الخطبة : 1015 - العنصرية - قصيدة للذين لا يهمهم ما يجري - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 1015 - العنصرية - قصيدة للذين لا يهمهم ما يجري


2006-07-28

 الخطبة الأولى
 الحمد لله نحمده، ونستعين به، و نسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق و البشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِ وسلم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته، ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

أنواع الأزمات : أزمة الأحداث وأزمة الأشخاص :

 أيها الأخوة الكرام، لازلنا في المحنة التي يعاني منها المسلمون في شتى أقطارهم، ولا سيما في لبنان وفلسطين والعراق.
 لأزمة أيها الإخوة أزمتان، الأزمة الحقيقية أزمتان، أزمة أحداث، هذا العدوان، وأزمة أشخاص، والمسلمون من نقاط ضعفهم أنهم كثيرون، بل كثيرون جداً، ومع ذلك يهربون إلى تحميل الآخرين المسؤولية دون أن يدركوا جميعاً أنهم مسؤولون بكل شرائحهم، وبكل أطيافهم، وبكل أصقاعهم عن هذه الأزمة، فالذي لا يساعد نفسه لا يساعده الآخرون، أدق نقطة في سلوك المسلمين السلبية، فهم سلبيون، يقيمون، ينددون، ولكن لا يفعلون شيئاً.

واقع المسلمين في مواجهة الأزمات :

 أيها الإخوة الكرام، شيء آخر، هو أن المسلمين يواجهون الأزمات متفرقين، كما أن هذه الأزمات تخلق فيما بينهم مشكلات خطيرة، يتقاتلون حولها، والأمة الواعية تستغل تلك الأزمات في توحيد صفوفها، وفي رص صفوفها، وفي رأب الصدع، وفي لمِّ الشمل.
 أيها الإخوة الكرام، أخطر ما نعاني منه عقليات سلبية متفرقة محبطة يائسة، اليأس في مثل هذه الظروف مدمر، والتفاؤل مطلوب، يلقي فينا الحيوية والنشاط، لكن لا من باب التطمين، لكن من باب الوقائع، أن الأمة إذا وصلت إلى قاع الإخفاق والخيبة فهذا مؤذن ببداية جديدة، والشعوب التي نهضت قبل أن تنهض وصلت إلى قاع الخيبة والإخفاق، هذا الكلام أيها الإخوة الكرام ليس تعزية للنفوس التي آلمتها الجراح، ولكنه سنة إلهية، وناموس يجري في كل الأصقاع والأمصار والأزمان، الأرواح المؤمنة التي التهبت مشاعرها، والعقول الحية التي تفتحت للحياة، وتطلعت للإبداع، والألسنة الصادقة التي تتلو أعذب الأخبار، مع أن صخب الباطل يحاول إفسادها أو تأجيلها، بينما قوارع الوعد الرباني يقول الله عز وجل :

﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ ﴾

[ سورة الأنبياء : 18 ]

﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾

[ سورة الإسراء ]

﴿ قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ ﴾

[ سورة سبأ ]

 هذه سنن الله في خلقه.

 

لا لعقلية اليأس والإحباط :

 أيها الإخوة الكرام، حينما ترى قوة عاتية متجبرة متغطرسة متوحشة عنصرية لا ينبغي أن تيأس من رحمة الله، إنها ضمن خطة، وفي أية لحظة يقلب الله الموازين، ويرينا آياته العظمى، لكن لا مناص من السعي الدائم في بناء الذات.
 إخوتنا الكرام، ليس صدفة أن نكون دائماً في موقع المظلوم المعتدى عليه، قال تعالى :

﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾

[ سورة هود : 101 ]

ليس للمسلمين عذر فيما يجري :

 لن يكون العالم الإسلامي معذوراً، حينما يظل متخلفاً لا يملك إلا البكاء والعويل، والصياح والتنديد، والاستنكار والتشديد، إلى نهاية هذه الألفاظ التي سئمنا منها.
 أيها الإخوة الكرام، لن يكون المسلمين معذورين، لأنهم يملكون أن يكونوا أفضل مما هم عليه فلديهم الثروات الضخمة والعقول المبدعة، إنجازات عملاقة في العالم الغربي من صنع المسلمين، لديهم ثروات ضخمة، وعقول مبدعة، وحضارة متألقة، وتجربة تاريخية، وكل شيء يمكن أن يباع ويشترى حتى الأسلحة والأسرار العلمية والخبرات البشرية، بل والمواقف.

الوصول إلى نهاية الضعف هو بداية القوة :

 أيها الإخوة الكرام، الوصول إلى نهاية الضعف، وهذه بشارة، الوصول إلى نهاية الضعف هو بداية القوة، الشعب المحاصر من كل النواحي لم يعد لديه ما يخسره، دمروا كل شيء، وحينما يصل الإنسان إلى حالة أنه لم يعد ما يخسر شيئاً عندئذ يصل إلى القوة، بحد ذاتها التي لا يملكها العدو المقابل، الذي يملك كل الأسلحة، وحينما يوصلنا العدو إلى مرحلة لا نخسر شيئاً فقد بدأت قوتنا، لقد دمروا كل شيء.

من صميم الأزمة عدم الاعتراف بالأزمة :

 أيها الإخوة الكرام، هناك أزمة حقيقية في العالم الإسلامي، وجزء من هذه الأزمة أننا لا نعترف بها، وإذا اعترفنا بها ألقينا المسؤولية على غيرنا، دعونا نعترف أن الله حكم عادل، وأن القدر يجري وفق حكمة ربانية، وأن البلاء يبدأ من داخل نفوسنا، قبل كل شيء فنحن في حالة لا تؤهلنا أن يمنحنا الله نصره، لو بقينا على ما نحن عليه، لأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وأن تقول في كل تقصير، وفي كل سلبية، وفي كل خطأ، وفي كل محنة، وفي كل عدوان : إنه مؤامرة، هذه النظرية ينبغي أن توضع تحت أقدامنا، هم يتآمرون، لكن لمَ لمْ يستطيعوا أن يتآمروا على الآخرين ؟ نظرية المؤامرة يجب أن نلغيها نحن المقصرون، ما منا واحد إلا ويعزو الخطأ إلى الآخرين.

لا بد من التوبة من الأعمال الباطلة والتصورات الخاطئة :

 أيها الإخوة، نحن نحتاج إلى توبتين، إلى توبة من أخطاء التفكير، عندنا خطأ في التفكير، خطأ في التصور نعذر أنفسنا، ونلقي اللوم على أعدائنا، وكأنه لا حيلة لنا، ينبغي أن نتوب توبتين، توبة من خطأ التفكير، وتوبة من خطأ الممارسة.
 أيها الإخوة الكرام، هؤلاء في فلسطين وفي لبنان يقاتلون بالنيابة عن المسلمين جميعاً، وإذا كان هؤلاء قد ضحوا بحياتهم وحياة أبنائهم، وبذلوا الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، فيجب على بقية الشعوب المسلمة أن تنصره بالمال أداءً لفرض فرضه الله علينا ليس تبرعاً، ولا تطوعاً، وإذا كان قصارى ما نتمناه في لحظة اندفاع شديد أن نكون مع المقاتلين في الميدان فيكفي أن تدفع ديتك، وتبقى حيث أنت تجاهد في محاور أخرى.

لا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ ولا شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ :

 أيها الإخوة الكرام، أما اللعانون لا يكونون شفعاء عند الله ولا شهداء يوم القيامة كما في الحديث الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام :

(( لا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ ولا شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

[ مسلم، أحمد، أبو داود ]

 وفي حديث آخر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال :

 

(( إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيْسَ بِاللَّعَّانِ، ولا الطَّعَّانِ، ولا الْفَاحِشِ، ولا الْبَذِيءِ ))

 

[ الترمذي ]

 ومن أحب النبي عليه الصلاة والسلام، ورجا أن يحشر معه فعليه الاقتداء بهديه صلى الله عليه وسلم، وحفظ لسانه إلا من خير، يقول عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه البخاري ومسلم :

 

(( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ))

 

[ متفق عليه ]

 هناك أزمتان، أزمة الكلام الفارغ، أزمة الانسحاب من هذه الأمة، أزمة تقييم الأشخاص، أزمة رفض النصر إلا أن يكون من قِبلنا.
 أيها الإخوة الكرام، أمتنا تعيش أزمات خانقة، وكأنها سفينة في لج البحر، تتقاذفها الرياح يمنة ويسرى، ويوشك أهلها على الغرق، تتعالى الأصوات وتختلط، فيها الصوت الرحيم المشفق، وفيها الصوت الهادئ، وفيها الصوت الغاضب المزمجر، وفيها الصوت الذي يوزع اللعنات يمنة ويسرى، ويستثني نفسه، وكيف يلعن نفسه، وهو الذي يتوهم أنه فوق البشر.
 أيها الإخوة الكرام، حينما ينكل الآخرون، وينقصون، ويتراجعون، ويضعفون، ويشترون الدنيا، ويبيعون الآخرة، عندئذ بطن الأرض خير لنا من ظهرها.

 

ماذا ينبغي أن نعمل في هذه الأيام العصيبة ؟

 أيها الإخوة الكرام، ماذا ينبغي أن نعمل في هذه الأيام العصيبة ؟

أولاً : الإعراض عن السفاسف والتقييمات والتحليلات والمهاترات :

 وهو مبدأ قرآني، قال تعالى :

 

﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾

 

[ سورة الأعراف ]

 هذه السفاسف والتقييمات، والتحليلات والمهاترات، ونحن على شفة الهلاك، ينبغي أن نعرض عنها، قال تعالى :

 

﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾

 

[ سورة الأعراف ]

﴿ وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ ﴾

[ سورة القصص: 55 ]

﴿ وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ ﴾

[ سورة المؤمنون ]

ثانيا : المدافعة بالتي هي أحسن :

 أيها الإخوة الكرام، المدافعة بالتي هي أحسن، قال تعالى :

 

﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾

 

[ سورة المؤمنون : 96 ]

 الآن المدافعة بالتي هي أحسن، قال تعالى :

 

﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ﴾

 

[ سورة البقرة : 83 ]

﴿ وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ﴾

[ سورة القصص : 54 ]

ثالثا : الحفاظ على النفس وسكينتها :

 أيها الإخوة الكرام، الحفاظ على النفس، وسكينتها لئلا نضطرب، أمامنا طريق طويل، معركتنا مع أعدائنا طويلة جداً، ونحن بحاجة إلى صفاء، وإلى راحة، وإلى هدوء، يقول الله عز وجل :

 

﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

 

[ سورة الفتح : 4 ]

﴿ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾

[ سورة التوبة : 40 ]

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾

[ سورة الشرح ]

﴿ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ﴾

[ سورة النمل ]

رابعا : عدم الاشتغال بالردود :

 أيها الإخوة الكرام، ينبغي ألا ننشغل بالردود، فهي مضيعة للوقت، دعها لغيرك، اعتقد اعتقاداً جازماً أنه ليس كل ما تقوله صحيحًا، وليس كل ما يقوله الآخرون خطأ، كن موضوعياً، لا تتعصب لرأي، لا تتشنج، ولا تنتصر لتحليل، ولا ترفض تحليلاً، ما كل ما تقوله صحيح، وما كل ما يقول الآخرون خطأ.

 

خامسا : المراجعة والتصحيح :

 أيها الإخوة، ليقل الواحد منا : لمَ لا أصرف جهدي، وهو قليل لمَا هو أجدى، وأنقى، وأبقى وأتقى ؟
 أيها الإخوة الكرام، ينبغي ألا يجرمنا الشنآن والاستخفاف أن نرد حقاً، أو نقول باطلاً، أو نصر على خطأ، فاجعل أيها الأخ الكريم المراجعة والتصحيح دأبك ولو بعد زمن.
 أيها الإخوة الكرام، تذكر أن لنا سلبيات كثيرة، وأننا قائمون على ذنوب لا تعد ولا تحصى، ولا تعتب على الله، الله عز وجل ما كان ليظلم العباد، قال تعالى :

 

 

﴿ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾

 

[ سورة البقرة ]

 ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يعفو الله أكثر، قال تعالى :

 

﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ﴾

[ سورة آل عمران : 165 ]

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[ سورة النساء : 147 ]

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾

[ سورة الأنفال ]

الناس نموذجان : مؤمن وكافر :

 أيها الإخوة الكرام، كيف أن الله سبحانه وتعالى قسم البشر على اختلاف مللهم ونحلهم، وانتماءاتهم وأعراقهم، وأنسابهم ومذاهبهم وطوائفهم إلى نموذجين فقط، قال تعالى :

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل ]

 أيضاً يقسم البشر على اختلاف مللهم ونحلهم إلى مؤمن عرف الله، فالتزم بمنهجه، وأحسن إلى خلقه فسعد بالدنيا والآخرة، وإلى كافر غفل عن الله، ورد الحق، وتفلت من منهج الله، وأساء إلى خلقه فشقي في الدنيا والآخرة.

 

البشر قسمان : إنساني وعنصري :

 الآن تقسيم ثالث، البشر جميعاً ينضوون تحت نموذجين، إنساني وعنصري، من هو العنصري ؟ صورة العنصري صارخة كالشمس، أناس أقوياء توهموا أنهم فوق البشر، وأن لهم ما ليس لبقية البشر، وأنهم معفون مما يجب على بقية البشر، وأنهم بنوا مجدهم على أنقاض البشر، بنوا قوتهم على ضعف البشر، بنوا عزهم على إذلال البشر، بنوا غناهم على إفقار البشر، بنوا أمنهم على إخافة البشر، هؤلاء عنصريون، الحديث في هذا الموضوع لا ينتهي، تسقط طائرة فتكون دية المواطن عندهم خمسمئة مليون ليرة سورية، دفعت عداً ونقداً، والذين يقتلون في لبنان إلى الآن ستمئة، والمهجرون ثمانمئة ألف، ولا أحد يعترض، ولا أحد يندد، ولا أحد يعبر عن ألمه، العالم كله متواطئ، هؤلاء عنصريون، الذي يرى نفسه فوق البشر، له ما ليس للبشر، معفى مما يجب على بقية البشر، يبني مجده على أنقاض البشر هذا عنصري، ولو كان ينتمي إلى دولة راقية جداً، هم يعاملون شعوبهم معاملة تفوق حد الخيال، وبالمقابل يتفننون في إذلال بقة الشعوب، وفي تدمير ممتلكاتهم، وتدمير مرافقهم، وتدمير بنيتهم التحتية، يتفننون في قتل الأبرياء، قتل الأطفال والنساء، ويزعمون كلاماً فارغاً لا تقبله بهيمة.

قد يكون المسلم عنصريا وصورُ ذلك :

 أيها الإخوة الكرام، العنصري، وقد يكون المسلم عنصرياً، كيف ؟ هذا الذي يتمنى أن يأكل وحده، وأن يستمتع بالحياة وحده، هذا الذي يريد أن يكون ابنه طبيباً، ولا يسمح لموظف عنده أن ينتسب إلى معهد ليلي ليأخذ الشهادة المتوسطة، يمنعه، ابنه ينفق عليه مئات الألوف ليأخذ درجة عالية في الشهادة الثانوية، هذا عنصري، ولو كان مسلماً، ولو كان من رواد المساجد هو عنصري.
 أيها الإخوة الكرام، الذي يعامل زوجة ابنه في بيته لا كما تتمنى أن تعامل ابنته في بيت أهل زوجها عنصري، لو أردت أن أسوق لكم السلوك العنصري عند المسلمين، هذا الذي يستغل البطالة المنتشرة، فيدفع ثمناً لا يكفي هذا الموظف أياماً، هو ينفق في اليوم مئة ألف، ويعطي لشهر بأكمله رقماً لا يكفيه أياماً، هو عنصري.
 العنصرية أيها الإخوة الكرام متغلغلة في أعماق الذين انقطعوا عن الله عز وجل، لا يسمحون للآخرين أن يأخذوا حقهم من التعليم، ولا من الحياة الناعمة، ولا من الحد الأدنى من الدخل الذي يحقق لهم كرامة.
 لذلك أيها الإخوة الكرام، العنصري الضعيف لا يمكن أن ينتصر على العنصري القوي، أما الإنساني الضعيف فينصره الله على العنصري القوي.
 أردت من هذا المصطلح أن تعلموا أن كل واحد منا إن لم يعامل الناس كما يحب أن يعاملوه فهو عنصري.
 والله مرة كنت في محل تجاري، شاب صغير يتيم الأبوين، يعمل في هذا المحل، حمّله صاحب المحل فوق طاقته، وقال له : أنت شاب، أخذ ابنه قطعة واحدة من البضاعة، فقال : انتبه إلى ظهرك يا بني، هذا عنصري، والعنصري يجب أن يضع عباداته في الحاوية، لأنها لم تقبل منه.
 والله لو أردت أن أسوق لكم أمثلة من واقع المسلمين على السلوك العنصري، امرأة أتت من أقصى الدنيا كي تأخذ في الشهر خمسة آلاف ليرة كي ترسلها إلى أهلها ليأكلوا، يمنعها أن تتصل بأهلها أربع سنوات، فلما عادت إلى أهلها وجدت زوجها قد تزوج أخرى، لأنه أيقن أنها ماتت.
 لو أردت أن أسوق بعض الأمثلة من بيوتات المسلمين من رواد المساجد ممن يقيمون حفلات، ويدعون العلماء هم عنصريون، العنصري يرى له حقاً ليس لغيره، وهو معفى من واجب يجب على غيره، ويبني مجده على أنقاض الناس، يبني حياته على موتهم، هذا عنصري، العنصرية في أعدائنا واضحة كالشمس، ماذا أقول لكم ؟
 هؤلاء الذين يموتون بالآلاف في بلاد العالم الإسلامي لا قيمة لهم إطلاقاً، بينما أي إنسان يؤسر عشرة آلاف أسير، زائد ثمانية وزراء اعتقلوا، زائد ثلاثون عضو مجلس تشريعي منتخبون انتخابات حرة ديمقراطية وفق منهج الغربيين، زائد الشعب اللبناني بأكمله، زائد البنية التحتية بأكملها، مقابل جنديين إسرائيليين، أليست هذه عنصرية ؟ كم من تنديد سمعنا البارحة من قتل أربعة أشخاص تابعين للأمم المتحدة، وهؤلاء الذين يموتون أطفال صغار لا أحد يتكلم، وإذا كنت لا أعتب على عدوي، ومن يدعم عدوي، أعتب على أوربا التي تدعي أنها حضارية، أين حضارتها ؟ لا استنكار، ولا تصريح أبداً، العالم كله ينتظر أن يباد المسلمون في هذا القطر، أن يبادوا، هؤلاء عنصريون، إن لم نحتقرهم فالطريق إلى الله ليس سالكاً، هؤلاء لا وزن لهم في ميزان الحضارة والقيم إطلاقاً.

عامل الناس كما تحب أن يعاملوك :

 أيها الإخوة الكرام، إن لم تعامل الآخرين كما تحب أن تعامل فأنت عنصري، ولو كنت من رواد المسجد، ما لم نعد إلى ربنا، ما لم نقف الموقف العادل لا يمكن أن ننظر إلى النصر، إنما تنصرون بضعفائكم، هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام، هذا الضعيف الفقير ينبغي أن تعطيه حقه، ينبغي أن تعطيه دخلاً يليق بكرامته الإنسانية، هذا الفقير المريض ينبغي أن تعالجه، هذا الفقير المشرد ينبغي أن تؤويه، هذا الفقير المظلوم ينبغي أن تنصفه، هذا الفقير الجاهل ينبغي أن تعلمه، إن فعلت ذلك فقد برئت من العنصرية، وعندئذ يسمح الله لنا أن ننتصر، إنما تنصرون بضعفائكم، إن نصرت من هو أضعف منك كافأك الله بأن ينصرك على من هو أقوى منك، أن ننصر الضعفاء نتماسك ولا نخرق.
 إخوتنا الكرام، بلا مجاملة، هل قوة العدو أسلحة فتاكة ؟ أبداً جزء كبير من قوته معلومات يستقيها من المسلمين، ويدفع ثمنها باهظاً، أمة مخترقة أما لو كنا تماماً كما يريد الله عز وجل لا يمكن أن يأخذ العدو معلومة، بيت بين ألف بيت يقصف وحده من أين جاءوا بالمعلومات ؟
أيها الإخوة الكرام، لعلنا إذا وصلنا إلى نهاية الحضيض تبدأ قوتنا، نصحو من غفلتنا، نتعاون، نزيل الخلافات فيما بيننا، ننتمي إلى مجموع الأمة،

﴿ إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

 وما لم يكن انتماؤنا إلى مجموع الأمة فلا خير فينا، ولسنا مؤمنين.

 

 أيها الإخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

 الخطبة الثانية
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

بلاد الشام مفخرة :

 أيها الإخوة الكرام، أبيات أوجهها لا إلى الذين يبكون، وهم يتابعون الأخبار، لا إلى الذين يتألمون لو أنهم مع المجاهدين، لا إلى الذين يبذلون الغالي والرخيص، والله جمعت هذه البلدة من التبرعات ما لا يوصف، والله فتحت البيوت، قدم الطعام، والله مفخرة هذه البلدة الأعمال الذين قاموا بها عقب هذه الأزمة.
 لكن أنا أخاطب بهذه الأبيات الذين لم يهتموا بهذا المصاب غارقون في الملذات، في المطاعم، في المنتديات، في الملاهي يأكلون، ويشربون، ويستمعون إلى الغناء، وكأنهم ليسوا من هذه الأمة، هؤلاء الشريحة، وأرجو أن تكون قليلة، أخاطبها بالذات :

أبيات شعرية لرواد المقاهي والملاهي :

 أخي في الله أخبرني متى تغضب
 إذا انتهكت محارمنا..
 إذا نسفت معالمنا ولم تغضب
 إذا قُتلت شهامتنا ؟
 إذا ديست كرامتنا ؟
 إذا قامت قيامتنا ولم تغضب
 فأخبرني متى تغضب ؟
 إذا نهبت مواردنا ؟
 إذا نكبت معاهدنا ؟
 إذا هدمت مساجدنا ؟
 وظلت قدسنا تغصب ولم تغضب
 فأخبرني متى تغضب ؟
 عدوي أو عدوك يهتك الأعراض
 يعبث في دمي لعباً وأنت تراقب الملعب... مباراة رياضية
 إذاً لله، للحرمات، للإسلام لم تغضب
 فأخبرني متى تغضب ؟
 رأيت هناك أهوالا
 رأيت الدم شلالا.. عجائز شيعت للموت أطفالا
 رأيت القهر ألواناً، وأشكالاً، ولم تغضب... فأخبرني متى تغضب ؟
 فصارحني بلا خجل لأية أمة تنسب...
 فلست لنا ولا منا ولست لعالم الإنسان منسوب
 ألم يحزنك ما تلقاه أمتنا من الهول ؟
 ألم يخجلك ما نجنيه من مستنقع الحل، وما تلقاه في دوامة الإرهاب والقتل ؟
 ألم يغضبك هذا الواقع المعجون بالذل، وتغضب عند نقص الملح في الأكل ؟
 ألم يهززك منظر طفلة ملأت مواضع جسمها الحفر ؟
 ولا أبكاك ذاك الطفل في هلع بظهر أبيه يستترُ
 فما رحموا استغاثته، ولا اكترثوا، ولا شعروا
 فخرّ لوجهه ميتاً، وخرّ أباه يُحتضر
 متى التوحيد في جنبيك ينتصر ؟
 أتبقى دائماً من أجل لقمة عيشك المغموس بالإذلال تعتذر ؟
 متى من هذه الأحداث تعتبر ؟
 متى تغضب ؟

 أيها الإخوة الكرام، مرة ثانية سقت هذه الأبيات لا إلى الذين يبكون، وهم يتابعون الأخبار، لا إلى الذين يدعون ربهم بالليل والنهار، لا إلى الذين أنفقوا من أموالهم، وهم في ضيق وإقتار، هؤلاء معذورون، إما أن يدعوا بألسنتهم، وإما أن يبكوا بقلوبهم، وإما أن ينفقوا أموالهم، معذورون، ولكن هؤلاء الذين يملؤون المقاهي والمطاعم، هؤلاء الذين يرتادون النوادي الليلية، هؤلاء الذين يبحثون عن شهواتهم، ولا يعنيهم ما يجري سقت لهم هذه القصيدة.

الدعاء

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، خذ بيد ولاة المسلمين لما تحب وترضى يا رب العالمين، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018