولاءه لهم فقط، وقد يكون أسوأ إنسان، قد يكون مسيئاً للمجتمع، يقربونه ما دام أعلن ولاءه، أما الله عزَّ وجل لا يقرِّب مخلوقاً إلا إذا كان كاملاً:
 " يا رسول الله مثِّل بهم كما مثَّلوا بعمِّك حمزة "، قال عليه الصلاة والسلام: "لا أمثِّل بهم فيمثِّل الله بي ولو كنت نبيَّاً ".
 عظمة الدين أنه لا يمكن أن يقرِّبك الله، ولا أن يتجلَّى على قلبك، ولا أن ينظر لك بالعطف والرحمة إن لم تكن محسناً، لذلك عندما فتح الفرنجة القدس ذبحوا سبعين ألف إنسان مسلم في ليلة واحدة، أما عندما فتحها صلاح الدين رحمه الله تعالى فما سفك دماً حراماً أبداً، أمَّنهم وسمح لهم أن يبيعوا متاعهم وأن يقبضوا ثمنه، وأن يخرجوا بما تحمله دوابُّهم من متاع، ولم يؤذهم، وحتى الآن يأتي الفرنجة إلى دمشق، ويقفون أمام قبره محترمين، فقد كان إنساناً عظيماً، كان بإمكانه أن يكيل لهم الصاع بعشرة، سبعون ألف إنسان تمَّ ذبحهم في ليلة واحدة، حسبما تروي كتب التاريخ حينما فتح الفرنجة القدس، أما عندما فتحها صلاح الدين فقد كان رحيماً.

أدلة من القرآن والسُّنة أن الإنسان يوم القيامة يُحاسَب عن كل شيء:

 تعرفون القصَّة الشهيرة أن أماً ضاع ابنها، فوقف سيدنا صلاح الدين وقال: " لا أجلس حتى يعود ابنها إليها "، وهي من أهل الكتاب، المسلم رحيم، المسلم يرجو رحمة الله عز وجل، المسلم مُقَيَّد بألف قيد :

(( الإِيمَانُ قَيَّدَ الْفَتْكَ لا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ ))

[ سنن أبي داود عن أبي هريرة ]

 المؤمن مقيَّد، الإنسان بنيان الله وملعونٌ من هدم بنيان الله، هذا الذي يخوِّف الإنسان ويبتز ماله يصيبه بمرض، هل تصدِّقون أن مساعدات غذائيَّة جاءت من أمريكا إلى الصومال، ونصف الباخرة نفايات ذريَّة أُلقيت في سواحل الصومال، هل تصدِّقون ذلك ؟ طريقة من طرق التخلُّص من النفايات الذريَّة، نرسل باخرة مساعدات غذائيَّة نصفها غذاء، ونصفها نفايات ذريَّة ذات إشعاع تُلْقَى في سواحل الدول المتخلِّفة، فلذلك يوم القيامة يُحاسب الإنسان عن كل شيء:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) ﴾

( سورة إبراهيم )

 وقال:

﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48) ﴾

 لا تُحل مشكلة هناك:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾

( سورة الحجر )

 ورد في الحديث الصحيح أن النبي يقول يوم القيامة:

(( أَلا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ مِنْكُمْ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ أُنَادِيهِمْ أَلا هَلُمَّ فَيُقَالُ إِنَّهُمْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقًا سُحقًا ))

[ أحمد عن أبي هريرة ]

صلاتك يجب أن تتوج استقامتك وأخلاقك العالية:

 يا أخواننا الكرام، صدِّقوني والله إني لكم ناصحٌ أمين، وأنا أنصح نفسي قبلكم، الدين ليس أن تصلي فقط، الصلاة أقل ما في الدين، الصيام أقل ما في الدين، الدين أن تكون صادقاً، أن تكون أميناً، أن تكون عفيفاً، أن تكون ورعاً، أن تؤدِّي الحقوق، أن تعطي كل ذي حقٍ حقَّه، الدين أن تبيع بيعاً شرعياً، الدين أن لا تبيع بضاعةً فاسدة، هل يمكن لإنسان أن يحك تاريخ انتهاء مفعول دواء ليبيعه لمريض ؟! والله أنا كل حياتي كنت أظن أن الدواء المنتهي مفعوله لا ينفع، ثم ثبت لي بشيء مخيف أنه يؤذي، لأن هذه المواد الكيماوية إذا فكِّكت قد تصبح مواد سامَّة، لو كان لا ينفع خسر ثمن الدواء فقط ولم يشف، أما حينما يؤذي !عندما يبيح الإنسان لنفسه أن يغيِّر تاريخ انتهاء مفعول دواء، أو يبيح لنفسه أن يبتز مال إنساناً، يوهم إنساناً، يخدع إنساناً، يغش إنساناً، هذا ولو صلَّى:

﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ (142) ﴾

( سورة النساء: من آية " 142 " )

 يخادعون الله بالصلاة، اعتبر أن صلاتك يجب أن تتوج استقامتك، أن تتوِّج أخلاقك العالية، أن تتوِّج صدقك وأمانتك، إحسانك للخلق، لو فهم المسلمون الدين فهماً عميقاً والله لكنَّا في حال غير هذا الحال:

(( خَيْرُ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُ مئة وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلافٍ وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ ))

[أبي داود عن ابن عبَّاس]

الصلاة وحدها لا تكفي بل يجب أن تكون رادعاً لك عن الفحشاء والمنكر:

 انتبهوا أيُّها الأخوة، ليست القضية أن تصلي فقط، أكثر الناس يقول لك: فلان صاحب دين، فما الدليل ؟ إنه يصلي، لا، لا تكفي، طبعاً :

﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45) ﴾

( سورة العنكبوت: من آية " 45 " )

 وقال:

﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) ﴾

 كان البلاء كبيراً جداً والله عزَّ وجل نجَّاهم من فرعون ودمَّر ما كان يصنع فرعون وجنوده، وكتب لهم السلامة والحياة بعد أن ساهم فرعون في إضلالهم، وتذبيح أبنائهم، واستحياء نسائهم.

 

ماذا نستفيد من الآيات التالية ؟

 قال تعالى:

﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) ﴾

 ماذا نستفيد من هذه الآيات ؟ ليفتح الواحد منا دفتراً ويسجِّل، قال:

﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ﴾

( سورة إبراهيم: من آية " 5 " )

 يوم نجَّاك الله عزَّ وجل من مرض عويص، يوم نجاك من حادث، يوم أنجحك في الجامعة، يوم سمح لك أن تسكن في بيت لوحدك، يوم زوَّجك، يوم أعطاك حرفة جيدة، هذه كلها من نعم الله العُظمى، علَّمنا الله من خلال هذه الآيات: واذكروا:

﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ (49) ﴾

 وقال:

﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ (50) ﴾

 وقال:

﴿ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى (51) ﴾

 وقال:

﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ (52) ﴾

 الإنسان من حينٍ لآخر يجب أن يذكر نعم الله المتتالية عليه، هذه النعم تجعله يحبُّ الله عزَّ وجل:

((أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني لحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي.))

[الترمذي والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما]

علو الإنسان في الأرض لا يعني أن الله راضٍ عنه:

 أيها الأخوة، كما قلت قبل قليل لا زلنا في موضوع بني إسرائيل والأمراض التي أهلكتهم، وعلو الإنسان في الأرض لا يعني أن الله راضٍ عنه، نقطة مهمَّة، طبعاً:

﴿ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) ﴾

( سورة الإسراء)

 أصواتهم مرتفعة، والإعلام بيدهم، هذا معنى:

﴿ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾

 ومع ذلك علوِّك في الأرض لا يعني أن الله يحبُّك إطلاقاً، الله أعطى الملك لفرعون وهو لا يحبُّه، قال فرعون:

 

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) ﴾

 

( سورة النازعات )

 قال :

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي (38) ﴾

( سورة القصص: من آية " 38 ")

 أعطى المال لقارون، وهو لا يحبه، فالإنسان لا يفرح أو لا يعظِّم أصحاب الأموال وأصحاب القوَّة والسلطان، لأن هذا لا يعني أن الله يحبُّهم، فذلك قد يعني العكس، أعطى الله المُلك لمن يحب وأعطاه لمن لا يحب، أعطاه لسيدنا سليمان أيضاً، وأعطى المال لسيدنا ابن عوف وسيدنا عثمان، فلا المُلك مقياس ولا المال مقياس المقياس طاعة الرحمن، فإذا كنت في طاعة الله فأنت أسعد الناس، وانتظر من الله كل خير، وتفاءل، وكن مع الله عزَّ وجل بالشكر لهذه النِعَم الجزيلة، وإن شاء الله في درسٍ قادم نتابع هذه الآيات .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018