الدرس : 06 - سورة فاطر - تفسير الآية 13 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 06 - سورة فاطر - تفسير الآية 13


1992-05-22

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الأكارم، مع الدرس السادس من سورة فاطر، وصلنا في الدرس الماضي إلى الآية الثانية عشرة، وهي قوله تعالى:

﴿ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ﴾

(سورة فاطر )

يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ

 لعلَّ في الدرس الماضي تبين لنا أن الله جل وعلا يريد أن يعرفنا بذاته، من خلال آياته، والآيات هي العلامات الدالة على وجوده، وعلى كماله وعلى وحدانيته، وعلى قدرته، فهو موجود، وقدير، وكامل، وواحد، أبرز الصفات والأسماء التي يمكن أن تجمع من خلالها كل أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى.
 من هذه الآيات إيلاج الليل والنهار:

1 ـ معنى: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلَ

 أولج بمعنى أدخل، يتجلى اسم اللطيف في هذه الآية.
 نحن في حياتنا اليومية نضع يدنا على زر فيتألق المصباح فجأة، نضعها ثانية فينطفئ فجأة، أما هذا التدريج اللطيف، تغيب الشمس، ولا تزال الدنيا مضيئة، كيف يدخل الظلام شيئاً فشيئاً، شيئاً فشيئاً، إلى أن يأتي وقت العشاء، فإذا الظلام قد عم الأرض، الله جل وعلا أولج الليل في النهار بلطف ما بعده لطف، لو أن الله جل وعلا يفعل كما نفعل نحن في حياتنا اليومية، وغابت الشمس فجأة، وغاب معها الضوء، لا شك أن الهواء الذي يغلف الأرض يقوم بعملية اسمها تناثر الضوء، هناك أشعة شمس، وهناك ظلام دامس، وهناك منطقة فيها ضياء، وليس فيها أشعة، الهواء الذي يغلف الأرض يقوم بمهمة تناثر الضوء، إذاً: الغلاف الهوائي نعمة من نعم الله عز وجل، هو الذي يجعل هذا الضياء يبدو بشكل تدريجي، وفي الصباح يولج النهار في الليل، ظلام دامس، يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، وبعدئذِ يزداد الضياء شيئاً فشيئاً، إلى أن تشرق الشمس، ويعم الضياء الأرض.
 هذه الآية الدالة على عظمة الله عز وجل، ولولا أن شكل الأرض كرة لمَا تداخل الليل والنهار، ولولا أن سرعة الأرض سرعة بقدر لما تداخل الليل والنهار بهذا البطء وبهذا اللطف، ولولا أن الأرض يغلفها غلاف غازي لما تناثر الضوء، والإنسان إذا دخل إلى الظلمة فجأة لا يرى شيئاً، بعد حين تتسع حدقته شيئاً فشيئاً، حتى تتبدى له بعض ملامح الأشياء، لو دخل الإنسان إلى سوق الحميدية أو سوق مدحت باشا الآن، فجأة وهو يقود مركبة بعد أن يدخل هذا السوق لا يرى شيئاً إطلاقاً، لأنه انتقل من الشمس المتألقة إلى منطقة أقل إضاءة، وإذا انتقل الإنسان من مكان مظلم إلى مكان مضيء، فتضيق حدقة العين شيئاً فشيئاً، حتى تأخذ الضوء الكافي، وأنت لا تدري، لكن الله جل في علاه جعل تداخل الليل والنهار تداخلاً لطيفاً، وتداخلاً مريحاً، وتداخلاً يوحي بعظمة الله عز وجل، هذا معنى قوله تعالى:

﴿ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ﴾

 أي أن الله عز وجل الذي أمرك أن تعبده، هو الله جل في علاه الذي أمرك أن تطيعه، والذي بيده مقاليد السماوات والأرض هو الذي يفعل هذا، هل أحدٌ من الناس مهما علا شأنه يستطيع أن يحرك الأرض ؟ أن يزيد حركتها ؟ أن يزيد من سرعة دورانها ؟ هذا من فعل الله جل وعلا.
 أحياناً هناك دليل فطري على أن هذا الكلام كلام الله، دليل فطري يعبر عنه بالمثل التالي:
 لو سمعت إنسانين يتحدثان من وراء حجاب أو في غرفة أخرى، بينهما باب ينتقل الصوت عبره، قال لك: البارحة عيَّنا مديراً عاماً للبريد، من المتكلم ؟ وزير المواصلات، أنت لا تعرف من المتكلم ! لكن فحوى الكلام ينبئُك بالمتكلم، حسناً فحينما يقول تعالى:

 

﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾

 

(سورة فاطر )

 من يستطيع أن يقول هذا الكلام إلا خالق البشر ؟

 

﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(12)يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ﴾

 

(سورة فاطر )

2 ـ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ

 الشمس تتسع لمليون وثلاثمائة ألف أرض، وإذا دخلتها أرض تبخرت في ثوانٍ معدودة، لأن درجة حرارة السطح ستة آلاف درجة، أما في أعماقها، وفي نواتها فتصل إلى عشرين مليون درجة، ستة آلاف على السطح، وعشرون مليون درجة في مركز الشمس، فلو ألقيت فيها الأرض لتبخرت في ثانية واحدة

﴿ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ﴾

 ويقدر العلماء أن عمر الشمس لا يقل عن خمسة آلاف مليون عام، ويقدر العلماء ثانية أن الشمس لن تنطفئ قبل خمسة آلاف مليون عام، ما هذه الطاقة ؟ أين الإمداد ؟ من يمدها بهذه الحرارة ؟ الله جل في علاه:

 

﴿ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ﴾

 

3 ـ وَالْقَمَرَ

 القمر: للتقويم، نعرف من خلاله عدد السنين والحساب، للتقويم، فكل إنسان ينظر للقمر ويقول: خمس عشرة ليلة، ثلاث عشرة ليلة، عشر ليال، الشهر الأول والثاني والثالث، له مهمة، وله دلالة، وله حكمة من خلقه، لذلك فالنبي الكريم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَأَى الْهِلالَ قَالَ:

 

(( هِلالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ ))

 

[ سنن أبي داود ]

 فنحن نستفيد منه، ويدلنا على الله عز وجل.

 

وظيفة الآيات الكونية:

 

 بالمناسبة أي شيء خلقه الله عز وجل من دون استثناء، له وظيفتان خطيرتان، الوظيفة الأولى أن يدلك على الله، والوظيفة الثانية أن تنتفع منه، أهل الكفر والإعراض استفادوا من الوظيفة الثانية، سخروا كل ما في الأرض لمصالحهم، استنبطوا ثرواتها، ركبوا الهواء، غاصوا في البحار، الهدف الثاني تحقق، لكن أهل الإيمان استفادوا من الهدف الأول.
 يجب أن نعلم أن كل شيء خلقه الله عز وجل خلقه من خلال هدفين.
 الأول: أن يدلك على الله.
 والثاني: أن تنتفع منه، لذلك يمكن أن نقول: إن الله جل في علاه سخر للإنسان السماوات والأرض، تسخير تعريف، وتسخير تكريم، فالتعريف يقتضي الإيمان، والتكريم يقتضي الشكر، فإذا عرفت الله آمنت به، وشكرته، فقد حققت المراد من خلقه، عندئذٍ تتوقف كل أنواع المعالجات، والمضايقات، لهذا قال تعالى:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ﴾

(سورة النساء: 147)

 هذا كلام دقيق جداً، الكون سُخِّر للإنسان بنص القرآن:

 

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ﴾

 

(سورة الجاثية )

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ﴾

(سورة البقرة )

 خلق خصيصى لكم، صمم من أجلكم، خلق موافقاً لحاجاتكم.

 

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ﴾

 فالكون مسخر لهدفين، يستنبطان من قول النبي الكريم:

 

 

(( هِلالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ ))

 لهدف كبير، وهو أن تعرف الله عز وجل، ولهدف آخر، وهو أن تنتفع به في الدنيا، وهناك هدف علمي، وهدف مادي، هدف إيماني، وهدف نفعي، هدف أخروي، وهدف دنيوي، إذاً: الكون مسخر للإنسان، تسخير تعريف، وتسخير تكريم، التعريف يقتضي من الإنسان أن يؤمن، والتكريم يقتضي من الإنسان أن يشكر، فإذا آمن بالله وشكره، فقد حقق المراد من خلقه في الدنيا، وإذا حقق المراد فقد حقق عبوديته.
 وإليك مثلاً من باب التقريب، ولله المثل الأعلى، وفي القرآن ضرب أمثلة كثيرة: أب كل طموحه أن يكون ابنه طبيباً، إذا رأى الأب ابنه عاكفاً على دراسته، وقد حصل علامات عالية، وكانت أخلاقه رضية، وسمته حسناً، وعلاقاته طيبة، فأي أب يمد يده على ابن مثل هذا ؟ لا يوجد مبرر ! هذا معنى قول الله عز وجل:

 

 

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ﴾

 

( سورة النساء: 147)

 تتوقف كل أنواع المعالجات، لأن الهدف تحقق، أيضاً الإمام الشافعي رضي الله عنه استنبط من قوله تعالى في الآية السابقة أن الله لا يعذب أحبابه، فأنت عرفت الله وأحببته، أنت في مجال التكريم، قال تعالى:

 

﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

 

(سورة المائدة )

 لو أن الله أقرهم على أنهم أحبابه لما عذبهم، إذاً: إن الله لا يعذب أحبابه، هذا معنى دقيق جداً.

 

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ﴾

 

(سورة النساء )

المصائب تختلف باختلاف الناس:

 لكن بالمناسبة، ما كل مصيبة تصيب الإنسان هي تعذيب، بعض المصائب هي تكريم، هي امتحان، رفع درجات، إذا قلنا: إن المصائب مضايقات وشدائد يسوقها الله للإنسان كي يدفعه إلى باب العبودية، فهذا من قبيل أن الحديث عن العصاة، أما المؤمنون فلهم معاملة خاصة:

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ﴾

(سورة البقرة )

 أي يريد الله عز وجل أن يعرف المؤمن بإيمانه، فأنت يا عبدي مؤمن والدليل: سقت لك هذه الشدة، فلا غيرت، ولا بدلت، ولا تركت الصلاة، ولا ظننت بالله ظن السوء، أنت على ما أنت عليه.
 فحينما يصاب المؤمن بخوف، أو بنقص من الأموال، والأنفس، والثمرات، هذه مصائب ترقية، ومصائب الكشف، ومصائب الدفع، لكن مصائب أهل الدنيا العصاة، فهي مصائب القصم، والردع، وقد بينت هذا في دروس سابقة، أجل هنالك مصيبة قصم، قال تعالى:

 

﴿ وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾

 

(سورة هود)

 حينما يبتعد الإنسان بعداً شديداً عن الدين، ويستحيل عليه العودة يُقصم، أمَّا حينما يقع في مخالفة شديدة، وفي معصية بليغة، تصيبه مصيبة الردع، فلعل الله جل وعلا يردعه بهذه المصيبة، أما أهل الإيمان فمصائبهم مصائب دفع وتسريع، ومصائب رفع، ومصائب كشف.

 

﴿ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾

 

(سورة فاطر )

3 ـ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى

 قالوا: إذا تحركت نقطة رسمت خطاً، الخط إذا تحرك رسم سطحاً، السطح إذا تحرك رسم حجماً، الحجم إذا تحرك شكل زمناً، وفي أحدث نظرية وهي النسبية: قراراً أن الزمن هو البعد الرابع للأشياء، فهذه الشمس تتحرك، والقمر يتحرك، والأرض تتحرك، ونحن نتحرك، هناك نهاية لهذه الحركات، هذا معنى: مالك يوم الدين.

﴿ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ﴾

(سورة فاطر)

 الشمس والقمر، والأفلاك، ونحن نتحرك لأجلٍ مسمى، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، نقرأ النعي، ونحضر التعازي، ونلقي الكلمات، لكن لا بد من يوم تُقرأ نعوتنا، ويحضر الناس تعزيتنا، ويلقون كلمة في مناسبة موتنا،

 

كل ابـن أنثى وإن طالت سـلامته  يـوماً عـلى آلة حدباء محمول
فإذا حملـت إلى الـقبـور جـنازة  فـاعـلم بأنك بعـدها محمول
***

 هذا هو الزمن، الزمن هو حركة محدودة، تنتهي بنقطة الصفر، يقول لك: عدّ تنازلي، تسع، ثمان، سبع، ست، خمس، أربع، ثلاث، اثنان، واحد، صفر. انتهى، تفضل تشرِّف معنا، هكذا الدنيا..

 

 

الـدنيا سـاعة  اجعلها طاعـة
والنفس طماعة  عـودها القناعة
***

 سبحان الله ! الزمن يمضي سريعاً، كل واحد منا له عمر، كيف مضت هذه السنوات الثلاثون ؟ يقول لك: والله كلمح البصر، كيف مضت الأربعون عاماً ؟ الخمسون عاماً ؟ العشرون عاماً ؟ وعلى هذا فقس، والإنسان يسأل نفسه سؤالاً محرجاً: هل بقي بقدر ما مضى ؟ أغلب الظن لمن تجاوز الأربعين لا، لأن معترك المنايا بين الستين والسبعين، فمن بلغ الأربعين أغلب الظن أن الذي بقي أقلّ مما مضى، هذا معنى:

 

 

﴿ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ﴾

 

خيار الإنسان مع الإيمان خيار وقت فقط:

 مرة ثانية: ليست مشكلة الإيمان أن تؤمن أو لا تؤمن، لا بد من أن تؤمن، ولكن بعد فوات الأوان، فالبطولة أن تؤمن قبل فوات الأوان، البطولة أن تؤمن وأنت شاب، وأنت في ريعان الشباب، فَلَكَ قدرة أن تشكل حياتك وفق قواعد الإيمان، أن تختار عملك الذي يرضي الله عز وجل، فأنت تتعلم كي تستفيد من علمك في الحياة الدنيا، لا أن تتعلم بعد فوات الأوان، بعد أن مضت السنون، وبعد أن دفعت الثمن بالغاً، يا ليتني فعلت كذا، يا ليتني لزمت مجالس العلم، يا ليتني أديت الصلوات كلها، يا ليتني فعلت كذا وكذا، كلمة ليت هذه تجرح الفؤاد.

﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾

(سورة الفجر )

﴿ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99)لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ﴾

(سورة المؤمنون)

 اقرؤوا الآيات التي تتحدث عن ندم الإنسان حينما يلقى الله عز وجل، فليست القضية أن تؤمن أو أن لا تؤمن، فلا بد من أن تؤمن، فرعون آمن، ولكن حين لا ينفع الإيمان، وبعد فوات الأوان:

 

﴿ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ(90)أَالْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ﴾

 

(سورة يونس )

 البطولة أن تؤمن في وقت ينفعك فيه الإيمان.
 الشيء الثاني: ما من واحد على وجه الأرض ينكر حادث الموت، ولكن البطولة أن تستعد له، الموت خارج حساب الناس، يحسب لكل شيء حساباً، كنت في مكان أنتظر، وسمعت ما يلي بأذني: قال رجل لصاحبه: بعد عشرين عاماً إذا حدث أي خلل في الأنابيب، فلن أكسر البلاط، ولكن أجري تمديداً خارجياً بدلاً من التمديد الداخلي، هذا شيء جيد، بعد عشرين عاماً، فكأنه ضمن أن يعيش عشرين عاماً أخرى، يحسب الإنسان حساباً لكل شيء، إلا مغادرة الدنيا، يصعق حينما يأتي ملك الموت، فالمؤمن يستعد لها قبل أن تأتي، يستعد لها بالإيمان، يستعد لها بالاستقامة، يستعد لها بالعمل الصالح، يستعد لها بطلب العلم، يستعد لها بإنفاق الأموال، يستعد لها ببذل الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، حتى يشعر أنه في رضوان الله.
 أيها الإخوة الأكارم، كلمة أقولها لكم: والله الذي لا إله إلا هو، ما من شعور يسعد الإنسان في الدنيا أعظم من أن تشعر بأن الله راضٍ عنك:

 

فليتك تحـلو والحيـاة مـريـرة  ولـيتك تـرضى والأنام غضاب
و لـيت الذي بيني وبينك عـامرٌ  وبيـني وبين العـالمين خـراب
وليـت شـرابي من ودادك سائغٌ  و شـربي من ماء الفرات سراب
إذا صح منك الوصل فالـكل هينٌ  وكـل الذي فوق التراب تـراب
***

 المؤمن رباني، معنى رباني: أي أن علاقته مع الله حسنة، علاقة ود، علاقة حب، علاقة شوق، علاقة طاعة، علاقة عبودية، علاقة خضوع، علاقة انسياق لأمره، وقّاف عند كلام الله.
 إذاً: كلٌ يجري لأجلٍ مسمى، هذا الذي خلقكم من تراب، ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجاً، هذا الذي جعل البحرين، هذا عذب فرات، وهذا ملح أجاج، هذا الذي خلق السمك لتأكل منه لحماً طرياً، هذا الذي خلق اللؤلؤ والمرجان، ليكون زينة لزوجتك، هذا الذي أولج الليل في النهار بلطف شديد، وأولج النهار في الليل، وسخر الشمس والقمر، كلٌ يجري لأجلٍ مسمى، هل عرفته ؟ جاء الجواب:

 

 

﴿ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ ﴾

 

(سورة فاطر )

ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ

1 ـ الله خالق الكون بكلِّ ما فيه:

 من هو الله ؟ الذي فعل كل هذا، الذي خلق الكون، الذي خلق السماوات، خلق المجرات، خلق الكازارات، خلق المذنبات، بين مجرتين ستة عشر ألف مليون سنة ضوئية، كلام ثابت.
 والله مرة في سهرة من السهرات أجريت حسابات لأعرف ماذا يعني أقرب نجم ملتهب من الأرض، أحياناً الأرقام لا تعني شيئاً، يقول لك: عشرة قوة عشرين، هذه الأرقام لا تعني شيئاً، فأردت أن أوضح لإخواني أن هذا القرب نجم بعده عنا أربع سنوات ضوئية، شيء جميل، الضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمائة ألف كيلو متر، وعلى الآلة الحاسبة، ثلاثمائة ألف ضرب ستين دقيقة ضرب ستين للساعة ضرب أربع وعشرون في اليوم ضرب ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً في السنة ضرب أربع سنوات ضوئية فالناتج رقم فلكي، كبير جداً، سنركب مركبة سرعتها مائة في الساعة، نقسمها على مائة، نتج كم يقطع في الساعة، حسناً كم ساعة إلى أن نصل ؟ تقسيم أربعٍ وعشرين عدد الأيام، تقسيم ثلاثمائة وخمسة وستين عدد السنين، نتج معنا أن هذا النجم أقرب نجم إلى الأرض من أجل أن نصل إليه نحتاج إلى ثلاثة وأربعين مليون سنة، يجب أن تركب مركبة، وأن تقودها ولن تستطيع الوصول، ثلاثة وأربعون مليون سنة كي تصل إلى أقرب نجم ملتهب، أربع سنوات ضوئية، فكم تحتاج كي تصل إلى نجم القطب ؟ أربعة آلاف عام، أقرب نجم مسيرة أربع سنوات، القطب أربعة آلاف قفزة واحدة، المرأة المسلسلة مليون سنة ضوئية، أحدث مجرة ستة عشر ألف مليون سنة ضوئية:

﴿ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ ﴾

(سورة فاطر)

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ(75)وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾

(سورة الواقعة )

 لو تعلمون.

 

﴿ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ ﴾

 

2 ـ الله الخالق هو المستحق للعبادة:

 هذا الذي تعصيه هذه هي أفعاله، ألا يستحق هذا الإله العظيم أن تطيعه ؟ أن تعبده أن تعظم أمره ؟ أن تدعو إليه ؟
 الصراحة أن الإنسان حينما يضع كل إمكاناته في خدمة إنسان من جنسه فقد بخس نفسه، حينما يحب الإنسان غير الله فقد احتقر ذاته، أنا لا أعتقد أن هناك في الأرض رجلين أحبا بعضهما بعضاً كما أحب الصديقُ النبيَّ عليه الصلاة والسلام، فداه بروحه، فداك أبي وأمي يا رسول الله، أعطاه كل ماله، ومع ذلك قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن مسعود يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:

(( لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلا لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً... ))

[ صحيح مسلم ]

 معنى هذا أن الإنسان لا يجوز أن يحب غير الله، ولا أن يعطي شبابه لغير الله، ولا أن يعطي حياته لغير الله، ولا أن يعطي قلبه لغير الله، ولا أن يعطي ولاءه لغير الله، هذا الذي يوالي إنساناً، الإنسان فانٍ، في أحسن الدرجات ماذا يفعل معك هذا الإنسان لو جاءك شيء لا يقوى أن يرده عنك ؟ إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله، يعني أن الإنسان حينما يتجه لغير الله، وحينما يوالي غير الله، وحينما ينفق شبابه لغير الله، وحينما يفني عمره لغير الله، وحينما يعطي ماله لغير الله، وحينما يوالي غير الله، فقد احتقر نفسه، لذلك من عرف نفسه، عرف ربه، ويمكن أن تقول: من عرف ربه عرف نفسه..

 

﴿ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ ﴾

 

3 ـ لَهُ الْمُلْكُ

 مطلق الملك، اليوم قلت على المنبر: في الأنف عشرون مليون خلية عصبية للشم، عشرون مليون متمركزة في القرن العلوي من الأنف، بمساحة مائتين وخمسين مليمترا مربعا، هذه الخلايا الشمية كل خلية لها سبعة أهداب، على كل هدب يوجد مادة دهنية، فيها مادة مذيبة، مادة دهنية مع مادة مذيبة، فإذا لامستها رائحة تفاعلت معها تفاعلاً كيماوياً، هذا التفاعل شكل شكلاً، فقال العلماء: رائحة الأزهار كشكل المفتاح، رائحة بعض المواد الكيماوية كحوض السباحة، هذا الشكل يرسل إشارة للدماغ، وفي الدماغ عشرة آلاف رائحة، مركز الشم في الدماغ يميز بين عشرة آلاف رائحة، ويتم التمييز بالآلية التالية: هذه الرائحة تعرض على كل الروائح، في الذاكرة الشمية تمر عشرة آلاف ذاكرة، فإذا وافقت إحداها تقول: هذه ياسمين مثلاً، هذه فل، هذه مثلاً رائحة زنبق، هكذا التعريف، وفي الطعام كمون، شيء معجز، وهذه الأهداب تستطيع أن تستشعر روائح ذات تركيز يكاد يكون صفراً، فقالوا: نصف بالمليون من الميليغرام بالسنتمتر المكعب خلايا الشم تلتقطه، الميليغرام يساوي واحد بالمليون من الغرام، أي جزء من مليون المليون، من ألف بليون جزء سم مكعب خلايا الشم تتذوقه، أنت أحياناً لا تنتبه، أنت تحتاط بالبصر، ركبت مركبة، وجدت الجهاز فيه خلل، العدادات، هذه بالبصر، أحياناً تسمع صوتاً، الصوت أوسع، أحياناً تشم رائحة، فأنت مرة تتقي الخطر بالرؤية، ومرة بالصوت، ومرة بالرائحة، تشعر بالخطر، أحياناً تسمع صوت وحركة فتقف ! أحياناً تشم رائحة كريهة فإذا بها فأرة ميتة، ليس لها أي صوت ولا صورة، وهي تحت السرير، ما الذي يشعرك أن هناك كائن متفسخ ؟ الرائحة، فربنا جل وعلا كامل.

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

(سورة التين )

 في أحسن تقويم.

 

﴿ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴾

 

(سورة الانفطار )

 هي الرائحة، ما دامت حاسة الشم تميز بين عشرة آلاف رائحة، والروائح الأساسية سبعٌ، مثل حروف اللغة، يمكنك أن تؤلف مليون كتاب من ثمانية وعشرين حرفاً، فالروائح الأساسية سبعة، وهناك من الروائح ما لا يعد ولا يحصى:

 

﴿ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ ﴾

 حاسة الشم، حاسة البصر، السمع، أنت فلان على الهاتف، لقد عرفتك، معنى هذا أن لديك ذاكرة سمعية للأصوات، الدماغ، مركز التوازن، مركز البلع، البلعوم، هذا شرطي المرور الذي يعمل ثمانين عاماً بلا كلل ولا ملل، يفتح تارة طريق القصبة الهوائية، وتارة طريق المريء إنه المزمار..

 

 

﴿ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ﴾

 

وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ

1 ـ الأصنام بأنواعها لا تضر ولا تنفع:

 هذه الأصنام، وهي كل يدعون من دون الله، إما الأصنام التي كانت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، أو أيّ إنسان، فعندما يضع الشخص كل ثقته بإنسان، ويظنه قادرا على أن يفعل كل شيء، فهذا نوع من الشرك:

﴿ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ﴾

2 ـ القطمير:

 القطمير غشاء رقيق يغلف النواة، نواة التمر، فيها القطمير والنقير والثالثة الفتيل، طبعاً هذا المثل من بيئة العرب، التمر شيء شائع عندهم، فالنواة لها نقير، أحد طرفيها له رأس مؤنث، ولها فتيل بين فلقتيها، ولها قطمير غشاء رقيق يغلفها، فهؤلاء الشركاء ما يملكون من قطمير.

﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ ﴾

إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ

 هذا الصنم أو الحجر ليس لديه قدرة سمعية، لا يسمع، أما الإنسان فله قدرة على التعرف، له سمع، له بصر، له إدراك وعقل، وأشياء كثيرة، هؤلاء الأصنام إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم، ولو كانوا من بني البشر، أصناماً ولو سمعوا ما استجابوا لكم، فلو أن إنساناً أصيب بمرض عضال، وله صديق، قوي في الحياة، ويده طولى، قال له: أرجوك، يقول له: ليس بيدي، وأحياناً الإنسان يتوهم أن المال يحل كل شيء، فمن توهم أن المال يحل كل شيء، هذا يؤدّب بطريقة أو بمشكلة لا يحلها المال أبداً.

المال لا يحل كل المشاكل والمصائب:

 أنا مرة كنت عند طبيب، فجاءه هاتف: أيها الطبيب، أعطنا إشارة لأيّ مكان في العالم نأخذه، أيّ مبلغ ندفعه، قال له: والله ليس هناك أمل، الورم من الدرجة الخامسة، وهو مستعصٍ على الشفاء، شعرت أنا من خلال الهاتف أن ذوي المريض مستعدون أن ينفقوا عليه أكبر مبلغ، فهناك حالات لا يكون للمال قيمة فيها، لا يحل مشكلة أبداً، فكل من يعتقد أن المال يحل مشكلة يؤدب بمشكلة لا يحلها المال أبداً.
 دققوا في هذه الناحية أيها الإخوة، أحياناً الإنسان إن اغتنى يقول لك: الدراهم مراهم، كل إنسان دعه يفعل ما يشاء بالمال، هذا الإنسان يؤدب بطريقة معينة، له تأديب خاص، الله يسوق له مشكلة لا قيمة للمال في حلها أبداً، إلا أن يقول: يا الله، فالإنسان المؤمن يقول: يا الله، دائماً، إن كان غنياً أو كان فقيراً، لذلك فالنبي الكريم عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ بالله مما يهتم له، ومما لا يهتم له، وأحياناً شيء بسيط جداً يعكر صفاءك، شيء بسيط جداً يعكر مشروعك، عقبة تافهة جداً تحول بينك وبين هدفك، فالإنسان يجب أن يستعيذ بالله، لا من شيء عظيم فقط، بل من شيء حقير أيضاً، إني أعوذ بك مما أهتم له، ومما لا أهتم له، والدعاء الشهير: اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً.
 إذا عسَّر الله عز وجل الأمر فتجده كله معقَّدًا، وإذا سهَّله فشيء لا يصدق، لهذا الكلمة الشهيرة: إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟ تنبع المشكلات من بيته، من زوجته، من أولاده، من عمله، من شريكه، من سيارته، من تجارته، أينما تحرك تواجهه مشكلات، فالإنسان يجب أن يشعر أن الله راضٍ عنه أو غير راضٍ، من معاملة الله له.
 أحياناً يكون هناك خلل فتبرز هناك مشكلة، الإنسان يفهم على الله عز وجل، وإذا بدأ يفهم على الله عز وجل، واستقام انحلت عقدته، هذه من أجل ذلك، هذه يا عبدي من أجل ذلك، من هذا الموقف، من هذه النظرة، من هذه الكلمة، من هذا الدفع، من هذا المنع.
 حكى لنا أخ من إخواننا عنده محل تجاري، مبيعه بالجملة، دخل إليه أحدهم، وقال له: نريد قطعة أو اثنتين بالمفرق، اعتبرها إهانة له، قال له: أنا أبيع بالجملة، ولا أبيع بالمفرق، يقسم لي بالله أنه خلال ستةٍ وعشرين يوماً ما دخل إلى محله إنسان، قال لي: لقد جفّت دمائي في العروق، هذا تأديب إلهي، أنت تكبرت عن بيع قطعتين، فربنا عز وجل له ترتيب، فإذا دخل الإنسان في المعالجة فليفرح، إذا شعر أن الله يحاسبه، يتتبعه، يسوق له مشكلة لكل قضية، معنى هذا أنه ضمن العناية المشددة، معنى هذا أنه مطلوب، أما إن كان المريض لا أمل منه فيقول الطبيب لذويه: أطعموه ما يشاء، مهما طلب أطعموه، يكون مرضه خطيراً ومستفحل، فالطبيب لا يعطيه حمية شديدة، ولا يضغط على المريض، وينبهه من خطورة الملح، إلا إن كان هناك أمل في الشفاء، طالما هناك أمل فهناك ضغط، إن لم يكن الأمل فلن يكون الضغط، فإذا شعر الإنسان أن الله عز وجل يحاسبه حساباً دقيقاً، أي يعاتبه أحياناً، يحجبه أحياناً، يسوق له بعض الشدة أحياناً، فمعنى ذلك أنّه ضمن العناية المشددة، فليفرح، ومعنى ذلك أنه مطلوب، معنى ذلك أنه ليس ميؤوساً منه، هناك أمل، داخل بالزمرة التي يمكن أن تنجو، ليس من الناجين، بل يمكن أن تنجو..

﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ ﴾

1 ـ يجب أن تدعو السميع المُجيبَ:

 إذاً: يجب أن نعبد مَن إذا دعوناه سمعنا، قد تدعوه ليلاً، ونهاراً، صبحاً ومساءً، في سفر، في حضر، على سرير، في مستشفى، في بيتك، في مركبتك، في مكان موحش، في مكان آهل، الإله يجب عليك أن تدعوه في أي وقت وهو يسمع، أما إن كان لك صديق وأعطاك أرقام هواتفٍ لديه، وقال لك: في أي لحظة تخبرني. فأنت قد تكون في مكان لا هاتف فيه، وقد يكون لدينا هاتف ولكن هاتفه معطل، دعه يأتي الآن ليخلصك من الأزمة التي وقعت بها، تحدث كثيراً، يكون واثقاً لأن معه ثمانية أرقام هواتف، كلهم شخصيات مهمة، ربنا كيف يؤدب هذا الإنسان ؟ بأن يعطل له هاتفه، أز يعطل هواتف الآخرين، تجده أسقط في يده، عاملوه معاملة في منتهى القسوة، ولو اتصل الشخص المطلوب لرفعوه لأعلى عليين، ولكن ربنا عز وجل يؤدب من اعتمد على غيره بهذه الطريقة، فلذلك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( أوحى الله إلى داود: يا داود، ما من عبد يعتصم بي دون خلقي، أعرف ذلك من نيته، فتكيده السماوات بمن فيها، إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا، وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني، أعرف ذلك من نيته، إلا قطعت أسباب السماء من بين يديه، وأسخت الهواء من تحت قدميه ))

[ الدر المنثور في التفسير بالمأمور للإمام السيوطي ]

﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ ﴾

 يجب أن تعبد من يسمعك، وأبلغ من ذلك يجب أن تعبد من إذا دعوته في سرك استجاب لك، أحياناً الإنسان في موقف صعب يقول: يا رب، وهو مع أناس منكرين معرضين، لكني أقول لكم: والله من الممكن أن تدعو الله وأنت ساكت، في سرك، يا رب، ليس لي إلا أنت، وأنت ساكت، وهذا الفم مطبق، وتشعر أنه سمعك واستجاب لك، والدليل:

 

﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ﴾

 

(سورة مريم)

 أي خفي عمَّن حوله، فما قولك بإله عظيم، وأنت ساكت تقول له: يا رب ليس لي إلا أنت ؟ يا رب أنقذني، يا رب يسر لي هذا الأمر، يا رب لين قلوب الآخرين، يا رب هيئ لي أسباب الفرج، وأنت ساكت، وهذا الفم مطبق، واللسان صامت، والله يسمعك ويستجيب لك.

 

2 ـ العبد لا تجده في الخدمة دائما:

 

 بينما الآخرون تدعوهم وترجوهم، وتتوسل إليهم، يعتذرون بلباقة، يقول لك أحدهم: ما عندي نقد، وآخر يقول: القضية ليست بيدي أتمنى أن أخدمك، على عيني ورأسي، ولكنني لا أستطيع، تشعر أنه انسحب من خدمتك بانتظام، فحينما تعلق الآمال على غير الله يأتيك الرد القاسي، يأتيك التخلي، يأتيك بأن يسلموك، وسبحان الله كل من اعتمد على غير الله، وبالغ في الاتكال عليهم فلابد من أن يؤدب، بمشكلة يظهر له تخليهم عنه، رحمة به، وتقريباً إليه، فهؤلاء يا عبدي لا ينفعونك، لذلك ففي أول ليلة يوضع فيها الميت في القبر يقول الله عز وجل: عبدي رجعوا وتركوك، رجعوا ليأكلوا على روحك وتركوك، وفي التراب دفنوك.
 مرة فتحوا قبراً فوجدوا مياه الصرف الصحي محولة عليه، سألوا ابن المتوفى فقال لهم: ضعوه فماذا سنفعل ؟ فانتقل من منزل أربعمائة متر، فيه أثاث بمئات الملايين، إلى قبر في باب الصغير مفتوحةٌ عليه مياه الصرف الصحي، وفي التراب دفنوك ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبقَ لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت.
 فالبطولة أن تعرفه وأنت حي، أن تعرفه وأنت شاب، أن تعرف حقوقه عليك، وحقك إني لك محب، فبحقي عليك كن لي محباً

﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ﴾

وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ

كلُّ مَن تعتمد عليه من دون الله يتبرأ منك يوم القيامة:

 يوم القيامة يقول لك ذاك الذي عبدته من دون الله: أنت اعتمدت علي من دون الله، أنت أحمق -لا سمح الله - أي أن هذا الذي اعتمدت عليه يتخلى عنك، ويتهمك..

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ ﴾

( سورة إبراهيم )

﴿ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

(سورة فاطر)

وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ

 فمن الذي يجب أن تستمع إليه ؟ هو الخبير، من الذي خبرته قديمة ؟ هو الله عز وجل، هو الخبير، أحياناً أنا أترنم بكلمة تعليمات الصانع.

1 ـ يجب اتباع تعليمات الصانع:

 نحن عرفنا أنه إن كان عندك آلة معقدة غالية، تخاف أن تصاب بالخلل، أو بالعطب، لأن منها الأرباح الجيدة، هناك بعض أصحاب المعامل إن تعطلت عندهم آلة يصلحها الساعة الثانية ليلاً، يقول لك: وردية الليل مدفوع ثمنها، فعندما تكون الآلة غالية يكون كتاب الصيانة الخاص بها ترتيبه بعدها، وهذه هي تعليمات الصانع، فإن كنت أنت غالٍ على نفسك فأغلى شيء عليك يجب أن يكون القرآن الكريم، لأن هذا القرآن تعليمات الصانع، فمن أحب ذاته، من كان مفرطاً في الأنانية، عليه أن يتبع تعليمات الصانع، أي علامة حرصك على سلامتك، وعلى سعادتك اتباع تعليمات الصانع، فأحياناً لا تروق لي كلمة إلا أن أقول: تعليمات الصانع، لماذا تغض بصرك عن محارم الله ؟ لأن هذه تعليمات الصانع، لماذا لا تصافح النساء ؟ إنها تعليمات الصانع، لماذا لا تفعل كذا ؟ هكذا وجهني ربي عز وجل، فالإنسان السعيد يسير على منهج:

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

 أحياناً خبرات البشر يثبت أنها سيئة جداً، أو أنها مشحونة بالخلل، ماذا يقول لك الإنسان ؟ هكذا توقعت، ولكني أخطأت يا أخي، أما ربنا عز وجل فلا يمكن أن يقع خلل في كلامه، معنى قوله تعالى:

 

﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾

 

(سورة البقرة )

﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ﴾

(سورة فصلت )

 لذلك فهل عرفتم مقام الربوبية ؟

 

﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(11) وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ ﴾

 

(سورة فاطر)

﴿ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ ﴾

( سورة فاطر)

 هل عرفتم من هو الله ؟

 

﴿ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ ﴾

 حسناً ومن أنتم ؟ قال:

 

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ﴾

 

(سورة فاطر)

يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ

 أنت مفتقر إلى كل خلية أن تعمل بانتظام، وإلا لو حصل نمو عشوائي لانقلبت حياة الإنسان جحيماً، لو توقفت كلية عن العمل انقلبت حياة الإنسان جحيماً، لو حصل خلل في الدسام، أو في الشرايين، أو في الأوردة، أو في القلب، أو في الأجواف، أو في الأعصاب، أو في البنكرياس، البنكرياس أصابه مرض السكر، بالصفراء أصبح هناك مرارة وفيها حصيات، فأنت مفتقر إلى الله عز وجل، في أية لحظة ينقطع عنك إمداد الله عز وجل فهناك مشكلة كبيرة:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ﴾

 إذاً يجب أن تتحقق من ربوبية ربك، ومن افتقارك إليه، من عبوديتك.. 

فأنتم هم الحق لا غيركم  فيا ليت شعري أنا من أنا

 يجب أن تعرف من أنت ؟ أنت لا شيء، أنت شيء بقدرة الله، شيء بتوفيق الله، شيء بلطف الله، شيء بإمداد الله، فإذا تخلى الله عنك فأنت لا شيء.

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾

وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ

1 ـ الله هو الغني، والعبد مفتقر إلى الله الغني:

 أنت الفقير وهو الغني، أنت الضعيف وهو القوي، أنت الطارئ والحادث، وهو الباقي على الدوام، أنت الجاهل وهو العالم، حالة المؤمن هكذا.
 مرة سمعت مثلاً أعجبني: أنت سمكة مملوءة ذهباً، فإذا قـلت: أنا ذهب، لا، الذهب ليس منك، الذهب وضع فيك، إذا عرفت من أنـت فأنت ذهب، فإذا قلت: أنا ذهب، فأنت لست بذهب.
 أحياناً يضربون الأمثلة مثل المزاب، وهو ممر للماء من أسطحة المنازل، فإذا قال المزاب: انظروا إلى عطائي، أنـت لا عطاء لك، أنت ممر للعطاء، فالإنسان إذا عرف قدره عرف ربه:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ﴾

 لذلك فالنبي الكريم كان يدعو قبل أن يفعل شيئاً:
 اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي، والتجأت إلى حولك وقوتك، يا ذا القوة المتين.
 أنت طبيب، أو محامٍ، أو مهندس، أو تاجر، لا يوجد ذكي مع الله إطلاقاً، أحياناً يريك التاجر أن هذه الصفقة هي صفقة العمر، وبسببها يفلِّس الإنسان، إذ تكون خسارتها فادحة، لأنه ما اعتمد على الله تعالى، وأحياناً الطبيب إن اعتمد على علمه، أو ولم يعتمد على ربه يكون تشخيصه خاطئاً، يسوق الله له كل من سيموت، تجد على يده حالات موت كثيرة جداً، فإذا اتكل على الله عز وجل ساق له من أراد أن يشفيهم، فيقال: والله استفدنا، فالقضية قضية أن تعرف من أنت، أنت لا شيء، لذلك إذا سجد الإنسان يجب أن يتذلل، اللهم إني لا أعرف شيئاً، أنا لا أعلم وأنت تعلم.

 

﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

 

(سورة النور)

 ففي كل مهنة دلائل على عظمة الله عز وجل، التاجر يقول: يا رب تجبر عني، البضاعة جميلة ! لا بالجميل الذي يباع وتنفق سوقه، فقد لا تباع هذه البضاعة، وتتراكم في المستودع حتى تصبح هماً على قلب صاحبها، لذلك ربنا لما تكلم عن التجارة قال:

 

﴿ وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا ﴾

 

(سورة التوبة: 24)

2 ـ الافتقار إلى الله يجلب التوفيق:

 الكساد شيء صعب جداً، بضاعة في المستودع لا تباع ولا تشترى، رأسمال مجمد، فالإنسان إن كان تاجراً أو طبيباً أو محامياً، أو كان مهندساً فبلطف الله، فكلما افتقر إلى الله وفقه الله، وكـلما اعتز بفهمه وخبراته وقدراته تخلى الله عنه، هي عملية واضحة جداً، إن اتكلت على الله كفاك، وإن اتكلت على نفسك أوكلك الله لها، هذه هـي القصة كلها، في حقل التجارة والصناعة، والزراعة، أحياناً يأتي صقيع فيحرق الموسم الزراعي، فكل ذكائك وكل خبرتك، لا تفيد شيئاً مع الصقيع..

﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ ﴾

(سورة القلم )

 في الطب، في الهندسة، في التدريس، في المحاماة، في أي مصلحة، في أي مهنة، قل قبل أن تفعل شيئاً: اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي، والتجأت إلى حولك وقوتك، يا ذا القوة المتين، حتى في الزواج، أريدها كذا وكذا، الحسب والنسب، ثم يقع على رأسه شك في النهاية، بعد كل هذه الشروط الصعبة تجدها من أسوأ الزوجات، وتجد حياته جحيما، فدائماً الأمور بحاجة إلى توفيق، بالتوفيق والتوكل والسعي يتم النجاح والفلاح..

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ(15)إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾

 فلا يتدلل أحدنا، ولا تتشوّف نفسه، فهي أمارة بالسوء.

 

 

﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ ﴾

 

(سورة الحجرات: 17)

إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ

 إن الإنسان هذا المخلوق الأول المكرم إن استقام وُفِّق، أما إن لم يستقم فلا قيمة له عند الله، إذا هان أمر الله عليك هنت على الله، كما ترون، إذا هان أمر الله على الناس هانوا على الله، فتصير أمورهم بأيدي أعدائهم.

﴿ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ(16)وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ﴾

 الإنسان يجب أن يتواضع لله، يجب أن يتذلل، يجب أن يعد أن وجوده نعمة عظمى من الله عز وجل، نعمة الوجود ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، هذه النعم عظمى، ويجب أن تعلم أنك إذا أطعت الله عز وجل فإنك تنفع نفسك:

 

﴿ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ﴾

 

(سورة الروم)

 الخير كله عائد إليك، كما لو أن إنساناً اشترى صندوقاً، ووضع فيه المال، ومعه مفتاحه، يقول: دفعت اليوم كذا، وأدخلت للصندوق كذا، والصندوق مفتاحه معك، وهذا المال لك، فالأمور كلها تعود إليك.

 

﴿ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ(17)وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾

 

 

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018