الدرس : 16 - سورة يونس - تفسير الآيات 83 – 93 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 16 - سورة يونس - تفسير الآيات 83 – 93


1986-01-03

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون ... وصلنا في قصة سيدنا موسى في سورة يونس إلى قوله تعالى :

﴿ فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنْ الْمُسْرِفِينَ ﴾

وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ

 قبل هذه الآية :

﴿ وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ﴾

كلمات الله ثابتة وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ :

 فهذه الكلمات التي بين أيدينا تعني أن المقصود بها القواعد الثابتة التي سنها الله سبحانه وتعالى ، هذه الكلمات ثابتة ، راسخة ، سوف تتحقق .

﴿ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ﴾

 فالمجرمون أعجبهم أم لم يعجبهم فكلمات الله ثابتة ، وعده حق ، ووعيده حق ..

 

﴿ وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ﴾

 قد يستقيم الرجل على أمر الله ، فيناله وعد الله بالحياة الطيبة ، أأعجب الكفار أم لم يعجبهم ، أرضوا بهذا أم لم يرضوا ، ما دام قد طبق أمر الله عزَّ وجل فقد نالته هذه الآية ، فالآيات التي تأخذ شكل القواعد الثابتة أو شكل العلاقات الثابتة ، هذه الآيات الله سبحانه وتعالى يسميها كلمات :

 

﴿ وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ﴾

 أحياناً يتوهم الكافر أنه هو الأذكى ، وهو الأقوى ، وبيده الأمر كله ، لكن الحقيقة غير ذلك ، الأمر بيد الله ، وأن الله سبحانه وتعالى وعد المؤمنين بالعطاء الجزيل ، وأن العاقبة للمؤمنين ، وأن الويل والدمار للكفار المشركين ، هذه كلمات الله .

 

﴿ فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ ﴾

معنى : فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ

المعنى الأول :

 بعض المفسرين يقول : إن الذين عاصروا سيدنا موسى لم يؤمنوا ، والدليل أنهم بعد أن اجتاز بهم البحر ، وبعد أن رأوا أن عصاه قد أصبحت ثعباناً مبيناً ، وبعد أن رأوا فرعون يغرقُ في اليَم قالوا :

 

﴿ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ﴾

( سورة الأعراف : من الآية 138 )

 إذاً : هؤلاء عَطَّلوا تفكيرهم ، أو أساءوا استعماله فلم يهتدوا إلى الحقيقة ، لذلك هذا الجيل الذي نشأ على المعصية ، وعاصر سيدنا موسى لم يؤمن ، إنما أبناؤهم الذين أنجبوهم هم الذين آمنوا بسيدنا موسى من بعدهم ، هذا بعض معاني قوله تعالى :

﴿ فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ ﴾

المعنى الثاني :

 وبعض المفسرين على أن هذه الذرية تعود إلى فرعون ، من قوم فرعون ، فعبارة : من قومه اشتملت على هاء الغائب ، وهذه الهاء إما أن تعود على سيدنا موسى ، أو تعود على فرعون ..

﴿ فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ ﴾

 المقصود بالذين آمنوا بموسى امرأة فرعون ، ومؤمن آل فرعون ، وبعضٌ من حواشي فرعون كانوا قد آمنوا بسيدنا موسى .

 

المعنى الثالث :

 وتفسير ثالث ، هو أن هذه الذرية التي آمنت من قومه هم بعض الأقباط الذين تزوَّجوا من بني إسرائيل ، على كلٍ فالمؤمنون قلة ..

﴿ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ ﴾

عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ

1 ـ ثمن الإيمان كبير :

 أي أن الإيمان ثمنه باهظ ، وهذا الثمن الباهظ قد يكون متاعب ، قد يكون قلقاً ، والإنسان أحياناً من أجل الدنيا فقط يفتح محلاً تجارياً ، وتكون بضاعته ليست نظاميةً مائة بالمائة ، وهو يتحمِّل الأخطار ، خطر المصادرة ، وخطر السجن ، وخطر الغرامات ، من أجل الدنيا يتحمَّل كل هذه المخاطر ، فكيف بك من أجل حياةٍ أبديةٍ ؟ ألا تستدعي هذه الحياة الأبدية أن يتحمل الإنسان من أجلها بعض المتاعب ، بعض المخاوف ؟ فمن قال لك : إن طريق الإيمان مفروشٌ بالورود ؟ لكن هذا الذي يأتي إلى الدنيا ، ويؤمن بالله عزَّ وجل ، ويتحمَّل من أجل إيمانه المتاعب والمخاوف ، ويجاهد نفسه وهواه ، هذا له عند الله أجرٌ لا يعلمه إلا الله ..

(( أَلا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ ، أَلا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ ))

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾

( سورة آل عمران : من الآية 92 )

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ(2)﴾

( سورة العنكبوت )

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ(142)﴾

( سورة آل عمران )

 طلب الجنة بغير عملٍ ذنبٌ من الذنوب .
 إذاً كلمة :

 

﴿ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ ﴾

2 ـ البلاء كشف للحقيقة وتعظيم للأجر :

 فكلمة خوف وردت في سياق الآية نكرة ، أي أن الخوف يقدّره الله سبحانه وتعالى ، وهو الذي يسمح به ليتعاظم الأجر ، فكما أن هناك أعمالاً أجرها بسيط ، فكذلك هناك مخاطر أجرها كبير ، فسائق السيارة يأخذ راتباً أقل بكثير من رُبَّان السفينة ، وربان السفينة راتبه أقل من راتب قائد الطائرة ، كلما كانت هناك مسؤولياتٌ جسام ، وكلما كانت هناك مخاطر فالأجر يرتفع ، فإذا جعل الله عزَّ وجل للإنسان في مسار الإيمان بعض المخاوف ، بعض المخاطر ، بعض المُقلقات ، فهذه كلها من أجل أن يتعاظم أجره ، ومن أجل أن يكشف على حقيقته ، ومن أجل أن يظهر صبره وثباته على المبدأ .
 لو أن طريق الإيمان كما يشتهي بعضهم مفروشٌ بالورود ، أين أجر الصحابة الكرام في نشر هذا الدين ؟ هاجروا مرةً إلى الحبشة ، ومرةً إلى المدينة ، وضيَّقت عليهم قريش ، وحاربتهم ، وقاطعتهم ، ونكَّلَتْ بهم ، وعذبتهم ، وأخرجتهم ، وائتمرت على قتلهم ، لكن هؤلاء الصحابة بلغوا عند الله منزلةً لا يعلمها إلا الله بفضل ثباتهم على المبدأ ..

 

﴿ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا(23)﴾

( سورة الأحزاب )

 والله سبحانه وتعالى هو هُو في كل زمانٍ ومكان ..

 

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(4)﴾

( سورة الحديد )

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88)﴾

( سورة الأنبياء )

 هذه الآية مستمرةٌ إلى آخر الزمان ، إذاً هذا كله على كلمة :

 

﴿ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ ﴾

 فالإنسان مثلاً من أجل المال يتحمل المخاوف ، هذا الذي يأتي بالبضاعة ، ويبيعها ، وليست وفق الأصول ، ألا يتحمل مخاطر كبيرة جداً ؟ من أجل المال فقط ، من أجل المال يتحمَّل المخاوف والمتاعب والمقلقات ، وقد يتعرَّض للسجن ، من أجل كسب المال فقط ، فكيف إذا كان الهدف نبيلاً والعطاء جزيلاً والآخرة أبديةً ، ألا تستأهل الآخرة أن يتحمل الإنسان بعض المخاوف ؟!

 

﴿ فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ ﴾

 أي مع هذه المخاوف يتضاعف الأجر عشرات المرَّات ، ليسوا سواءً ، من آمن قبل الفتح وغيره ممن آمن بعد الفتح.. هذا الذي آمن قبل الفتح تحمل المتاعب والمخاوف ، أما الذي دخل بعد فتح مكة ، وكان الأمر قد استتب للمسلمين ، وكلمتهم هي العُليا ، وبيدهم مقاليد كل شيء ، فالدخول في الإسلام بعد فتح مكة يسمى نوعاً من أنواع التغطية ، أو يسمى نوعاً من أنواع الانتهاز ، الدخول في الإسلام بعد فتح مكة حالةٌ ضعيفة ، خاف على حياته ، خاف على مصالحه ، خاف على مستقبله ، خاف على ماله فأسلم مع من أسلم ، ولكن البطولة أن تُسْلِمَ في الوقت العصيب ، في الوقت الذي إذا أسلم الإنسان يخاف على حياته ، أو على ماله ، أو على مكانته ، أو على عمله .

 

﴿ فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ ﴾

3 ـ فرعون وراءه رجال أشداء :

 بعضهم تساءل : لمَ لمْ يقل الله عزَّ وجل : على خوفٍ من فرعون وملئه ؟ بل قال :

 

﴿ وَمَلَئِهِمْ ﴾

 أي أن فرعون ليس وحده فهو يعتمد على رجال أشدَّاء ، وعلى رهط ، وعلى أتباع ، وعلى مؤيِّدين ، هؤلاء كلهم فراعنة أيضا ..

 

﴿ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ ﴾

 أي أنهم خافوا أن يفتنهم عن دينهم ، خافوا أن يضيِّقُ عليهم فيتركوا دينهم حفاظاً على حياتهم وهذه هي الفتنة ، لكن :

 

﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ﴾

( سورة الحج : من الآية 11 )

 الإنسان عليه أن يعبد الله في الأعماق ، إذا عبده على حرف تأتي موجةٌ صغيرةٌ فتسقطه في اليَمِّ ، أما إذا كان يعبده في الأعماق فلن يهتز ، ولن يتأثر ، ولن ينصرف عن هدفه مهما احلوْلَكَ الليل .

 

﴿ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنْ الْمُسْرِفِينَ ﴾

وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنْ الْمُسْرِفِينَ

1 ـ الإسراف يقتضي الخروج عن الحق :

 أي أنه متكبر ، ومسرف ، مسرف في كل شيء ، والإسراف يقتضي أحياناً الخروج عن الحق ، مثلاً ربنا عزَّ وجل قال :

 

﴿ فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ ﴾

( سورة الإسراء : من الآية 33 )

 فهذا الذي قُتِل أخوه ، أو أبوه ، أو ابنه ، هو ولي القتيل ..

 

﴿ فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ ﴾

 فَسَّر العلماء الإسراف في القتل: أن يقتل اثنين بواحد ، وفسره بعضهم أن يقتل غير القاتل ، هذا هو الإسراف ، فالإسراف مجاوزة الحد المعقول ، مجاوزة الحد الصحيح إلى العدوان .

 

﴿ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنْ الْمُسْرِفِينَ ﴾

2 ـ فرعون ذو نفسية متعالية وأعمال مسرفة :

 أوصاف ربنا عزَّ وجل دقيقة ، ففرعون كما وصفه الله سبحانه نفسيته متكبرة وأعماله مسرفة ، والإنسان عامة له حال وله عمل ، أما نفسيته ففيها علوٌ في الأرض واستكبارٌ واستعلاءٌ ، وعمله فيه إسراف في كل شيء ، في عطائه إسراف ، وفي منعه إسراف ، وفي عقابه إسراف ، وفي قمعه إسراف ، والأخذ بحقائق الدين يهذب ويصلح .

 

﴿ وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ﴾

وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ

1 ـ التوكل على الله من كمال الإيمان :

 العلماء قالوا : من كمال الإيمان التوكل على الله ، فهناك إيمانٌ ضحلٌ درجته غير كافية لإسعاد صاحبه من هنا كان قوله تعالى :

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ﴾

( سورة النساء : من الآية 136 )

 من هنا كان قوله تعالى :

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾

( سورة آل عمران : من الآية 102 )

 من هنا كان قوله تعالى :

 

﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ﴾

( سورة الحج : من الآية 78 )

 فليس كل إنسان آمن بوجود الله عزَّ وجل ، وآمن بالآخرة يملك درجة من الإيمان كافية كي تُنَجِّيِهِ من عذاب النار ، لا ، فالإيمان له درجات دنيا لا تكفي ، وله درجات تكفي ، وله درجات عُليا ، على كلٍ الإيمان ما وقر في القلب ، وأقر به اللسان ، وصدَّقه العمل .

(( وَأَنْ يَكْرَهَ أنْ يَعُودَ في الكُفْرِ بَعْدَ أنْ أنْقَذَهُ الله مِنْهُ ، كَمَا يَكْرَهُ أنْ يُقْذَفَ في النَّارِ ))

[ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ]

(( الإِيمَانُ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ بَابًا ، أَرْفَعُهَا وَأَعْلاهَا قَوْلُ : لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ ))

[ أحمد عن أبي هريرة ]

 الإيمان أن تَكُفَّ جوارحك عن المعاصي .. هذا هو الإيمان ، فلذلك :

 

﴿ وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا ﴾

2 ـ عدم التوكل على الله دليل ضعف الإيمان :

 عندنا قضية محرجة ، فإذا كنت مؤمناً أن الأمر كله بيد الله ، وإذا كنت مؤمناً أن الله سميعٌ بصير ، وإذا كنت مؤمناً أنه ما من حركةٍ ولا سكنةٍ إلا بأمر الله تعالى ، وإذا كنت مؤمناً أنه بيده الأمر كله ، وأنه بيده ملكوت السماوات والأرض ، وأن عدوك بيده ، فإن لم تتوكل بعد كل هذا ففي الإيمان ضعف ، و في الإيمان خلل ، من علامة الإيمان الصحيح التوكل على الله ، والتفويض لله ، والتسليم لأمر الله ، والرضا بقضاء الله ، هذه من علامات الإيمان الصحيح ، التوكل على الله ، والتفويض لله ، والتسليم لأمر الله ، والرضا بقضاء الله .

 

﴿ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا ﴾

 ألست مؤمنا أن بيده كل شيء ؟ نعم ، توكل عليه إذاً ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله ))

[ ورد في الأثر ]

 فالمؤمن أقوى مخلوق على وجه الأرض ، بمعنى أنه مع الخالق ، ما دام هذا المؤمن مع خالقه ، والخالق بيده كل شيء فهو أقوى من كل شيء ، إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله ، وإذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتَّق الله ، وإذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك .

 

﴿ فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾

فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ

1 ـ المعنى الأول : إذا قصر المؤمن سلط الله عليه من لا يخافه :

 هذا دعاء مهم جداً ، هذا الدعاء يعني أشياء كثيرة ، يعني أول ما يعني أن المؤمن إذا قَصَّرَ في علاقته مع ربه سَلَّطَ عليه من لا يعرفه ليعيده إلى جادة الصواب ، وفي الأثر : " إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني " .
 " أنا ملك الملوك ومالك الملوك قلوب الملوك بيدي ، فإن العباد أطاعوني حوَّلت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة ، وإن العباد عصوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالسُخْطَةِ والنقمة ، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك وادعُوا لهم بالصلاح فإن صلاحهم بصلاحكم " ، فإذا قصر المؤمن سلط الله عليه من لا يخافه ، هذا أحد معاني هذه الآية ..

﴿ لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾

 القوم الظالمون إذا رأوا مؤمناً ، وكان فيما بينه وبين ربِّه مقصراً أصابوه بالأذى ليشفوا غليلهم ، هذا المعنى الأول .

 

2 ـ المعنى الثاني : لا تجعل الكافرين فوق المؤمنين :

 يا رب لا تجعل الكافرين فوقنا في الدنيا فيظنوا أنفسهم أنهم على حق ، ونحن على باطل ، الكافر إذا قوي ، وتَغَلَّبَ على المؤمن بماذا يُفَسر هذا التغلب ؟ بأنه على حق ، وأن المؤمن على باطل ، ولو كان على حق لما انهزم أمامه ، أيضاً هذه فتنة ، فتنة للظالمين وللمظلومين ، للظالمين يتوهَّمون أنهم على حق ، وللمظلومين يكاد المظلوم أن ييأسَ من روح الله.

﴿ لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾

اللهم لا تجعلني عبرةً لأحد من خلقك :

 هذه الآية يجب أن يدعو بها الإنسان فيما بينه وبين ربه لئلا يكون عبرةً لمن يعتبر ، فأحياناً يصبح الإنسان المقصر وسيلة إيضاحٍ للناس ، لذلك بعضهم إذا دعا يقول : اللهم لا تجعلني عبرةً لأحد من خلقك ، فلا أكون أنا الدرس ، لا أكون أنا القصة ، ولا الأحدوثة ، ولا أكون أنا طريقة من طرق توضيح الحقائق .

﴿ لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾

 لا تجعلني عبرةً لأحدٍ من خلقك ، لما يقصّر الإنسان ثم يبتليه الله عزَّ وجل بعد ذلك بعقابٍ بَئيس تصبح قصته متداولةً بين الناس ، وكأن هذه القصة أصبحت وسيلة إيضاحٍ للحق .

﴿ فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(85)وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنْ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾

وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنْ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ

المخاوف تلجِئ العبدَ إلى الله :

 أي أن هذه المخاوف في الدنيا من أجل أن تزيد التجاء المؤمن إلى ربه ، أحياناً يكون الطفل في الطريق شارداً عن أمه ، بعيداً عنها ، مُتَلَهِّياً بحاجاتٍ لا تنفعه ، فيلمح جرواً مخيفاً فيركض إلى أمه ملتجئاً إليها ، ما الذي دفعه إلى أمه ؟ خوفه من هذا الجرو ، إذاً هذا الجرو ساقه الله إليه لحكمةٍ بالغة ، أحياناً تكون المخاوف مُلْجِئَةً إلى الله عزَّ وجل ، هذه المخاوف وسيلة من وسائل تقوية ارتباط الإنسان بالله عزَّ وجل ، ولله في خلقه شؤون ، أحياناً شُحُّ المطر يُلْجئ الفلاح إلى الدعاء ، وكساد البضاعة يلجئ التاجر إلى الدعاء ، ومرض الابن يلجئ الأب للدعاء ، وغياب الزوج يلجئ الزوجة إلى الدعاء ، والمرض يلجئ إلى الدعاء ، ولله في خلقه شؤون ، إذاً هذه المخاوف تحثُّ الإنسان على الاتصال بالله اتصالاً صحيحاً .

 

﴿ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنْ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ(86)وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا

1 ـ أمرُ الله لموسى باتخاذ البيوت قبلة :

 لهذه الآية أيضاً تفسيراتٌ عديدة ، أوجه هذه التفسيرات أن الله سبحانه وتعالى أوحى لسيدنا موسى أن يتخذ قومه من بيوتهم مساجد ، ولتكن هذه البيوت متجهةً إلى بيت المقدس ، واتضح من هذه الآية أن التوجُّه في الصلاة إلى قبلةٍ ما شيءٌ ثابتٌ في الأديان كلها ، وقالوا : إن اليهود على عهد سيدنا موسى توجَّهوا إلى الكعبة ، وقيل توجَّهوا إلى بيت المقدس .

2 ـ لا تجعلوا بيوتكم قبوراً :

 والحقيقة أن النبي عليه الصلاة والسلام نهانا عن أن نجعل بيوتنا قبوراً ، متى يكون البيت قبراً ؟ إن لم يُصَلَّ فيه ، فالنافلة يزيد أجرها إن أدِّيَتْ في البيت ، لأن في النوافل رياءً ، فمن تمام الإخلاص أن تؤدي النافلة في البيت ، السنة القبلية يصح أن تصلى في البيت ، والسنة البعدية يصح أن تصلى في البيت ، أما المكتوبة فتصلى في المسجد ، إن لم يكن هناك عذرٌ قاهر ، إذاً النبي عليه الصلاة والسلام مما اختصه الله به أن جعل له الأرض طهوراً ومسجداً ، جعل الله لأمة سيدنا محمد الأرض طهوراً ومسجداً ، وبنو إسرائيل على خوفهم من فرعون أن يفتنهم جاءهم الأمر أن يصلوا في بيوتهم ، وليتجهوا نحو القبلة ، وقد اختلف فيها وفي أرجح الأقوال إلى بيت المقدس .

﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ(87)وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا

1 ـ عطاء الدنيا ليس دليل محبة الله :

 عطاء الله سبحانه الإنسان في الدنيا ليس دليل المحبة ، هذه قاعدة ، لأن الله يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب ، فالعطاء في الدنيا لا يُعَدُّ أبداً دليل المحبة ، لكن الآخرة لا ينالها إلا المحبوب .

 

2 ـ أفضلُ عطاءٍ العلمُ والحكمةُ :

 شيءٌ آخر .. العطاء الثمين العلم والحكمة ..

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(22)﴾

( سورة يوسف )

﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾

( سورة الجمعة : من الآية 2 )

 " وما استرذل الله عبداً إلا حظر عليه العلم والأدب " .
 فالعطاء السليم هو العلم والحكمة ، أما الدنيا ومالها فلا شأن لها عند الله .

(( لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))

[ الترمذي عن سهل بن سعد ]

﴿ وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا ﴾

3 ـ لا ينبغي للمؤمن أن يغتر بدنيا الكافر:

 هذا الغنى الفاحش ، وهذه الزينات ، وهذا الترف ، وهذا الانغماس في الملذَّات ، وهذه الأموال الطائلة التي قد تنال الكافر ليس للمؤمن أن يغترَّ بها ولا أن يتمنَّاها ..

﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ﴾

( سورة القصص : من الآية 80 )

 إذا رأيت الدنيا مُقيلةً على إنسان بأبهى زينة وتمنَّيْتها لنفسك فهذا خللٌ في إيمانك ، والنبي عليه الصلاة والسلام كلما وقعت عينه على مظاهر الدنيا وعلى زينة الدنيا قال يقول :

(( اللَّهُمَّ لا عَيْشَ إِلا عَيْشُ الآخِرَهْ ))

[ البخاري عن سهل ]

﴿ وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا ﴾

 لذلك ربنا عزَّ وجل قال :

 

﴿ لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(197)لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾

( سورة آل عمران )

 الله سبحانه وتعالى يقول في بعض الآيات :

 

﴿ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ(38)﴾

( سورة التوبة )

 في آيةٍ أخرى :

 

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا(77)﴾

( سورة النساء )

﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾

( سورة النساء : من الآية 78 )

﴿ لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ﴾

لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ

المعنى الأول للآية :

 هذه الآية دقيقة جداً ، أن تفهم الآية أن الله سبحانه وتعالى آتى فرعون وملأه زينةً وأموالاً في الحياة الدنيا ليضلوا عن سبيله ، هذا المعنى مستحيل ، وهذا المعنى فاسد ، الله سبحانه وتعالى إذا أعطى إنساناً مالاً أو زينةً أو جاهاً لا ليضل عن سبيله بل ليهتدي إليه ، أما هذه اللام أعربها علماء التفسير لام المآل ، أو لام الصيرورة ، مثلاً :

 

﴿ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ﴾

( سورة القصص : من الآية 8 )

 سيدنا موسى ، حينما التقطه آل فرعون لماذا التقطوه ؟ ليسعدوا به ، ما الذي حصل في النهاية ؟ أن ملك فرعون تقوَّض على يد هذا الغلام ، فكانت نهاية ملك فرعون أنه تقوَّض على يد سيدنا موسى ، فهذه اللام ليست لام التعليل إنما هي لام المآل والصيرورة ، وهذه اللام أيضاً على هذه الشاكلة ، أي أن الله سبحانه وتعالى إذا أعطانا صحةً ، من أجل أن نتعرف بها إلى الله ، إن أعطانا مالاً ، من أجل أن نشكره ، إن أعطانا عقلاً ، من أجل أن نستخدمه في التعرف إليه ، إن أعطانا أولاداً ، من أن أجل أن نربيهم تربيةً صالحة ، إن وهبنا زوجةً صالحة ، من أجل أن نأخذ بيدها إلى الجنة ، هذا هو الهدف النبيل ، ولكن الكافر يأخذ هذه النِعَم ويحوِّلها إلى نِقَم ، يأخذ هذه النعم ويتقوَّى بها على معصية الله ، فيكون في النهاية هالكاً عن طريق هذه النعم ، فالذي حصل أن فرعون استخدم هذا المال ، وهذه القوة ، وتلك الزينة ليضل عن سبيل الله ، وفي آية آخرة مطمئنة يقول تعالى :

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾

( سورة الأنفال : من الآية 36 )

المعنى الثاني للآية :

 وبعضهم فَسَّرَ هذه الآية :

﴿ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ﴾

 فهل يعقل هذا أن يفعلوه ؟ إما أنه استفهامٌ إنكاري من دون أداة استفهام ، كما ورد هذا في بعض آيات القرآن الكريم ، وإما أن هذه اللام لام المآل والصيرورة وليست لام التعليل .

 

دعاء موسى عليه السلام على فرعون وقومه :

 

1 ـ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ

﴿ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ ﴾

 أي بدد أموالهم ، أَهْلِك أموالهم ..

 

2 ـ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ

﴿ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾

 ضيِّق عليهم قلوبهم ..

 

﴿ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ﴾

( سورة التوبة : من الآية 118 )

 العوام يقولون : ضاق قلبي ، هذا عقاب من الله ، " إذا قصر العبد بالعمل ابتلاه الله بالهم والحزن " ، أحياناً جميع وسائل السرور متوافرة والقلب في ضيق ، حتى إن بعض المفسرين حينما فسر قوله تعالى :

 

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)﴾

( سورة طه )

 كيف نفسر هذه المعيشة الضنك بالنسبة إلى رجلٍ غنيٍ جداً ، يسكن في أجمل بيت ، ويأكل ألذ أنواع الطعام ، ويرتدي أجمل الثياب ، ويركب أفخر السيارات ، ويسيح في كل صيف في أنحاء أوروبا ، ويذهب في الشتاء إلى إفريقيا ، ويفعل ما يفعل ، فكيف نفسر هذه الآية بحق هذا الغني ؟ قال علماء التفسير :

 

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا ﴾

 أي ضيق القلب ، في قلبه ضيق ، واكتئاب ، وسوداوية ، وقلق ، وخوف ، وذعر ، ورعب ، ما لو وزِّع على أهل بلد لكفاهم ، لأتعسهم ، هذه هي المعيشة الضنك بالنسبة للأغنياء أو الأقوياء .

 

﴿ وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ﴾

 أما أنه ينكر عليهم ذلك ، فلأنه لا يُعقل أن يكون هذا المال أعطاهم الله إياه لإضلال الناس عن الحق ، أو أن الذي حصل أن هذا المال صار قوةً لهم فضلوا بها عن سبيلك .

 

﴿ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾

من علامات تعطيل الفكر أن الإنسان لا يتحرَّك إلا عند الإحساس بالألم :

 لماذا ؟ لأن هؤلاء من نوع لا يخافون إلا بأعينهم ، فمن علامات الغباء ، ومن علامات تعطيل الفكر أن الإنسان لا يتحرَّك إلا عند الإحساس بالألم ، فمثلاً : يقوم بزيارة دورية للطبيب ، لا ، ولكن حينما يحس بألم شديد يذهب إليه ، ينصحه الناس بعدم التدخين ، لأن الدخان يضيِّق الشرايين ، وأن أكثر أمراض القلب والأوعية الآن مبعثها التدخين ، فيدخن ، ويدخن إلى أن يأخذوه في حالة إسعاف إلى المشفى ، إلى غرفة العناية المشددة ، الآن يقلع عن التدخين ، إن هذا التصرف علامة الجهل ، علامة الغباء ، وأن الإنسان عند الألم الشديد يعرف خطورة أعماله ، أحياناً يكون البيت في خطر ، ينصحونه ، يبلغونه ، يحذرونه ، ينذرونه فلا يعمل شيئاً ، حتى يسقط البيت فوق أولاده ، ثم يقول : والله كان معهم الحق ، العوام يقولون : يخاف من عَيْنِهِ فقط ، إلى أن يرى الخَطَر يخاف ، أما المؤمن فأذكى من ذلك ، المؤمن يُعِدُّ لكل شيءٍ عدته قبل أن يقع ، ومن تمام العقل أن تصل إلى نتائج الأشياء قبل أن تصل إليها ، أن تصل إلى النتائج بفكرك قبل أن تصل إليها بجسمك .

﴿ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾

3 ـ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ

 ينحرف حتى يصاب بمرض ليس له حل ، مرض عضال ، عندئذٍ يؤمن أن هذا المرض كان عقاباً على هذا الانحراف ، تراه يأكل الربا ، ويظن أنه لن يحدث له أي شيء ، حتى يأتي يوم يتبدد فيه ماله ، ويهلك ماله ، عندئذٍ يؤمن بأن الربا حرام ، ويمحق الله الربا ، يتساهل في علاقته مع النساء حتى يقع في الزنا ، يتساهل مع زوجته حتى تخونه ، يتساهل بعمله حتى يُفْصَل منه ، لا يخاف إلا بعينه ، أما العاقل فيخاف بعقله قبل عينه .

﴿ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾

 هؤلاء من النوع الذي إذا رأى العذاب يقول : آمنت ، أما أن يأخذ موقفاً منطقياً منصفاً قبل فوات الأوان فلا يفعل ذلك ..

 

﴿ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾

 قال الله عزَّ وجل :

 

﴿ قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا ﴾

قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا

موسى عليه السلام يدعو وهارون يؤمِّن :

 من الداعي ؟ الداعي سيدنا موسى .

﴿ وَقَالَ مُوسَى ﴾

 لماذا قال الله عزَّ وجل :

 

﴿ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا ﴾

 لأن سيدنا هارون كان معه ، فلما دعا سيدنا موسى عليه السلام قال هارون : آمين ، والتأمين دعاء ، التأمين على دعاء الداعي دُعاء ..

﴿ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ

1 ـ لا تستعجلوا إجابة الدعاء :

 قال العلماء : بين الدعاء والإجابة أربعون عاماً ، الزمن عند الله هو من خلق الله ، لقد صدر الأمر من الله سبحانه باستجابة هذا الدعاء ، ولكن لكل شيءٍ أوان ، وتلبية الدعاء مرهونة بمشيئة الله ، فمن تَعَجَّلَ الشيء قبل أوانه عوقِبَ بحرمانه ، لكن اطلب من الله واستسلم ..

﴿ فَاسْتَقِيمَا ﴾

المعنى الأول :

 بعضهم حمل هذه الآية على الثبات على الاستقامة ، هما مستقيمان ، ما معنى قولك لطالب مجتهد : اجتهد ؟ أي داوم على اجتهادك ، استمر على اجتهادك ، اثبت على اجتهادك .

﴿ فَاسْتَقِيمَا ﴾

المعنى الثاني :

 تابِعا نُصْحَ فرعون ، المعنى الأول : اثبتا على تلك الاستقامة ، المعنى الثاني : تابعا نصح فرعون .

﴿ وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

 هؤلاء الذين لا يعلمون يستعجلون قضاء الله وقدره ، والإيمان بالقدر يُذهب الهمَّ والحزن ، ولكل شيءٍ أوان ، لكل شيءٍ قَدَر ، الأمور بمواقيتها ، فالإنسان يجب ألا يتجاوز حدوده في تعيين وقت الإجابة ، ادع الله ثم اترك الأمر لله سبحانه..

 

﴿ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ(89)وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا ﴾

وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا

1 ـ البغي والعدوان صفتان أهلكتا فرعون :

 البغيُ صفةٌ نفسيةٌ هدفها الكِبْر ، والعَدْو : العدوان ، أي أنَّه كان مستعلياً عليهم بنفسه ، معتدٍ عليهم بيده ..

﴿ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الغَرَقُ ﴾

2 ـ هكذا أغرق الله فرعون وجندَه :

 يقولون : إن سيدنا موسى دخل في البحر هو وقومه ، وتردد فرعون في دخول البحر ، هكذا يقال : تردد ، كأنه شعر أن في هذا النزول فَخًّا ، تردد ، ثم تراءى له هامان أمامه ينطلق في البحر فتبعه ، وقال بعضهم : إن الله أرسل أحد الملائكة على شكل هامان وهو يمتطي فرسه ، ويُغْري فرعون بالنزول في البحر ، فنزل فرعون وجنوده ، فلما خرج آخر من كان مع سيدنا موسى عاد البحر بحراً فأدركه الغرق .

قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ

1 ـ لم ينفع فرعونَ إيمانُه بالله حين أدركه الغرق :

 حينما أدركه الغرق قال :

﴿ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ ﴾

2 ـ كلُّ إنسان يعرف الحقيقة في وقت لا ينفعه ذلك :

 بعد فوات الأوان ، هذا سوف يحصل لكل إنسان ، كل إنسانٍ سوف يعرف الحقيقة ، ويؤمن ، ولكن في وقتٍ لا ينفعه إيمانه .

 

﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ﴾

( سورة الأنعام : من الآية 158 )

﴿ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ ﴾

 وأنا متأكِّد أن كل إنسانٍ منحرفٍ ، وأن كل إنسانٍ عاصٍ إذا جاءته مصيبة خلال ثوانٍ يعرف أن هذه المصيبة عقابٌ من الله عزَّ وجل .

﴿ أَالْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ ﴾

أَالْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ

المعنى الأول :

 بعضهم قال : هذا كلام فرعون نفسه ، نفسه حدَّثته : الآن تؤمن ، دُعِيتَ قبل أربعين عاماً إلى الإيمان فلم تؤمن ولو أنك آمنت لمكَّنك الله في الأرض ولرفع شأنك ، الآن تؤمن ؟ .

﴿ أَالْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ ﴾

 خاطب نفسه بهذا الخطاب .

 

المعنى الثاني :

 وقيل : إن الله سبحانه وتعالى قال هذا الكلام :

﴿ أَالْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ ﴾

المعنى الثالث :

 وقيل : إن الملائكة ، هي التي قالت ، فَنَصُّ الآية إما أنه قول الله عزَّ وجل ، أو أنه قول الملائكة ، أو أنه قول فرعون نفسه .

 

﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ ﴾

فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ

الحكمة من إنجاء فرعون ببدنه :

 فلشدة رهبته في قلوب الناس ، وشدة استعلائه في الأرض ، ولشدة اعتقاد الناس أنه ربُّهم الأعلى ، ولشدة ما بثَّهُ في قلوب الناس من ذُعر ، لم يصدق أحد أنه غرق ، فأخرجه ربنا من البحر وألقاه على شاطئ اليَمِّ ليراه القاصي والداني ، وأن هذا هو فرعون بلحمه ودمه ، فرعون نفسه مُلْقَىً على شاطئ البحر ميتاً غرقاً ..

﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ﴾

 وأغلب الظن إن لم يكن مائة بالمائة أن فرعون موسى مُحَنطٌ في الأهرامات ، والذي يصوَّر في الصحف هو فرعون موسى نفسه الذي نجَّاه الله ببدنه ليكون لمن خلفه آية ، وقد بلغني أن علماء كباراً وصلوا إلى مصر ، وفحصوا الجثة المحنطة ، واستنبطوا منها أنها ماتت غرقاً ، وقد نُقِلَ فرعون إلى فرنسا لينال بعض الترميم لجثمانه ، وأعيد إلى مصر ، وأغلب الظن أن هذا هو نفسه فرعون موسى ، ولأن كلام الله حق ..

﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ﴾

 

وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ

 الناس يؤخذون بالباطل ، يؤخذون بالوهم ، يؤخذون بالظن ، يؤخذون بما يقال لهم ، وهذه هي الحقيقة ، الإنسان ضعيف لا يقوى على النجاة بنفسه ، الإنسان إذا عرف الله تضاءلت نفسه ، فإذا جهل تعاظمت نفسه .

﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ(92)وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمْ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾

بنو إسرائيل كانوا يعلمون بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام :

 أي أن بني إسرائيل كانوا أول الناس إيماناً بالنبي عليه الصلاة والسلام ، و قبل أن يأتي ، قبل أن يأتي كانوا يقولون : سيبعث نبيٌ في العرب ، واسمه كذا ، وهذا مكتوبٌ عندنا في التوراة ، والله سبحانه وتعالى قال :

﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾

( سورة البقرة : من الآية 146 )

 فلما جاءهم الحق من عند الله كفروا به ..

 

﴿ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمْ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ(93)فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلْ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنْ المُمْتَرِينَ(94)وَلَا تَكُونَنَّ مِنْ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنْ الْخَاسِرِينَ(95)إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ(96)وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾

تعليق على قصة موسى :

التعليق الأول :

 هذه الآيات نتابع تفسيرها إن شاء الله في درس الجمعة القادم ، والتعليق الطفيف على هذه القصة : أن هذه القصة ليست روايةً لأحداثٍ مضت ، لكنها مناطٌ للعبرة ، كل إنسان لابدَّ من أن يموت ، ولابدَّ من أن تُكْشَفُ له الحقائق عند الموت ، فإذا عرفت الحقيقة قبل الموت فأنت من السعداء ، وإذا عرفتها أثناء الموت فهذا من الشقاء الأبدي .

﴿ أَالْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ﴾

 على مستوى حياتنا الدنيا ، بعد ما دُمِّر المال ، آمنت أن الربا حرام ، الآن آمنت ؟ بعد ما الزوجة خانت ، آمنت أن الاختلاط حرام ؟ بعد ما المصيبة وقعت ، آمنت أن هذا السلوك منحرف ؟ أما العاقل فيتعظ بغيره .

 

التعليق الثاني :

 فرعون موسى ليس هو رمسيس الثاني الذي عولج في فرنسا ، وليس مدفوناً في أهرامات مصر ، فهو محنَّط ومحفوظ في قاعة المومياوات بالمتحف المصري مع فرعون موسى الذي مات غرقا ، والذي أثبتت التحاليل وجود آثار من الرمال البحرية والقواقع في داخل جسده ، واسمه(امننفتاح)وهذه أحدث نظرية إلى الآن ، والله أعلم بالحقيقة .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018