الدرس : 07 - سورة فاطر - تفسير الآيات 16 - 24 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 07 - سورة فاطر - تفسير الآيات 16 - 24


1992-05-29

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الأكارم، مع الدرس السابع من سورة فاطر، وصلنا في الدرس الماضي إلى الآية الخامسة عشرة، وهي قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ(15)إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ(16)وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾

(سورة فاطر)

يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ

1 ـ الافتقار إلى الله من مقامات العبودية:

 ذكرت لكم في الدرس الماضي أن الله سبحانه وتعالى بعد أن بيَّن أنه هو الذي خلقنا من تراب، ثم من نطفة، ثم جعلنا أزواجاً، وهو الذي جعل البحرين هذا عذب فرات، وهذا ملح أجاج، وهو الذي أولج الليل في النهار، وأولج النهار في الليل، الذي فعل هذا كله هو الله جل في علاه، أما أنتم أيها العباد فأنتم فقراء، والافتقار إلى الله مقام عليٌّ جداً، هو مقام العبودية، حينما تتأكد من أنك لا شيء، وأن الله كل شيء، حينما ترى ضعفك، وجهلك، وافتقارك إلى الله عز وجل فقد تحققت من مقام العبودية.
 إن الإنسان ـ كما قلت لكم في الدرس السابق ـ كلما ازداد افتقاراً إلى الله أمده الله، إن افتقر في العلم أمده الله بالعلم، إن افتقر في القوة أمده الله بالقوة، وما يقع الإنسان في مشكلة في الأعم الأغلب إلا لأنه اتكل على نفسه، لأنه من اتكل على الله كفاه الله كل مؤونة، ومن اتكل على نفسه أوكله الله إليها، وربما كانت هذه الحقيقة حقيقة أساسية جداً في الدين، لأن الإنسان بين أن يعتد بنفسه، وبين أن يفتقر إلى الله عز وجل، وقد مر بكم في التاريخ الإسلامي أن أصحاب النبي عليهم رضوان الله، حينما افتقروا إلى الله في بدر نصرهم، نصراً عزيزاً مؤزراً، وحينما قالوا في أنفسهم: لم نغلب من قلة، خذلهم الله عز وجل:

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا ﴾

(سورة التوبة)

 وهذه القصة بشقيها، حينما افتقروا في بدر نصرهم الله نصراً عزيزاً مؤزراً، وحينما اعتدوا بقوتهم في حنين تخلى الله عنهم، وأوكلهم إلى أنفسهم، وولوا مدبرين، هاتان الحادثتان الأولى والثانية درس لنا على مدار الدوران.
 أيها المؤمن إن افتقرت إلى الله فقد أويت إلى الحصن الحصين، إن افتقرت إلى الله أمدك الله بالعلم، أمدك بالقوة، أمدك بالحكمة، أمدك بالصبر، أمدك بالتماسك، أمدك بالجلد، وإن قلت: أنا لي خبرة كما قال قارون:

 

﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ﴾

 

( سورة القصص )

 فكان الله عليه حاسماً..

 

﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ﴾

 

(سورة القصص )

 لذلك حينما قالوا: ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، ونهاية العلم التوحيد، ألاَّ ترى مع الله أحداً، أن تعرف من أنت، أنت لا شيء، لكنك بالله كل شيء، أنت لا تعلم، لكنك إذا افتقرت إلى العليم صرت أعلم العلماء، أنت ضعيف، وبالله قوي، أنت فقير، وبالله غني، فهذا الموضوع تم شرح بعضه في الدرس الماضي، وتم شرحه تفصيلاً في درس جامع العثمان في مقام الافتقار إلى الله عز وجل:

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ﴾

 

2 ـ الاستغناء والتوكل على النفس مآله الفشل والإخفاق:

 كل إنسان له مهنة، له حرفة، له اختصاص، عنده ملكات، عنده قدرات، فحينما يتوجه إلى ذاته، ويعتمد عليها، ويتكل عليها، يتخلى الله عنه، ويكله إلى نفسه، ويقع في شر عمله، ويعرف حقيقته الضعيفة، وحينما يعتمد على ربه، ويتوكل عليه، يمده بقوة منه، وبعلم، وبحكمة، وبثبات، وبجلد، وبتماسك، فإذا أردت كل شيء فافتقر إلى الله في كل شيء، وإذا أردت الإخفاق، إذا أردت أن تفاجأ في وقت عصيب جداً أنك ضعيف، بعد أن ظننت أنك قوي فاعتمد على نفسك.

3 ـ الإنسانُ بَيْنَ اتخاذ الأسباب وتأليهها:

 مرة ثانية: خط دقيق جداً بين الشرك والمعصية، ألاّ تأخذ بالأسباب فهذه معصية، وأن تأخذ بها وتعتمد عليها فهذا شرك، لكن الإيمان أن تأخذ بالأسباب، وأن تعتمد على رب الأرباب، لأنه أنْ تبقى في منطقة ضيقة جداً، وفي خط رفيع فهذه بطولة، أما أن تأخذ بالأسباب، وأن تعتمد عليها هذا منزلق خطير، يقع به معظم الناس، يقول لك من خلال كلامه: أنا متمكن، أعددت لكل شيء عدته، أنا أملك خبرة طويلة في هذا المجال، هذه كلها كلمات خلاصتها: الاعتداد بالنفس.
 وقد يفاجأ الخبير بموقف خطير، وحينما يطمئن الإنسان من جهة يأتيه الله من جهة طمأنينته، هذا تحدثت عنه في الدرس الماضي بفضل الله عز وجل، لكن أريد أن أؤكد أن كل إنسان إن افتقر إلى الله في حرفته أمده الله، كذلك في زواجه إذا استعان بالله ألهمه الله البحث عن زوجة صالحة، وإن كانت عنده زوجة ليست كما يريد أصلحها الله له، العبرة أن تكون مع الله، أن تكون شديد الصلة بالله، أن تكون حسن الصلة بالله، العبرة أن تكون ربانياً، حتى تشعر أن الله عز وجل يمدك بكل شيء، الله عز وجل مع المؤمن المفتقر، ويتخلى عن المعتد بنفسه، والمستغني عن الله، كلكم يعلم قوله تعالى:

﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى(6)أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ﴾

(سورة العلق )

 حينما يرى الإنسان نفسه قوياً ربما طغى، حينما يرى نفسه غنياً ربما طغى، الطغيان يتأتى من الاعتداد بالنفس، وليس من السهل أن تفتقر إلى الله، هذا يحتاج إلى جهد كبير، مرتبة الافتقار مرتبة علية جداً، هي مرتبة العبودية، مرتبة أن تعرف من أنت، أنت لا شيء، لكنك بالله كل شيء، أنت ضعيف، لكنك بالله قوي، أنت فقير لكنك بالله غني، الإنسان أخرق، لكنه بالله حكيم، إذا أردت الحكمة، وسداد الرأي، صواب القول، وثبات الجنان، والتوازن، إذا أردت العلم، والقوة، والصبر فافتقر إلى الله.
 الآن

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾

 

4 ـ الله وجده هو الغني الحميد:

 هو وحده الغني، هو تفيد القصر، هو وحده الغني، أنتم لستم أغنياء، لكن الله عز وجل، غني حميد، مع أنه غني لا يعامل عباده إلا معاملة يحمدونه عليها، هذا معنى غني حميد، الإنسان إذا اغتنى، ترفع، وتعالى، وتكبر، يتذلل إذا كان بحاجة إلى الخلق، فإذا استغنى عنهم يستعلي عليهم، هذا شأن الإنسان، لكن شأن الواحد الديان، أن الله عز وجل مع أنه غني يريد من عباده أن يقبلوا عليه، يطلبهم، مع أنه غني عنهم.
 عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ:

((... يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ... ))

[ صحيح مسلم ]

 أتمنى على كل أخ كريم لو أنه كان طبيباً مثلاً، قبل أن يضع يده على هذا المريض يقول له: يا رب، إني تبرأت من حولي وقوتي، والتجأت إلى حولك وقوتك يـا ذا القوة المتين، فإنه يرى كيف أن الله يلهمه التشخيص الصحيح، وكيف أن الله عز وجل يجري الخير على يديه، ولو أن القاضي قبل أن يدقـق في قضية استعان بالله، لو أن المدرس قبل أن يلقي درساً استعان بالله، لو أن التاجر قبل أن يعقد صفقة استعان بالله، لو أن المهندس قبل أن يرسم مخططاً استعان بالله، لو أن أي إنسان واجهته مشكلة واستعان بالله، لرأى أن الله عز وجل يمده بالحل المناسب، وبالرأي الصائب، وبالموقف الحكيم، وما الحمق والخطأ إلا حالة بعد عن الله عز وجل، فالإنسان كلما استعان بالله عز وجل أعانه، وإذا استنصره نصره، الحديث القدسي عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ:

 

((... يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ... ))

 

[صحيح مسلم ]

 لكن الإنسان حتى لا يتوهم، بل ليعلم أنه مطلوب، والكون كله مسخر للإنسان، أجل هو مطلوب، كأن الله يريد منه أن يؤمن لئلا يظن أنه بحجم أكبر من حجمه لئلا يظن بأن الله عز وجل بحاجة إليه، قال:

 

﴿ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ﴾

 

( سورة فاطر )

﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾

(سورة الحجرات)

إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ

1 ـ إيّاك أن تمنّ على الله في شيء، فإن الله لا ينتفع بشيء منك:

 أي يجب أن تشعر أنك مطلوب من قبل الله عز وجل، وأن الله يحب أن تهتدي، وأن الله حريص على سعادتك، وأن الله خلقك ليسعدك، لكن في الوقت نفسه يجب ألا تشعر أنك إذا اهتديت نفعت الله عز وجل.

﴿ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾

 هذا الشعور أحياناً ينتاب من أجرى الله على أيديهم الخير، يظنون أنهم أشخاص مهمون، وأنهم أحد أركان الدعوة إلى الله، الله عز وجل يستغني عن أي إنسان، إياك أن تمَّن بعملك على الله عز وجل، إياك أن ترى عملك، فربما كان عملك الصالح حجاباً بينك وبين الله، ربما كان عملك الصالح إذا أجرى الله على يديك الخير، وشعرت أنك إنسان مهم جداً هذه بداية الانزلاق، هذه بداية بأنك تستغني عن الله عز وجل، فاحذر، فكلما ازددت معرفة بالله ازددت معرفة بضعفك، وفقرك، وحاجتك إليه، وكلما شعرت بهذا الافتقار فأنت في المكان الصحيح، أنت في مقام العبودية، ومقام العبودية هو المقام الأمثل للمؤمن:

 

﴿ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾

 يجب ألاّ يشعر أي إنسان أنه مهم جداً، وأن الحياة متوقفة عليه، العوام تقول: النبي مات والأمة من بعده دبَّرها الله، فهذا الشعور بالافتقار شعور صحيح، أما الشعور بالأهمية والخطورة شعور مَرَضي، فينبغي أن تبقى مفتقراً إلى الله عز وجل.

 

 

2 ـ أكثر الناس افتقارا إلى الله أكثرُهم عبودية له:

 بالمناسبة قلت لكم في درس سابق: ما من مخلوق على وجه الأرض أكثر افتقاراً إلى الله، وتواضعاً لله، وانصياعاً لأمر الله، واتكالاً على الله من رسول الله، وبالمقابل ما من مخلوق أعزه الله، ورفع ذكره، ورفع شأنه، كرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه عملية فيها مفارقة عجيبة: كلما ازددت تواضعاً ازددت عند الله رفعة، كلما ازددت افتقاراً ازددت غنىً، كلما ازددت ضعفاً أمام الله عز وجل ازددت قوة عند الناس، لكن أهل الدنيا إذا استعلوا على من دونهم، وتذللوا لمن فوقهم، قد يستعلون ويتغطرسون على من دونهم، لكنك لو تراهم أمام من هم أعلى منهم، رأيتهم أذل من الشاة، لكن المؤمن يمرغ رأسه على أعتاب الله عز وجل، يتذلل إلى الله، يفتقر إليه، فالله يرفع شأنه بين الناس، ويعلي قدره، ويرفع ذكره، مفارقة دقيقة، العلاقة ليست طردية بل عكسية، كلما ازددت افتقاراً زادك الله علواً، كلما ازددت تواضعاً زادك الله عزاً، كلما تخليت عن صفات الربوبية، وتحققت بصفات العبودية، رفع الله لك ذكرك، وأوطأ عقبك، وكلما قلت أنا وأنا هويت.

3 ـ أربع كلمات مهلكات:

 كلكم يعلم أن هناك أربع كلمات مهلكات: أنا ولي وعندي ونحن:

﴿ نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾

(سورة النمل )

 فأهلكهم الله عز وجل:

 

﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ﴾

 

( سورة ص)

 إبليس، فأهلكه الله عز وجل:

﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ﴾

(سورة الزخرف )

 لي: أهلكه الله عز وجل:

 

﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ﴾

 

( سورة القصص )

 أهلكه الله عز وجل، أربع كلمات مهلكات: أنا ونحن ولي وعندي، فلا تقل: لي، الملك لله، قل: هي لله في يدي، وقد سئل إعرابي يـقود قطيعاً من الإبل: لمن هذه الإبل ؟ فقال: " هي لله في يدي "، وهذا البيت لله في يدك، يمكن أن تضطر إلى بيعه، وأنت في أتم درجات عقلك، لو أن خللاً أصاب عضواً خطيراً في جسمك، وثمن إصلاح هذا الخلل يقابل ثمن هذا البيت، تبيعه وأنت راضٍ، قل: هذه المركبة لله في يدي، وهذه الدكان لله في يدي، وهذه الحواس الخمس التي أكرمني الله بها، قل: اللهم مالك الملك، من يضمن أن يستمر بصره حتى نهاية حياته ؟ من يملك السمع والبصر والفؤاد ؟ من يملك هذا اللسان ؟ من يملك هذه الأعضاء ؟ الله في علاه.
 فقل:

 

﴿ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾

 

(سورة آل عمران )

 إذا عرفت أن كل ما عندك من المالك تواضعت له، فأي جهاز في جسم الإنسان لو أصابه خلل لأصبحت حياته شقاءً، هذا الجهاز بيد من ؟ بيد الواحد الديان، لذلك النبي الكريم كان يقول:

(( اللَّهُمَّ مَتِّعْنا بأسْماعنا وأبْصَارِنا وَقُوَّتِنا ما أحْيَيْتَنا، واجْعَلْهُ الوَارِثَ منَّا ))

[ الترمذي عن ابن عمر ]

﴿ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ(16)وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ﴾

 وبعد هذا كله فهذه آية جديدة فيها حقيقة خطيرة، قال تعالى:

 

﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾

 

وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى

1 ـ معنى الوزر:

 هذا مبدأ خطير جداً في الدين، وزْر بمعنى حِمْل، الوازرة الحاملة.

﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾

2 ـ لا تحمل نفسُ وزرَ أخرى:

 إنّ أيّة نفس لا تحمل حمل غيرها، كل نفس تحمل حـملها، أي أن كل إنسان محاسب على أعماله، ولن يحاسب الإنسان على أعمال غيـره، ولا يتحمل تبعة غيره.
 هذا المبدأ مبدأ أساسي يورث حالتين: يورث قلقاً وطمأنينة في الوقت نفسه، فالمنحرفون الذين يتكلون على أن فلاناً أغراهم بهذه المعصية، وأنهم لا ذنب لهم، فيأتي هذا الكلام ليقلقهم، لن يحاسب عنك أحد، لن تستطيع أن تعزو ذنبك إلى أحد، لن تستطيع أن تحمِّل الآخرين أخطاءك، أخطاؤك لا يحملها أحدٌ عنك.

3 ـ الإنسان مختارٌ، وهو ابنُ ذاتِه:

 لا تقل: أنا ربيت في بيئة سيئة، الإنسان ابن بيئته، وابن محيطه، وابن أسرته، وابن وراثته، ولكنه في الأصح وفي الأعم الأغلب هو ابن ذاته، وابن اختياره، فإياك أن تعزو ذنبك إلى الآخرين.
 سيدنا عمر حينما جاءه رجل، وقد ألقي القبض عليه بتهمة شرب الخمر، فقال له: << والله يا أمير المؤمنين، إن الله قدر علي ذلك، فقال رضي الله عنه: أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله، قال له: ويحك يا هذا، إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار >>.
أنت لست مضطراً أنت مخير.

4 ـ علاقتك مع الله:

 أيها الإخوة الأكارم، لا تستطيع أن تفلت من عقاب الله، أنت في قبضة الله، فإياك أن تعزو ذنبك إلى الآخرين، فلان دلني على الشر، أنا ليس لي ذنب، لا بل أنت مخير، ولك عقل، ألم تسمعوا أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما أرسل سرية، وأمَّر عليها أنصارياً، فعَنْ عَلِيٍّ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ:

(( بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلا مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، فَغَضِبَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُطِيعُونِي ؟ قَـالُوا: بَلَى قَالَ قَدْ عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ لَمَا جَمَعْتُمْ حَطَبًا، وَأَوْقَدْتُمْ نَارًا، ثُمَّ دَخَلْتُمْ فِيهَا، فَجَمَعُوا حَطَبًا، فَأَوْقَدُوا نَارًا، فَلَمَّا هَمُّوا بِالدُّخُولِ، فَقَامَ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَـعْضٍ ـ بعضهم أجرى المحاكمة التالية ـ قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا تَبِعْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِرَارًا مِنَ النَّارِ، أَفَنَدْخُلُهَا ؟ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ خَمَدَتِ النَّارُ، وَسَكَنَ غَضَبُهُ، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا، إِنَّمَا الـطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ ))

[ صحيح البخاري ]

 لا تقبل شيئاً من دون دليل من كتاب أو سنة، ولا ترفض شيئاً من دون دليل، ألم تسمعوا إلى هذا الإنسان الذي حدث عنه النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

((... وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ … ))

 

[ صحيح البخاري ]

 طليق اللسان، قوي البيان، ناصع الحجة، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام في خصومة مع إنسان، وأدلى بدلوه وبيَّن، وفصَّل، لو أن النبي قال له: معك الحق، من يقول له: معك الحق ؟ سيد الأنبياء، المعصوم، الذي لا ينطق عن الهوى، لو أن النبي قال لإنسان: معك الحق، وليس معه الحق فربما كان في الأمر خطأ، بل قال:

 

(( فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ، فَلا يَأْخُذْهَا ))

 

[ صحيح البخاري ]

 فعلاقتك مع من إذاً ؟ مع الله وحده، مع الله وحده، لن تنجو من عذابه ولو أقر لك النبي بأنك على حق، إن لم تكن على حق، الحديث من البخاري..
 عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ، فَلا يَأْخُذْهَا ))

 

[

[ صحيح البخاري ]

 إذاً: لا تستطيع أن تحمِّل أحداً وزرك، لا تستطيع أن تنجو من ذنب فعلته باختيارك.

 

﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾

 أي: لا تحمل نفسٌ حمل نفسٍ أخرى، لن تحاسب نفس عن نفس، لن يعاقب إنسان مكان إنسان، هذه حقيقة، حقيقة أساسية جداً.

 

 

﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾

 

5 ـ توجيهٌ لطيف لآيةٍ قرآنية:

 لا تحمل نفس حمل نفس أخرى، كل إنسان محاسب بعمله، أما حينما يتوهم بعضهم أن الله عز وجل حينما قال:

﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ ﴾

 هؤلاء الضالون المضلون، وهذا إذا كان الإنسان فاسداً مفسداً، ضالاً مضلاً، فعَنْ جَرِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

((... وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقَصَ مِنْ أَوْزَارِهِ شَيْءٌ ))

 

[ سنن الترمذي ]

 الإنسان يحمل تبعة ذنب إنسان آخر إذا دله عليه، من دون أن ينجو الإنسان الآخر من تبعة ذنبه، صار هناك حسابيان، مرتكب الذنب لا بد من أن يحاسب لأنه مخير، أين عقله ؟ لكن الذي أفسده ودله عليه يحاسب مرتين، فكل إنسان يدل على شر يحاسب عليه كل من اقترف هذا الشر، من دون أن ينجو أصحاب الأعمال الشريرة من تبعة أعمالهم.

 

﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾

 حينما يوهم الإنسان نفسه أن المسؤول عن عمله فلان، هكذا ربانا والدنا، أنت أين عقلك ؟ الأب محاسب عن ابنه قبل أن يبلغ، فإذا بلغ يحاسب كل إنسان على عمله، فالذي يعزو أخطاءه لأبيه، أو لمعلمه، أو لمدرسته، أو لجماعته، أو لبيئته، أو لوراثته، هذا الإنسان يتنصل من ذنب لاصق به.

 

﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾

6 ـ لا تَعْزُ أخطاءك إلى القدَرِ:

 إياك أن تعزو ذنباً أو تقصيراً، أو انحرافا، أو معصية إلى جهة ما، الناس ألِفوا أن يعزو أخطاءهم إلى القضاء والقدر، ما رأيت واحداً في حياتي يعمل عملاً صالحاً يقول لك: يا أخي إن الله قدر علي هذا العمل الصالح، لا، فالعمل الصالح ينسبه لنفسه، يقول: أما فعلت، أما إذا وقع في معصية فإنه يقول: الله مقدرٌ علي ذلك، هذا هو عين الخطأ، لماذا في الأعمال الطيبة تعزوها إلى نفسك ؟ ولماذا حينما تزل قدمك، وينحرف سلوكك، تعزو هذا إلى القدر ؟

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾

( سورة الأنعام )

 هذا أشد أنواع الكذب، أن تعزو أخطاءك إلى الله، أن تقول: الله مقدرٌ عليَ هذه المعصية، ليس لي ذنب، يا رب إن سيئاتي من قضائك، لا ذنب لي، هذا هو عين الجهل، وهذا الكلام لا ينجي صاحبه يوم القيامة، العبرة أن يكون الكلام مقبولاً أو مسموعاً، هذا الكلام غير مسموع..

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾

( سورة البقرة )

 أنت مسؤول.

 

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

 

( سورة الحجر )

 أنت مسؤول في حدود ما كلفت، أنت مخير في ما كلفت به، كلفت بأركان الإسلام، مخير، كلفت بأركان الإيمان، مخير، كلفت بغض البصر، مخير، كلفت بكسب المال الحلال، مخير، كلفت بأداء الصلوات، مخير، أنت مخير في حدود ما كلفت به، أما الشيء الذي لا خيار لك به فلست محاسباً عليه، لست محاسباً لماذا كنت ابن فلان، هذا شيء أنت بـه مسَّير، هو لمصلحتك، ولكن لا يحاسب الإنسان على شيء لا خيار له به، فأنت مخير في كل ما كلفت، ومسير لتحقيق ما اخترت، ثم بدفع ثمن ما اخترت.

 

﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ﴾

 

وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى

1 ـ لا تنفع قرابةٌ ولا نسبٌ يوم القيامة:

 ألم تقرؤوا قول الله عز وجل:

﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾

( سورة المسد )

 من أبو لهب ؟ عم النبي الكريم، ألم تقرؤوا حديث رسول الله:

 

(( سلمان منا آل البيت ))

 

(( أنا جد كل تقي، ولو كان عبداً حبشياً ))

[ورد في الأثر ]

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾

( سورة الحجرات )

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

((... النَّاسُ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ ))

 

[ مسند الإمام أحمد ]

 هذه عظمة الإسلام.
 << يا سعد، لا يغرنك أنه قد قيل: خال رسول الله، فالخلق كلهم عند الله سواسية >>.
 ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعة خالق الناس، الذي يرفعك طاعة الله عز وجل:

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾

( سورة الحجرات )

﴿ وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ﴾

 عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا ذَكَرَتِ النَّارَ فَبَكَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَا يُبْكِيكِ ؟ قَالَتْ: ذَكَرْتُ النَّارَ فَبَكَيْتُ، فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهْلِيكُمْ يـَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَّا فِي ثـَلاثَةِ مَوَاطِنَ فَلا يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَدًا عِنْدَ الْمِيزَانِ، حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزَانُهُ أَوْ يَثْقُلُ، وَعـِنْدَ الْكِتَابِ حِينَ يُقَالُ:﴿ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ﴾، حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يَقَعُ كِتَابُهُ، أَفِي يَمِينِه،ِ أَمْ فِي شِمَالِهِ، أَمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، وَعِنْدَ الصِّرَاطِ، إِذَا وُضِعَ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ))

[ سنن أبي داود]

 لو رأى الرجلُ أمَّه يوم القيامة هل يتعرف عليها ؟ أمه ! أقرب الناس إليه، رأى زوجته، رأى أخته، رأى أخاه، رأى جاره، رأى شريكه:

 

(( فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهْلِيكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَّا فِي ثَلاثَةِ مَوَاطِنَ فَلا يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَدًا: عِنْدَ الْمِيزَانِ، حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزَانُهُ أَوْ يَثْقُلُ، وَعِنْدَ الْكِتَابِ حِينَ يُقَالُ:﴿ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ﴾، حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يَقَعُ كِتَابُهُ، أَفِي يَمِينِه،ِ أَمْ فِي شِمَالِهِ، أَمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، وَعِنْدَ الصِّرَاطِ، إِذَا وُضِعَ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ ))

 

 في هذه المواطن الثلاثة نظراً لشدة الهول فالإنسان لا يذكر إلا نفسه، ولو أن الإنسان وقعت عينه على عين أمه لتجاهلها لشدة الهول، وقد تلتقي الأم بابنها، تقول له: يا بني، جعلت لك صدري سقاءً، وحجري غطاءً، وبطني وعاءً، فهل من حسنة يعود علي خيرها اليوم ؟ هل تعطيني شيئاً من حسناتك ؟ يقول هذا الابن لأمه: ليتني أستطيع ذلك يا أماه، إنني أشكو مما أنت منه تشكين.

﴿ وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ﴾

 لذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام بيّن أن الذي يغتاب الآخرين يوم القيامة يقف هذا الإنسان مع الذي اغتابه، يقول هذا الذي اغتيب: يا رب، اطلب لي مظلمتي من فلان، لقد اغتابني، فلا بد من أن يعطيه من حسناته، فإذا فنيت حسناته طرح عليه من سيئاته، فهذا الذي يهرف بما لا يعرف، ويطعن، ويتكلم على الناس بغير بينة، وبغير علم، وينهش أعراض الآخرين، هذا سوف يقف موقفاً صعباً يوم القيامة، سوف يضطر إلى أن يتخلى عن كل حسناته، وسوف يأخذ كل سيئات هؤلاء الذين اغتابهم، فقبل أن ينطق اللسان، يجب أن تكون وقافاً عند الكتاب والسنة..

 

﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ﴾

 

( سورة الحجرات )

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾

( سورة الحجرات )

﴿ وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ ﴾

 نفس مثقلة.

﴿ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾

 

2 ـ لن يُحاسَب أحدٌ عن أحدٍ:

 الآن هناك معنى دقيق جداً وحقيقة مهمة، قبل أن نبدأ بها لا بد من تعليق آخر متعلق بالآية السابقة:
 إذا توهم الإنسان أن أحداً من الناس سيحاسب عنه، وأن تبعة أعماله ربما تحملها زيد أو عبيد، إذا قرأ هذه الآية فإن طمأنينته الموهومة سوف تتبدد، وإذا كان الإنسان مستقيماً، وحوله بيئة سيئة جداً، وكان يخشى متوهمًا أن يصيبه الله بعذاب، لا لشيء إلا لأنه مع هؤلاء، فليطمئن إذا قرأ هذه الآية:

﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾

 لن يحاسب ابن عن أبيه، ولن يحاسب أب عن ابنه إذا نصحه، وقدم له كل ما ينبغي، لن تحاسب زوجة عن زوجها، إذا أدت ما عليها، ولن يحاسب زوج عن زوجته، إذا نصحها فلم ترعوِ، لن يحاسب إنسان عن إنسان.

 

﴿ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾

 

( سورة الانفطار )

 هذه الآية تبعث القلق فيمن توهَّم أن أحداً سيحاسب عنه، وتبعث في النفس الطمأنينة، فيمن خاف أن يؤخذ المطيع بذنب العاصي.

 

3 ـ لكنّ البلاء قد يعمُّ:

 هناك توضيح دقيق جداً كما يقال: البلاء يعم، والبلاء يعم إذا كفَّ الناس عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحريق متى ينتشر ؟ إذا رأى أحد أن الحريق في آخر الشارع، وأنه بعيد عن بيته، إذاً فهو لا علاقة له به، فرجع للبيت ونام، إن لم يسهم هذا الجار في إطفاء الحريق، ربما وصل الحريق إلى بيته، فإذا ظهرت فتنة في المجتمع الإسلامي، ولم ينطلق المسلمون إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذه الفتنة توسعت، وتوسعت حتى دخلت بيوت المسلمين، وما من بلاء انتشر إلا بسبب ترك الفريضة السادسة.
 قال العلماء: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما الفريضة السادسة، لقوله تعالى:

﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ ﴾

( سورة آل عمران )

 فحينما نكف عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ربما تحملنا تبعة غيرنا، لأننا عصاة في هذه الحالة، وإذا قال الإنسان: لا شأن لي في هذه الحالة، أنا عليّ من نفسي، حينما يمكنك أن تنصح أخاك المؤمن ولا تنصحه يعم البلاء، ويصل إليك، هذا معنى قوله تعالى:

 

﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ﴾

 أما دقة الآية:

 

 

﴿ إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ ﴾

 

إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ

1 ـ مَن يتّعظُ الذكرى والنذُر ؟

 قبل ذلك، من هذا الذي يرعوي ؟ من هذا الذي يتعظ ؟ من هذا الذي يستفيد ؟ من هذا الذي يستجيب ؟ الله عز وجل يقول:

﴿ إِنَّمَا ﴾

 أداة قصر، أي إنذارك يا محمد لا يجدي مع كل الناس، وهذا الكلام موجه لنا أيضاً، لو أنك التقيت بإنسان لا يعرف الله أبداً،ل ما خطر في باله مرة أن يتعرف إلى الله، ما معنى قولك له: إن الله حرم هذا الشيء، وحلله ؟ إن الله يغضب. يقول لك: ما شأني بهذا الكلام؟ لن تستطيع أن تنصح إنساناً إلا إذا كان على معرفة بالله عز وجل.
 مثلاً لو جاء طبيبٌ جراح كبير زائراً إلى بلدنا، من الذي يهتم بهذه الزيارة ؟ الأطباء، ولو جاء عالم جليل، من يهتم به ويعرف قدره ؟ من كان على شاكلته، فالإنسان كيف يستجيب ؟ إن لم يفكر في ملكوت السماوات والأرض، ويتعرف إلى الله، ويتصل به فلن تجدي معه النصيحة.

 

﴿ إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَيْبِ ﴾

 

2 ـ إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ

 الله جل في علاه لا يرى، ولكن آثاره بادية للأنظار، كما قال هذا الأعرابي ببساطة: " البعرة يدل على البعير، والماء يدل على الغدير، والأقدام تدل على المسير، أفسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ألا تدلان على الحكيم الخبير ؟ ".
 أنت أمام كون معجز، أمام آيات لا تنقضي.

﴿ وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ﴾

( سورة الذاريات )

 لو نظرت إلى جسمك لانتهت حياتك قبل أن تنقضي آيات جسمك، لو نظرت إلى طعامك، لو نظرت إلى ما فوقك، إلى ما تحتك، إلى السماء والأطيار، والنجوم والكواكب، إلى البحار والأسماك، إلى الأنهار، إلى الجبال، إلى النباتات، إلى الحيوانات، إلى الألوان، إلى المشمومات، إلى المبصرات، لرأيت العجب العجاب.

 

﴿ إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَيْبِ ﴾

 مثلاً: إنسان ما عرف في حياته شيئاً عن النظام العسكري، قل له: هذا أمر من عميد، يقول لك: ما معنى عميد ؟ لكن الذي ينخرط في السلك العسكري يعرف ما معنى عميد، ومعنى لواء، هذه الرتب يعرف حجمها بالضبط، وماذا تفعل، فلن تستفيد، ولن تتعظ، ولن تخشى، ولن تستجيب إلا إذا كنت على معرفة بعظمة الله، معرفة ما عنده من إكرام، وما عنده من عقاب، وما عنده من جنة أو نار..

 

 

﴿ إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ ﴾

 

 

3 ـ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ

 قد يبدو أنه:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾

( سورة الشمس )

 أنت في الدنيا من أجل أن تزكي نفسك، أنت أمام أحد خيارين، إما أن تزكي نفسك فتسعد إلى الأبد، وإما أن تدسّيها فتشقى إلى الأبد

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9)وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾

( سورة الشمس )

 إذا غمستها في الآثام والمعاصي فقد أفسدتها، وقد أضللتها، وقد أشقيتها، وقد أبعدتها عن منبع السعادة، وقد أهلكتها.
 لكن بين قوسين ما قال الله عز وجل: قد أفلح من تعلم كيف يزكيها ؟! بل قال:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾

 أن تتعلم كيف تزكي النفس، دون أن تزكي نفسك فهذا شيء لا قيمة له إطلاقاً، والإنسان إذا تفكر في ملكوت الله، وصلى الصلوات الخمس، وغض بصره عن محارم الله، وتقصى أن يكون دخله حلالاً، أنفق المال في وجوهه، طهَّر نفسه من المعاصي والآثام، ومن الشك والشرك.

 

﴿ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ ﴾

 

( سورة فاطر )

﴿ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ﴾

( سورة الروم )

 القضية لك، لك وحدك، فإذا كنت محباً لذاتك، محباً لوجودك، محباً لاستمرار وجودك، محباً لكمال وجودك، محباً لسلامة وجودك، فزكِّ نفسك، لأنه..

 

﴿ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ ﴾

 عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ:

 

 

((... يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا... ))

 

[ صحيح مسلم ]

﴿ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾

4 ـ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ

 المصير إلى الله، سوف نحاسب على أعمالنا، وعلى مواقفنا، وعلى عطائنا، وعلى منعنا، وعلى غضبنا، وعلى لهونا، وعلى حزننا، وعلى كل شيء نفعله، فلتحذر الحذر كله.
 الآن تطالعنا آيات دقيقة جداً، يقول الله عز وجل:

﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ﴾

وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ

الكافر أعمى:

 ما من تشبيه أروع من هذا التشبيه، المؤمن بصير، والكافر أعمى، انظر إلى الأعمى، بإمكان طفل صغير أن يهزأ به، ويسخر منه، لـو أن طفلاً قال لأعمى: على يمينك حفرة، والحفرة نحو اليسار، فاتجه الأعمى نحو اليسار وقع فيها، فالأعمى أي إنسان يتلاعب به، فلذلك الكافر أعمى، أيُّ مجلة، أي مقالة، أي نظرية، أي محاضرة تجدها قلبت عقله، لأنه ليس عنده أساس، كقشة في مهب الريح، لأنه أعمى، كما قلت قبل قليل: الأعمى لا يرى شيئاً، أما البصير فهو يرى كل شيء، لأنه يستمد قدرته من الله.
 ربنا عز وجل شبه المؤمن بالبصير، فهو على بينة من ربه..

﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾

( سورة البقرة )

 أنت في النور، أنت بصير، أنت متمتع بعينين حادتين، أما الكافر فأعمى..

 

﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾

 

( سورة محمد )

 الأعمى قد يقع في حفرة، قد يصطدم بأكمة، قد تزل قدمه بشيء زلق، قد تلدغه حشرة، قد يقع في شر عمله، لأنه لا يرى شيئاً، فربنا عز وجل يقول:

 

﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ﴾

 المؤمن بصير، والكافر أعمى..

 

 

﴿ وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ ﴾

 

وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ

 الظلمات هي الباطل..

﴿ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ﴾

( سورة النور: 40)

1 ـ النور واحد، والظلمات متعدِّدة:

 والنور هو الحق، والنور مفرد، والباطل جمع، هناك أباطيل، هناك أكاذيب، هناك عشرات المذاهب الوضعية الضالة المضلة، الباطل متعدد، كما أنه بين نقطتين لا يمر إلا خط مستقيم واحد، لـكن بين هاتين النقطتين يمر آلاف، بل مئات ألوف الخطوط المنحنية والمنكسرة، لكن لا يمرّ إلا خط مستقيم واحد..

﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾

( سورة الأنعام )

 الحق واحد، الحق لا يتعدد، الباطل يتعدد ويختلف، إذاً:

 

﴿ وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ ﴾

 الحق نور، والباطل ظلمات، والباطل كلام لا معنى له، دغدغة للشهوات، رغبة في فعل الموبقات، هذه الرغبة الجامحة تفلسف بنظريات، تقولب بمقولات، لأنه باطل..

 

 

﴿ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ﴾

 

( سورة النور: 40)

 فالأعمى والبصير، الكافر والمؤمن، الظلمات والنور، الحق والباطل، ربنا شبه الحق بالنور، فهو واضح، عنَ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ قَالَ: وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً... قَالَ:

 

(( قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلا هَالِكٌ...))

 

[ مسند الإمام أحمد ]

 والباطل..

 

﴿ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ﴾

 

( سورة النور: 40)

 وكلكم يعلم كيف أن بعض النظريات الوضعية عاثت في الأرض فساداً، وانحرفت بالإنسانية إلى مصير سيئ، ثم تهاوت كبيت العنكبوت، بشكل لا يصدق، هذا هو الباطل..

 

﴿ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ﴾

 

( سورة النور: 40)

 قال:

 

﴿ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ ﴾

 

وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ

المؤمن في سكينة وظل ظليل:

 المؤمن في سكينة، وكأنه في ظلٍ ظليل، والكافر في نار متأججة، وكأنه بركان، قلق، لأنه خرج عن فطرته، لأنه خرج عن طبيعته، عن جبلته، لماذا المؤمن مرتاح ؟ لأن حركته اليومية توافقت مع فطرته، واطمأنت نفسه..

﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴾

﴿ إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾

( سورة المعارج )

 ولما اتصل بصلاته لم يبقَ هلوعاً، ولا جزوعاً، ولا منوعاً، فالظل تعبير عن جزاء العمل الطيب، اتصال بالله، وسكينة وطمأنينة، وتجلٍّ، وراحة، والبعد عن الله قلق، واضطراب، وحسد، وحقد، وطمع، واستعلاء، وكبر، ثم يأتي الموت، ويفاجئ الإنسان.
 إذاً: من أروع تشابيه القرآن أن المؤمن بصير، والكافر أعمى، والحق نور، والباطل ظلمات، وجزاء العمل أن المؤمن في ظلٍ ظليل، والكافر في نار مستعرة، أما كملخص فالمؤمن حي، والكافر ميت..

 

﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ ﴾

 

وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ

المؤمن حيٌّ:

 المؤمن حي، عرف الله، وعرف سر وجوده، وعرف أين المصير، وعرف حقيقة الدنيا، وعرف حقيقة الآخرة، وعرف مهمته في الدنيا، حي، وعمل الأعمال الصالحة، التي تنفعه في الدنيا والآخرة، بالضبط مثل المؤمن بين الكفار كالحي بين الأموات، ربنا عز وجل قال:

﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾

( سورة المنافقون )

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ﴾

( سورة الجمعة )

﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾

( سورة الفرقان )

 مثله كمثل الكلب..

 

﴿ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ﴾

 

( سورة الأعراف )

 غارق في حب الدنيا إلى قمة رأسه، إذاً أربعة تشبيهات رائعة، المؤمن بصير، الكافر أعمى، ألا ترى معي أيها الأخ الكريم أنك حينما تلتقي مع إنسان بعيد عن الله ويرى أن البطولة في كسب المال الحرام، ويرى أن البطولة في اقتناص اللذات المحرمة، ويرى أن البطولة في غش الناس، والتلاعب عليهم، ألا ترى أنه أعمى ؟ وأن الله سوف يحاسبه حساباً عسيراً ؟ وسوف يدمره قبل أن يدمر ماله ؟ أنت تراه أعمى.
 أنا أقول لكم هذا الكلام: المؤمن الصادق يشعر أن الذين كفروا بالله، وابتعدوا عنه، ولم يعبؤوا بشرعه، يراهم عميانا، يراهم يتحركون في طريق هلاكهم، يراهم كالأعمى يخبط يميناً ويساراً من دون علم، ولا هدى، ولا كتاب منير، المؤمن بصير، الكافر أعمى، الحق نور، الباطل ظلمات، حالة المؤمن النفسية في ظلٍ ظليل..
 عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( عَجِبْتُ لأمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، لَيْسَ ذَلِكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ وَكَانَ خَيْرًا، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ وَكَانَ خَيْرًا ))

 

[ مسند الإمام أحمد ]

 إن الله يعطي الصحة، والذكاء والمال، والجمال، للكثيرين من خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين، فأنت بصير، في مكان منير، وفي ظلٍ ظليل، إذاً أنت حي، والكافر أعمى، وفوق أنه أعمى في ظلمات بعضها فوق بعض، وفي نار مستعرة، إذاً: هو ميت القلب، المؤمن حي، والكافر ميت، المؤمن في ظلٍ ظليل، والكافر في نار مستعرة، على فوهة بركان، المؤمن في أنوار الحق، والكافر في ظلمات الباطل، المؤمن بصير والكافر أعمى، هذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ(19)وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ(20)وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ(21)وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ﴾

 هذا ميت، أنى له أن يسمع ؟

 

إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾

( سورة الأنفال )

 دعوة الدين إلى الحياة، الإنسان ميت ما لم يؤمن، كيف تقول: ميت ؟ وهو في أشد حالات نشاطه، وتقول عنه: ميت، ومن كلام سيدنا علي: << يا بني، العلم خير من المال، لأن العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والمال يزكو على الإنفاق، يا كميل مات خزان المال وهم أحياء - وهم في أوج حياتهم أموات - والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، الناس ثلاثة، عالم، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع، أتباع كل ناعق،لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق، فاحذر يا كميل أن تكون منهم >>.

﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ﴾

 

لا يُعامَل المسيء كما يعامَل المحسن:

 بالمناسبة حينما يأتي القرآن بموازنة، هناك موازنات رائعة جداً:

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

( سورة الجاثية )

 إذا توهمت ثانية واحدة أن الله يمكن أن يعامل المسيء كما يعامل المحسن، أن يعامل العاصي، كما يعامل التائب، أن يعامل المستقيم كما يعامل المنحرف، فأنت لا تعرف شيئاً..

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

( سورة الجاثية )

﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ(35)مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾

( سورة القلم )

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ ﴾

( سورة السجدة )

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ ﴾

( سورة القصص )

 إياك أن تظن أن العاصي يمكن أن يستوي مع الطائع، وأن المحسن يستوي مع المسيء، وأن المؤمن يستوي مع الكافر، لا ! أين الثرى من الثريا ؟

 

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه ﴾

 

( سورة الزلزلة )

 أنا أطمئن المؤمنين فأنت إذا عرفت الله، واستقمت على أمره فلا بد من أن يكرمك الله عز وجل، بطريقة أو بأخرى، لا بد من أن تشعر أن عملك محفوظ عند الله، ولن يَتِركم أعمالكم.

﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ ﴾

( سورة فاطر )

إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ

1 ـ إنْ نافية بمعنى ما:

 (إنْ) هذه حرف نفي، يعني: ما من أمة إلا وجد فيها نذير ينذرها.

2 ـ ما هو النذير ؟

 والنذير كما تعلمون أشياء كثيرة:
 قال بعض المفسرين: حين يعاتب الله الإنسان الضال يوم القيامة يقول الله عز وجل:

﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ ﴾

( سورة فاطر )

 من هو النذير ؟ حينما قال الله عز وجل:

 

﴿ وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ ﴾

 العلماء قالوا: النذير هو القرآن ؛ النذير والبيان التوضيحي، فيه كل شيء، تعليمات الصانع، تحذيرات، صور مستقبلية، مشاهد لم تقع بعد، إخبار عما مضى، إخبار عما سيكون، فيه كل شيء، فيه أمر، فيه نهي، فيه وعد، فيه وعيد، فيه حلال، فيه حرام، فيه تاريخ الأقوام السابقة، فيه ما سيكون في المستقبل، البعيد والقريب، فيه نبأ ما قبلكم، خبر ما بعدكم، حكم ما بينكم، هذا كلام الله، هو النذير، وكلام النبي عليه الصلاة والسلام هو النذير، والشيب هو النذير، وموت الأقارب هو النذير، والمصائب هي النذير، المصيبة نذير.

 

 

﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴾

 للمؤمنين.

 

 

﴿ وَنَذِيرًا ﴾

 للمعرضين.

 

 

﴿ وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ(24)وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ(25)ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾

 

( سورة فاطر )

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018