الدرس : 08 - سورة فاطر - تفسير الآيات 27-34 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 08 - سورة فاطر - تفسير الآيات 27-34


1992-06-19

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون... مع الدرس الثامن من سورة فاطر، وصلنا في الدرس الماضي إلى نهاية الآية السادسة والعشرين، واليوم نبدأ بالآية التالية، وهي قوله تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنْ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ(27)وَمِنْ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾

(سورة فاطر)

 قبل أن نمضي في شرح هذه الآية نقف وقفة متأنية أو قصيرة عند سر ترتيب آيات الله عز وجل.

لمَ لمْ يكن القرآن مرتبًا ترتيباً موضوعياً ؟

 تلاحظون أن الله عز وجل في السورة الواحدة ينوع بين آيات كونية إلى أحكام فقهية إلى أخبارٍ عمن قبلنا إلى وعد إلى وعيد، قد يسأل سائل: لمَ لم يكن القرآن مرتب ترتيباً موضوعياً ؟ لم لا تكون آيات الكون في فصل، والأحكام الفقهية في فصل، والتاريخ في فصل ؟ هذا السؤال جوابه فيما يلي: إن هذا القرآن كتاب هداية، ومادام كتاب هداية فينبغي أن يتماشى مع طبيعة النفس، فإذا جلست إلى طعام ينبغي أن تأكل طعاماً دسماً وفواكه ومقبلات وشراباً وحلويات، أيعقل أن تأكل لأسبوع بشكل مستمر طعاماً من نوع واحد مقبلات أو فواكه ؟
فربنا عز وجل جمع في السورة الواحدة موضوعات شتى كل هذه الموضوعات في مجملها تشكل وحدة إرشادية، فتارة تحتاج إلى آية كونية ترقى بها إلى الله، وتارة تحتاج إلى حكم فقهي تطبقه لتصلح دنياك، وتارة بحاجة إلى خبر عن الأقوام السابقة لتتعظ، فتنوع الموضوعات في السورة الواحدة من لدن حكيم خبير، وترتيب القرآن كما تعلمون ترتيب توقيفي جاء به الوحي السماوي، فحينما ننتقل من حديث عن الدنيا والآخرة إلى حديث عن الكون إلى حديث عن الأمم السابقة إلى وعد إلى وعيد إلى مشهد من مشاهد الآخرة، هذا الترتيب يجب أن نأخذه بعين الاعتبار، ويجب أن نعتقد جميعاً أن هذا الترتيب ترتيب خالق الكون، ترتيب منزل هذا القرآن.
 الآن ننتقل إلى صفحة من صفحات الكون، ربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿أَلَمْ تَرَ﴾

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا

1 ـ أَلَمْ تَرَ

 هذه الرؤيا رؤية القلب أو العلم، يعني ألم تعلم ؟ كلكم يعلم أن فعل رأى على نوعين، رأى بصرية ورأى قلبية، قد تقول: رأيت الشمس ساطعة، هذه رأى البصرية، وقد تقول: رأيت العلم نافعاً هذه رأى القلبية، فهذه رأى هنا تشير إلى رؤية القلب أو إلى العلم، ألم تر أيها الإنسان ظاهرة إنزال المطر، أليست ظاهرة بين يديك ؟ ألا تراها في كل فصل ؟ الذي عاش أربعين عاماً مضى عليه أربعون شتاءً، ألم ير خلال عمره هطول الأمطار ؟ كيف أن هذه المساحات الواسعة ـ البحار ـ من المسطحات المائية تتعرض لأشعة الشمس فتتبخر، فينشئ الله بها سحاباً، وتأتي الرياح فتسوق هذا السحاب إلى أرض عطشى تنعقد مطراً، تنبت زرعاً، تأكل منه أنعامنا ونأكل منه نحن..
 هذه الآية في متناول الناس جميعاً، فإذا قال الله عز وجل:

﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾

 أي أن هذه الآية بين يدي الإنسان.

 

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً ﴾

 

2 ـ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً

 للحديث عن هطول الأمطار، وعن تشكل السحاب، وعن علاقة الهواء بالماء، وعن علاقة الهواء ببخار الماء، وكيف أن الهواء يتحمل بخار الماء وفي كل درجة من درجات حرارة الهواء يتحمل بها كمية من الماء، فإذا انخفضت هذه الدرجة تخلى عن بعض الماء الذي حمله، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَأَنزَلْنَا مِنْ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا ﴾

(سورة النبأ)

 طبيعة المطر، وإنشاء السحاب، وانعقاد حبات المطر، وهطول الأمطار هذا موضوع دقيق جداً يحتاج إلى دراسات طويلة، لكنه آية من آيات الله الدالة على عظمته، وهي بين أيدي الناس، الأرض عطشى، الأشجار يابسة، تأتي الأمطار فتجعل الأرض جنة، وتجعل الأشجار منتعشة مروية تحمل الثمار وما يلذ للإنسان.

 

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً ﴾

 لكن محور هذه الآية يتحدث عن ظاهرة الألوان، الآية كلها عن ظاهرة اللون، كلكم يعلم أن الله سبحانه وتعالى خلق الكون ونوره، فالشمس جعلها الله جلّ وعلا مصدر الضياء.

 

 

﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا ﴾

 

( سورة يونس)

 فاللون هو شيء دقيق جداً، حينما يسلط الضوء على شيء ما فهذا الشيء يمتص كل الألوان، عدا لونٍ واحدٍ، اللون الذي لا يمتصه هذا الشيء هو لونه، طبقة الهواء تمتص ستة ألوان عدا اللون الأزرق، إذاً: لون السماء أزرق، الماء كذلك، فموضوع اللون متعلق بالضوء، فإذا لم يكن هناك ضوء فلا لون، والضوء كما تعلمون مؤلف من سبعة ألوان، فإذا اجتمعت هذه الألوان ظهر اللون الأبيض، وإذا أردت أن تعرف حقيقة هذه الظاهرة ضع مرآة في قعر إناء تحت أشعة الشمس لترى أن هذا الضوء الأبيض قد تحلل على الحائط إلى سبعة ألوان، فالضوء الأبيض مؤلف من سبعة ألوان، وما قوس القزح إلا تحليل لضوء الشمس، ‍فهذه الألوان السبعة المجتمعة بلون واحد هو الأبيض، إذا سلطت أشعة الشمس على شيء فهذا الشيء يمتص الألوان الستة عدا اللون الذي يبدو لأعيننا أنه لون هذا الشيء، فظاهرة اللون يتحدث الله عنها في هذه الآية:

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ﴾

3 ـ فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا

اختلاف الثمرات شكلا وطعمًا ولونًا صغرا وكبرًا هذا من نعم الله:

 انظر إلى لون التفاحة الأصفر، ثم إلى لون التفاحة الأصفر المشرب بالحمرة، أو إلى لون تفاحة أحمر، أو إلى لون تفاحة أحمر داكن، كل فاكهة لها لون يأخذ بالألباب، بل إن المهندسين ليهتدون بألوان الفواكه وألوان الفراشات وألوان النباتات في تصميم ألوانهم.
 إذاً: ربنا سبحانه وتعالى يلفت النظر إلى قيمة اللون في حياة الإنسان، إن بعض الحيوانات لا ترى إلا الأبيض والأسود، وفرق كبير بين أن ترى صورة ملونة بمنظر طبيعي وبين أن ترى صورة بالأبيض والأسود، فاللون من نعم الله العظمى على الإنسان، يبعث البهجة في النفس، وأحد أسباب متعة العين الألوان التي صممها الله عز وجل في هذا الكون، واللون كما قلت قبل قليل: لا يظهر إلا بالضوء، والله سبحانه وتعالى نور السماوات والأرض، فإذا نظرت إلى الفاكهة ربما كان اللون له دلالة على نضجها، فربنا عز وجل يقول:

﴿ وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴾

( سورة النحل )

 فالإنسان الذي يعمل في الزراعة يهتدي إلى نضج الفواكه والثمار والخضراوات باللون، ادخل إلى حقل الطماطم ـ البندورة ـ ماذا ترى ؟ هذه العناقيد كلها خضراء، أما الحمراء فتقطفها، كلما وجدت ثمرة حمراء اللون تقطفها هي الناضجة، فاللون علامة النضج، وهذا من فضل الله على الإنسان، فكل شيء أعطاه علامة دالة على مضمونه، فاللون من جهة متعة بالغة للإنسان ومن جهة ثانية مؤشر على حالة معينة للفاكهة، فالفاكهة الخضراء لا تؤكل.

 

﴿ انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ﴾

 

( سورة الأنعام: 99 )

 ينعه أي نضجه، كيف نعرف نضجه ؟ من لونه، فالإنسان إذا أمسك فاكهة ليأكلها فإنه ينظر إلى دقة هذا اللون.
 الآن: الكرز له لون رائع المشمش له لون ناضر جذاب، ومثله التفاح العنب..إلخ، أحياناً اللون يثير الشهية، كما يثير المتعة، متعة العين، واللون الذي تصطبغ به الفاكهة يثير شهية الإنسان، واللون مؤشر على نضج الفاكهة، فهذه الآية الكونية التي أشار الله إليها في هذه الآية يجب أن نهتم بها.
 الإنسان لا ينبغي أن يأكل كما تأكل بقية المخلوقات، بل يجب أن يأكل كما يأكل الإنسان العاقل، أن يجعل من طعامه دليلاً على الله عز وجل، وهكذا قال الله عز وجل:

 

﴿ فَلْيَنْظُرْ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾

 

(سورة عبس)

 انظر إليه، انظر إلى لون الفاكهة، أضف إلى اللون حجم الفاكهة، أضف إلى حجمها رائحتها، أضف إلى رائحتها شكلها، قوامها ما فيها من مواد غذائية، اجمع بين المواد الغذائية مع النضج مع القوام مع الحجم مع الشكل مع اللون مع الرائحة مع طريقة التناول، مع امتداد فترة القطاف، لو أن الفواكه تنضج في يوم واحد لأتلفناها، لكن الفواكه التي نأكلها تنضج تباعاً، وهذا من نعم الله العظمى، بينما المحاصيل تنضج في يوم واحد، أكمل شيء في المحاصيل أن تنتج في يوم واحد، وأكمل شيء في الفاكهة أن تنضج تباعاً، بل إنها مجموع الفواكه التي نستفيد منها في فصل واحد تنتج أيضاً تباعاً بحسب أنواعها.
 فمن كان لديه بستان فيه من كل الثمرات فهو يقطف نوعاً نَوعاً بالتدريج، وهذا من فضل الله، هذه اسمها برمجة، الفواكه مبرمجة، والنوع الواحد مبرمج، وهذا من فضل الله عز وجل.
 حدثني أحدهم أنه ضمن حقلاً للبطيخ خلال ثلاثة أشهر كان يقطف منه ما يملأ سيارة شحن كل يوم ! إذاً هذا الحقل يعطيك هذه الفاكهة الصيفية على مدار تسعين يوماً، هذه برمجة، لو أن هذا البطيخ نضج كله في يوم واحد، ماذا نستفيد منه ؟
 إذا نظر الإنسان إلى الفاكهة، وتأمل في ألوانها علم أن اللون له وظيفة، تارة يثير الشهية، وتارة يدل على النضج، وتارة يمتع العين، بل إن هناك من يضع صورة للفواكه في غرفة الطعام على أنها قطعة فنية، منظر الفاكهة بألوانها اليانعة، بعد أن تصبح يانعة هذا لون يثير الحاسة الجمالية في الإنسان، فربنا عز وجل يقول:

 

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ﴾

 التركيز في الآية لا على فائدة الفاكهة، ولا على طعمها، ولا على ما فيها من مواد غذائية، ولا على تناسبها مع طبيعة الإنسان، التركيز هنا على اللون، ظاهرة اللون.

 

 

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ﴾

 مع أنها تسقى بماء واحد، هذه البذرة فيها قوام النبات وفيها عمر النبات، وفيها عطاء النبات، وفيها نوع الفاكهة، وطعمها ولونها، وقوام الفاكهة كلها معلومات موضوعة في نويّتها، وهذه المعلومات كما قلت قبل حين تزيد على خمسة آلاف مليون معلومة مبرمجة !
 هذه البذرة تزرعها في التراب، فإذا هي شجرة زيتون أو شجرة تفاح لها طباع، ولها عمر معين، ولها إنتاج معين، حتى إن الفاكهة الواحدة منها أنواع منوعة أي بالمئات، وأية فاكهة تخطر في بالكم ففي العالم أنواع منها بالمئات !
 هناك نوع كبير الحجم، نوع صغير الحجم، نوع يظهر متأخراً، نوع باكوري، نوع حامض الطعم، أنواع منوعة لا يعلمها إلا الله، يكفي أن من العنب في بعض حقول التجارب عندنا ما يزيد على ثلاثمائة نوع، والتفاح كذلك، وكل أنواع الفواكه والثمار أنواع منوعة، هذه للنقل، وهذه للمائدة وهذه للصناعة، وهذه للعصير، وهذه نسيجها متماسك، وهذه ماؤها كثير، وهذه كروية الشكل، وهذه صلبة النسيج، أنواع منوعة، فإذاً نوع الفاكهة ونوع الطعام هذا دليل على عظمة الله عز وجل، والإنسان العاقل ينبغي أن يجعل من طعامه دليلاً على عظمة الله عز وجل.
 إذاً:

 

 

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنْ الْجِبَالِ ﴾

 

الجبال:

 ومثل الفواكه ؛ أيضاً هذه الجبال، فإنك تذهب إلى مكان فترى جبلاً أحمر اللون، وفي مكان آخر ترى جبلاً أبيض، وفي بلاد الحجاز الجبال سوداء اللون بلون الفحم، وبعض الأماكن جبالها حمر، وبعضها جبال كلسية بيضاء اللون، فهذه ظاهرة اللون كما أنها في الفواكه هي في التضاريس، وكل تربة لها لونها الخاص، كل منطقة لها طبيعتها الخاصة، فإذا ذهبت إلى منطقة حوران فالتربة لها لون، إذا ذهبت لمنطقة أخرى فالتربة لها لون آخر، وإذا ذهبت إلى جبال معينة فهذه الجبال فلها لون تتميز به، قال تعالى:

﴿ وَمِنْ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا ﴾

وَمِنْ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا

ـ جُدَدٌ

 الجدد هي الطرق، الطرق في الجبال، تراها تارة بيضاء، وتارة حمراء، وتارة سوداء، حسب لون صخور تلك الجبال.

 

﴿ وَمِنْ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا ﴾

 حتى لو أن هذه الطرق حمراء اللون، إلا أنها متفاوتة في هذا اللون، فاللون الواحد قد يكون متفاوتاً.

 

 

﴿ وَغَرَابِيبُ سُودٌ ﴾

 

وَغَرَابِيبُ سُودٌ

 دعك من الجبال، ودعك من الفواكه والثمار، وانظر إلى لون الإنسان، فهذا أبيض ناصع، وهذا حنطي اللون، وهذا أسمر داكن، وهذا أسود غربيب، فما هذا اللون الذي منحه الله لبني البشر ؟

1 ـ لون الإنسان:

 قرأت مقالة عن اللون، فيها أن أشد الناس تلوناً فيه مادة لا يزيد وزنها على واحد بالألف من الميليغرام ! موزعة في جلد الإنسان، يصبح لونه بهذا الشكل أو بشكل آخر، فلو جئت بآلة تصوير، وصورت عشرة أشخاص لرأيتهم بلون واحد في الصورة، أما لو نظرت إليهم بعينيك لرأيت كل إنسان منهم ينفرد بلون لا يزاحمه في أحد، وهذا اللون من فضل الله على الإنسان، الإنسان من تكريم الله له أنه جعله فرداً متميزاً، ومن علامة فرديته أنه يتميز بلون خاص، وملامح خاصة، ونبرة خاصة، ورائحة جلد خاصة، هذه الفردية في الإنسان تكريم من الله عز وجل.
 إذاً..

﴿ وَمِنْ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ﴾

2 ـ معنى: غَرَابِيبُ سُودٌ

 غرابيب سود أي أسود داكن شديد السواد، أو لون أحمر مختلف في درجاته، أو لون أبيض مختلف في نصاعته.

 

﴿ وَمِنْ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ ﴾

 

وَمِنْ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ

ـ ظاهرة اللون في المخلوقات:

 أيضاً هذه الدواب انظر إلى ألوان البقر، بقرة صفراء فاقع لونها، بقرة سوداء بقرة بيضاء، بقرة بيضاء وسوداء، هذا من حيث البقر، والجمال كذلك، هناك جمل أسود، وجمل أشهب، وجمل أبيض، وجمل أشقر، وكذلك الغنم والماعز، فحتى الدواب بشكل عام، والأنعام بشكل خاص لها ألوان متفاوتة، فكأن هذه الآية أرادت أن تلفت نظر الإنسان إلى ظاهرة اللون، وكيف أن الإنسان مكرم بأنه أعطي عينين يرى بهما الألوان، فلو أن هذه الألوان الصارخة الجميلة التي بثها الله في الكون موجودة، ولكن عيني الإنسان لا تريان إلا الأبيض والأسود فما قيمة ذلك ؟ لو أنك صورت منظراً جميلاً فيه من الأزهار من كل الأنواع، والفيلم أبيض وأسود، كل هذه الألوان تنطمس، ولا قيمة لها، وشتان بين صورة ملونة وصورة بيضاء وسوداء، فرق كبير بينهما، فلذلك:

 

﴿ وَمِنْ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ ﴾

 ظاهرة اللون في البشر، وفي الحيوانات، والنباتات، وفي الجماد، فربنا عز وجل ذكر ظاهرة اللون في كل الأنواع، في نوع الجمادات، ولا سيما الجبال، وفي نوع النباتات، ولا سيما الثمار، وفي نوع المخلوقات، ولا سيما الحيوانات، وفي الأخص الأنعام، وفي نوع الإنسان، فظاهرة اللون ظاهرة تلفت النظر، وهي موضوع للتفكر في خلق السماوات والأرض.
 أب وأم يأتيان بأولاد مختلفي الألوان، من ولد ناصع في بياضه، إلى ولد داكن لونه، والأم والأب من نوع واحد ! وهذا أيضاً من دلائل الله عز وجل على عظمة خلقه.

 

 

إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ

 

1 ـ العلماء وحدهم الذين يخشون اللهَ:

 أيها الإخوة الأكارم، في هذه الآية تعقيب دقيق جداً، هذا التعقيب يقول:

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ﴾

 ومعروف لديكم أن كلمة ( الله ) لفظ الجلالة مفعول به مقدم، و( العلماء ) فاعل مؤخر، أي: إنما العلماء يخشون الله، ولو قلنا: العلماء يخشون الله، فلا يمنع من أن يخشى الله غير العلماء، لكن حينما قال الله عز وجل:

 

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ﴾

 

 

2 ـ العلمُ طريق الخشية:

 وهذا كلام خالق الكون، يجب أن نعلم علم اليقين أن العلماء وحدهم يخشون الله، وهذا يعطينا معلومات دقيقة في أن طريق الخشية هي العلم، ليس هناك من طريق إلى الله عز وجل إلا العلم، لأن الخشية في هذه الآية محصورة ومقصورة على العلم، فإذا أردت الله عز وجل فعليك بالعلم.
 أولاً: العلماء وحدهم يخشون الله.
 وثانياً: من لم يخش الله عز وجل فليس عالماً، ولو قال لك: أنا أحمل أعلى شهادة في العالم، ولو أظهر لك شهاداته كلها، مادام يعصي الله، ولا يخشى الله عز وجل فليس بعالم، بإمكانك أن تدمغه بالجهل.

3 ـ العاصي مدموغ بالجهل:

 إنّ أيّ إنسان يعصي الله، ومعنى يعصي الله أنه لا يخشاه، فهذا الإنسان مدموغ بالجهل بنص هذه الآية، فإذا كنت مصدقاً لكلام الله عز وجل، وكان هذا الكلام كلام الله ملء سمعك وبصرك وملء جوانحك، وأنت معتقد أن كل ما فيه حق، وأن هذا الكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إذا كنت معتقداً أن هذا كلام الله، كلام خالق الكون، وهو يقول:

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ﴾

 استنبطت الحقائق التالية: أولاً طريق الخشية هي العلم، ولا شيء غير العلم.
 ثانياً: من لم يخشَ الله فليس بعالم، ولو حفظ آلاف الكتب، لذلك كفى بك علماً أن تخشى الله، كل من خشي الله فهذا وسام شرف أنه عالم، كل من خشي الله، يؤكد لك من خلال هذه الآية أنه يعرف الله، لو أنه لا يعرفه لم يخشه، وكل من يعصِ الله عز وجل فثمة عار في جبينه !  إنه جاهل، فلك أن تؤكد أن الذي يعصي الله جاهل، ولك أن تؤكد أن الذي يطيعه عالم بالله بحالٍ أو بآخر.
 و( إنما ) تفيد القصر، أي العلماء وحدهم، ولا أحد غيرهم يخشى الله، فالعلم هو طريق الخشية.

 

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ﴾

 

 

4 ـ مفهوم الخشية:

 الخشية أيها الإخوة، قد يفهمها بعضهم خوف العقاب، هذا معنى ضيق، المعنى الضيق للخشية أن تخشى عقابه، لكن المعنى الواسع للخشية من دون أن تخشى عقابه حينما تتصور عظمته ينكسر قلبك خضوعاً له، انكسار القلب وخضوعه لعظمة الله عز وجل هي الخشية.
 وقال بعض العلماء: هذه الخشية إما أن تحصل بطريق التصور، وإما أن تحصل بطريق التجلي، إما أنك من خلال التفكير في الكون تتصور عظمة الله عز وجل فيخشع قلبك، وإما أن يتجلى الله عليك فتخشاه، على كلٍّ الأول كسبي، والثاني وهبي، خشية الله من خلال بالتفكر في الكون كسبية، وبإمكان أي إنسان أن يحصل عليها، إذا فكر في آيات الكون الدالة على عظمته يمتلئ قلبه استعظاماً لله عز وجل، فإذا تصور عظمة الله عز وجل خضع قلبه لله، أما إذا تجلى الله عليه بأنواره خشع قلبه.

﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾

( سورة الحشر: 21)

5 ـ علاقتها بالعلم علاقة طردية:

 شيء آخر الخشية علاقتها بالعلم علاقة طردية، كلما نما العلم نمت معها الخشية، فإذا أردت مؤشراً للعلم فعليك بالخشية، الذي يخشى الله هو الذي يعرفه، والذي لا يخشى الله لا يعرفه، تكاد تكون الخشية متوازية في حركتها مع الخط العلمي، فإذا أردت مزيداً من الخشية فعليك بمزيد من العلم، وإذا بدا منك مزيد من الخشية فهذه علامة أنك على علم جيد بالله عز وجل، وهناك علم حجمه لا يكفي لخشية الله عز وجل، إذاً: هذا العلم ليس منجياً، العلم المنجي هو الذي في مجموعه يحملك على خشية الله عز وجل، والنبي أعلمنا بالله، فإذاً هو أشدنا لله خشية، وهكذا قال عليه الصلاة والسلام، وفي الحديث:

 

(( أنا أخشاكم لله ))

 أخرجه البخاري من حديث أنس:

 

 

(( والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له ))

 وللشيخين من حديث عائشة:

 

 

(( والله إني لأعلمهم بالله، وأشدهم له خشية ))

 والعبرة هي الخشية، العلم ثمرته الخشية، فمن تعلم ولم يخشَ فلم يتعلم، كطالب يدرس حتى يكون له دخل معقول، فلو تعلم ولم يُوظف مثلاً ما قيمة هذه الشهادة ؟ في نظام الحياة العلم الديني مؤداه الخشية، فمن لم يخشَ فما قيمة هذا العلم ؟
 الخشوع في الصلاة ليس من فضائلها، بل من فرائضها، والفلاح في القرآن جاء مرة:

 

 

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴾

 

( سورة الأعلى )

 وجاء مرة:

 

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1)الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾

 

(سورة المؤمنون)

 فلذلك الخشية والخشوع من ثمرات العلم، فإذا أردت أن تخشى الله عز وجل فعليك بالعلم، والعلم بلا خشية كالشجر بلا ثمر.

 

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنْ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ(27)وَمِنْ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ ﴾

 ظاهرة اللون في الجماد تظهر في الجبال، أما في النبات ففي الثمار، وعند الحيوانات في الأنعام، وفي البشر، ظاهرة اللون ظاهرة معقدة جداً، علاقتها بالنور وبإسقاط النور على الأشياء، وبامتصاص الشمس للألوان، وعدم امتصاصه لبعض الألوان، واللون له عدة وظائف مرة يثير المتعة في الجبال، وفي مظاهر الطبيعة، ومرة يثير الشهية في الفواكه والثمار، ومرة يدل على حقيقة متعلقة بالنبات، تحت قوله تعالى:

 

 

﴿ وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴾

 

( سورة النحل )

 هذه معرفة الله من خلال الكون، الكتاب المفتوح، وهناك معرفة بالله من خلال قرآنه، يقول الله عز وجل بعد هذه الآية:

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ ﴾

 

إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ

معنى: يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ

 يتلونه حق تلاوته، ومعنى يتلون كتاب الله يتلونه بتدبر، ومع التدبر إدراك، ومع الإدراك خشوع، ومع الخشوع عمل، وبعد العمل سعادة، تّدبر، إدراك، خشوع، تطبيق، سعادة، كل هذه المعاني منطوية في قوله تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ ﴾

 مادام المرء قد تلا كتاب الله فقد شعر بحاجة إلى أن يتصل به، وأقاموا الصلاة، تلوا كتاب الله ؛ يتلون كتاب الله حق تلاوته، ينطقونه حق النطق، يفهمونه حق الفهم، يطبقونه حق التطبيق، كل هذه المعاني معنى التلاوة: القراءة، ومعنى الفهم، ومعنى التطبيق كلها تحت قوله تعالى:

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ﴾

 يعني الدين في مجمله: معرفة واتصال، وإحسان، معرفة بالله واتصال به، وإحسان إلى خلقه.

 

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً ﴾

 

وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً

ـ الإنفاق مطلَق:

 هؤلاء تعرفوا إلى الله إما من خلال الكون، أو من خلال كلامه، أو منهما معاً، وأقاموا الصلاة، فاتصلوا بالله عز وجل، وأنفقوا مما رزقناهم، وهذه آية مطلقة، إذا آتاك الله علماً، أو جاهاً، أو قوة، أو خبرة، أي شيء آتاك الله إياه يجب أن تنفق منه.

﴿ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ﴾

يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ

ـ التجارة مع الله رابحة بكل المقاييس:

 في الحقيقة: التجارة أن تنفق شيئاً، وتأخذ أكثر منه، التجارة مهما تنوعت فهناك رأس مال، وهناك مبيع، والفرق بينهما هو الربح، فأنت في الدنيا تتاجر مع الله، والله جل في علاه يحب أن تتاجر معه، وأن تربح عليه، لكنك في تعاملك مع الله لا تربح الربح القانوني الذي يربحه التجار، بل تربح مع الله أضعافاً مضاعفة، حينما ترى مقامك في الجنة ترى أن هذا المبيع لا يتوازن أبداً مع ثمن الشراء، الذي بذلته في الدنيا لا يتناسب أبداً مع العطاء في الآخرة، إنه ألوف ملايين الأضعاف، لذلك المؤمن من علامات خجله أنه يعرق حينما يرى مقامه عند الله عز وجل، ماذا فعل ؟
 بالتجارة تشتري بمائة وتبيع بمائة وخمسين مثلاً، أو مائتين، وهو ربح فاحش، أو بثلاثمائة بالألف، لكنك مع الله عز وجل:

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾

(سورة البقرة)

 الربح أضعاف مضاعفة، لذلك قال الله عز وجل:

 

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ﴾

 

( سورة البقرة )

 معنى التجارة وارد في آيات أخرى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(10)تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(11)يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾

 

( سورة الصف )

 اسأل تاجراً اشترى شيئاً ما بمائة، وباعه بعشرة آلاف ! تجده يكاد يقفز عن الأرض قفزاً، هذه بيعة دونها أية بيعة، إذا اشترى شيئاً بثمن بخس، وباعه بأضعاف مضاعفة فهو ربح مسعد، التجار يعرفون طعم الربح، لكنك إذا تاجرت مع الله عز وجل فالأرباح مضمونة، وأضعافها كثيرة، ولا يعلمها إلا الله، لذلك:

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ﴾

 التجار حينما تزدحم عليهم الزبائن، وحينما تروج بضاعتهم، وحينما يبيعون بأرقام خيالية ينسون صلاتهم وعبادتهم، ويظنون أنهم سعداء بهذه الأرباح، بينما الذين يتلون كتاب الله، وأقاموا الصلاة من مسجد إلى مسجد، ومن درس علم إلى درس علم، ومن طاعة إلى طاعة، ومن بذل إلى بذل، فهؤلاء يبدو لأهل الدنيا أنهم خاسرون، ولكن ما قولكم لو عكست الآية ؟ هؤلاء الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة، وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية هؤلاء وحدهم يرجون تجارة لن تبور ! وهم فقط الرابحون.
 هذه هي التجارة الرابحة التي صفقتها مع الله، أحياناً الإنسان بعمله يكون له هداية ودعوة إلى الله، أنا إذا رأيت أخاً كريماً له حرفة وله دعوة، أقول له: والله إن سعيك لهداية فلان أربح تجارة تفعلها في حياتك، وإن كل أعمالك التجارية مهما كبر حجم أرباحك لا تساوي هداية إنسان، لذلك عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِي اللَّه عَنْه سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَوْمَ خَيْبَرَ:

 

 

(( لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، فَقَامُوا يَرْجُونَ لِذَلِكَ أَيُّهُمْ يُعْطَى، فَغَدَوْا وَكُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَى فَقَالَ: أَيْنَ عَلِيٌّ ؟ فَقِيلَ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ فَأَمَرَ فَدُعِيَ لَهُ فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ فَبَرَأَ ! مَكَانَهُ حَتَّى كَأَنَّه لَمْ يَكُنْ بِهِ شَيْءٌ فَقَالَ: نُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا فَقَالَ: عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، فَوَاللَّهِ لأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ))

 

[صحيح البخاري]

 فالإنسان السعيد الذي يتاجر مع الله، إذا تاجرت مع الله الربح مضمون، والربح نسبه عالية جداً، نسبه فلكية، وخيالية وقد لا يصدق حجم الربح مع الله عز وجل، لكنك إذا تاجرت في الدنيا الربح له سقف، يوجد من ينافسك في البيع، وقدرتك على الاستمتاع بهذه الأموال محدودة، فإذا جاء الموت فليس لك شيء، القدرة على الاستمتاع بالمال محدودة، مهما كنت غنياً ليس بإمكانك أن تأكل فوق ما يملأ معدتك، وليس بإمكانك أن تنام إلا على سرير واحد، وألا تلبس إلا ثياباً معدودة، وألا تكون إلا في مكان واحد، في وقت واحد، فالقدرة على الاستمتاع بالمال محدودة، والأرباح محدودة، والسقف موجود، وحينما يموت الإنسان يَدَع كل شيء حصله في حياته يوماً بيوم يفقده في ثانية واحدة، بينما إذا تاجرت مع الله عز وجل كانت الأرباح مضمونة لا سقف لها، وبإمكانك أن تسعد بها إلى أبد الآبدين ! فلذلك أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً.
 هؤلاء:

 

﴿ يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ(29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾

 

لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ

1 ـ أجر الله وافٍ مع الزيادة:

 إنّ تعبك في الدنيا، أداؤك الصلوات في أوقاتها، ذهابك إلى مجالس العلم، غض بصرك، ورعك عن مال حرام، قولك دائماً: إني أخاف الله رب العالمين، ضبط شهواتك، ضبط جوارحك ولسانك، إنفاق مالك، وإنفاق وقتك، تحمل المشاق، الصبر على الطاعات، الصبر عن الشهوات، والصبر على الملمات، هذا كله سوف تجده في صحائفك يوم القيامة، ولن يضيع عليك شيء منه عند الله عز وجل، ولن يَتِرَكَ عملهم.

﴿ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ﴾

 من فضله فوق الأجور التي يستحقها، هذا الشيء ثمنه ألف مثلاً، فيعطيك مليوناً ! أخذت الثمن وزيادة.

 

﴿ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾

 

 

2 ـ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ

 غفر لهم أخطاءهم وذنوبهم، وشكرهم على أعمالهم الصالحة، غفور شكور: أخطاؤك غفرها لك، وحسناتك ضاعفها لك، وشكرك عليها.

﴿ وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾

وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ

1 ـ وحيُ الله حقٌّ:

 هذا القرآن الذي أوحاه الله جل في علاه إلى النبي عليه الصلاة والسلام هو الحق، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتبدل ولا يتغير ولا يعدل ولا يلغى، والباطل الشيء الزائل، فأنت إذا كنت مع الحق فأنت في طمأنينة ويسر وبحبوحة، أما إذا كنت مع الباطل فأنت مغامر ومقامر، تغامر بسعادتك الأبدية، وتقامر بها، لأن الباطل كان زهوقاً، فإذا زهق الباطل زهق الإنسان معه، فكن مع الحق، وإلا فهناك مغامرة ومقامرة.

﴿ وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾

2 ـ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ

من اتبع كلام الخبير فهو في سعادة وطمأنينة:

 خبير هو الذي خلقهم، يعرف طبيعة النفس، وما يصلحها، ويسعدها، ويطمئنها، ويعرف ما يشقيها، وما يبعدها، فإذا اتبعت كلام الخبير فأنت في سعادة، وأنت في حياتك الدنيا في كل قضية تبحث عن الخبير، إذا أردت أن تشتري مركبة تبحث عن خبير يفحصها لك، وإذا أردت أن تشتري بيتاً يجب أن تبحث عن خبير، يقدر لك ثمن هذا البيت، وإذا أردت أن تشتري آلة يجب أن تبحث عن خبير، فأنت بحاجة ماسة إلى الخبير، فإذا أردت أمر آخرتك، وكنت حريصاً على سلامتك وسعادتك ونجاتك وعلى دخولك الجنة فعليك بكلام الخبير، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾

3 ـ اجتماع صفة الخبرة والبصر في الله تعالى:

 خبير بهم، وبصير بأحوالهم، هناك خبير غير بصير، وبصير غير خبير، لكن اجتماع الخبرة مع البصر في الله عز وجل شيء عظيم، خبير وبصير، فكم من خبير ليس بصيراً، فيتلاحى الرجلان: أنت لم تقل لي، لماذا لم تقل لي ؟ أنك لست بصيراً ؟ وكم من بصير ليس بخبير، شاهدت لكن لا أعرف أن هذا الشيء خطير، هناك من يرى، وليس عنده خبرة، وهناك من عنده خبرة، وعلمه محدود لا يرى، طبيب في بيته وأخوه في منزل آخر قد ارتفع ضغطه مثلاً، فالطبيب خبير، لكن ليس بصيراً، يقول الطبيب: لماذا لم تخبرني يا أخي ؟ مادام ضغطك بهذا المستوى أخبرني، فقد تجد الخبير ليس بصيراً، وقد تجد البصير ليس خبيراً، لكن الله جل في علاه خبير وبصير.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ(29)لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ(30)وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ ﴾

 الحق هو الشيء الثابت الهادف الذي لا يتبدل ولا يتغير.

 

﴿ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾

 

4 ـ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ

 من الكتب السماوية لأن المصدر واحد، بيد يدي النبي التوراة والإنجيل، جاءت قبله والقرآن يصدقها لأن الحق لا يتغير ولا يتعدد.

 

﴿ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ(31) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ(32)جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ(33)وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾

 

ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ

 هذا الكتاب ؛ القرآن أورثه الله جل في علاه لعباده، اصطفاه لهم وأورثهم إياه، هذا الكتاب منحة السماء إلينا منهج فيه كل شيء، فيه خبر من قبلنا، ونبأ من بعدنا، وفيه حكم الله في كل شيء، هذا حلال، هذا حرام، هذا مقبول وهذا مرفوض، هذا يرضي الله، وهذا لا يرضي الله، فيه وعد ووعيد، وأمر ونهي، وحلال وحرام، وفيه مشاهد مستقبلية ومشاهد مضت.

﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ﴾

1 ـ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ

 لم يعبأ به وجعله وراءه ظهرياً، لم يهتم به قرأه تبركاً، لكن حياته في واد، وأحكام القرآن في واد، هذا الذي لم يفقه مراد الله من هذا الكتاب، لم يفهم حكمه، ولم يأخذ بأوامره، ولم ينته عما عنه نهى، قرأه قراءة جوفاء، ولم يقف عند حقائقه الدقيقة فكأنه ظلم نفسه بذلك، هناك من أعطاك تعليمات خطيرة جداً في شأن موضوع خطير، وأنت لم تستخدمها فلماذا ؟ لأنك لم تعبأ بها، عدم اهتمامك بها جعلك تهملها، فهذا الذي ظلم نفسه.

﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ﴾

 فمن عبادنا ليس من الذين اصطفينا من عبادنا.

﴿ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ﴾

 أحياناً يقول طبيب للمريض: مرضك ليس خطيراً، إذا اتبعت هذه التعليمات تشفى، أما إذا أهملتها يتفاقم، وعندئذٍ يصبح خطيراً، فهذا المريض إذا لم يعبأ بهذه التعليمات، ولم يهتم بها، بل سخر منها، يكون ظلم من ؟ ظلم نفسه، ولم يظلم أحداً آخر، الطبيب قال لك: هذه الأكلات تؤذيك، وهذه الحركات تؤذيك، وهذه الشدائد النفسية تؤذيك، ابتعد عن هذه وهذه وتلك، إذا أردت أن تشفى من مرضك فعليك بهذه التعليمات، فإن أخذت بها فقد نجوت، وإن أهملتها فقد ظلمت نفسك، فهذا الذي ظلم نفسه بعدم تطبيق كلام الله عز وجل.

 

﴿ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ﴾

 

2 ـ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ

 المقتصد بعضهم قال: هو الذي يجمع الحسنات والسيئات، هذا تفسير، التفسير الآخر: أنه يقف في الحدود الدنيا، أحل الحلال وحرم الحرام، لكنه ليس سباقاً إلى جنة عرضها السماوات والأرض.

3 ـ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ

 فهناك السابقون وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال، وهناك هالك وناجٍ ومتفوقٌ، المتفوق جعل كل حياته، وكل جهده، وكل وقته، وكل ماله، وكل شبابه، وكل عمره لله عز وجل، هذا باع نفسه لله، هذا معنى قوله تعالى:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ ﴾

 

( سورة التوبة )

 باع حياته كلها.

 

﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

 

(سورة الأنعام)

 وقته لله، عضلاته لله، خبراته لله، عقله لله، قلمه لله، لسانه لله، زواجه لله، حرفته لله، كل سكناته وحركاته في سبيل الله، هذا هو السابق.

 

﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ(10)أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ﴾

 

( سورة الواقعة)

 كم عندكم الزكاة يا سيدي ؟ قال له: عندنا أم عندكم ؟ قال: ما عندنا وما عندكم ؟ قال: عندكم واحد في الأربعين، أما عندنا فالعبد وماله لسيده، فأنت مخير بين أن تكون من المقتصدين، وبين أن تكون من السابقين، لكن إياك أن تكون من الظالمين.

﴿ وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ ﴾

﴿ وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ ﴾

﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ(10)أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ﴾

موازنة بين الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات:

 فحينما تصلي الصلوات المفروضة، وحينما تحرص على صلواتك، وحينما تصلي صلوات النفل، وتنفق زكاة مالك، وفوق الزكاة صدقة، وحينما تتعلم ما كان فرض عينٍ، وما كان فرض كفاية، وحينما تعمل آناء الليل وأطراف النهار بما يرضي الله عز وجل، فأنت من السابقين، وأنا أعجب ممَن يطمح لنيل الدنيا ولا يطمح لغطاءات الآخرة، ممن يزهد في الآخرة، أو يرضى فيها بأدنى المراتب، ولا يرضى في الدنيا إلا بأعلى المراتب، من هو الزاهد ؟ هو الذي زهد في الدنيا ويؤثر الآخرة.

﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ﴾

 هذا أدى الصلوات الخمس، وغض بصره عن الحرام، وتحرَّى الحلال في دخله، ثم أعطى نفسه المباحات، لا أقول: المحرمات، بل المباحات، فهذا الذي فعل من الدين الحدود الدنيا لم يفعل إلا الفرائض والأوامر، وترك المنهيات وأطلق نفسه للمباحات، هذا مقتصد، وأما الذي وقع في الحرام، وترك الأمر والنهي فهذا ظالم، أما الذي فعل الأوامر وترك النواهي، وفعل النوافل.
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ:

 

(( مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ... ))

 

[ صحيح البخاري ]

﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ﴾

 الله أعطى التعليمات والمنهج الذي عليه يقوم فلاح العبد وسعادته، هدانا وانتهى الأمر، هدانا لهذا الكتاب، هذه التعليمات والتوجيهات، وافعل ولا تفعل، والحرام والحلال والمباح، والخير والشر، والسعادة والشقاء، وطريق الإيمان والتفكر كله في هذا الكتاب، هذه هداية الله عز وجل.

 

﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ﴾

 بإهماله، وهذا الكتاب بين يدينا، إن أحببت أن تقرأه، وتطبقه هنيئاً لك، وإن أحببت أن تهمله ليس لديك وقت، فقط وقتك لقراءة الجرائد كل يوم وتسمع أخباراً فقط وأحاديث فارغة، لا يهمك إن ظلمت نفسك بعدم اتباع الكتاب، أقول: أن يطّلع الإنسان على ما يجري من أحداث يومية فلا يأمن بأس عليه، لكن على ألا ينسى كلام الله عز وجل، إذا ترك القرآن نهائياً فقد ظلم نفسه، يجب أن تفقه ما حولك، هذا شيء واجب، لكن أن يشغلك عن ذكر الله، أن يشغلك عن كلام الله عز وجل وتلاوة القرآن، هذا ظلم كبير للنفس.

 

 

﴿ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ﴾

 يؤدي مما عليه الحدود الدنيا فقط، الخطبة فقط يحضرها، أما الدروس فلا يحضرها، هذه فرض، وهذا مقتصد، أما السابق بالخيرات فيريد مزيداً من العلم، يريد أن يتعلم كلام الله، والحديث الشريف والسيرة المطهرة، أمر الله عز وجل به ونهى عنه، يريد أن يصبح داعية ويهدي الناس، فهو طموح.

 

 

﴿ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ﴾

 هذا التفوق والفوز والنجاح والفلاح، هذه السعادة وهذا الذكاء، فاختار أن يكون سابقاً بالخيرات، فالإنسان لا يكون في الدنيا سباقاً وفي الآخرة زاهداً ليعكس الآية، ليكن في الدنيا قنوعاً وفي الآخرة سباقاً، وليكن طموحاً إلى مراتب عليا عند الله عز وجل.

 

 

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ(54)فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾

 

(سورة القمر)

﴿ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ﴾

ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ

 كلمة ( هو ) تفيد القصر، هذا وحده هو الفضل، لا زهرة الحياة الدنيا، فالإنسان أحياناً يرى بيتاً فخماً يسيل لعابه، ويظن هذا البيت فضلاً كبيراً منحه الله لصاحبه، يرى سيارة فارهة يظنها فضلاً كبيراً، يرى منصباً رفيعاً يظنه فضلاً كبيراً، يرى فلاناً اقترن بزوجة من مستوى رفيع يظن ذلك فضلاً كبيراً، يرى فلاناً عنده بساتين ومزارع وأموال منقولة وغير منقولة، يظن ذلك فضلاً كبيراً، لكن الله عز وجل يخبرنا أن الفضل الكبير أن تكون سابقاً في الخيرات، أن يكون باعك بالخيرات كبير، الغنى غنى العمل الصالح.
 ما هو الفضل الكبير ؟ ثمنه هذا السبق في الخيرات، ثمرته:

﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴾

 أوصاف الجنة ليس لنا أن نزيد فيها، الله أعلم ما نوع الذهب، وما نوع اللؤلؤ، وما نوع الحرير الذي يلبسه أهل الجنة، لكن الأصل في أن الأوصاف الغيبية أن نكتفي بنصها دون أن نزيد عليها، لأن أية زيادة على الإخباريات زيادة ظنية ليست راجحة، بل مرجوحة.

وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ

﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ﴾

1 ـ الحياة كلها أحزان:

 الدنيا كلها أحزان، لا أعتقد أن هناك إنسانا إلا والحزن معه دائماً، يكون المرء طفلاً صغيراً فيدخل المدرسة، أمامه عقوبة إذا لم يكتب الوظيفة، أو لأنه تأخر، من مرحلة لأخرى، كل مرحلة فيها متاعب، كان طفلاً بالابتدائي، ثم بالإعدادي، وبالثانوي، ثم دخل الجامعة، ومن بعد تزوج وجاءه أولاد، كبر سناً فواجهته متاعب صحيَّة، الحياة كلها أحزان، من عرفها لم يفرح برخاء، ولم يحزن لشقاء، أجمل كلمة:

﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ﴾

 إذاً: الدنيا كلها حزن وقلق ومتاعب وهموم، هكذا شاء الله أن تكون، ركبها على ذلك كي نتوق إلى الله عز وجل.
 عن قتادة بـن النعمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

 

(( أنزل الله جبريل في أحسن ما كان يأتيني في صورة فقال: إن الله تعالى يقرئك السلام يا محمد، ويقول لك: إني أوحيت إلى الدنيا أن تمرري، وتكدري، وتضيقي، وتشددي على أوليائي كي يحبوا لقائي...))

 

[ البيهقي في شعب الإيمان تصحيح السيوطي: ضعيف ]

 لكن ليس في الآخرة قلق، أما في الدنيا إذا كبر الرجل يحزن، فإن شاب شعره اعتراه همٌ، فإن ضعف بصره يتألم، وإن ضعف جسمه يتألم، الزمن ليس في صالح الإنسان في الدنيا، الزمن يسير نحو الأضعف والنهاية، إذاً: الحياة مركبة على الحزن، لكن الآخرة ليس فيها حزن.
 الإنسان انتقل من دار إلى دار فقال:

 

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ﴾

 معنى ذلك أن الدار الأولى كلها حزن، كأن الدنيا مركبة على الحزن أساسها الهموم، واكبر حزن فيها تركها ومفارقتها، وإذا تعلق الإنسان بالدنيا تعلقاً شديداً، ولم يعمل للآخرة تقطع قلبه حسراتٍ على فراقها حينما يشعر بدنو أجله يعتريه حزن لا يوصف، هذه الدنيا دار عمل، وليست دار أمل، ممر وليست مقراً، دار تكليف لا دار تشريف، فأساسها أن من عرفها، وعرف حقيقتها جعلها دار ممر فحسب، ومن لم يعرفها جعلها دار مقر، فإذا نزعت منه ذابت نفسه حسراتٍ، فالانتقال من دار لدار لابدَّ أن يكون على بصيرة.

 

 

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ﴾

 الحزن إذا وصف للدار الأولى ( الدنيا )، فمن أجل ألا تكون دار حزن فلنجعلها دار عمل، لنجعل التعلق في الآخرة، لنجعل محط الرحال في الآخرة، لنجعل الدنيا كلها مسخرة للآخرة، إذا جعلت الدنيا مزرعة الآخرة ومطية الآخرة، وجعلت كل ما فيها في خدمة الآخرة فقد فزت واللهِ، ماذا قال الله عز وجل ؟

 

 

﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ﴾

 

( سورة القصص: 77)

 كل شيء آتاك الله في الدنيا من صحة وشباب، ومال وجاه وعلم، وخبرة ووقت، وعضلات اجعلها في سبيل الله، عندئذٍ لا تكون الدنيا دار حزن على بل العكس.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018