الدرس : 15 - سورة يونس - تفسير الآيات 74 – 82 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 15 - سورة يونس - تفسير الآيات 74 – 82


1985-12-27

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون ، بعد أن وردت قصَّة سيدنا نوحٍ عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام ، وكيف أنَّ قومه كذَّبوه فأغرقهم الله قال الله سبحانه وتعالى :

﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ﴾

ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ

1 ـ إرسال الرسل دليل على رحمة الله بالعباد :

 الحقيقة أنَّ خلق السماوات والأرض يدلُّ على أسماء الله الحُسنى ، ومن بين هذه الأسماء الحُسنى قوَّته ، وغناه ، وعلمه ، وحكمته ، وإرسال المُرسلين إلى البشر يدلُّ على رحمته بالعباد ، فمثلاً أبٌ إن كان له ابنٌ شاردٌ لا يدَّخِرُ وسعاً في نصحه وإرشاده صباح مساء ، ليلا ونهارا ، فإرسال الأنبياء والمرسلين إلى البشر دليل رحمة الله سبحانه وتعالى ..

﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ ﴾

 أي :

﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ(7)﴾

( سورة الرعد )

2 ـ لكل قوم نبي يهديهم بطريقته :

 وبعضهم فهم هذه الآية فهماً موسَّعاً ، لكل إنسان طريقةٌ يهتدي بها ؛ هذا يهتدي بالإقناع ، وهذا يهتدي بالتضييق ، وهذا يهتدي بالخَوْف ، وهذا يهتدي بمصيبةٌ تصيب ماله ، وهذا يهتدي بالمرض :

﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ(7)﴾

( سورة الرعد )

 ولكل قومٍ رجلٌ يدعوهم إلى الطريق الصحيح ، الشيخ محي الدين يقول :

لكل عصرٍ واحدٌ يسمو به  وأنا لهذا العصرِ ذاك الأوحدُ
***

 إذاً :

 

﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ﴾

3 ـ من سمات دعوة الأنبياء الوضوح :

 أي أن الشيء البارز في دعوة الأنبياء الوضوح ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ ))

[ ابن ماجه عن العرباض بن سارية ]

﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ﴾

( سورة الأنعام : من الآية 83)

 و ما اتخذ الله وليَّاً جاهلاً لو اتخذه لعلَّمه .

 

(( إن الله عالِمٌ يحبُّ كل عالِم ))

 

[ ورد في الأثر ]

 من سمات دعوة الأنبياء البارزة الوضوح ، الأمور واضحةٌ جداً ، هناك تفسيرٌ كاملٌ للكون ، تفسير للحياة ، للموت ، للبعث من بعد الموت ، لما قبل الحياة ، لما بعد الحياة ، تفسير للعمل ، تفسير لكل شيء ، الأنبياء يقدِّمون تفسيراتٍ متكاملة لكل مظاهر الحياة ، بينما النظريَّات الأخرى تقدِّم تفسيرات مجتزأة ، مبتورة ، ناقصة ، غير كاملة ، لا تشفي الغليل ، الحق يثبت والباطل يبطُل أي يزول ..

 

﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا(81)﴾

(سورة الإسراء )

 لأن هذه النظريَّة الوضعيَّة ليست مستندة إلى أساسٍ متين ، لذلك لا تقف على قدميها ، تتلاشى سريعاً ، تتداعى سريعاً ..

 

﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ﴾

4 ـ البينات هي المعجزات :

 بعضهم فسَّر البينات بالمعجزات ، والمعجزة دليلٌ قاطع على أن هذا الإنسان مرسلٌ عند الله ، لأن إحياء الميت لا يستطيعه أحد من بني البشر ، فإذا أحيا سيدنا عيسى ميّتاً فهذا بإذن الله ، إذاً هو رسول الله ، أن تنقلب العصا إلى ثعبانٍ مبين هذا لا يستطيعه بشر ، لابدَّ من أن هذا الذي فعل ذلك هو رسول الله ، الذي جعل البحر طريقاً يبساً هذا ينبغي أن يكون رسول الله ، الذي جاء بهذا التشريع المُعْجِز الذي لم يغادر صغيرةً ولا كبيرة هذا أيضاً رسول الله ..

﴿ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ﴾

 إذاً بعض تفسيرات البيِّنات المعجزات التي أيَّد الله بها أنبياءه .

5 ـ البينات هي الحجج القاطعة :

 وبعضهم قال يضيف إلى هذا المعنى : " البينات هي الحجج القاطعة " ، كيف يُقال : إن محمداً سحر أصحابه ، بماذا سحرهم ؟ بالمنطق ، بالحق الذي لا يُرَدُّ عليه ، ماذا قال بعض الأعراب ؟ قالوا : " والله ما قال النبي شيئاً وقال العقل خلاف ذلك " ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( قِوام الرجل عقله ، ومن لا عقل له لا دين له ، ومن لا دين له لا عقل له ))

[ ورد في الأثر ]

(( وتبارك الذي قسم العقل بين عباده أشتاتاً ، إن الرجلين ليستوي عملهما وبرُّهما وصومهما وصلاتهما ، ويختلفان في العقل كالذرَّة جنب أُحُد ))

[ ورد في الأثر ]

 عندما خلق الله العقل قال له :

 

(( أقْبِلْ فأَقْبَلْ ، ثم قال له : أدْبِر ، فأدْبَر ، فقال : وعزَّتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحبَّ إليَّ منك بك أعطي وبك آخذ ))

 

[ ورد في الأثر ]

 فإذا استخدم الإنسان عقله استخداماً صحيحاً لحظةً واحدة ، وأجرى محاكمةً منطقيَّة سَعِدَ إلى الأبد ، فإذا عطَّل عقله أو أساء استخدامه شقي إلى الأبد ، مناط السعادة والشقاء .. بك أعطي ، وبك آخذ .. فاستخدام العقل بشكلٍ صحيح مناط السعادة ، ومناط الشقاء تعطيله أو إساءة استخدامه ..

 

﴿ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ﴾

6 ـ المؤمن له من هذه الآية نصيب :

 المؤمن له من هذه الآية نصيب ..

 

﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ﴾

( سورة الأنعام : من الآية 83 )

 مؤمن ، مخلص ، صادق معه حجَّة ، ويمشي على بيّنة ..

 

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي ﴾

( سورة يوسف : من الآية 108 )

 علامة المتبع لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم أنه يدعوك على بصيرة ، الأمور عنده واضحةٌ تماماً ..

 

﴿ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ ﴾

فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ

التكذيب صفة للأمم الكافرة قديما وحديثا :

 لهذه الآية مجموعة تفسيرات ، أوجه هذه التفسيرات : أن الكفر هو هُو ، قديماً وحديثاً ، كل أمةٍ كفرت بربها لها موقفٌ من الحق ثابت هو التكذيب ، التكذيب في الأمم جميعاً مهما اختلفت عصورها وأمصارها..

﴿ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ﴾

 هذه الصيغة أشدُّ أنواع النفي ، لا تنفي الحَدَث إنما تنفي الشأن ، قلت هذا كثيراً سابقاً : إذا قلت : فلان لم يسرق فأنت بهذا نفيت عنه الحدث ، أما إذا قلتَ : فلان ما كان له أن يسرق نفيتَ عنه إمكانيَّة السرقة ، فهذا الذي يغرق في بحر شهواته ، وينغمس في الباطل ، ويعتدي، ويطغى ما كان له أن يؤمن ، فإذا أمضى الإنسان كل وقته في الملاهي ما كان له أن يكون طبيباً ، لا ننفي عنه حيازته لهذه الشهادة بل ننفي عنه إمكانيَّة أن يكون طبيباً ، هذا تقريب للواقع ، فهؤلاء الأقوام :

 

﴿ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ ﴾

 هذا الذي كذَّب به أسلافهم هم سيكذِّبون به ، ولم يؤمنوا ولن يؤمنوا لأن إمكانيَّة الإيمان وهم على ما هم عليه معدومة ، كأن تنظر إلى إنسانٍ غارق في ملذاته وفي شهواته ثم يقول لك : سأكون مهندساً ، تقول له : ما كان لك أن تكون مهندساً ، إنَّك في وادٍ والعلم في وادٍ آخر ، فهذا النفي المراد منه أشدُّ أنواع النفي ، المبالغة في النفي ..

 

﴿ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ﴾

كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِين

1 ـ الطبع على القلب نتيجة لكسب الإنسان :

 أي أن الإنسان أحياناً لضيقٍ في أفقه أو لسرعةٍ في فهمه يظنُّ أن الله سبحانه وتعالى ختم على هذا القلب فلا يهتدي أبداً ، يقول لك : الأمر بيد الله ، فعلاً بيد الله هذه كلمة حق ، لكن إذا قلت في مَعْرِض الهداية ، إذا اعتذرت بعدم هدايتك أن الأمر بيد الله فهذه كلمة حقٍّ أريد بها باطلٍ ، أودُّ أن أضرب لكم بعض الأمثلة : فإذا دخلت إلى بيت صديقٍ لك يحمل الدكتوراه ، وهذه الشهادة معلَّقةٌ على الحائط ، فقرأتها فإذا فيها : " لقد منح مجلس الجامعة فلاناً الفلاني درجة الدكتوراه في الطب ، أو في الهندسة ، ونال حقوق هذه الشهادة وامتيازاتها "، أنت في هذا العصر هل تفهم من هذا الكلام أن رئاسة الجامعة طرقت أحد الأبواب ، وقالت لفلان : تعال لنعطيك الدكتوراه ، أم أن هذا الذي مُنحَ هذه الشهادة كان أهلاً لها ؟ أُلِّفَتْ لجنةٌ للإشراف على أطروحته ونُوقِشت هذه الرسالة ، وقد مضى على تأليفها سنواتٌ عدَّة ، وكان قبلها قد حاز الماجستير ، وقبلها قد حاز الِّليسانس ، وقبلها قد حاز الثانويَّة بعلاماتٍ مرتفعة ، فهل تفهم أيها الأخ الكريم من كلمة : منح مجلس الجامعة فلان الفلاني الدكتوراه ، هل تفهم من هذه الكلمة أن هذا المنح بلا مقابل ؟ بلا استحقاق ، بلا جهد ، بلا تعب ، بلا كسب ، بلا أهليَّة ، بلا اصطفاء ؟ أخي : الله جعل فلاناً نبيَّاً ، هذه النبوَّة هبة من الله ..

﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ(33)﴾

( سورة آل عمران )

 بالمقابِل إذا قرأت في بعض البلاغات : يُحْرَم فلان الفلاني من التقدُّم للامتحان ، فهل تظن أن مجلس الجامعة يحرم طالباً بلا سبب ؟ لا بل حرمه إما لانقطاعه عن الدوام ، أو لتطاوله على بعض المدرِّسين ؟ أو لإساءته للنظام ، فكلمة مُنِحَ وكلمة حُرِمَ بالبديهة من دون تعقيد مقابلها أعمال قام بها هذا الذي مُنْحَ الشهادة ، وأعمال سيَّئة قام بها هذا الذي حُرِمَها ، إذاً عندما يقول ربنا عزَّ وجل :

 

﴿ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ﴾

 لا ينبغي لك يا أخي الكريم أن تفهم كلمة نطبع بمعنى أن الله عزَّ وجل شاءت إرادته أن يختم على قلب فلان فلا يهتدي ، لا ، الإنسان من بني البشر يترفَّع عن ذلك ، لا يَحْرِم ، ولا يعاقب ، ولا يفصل ، ولا يطرد ، ولا يمنح إلا ذا استحقاق ، فهل يُعقَل أن الله سبحانه وتعالى و بلا سبب طبع على قلب فلان ؟ إن طبع على قلب فلان فلا بد من سبب ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

 

(( إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُهُ ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ

 

﴿ كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾))

[سنن الترمذي ]

2 ـ الفعل من الله والسبب من العبد :

 إذاً : ربنا عزَّ وجل إذا عزا الفعل إليه فمعنى ذلك : أن هذا الفعل من حيث التنفيذ بيده ، أما من حيث السبب بيد فلان ، كأن تقول : المعلِّم رَسَّبَ فلاناً الفلاني ، قرار الترسيب بيد المعلِّم ، وهو الذي كتب رَسَبَ في صفِّه ، وهو الذي وقَّع ، لكن هذا الطالب رسب لاستحقاق ، لأنه كسول ، فإذا رأيت فعلاً في القرآن قد عُزِيَ إلى الله لا يذهبنَّ بك الظن إلى أن الله شاءت إرادته أن يفعل بفلانٍ كذا وكذا من دون اختيارٍ منه ، نحن مخيَّرون في إرادتنا ، ومسيَّرون في أعمالنا ، وتسييرنا لما اخترنا .
 تسيير الله عزَّ وجل يُحْمَلُ على ثلاث احتمالات ، إما أن يسيرنا الله سبحانه وتعالى لتحقيق اختيارنا ، فهذا التسيير تجسيدٌ لاختيارنا ، وإما أن يسيرنا لتشجيعنا على نيات طيّبة أو عملٍ طيّب ، فهذا إكرام ، وإما تسييرٌ يؤدِّبنا فيه على تقصيرنا ، إذاً التسيير من الله تعالى إما تجسيد ، أو تشجيع ، أو تأديب ، وعمل الإنسان مبنيٌّ على اختياره ، والإنسان مخيَّر ، لكنَّه إذا اختار معصية الله عزَّ وجل يسيِّرُهُ الله لتحمُّل نتائج عمله ، كما لو أن مواطناً اختار أسلوباً خاطئاً في التعامل ، والقوانين تحظِّر هذا الأسلوب .. مثلاً .. هو اختار ذلك ، وبعد أن اختار ذلك ليس مخيَّراً بعدها في أن لا يلقى نتائج أعماله ، لابدَّ من أن يلقى نتائج أعماله بحسب اختياره ، فكلمة :

﴿ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ﴾

 إذا عُزِيَ الطبع إلى الله عزَّ وجل فلأسبابٍ تعود كليَّةً إلى العبد لقوله تعالى :

 

﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾

( سورة الصف : من الآية 5 )

3 ـ الذي يعتدي لا بد له من عقاب :

 هناك معنى آخر يُستنبط من هذه الآية ، وهو أن الذي يعتدي .. بالمعنى الواسع لا بد له من عقاب ..

العدوان هو تجاوز الحد :

 الكلمات في القرآن الكريم تأخذ معنىً ضيّقاً ومعنىً واسعاً ، فالعدوان في القرآن بمعناه الواسع كل تجاوزٍ للحقوق ، لو تجاوز الإنسان على حقِّ إنسانٍ ما فقد اعتدى عليه ، لو جعلت إنساناً ينتظر بلا سبب ساعةً فقد اعتديت على وقته من دون سبب ، إذا سمحت لنفسك أن تأخذ من ماله فوق ما تستحق فقد اعتديت على ماله ، إذا نظرت إلى امرأةٍ لا تحلُّ لك فقد اعتديت على زوجها ، هذه عِرْضُهُ ، واعتديت عليه ، واعتديت على نفسك فَحَرَمْتَها الإقبال على الله عزَّ وجل ، فالعدوان بهذا المعنى واسعٌ جداً ، إلقاء نظرةٍ على امرأةٍ لا تحلُّ لك نوعٌ من أنواع العدوان ..

 

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(5)إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ(6)فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ(7)﴾

( سورة المؤمنون )

 تجاوَزَ الحد ، إذا أساء إنسانٌ إليك فرددت عليه بإساءةٍ أكبر فأنت معتدٍ ..

 

﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ﴾

( سورة الشورى : من الآية 40 )

4 ـ المعتدي لا يهتدي :

 الملخَّص : المعتدي لا يهتدي ، لماذا ؟ تفسير ذلك أنه بعدوانه منقطعٌ عن الله عزَّ وجل ، وأنت تعرف الله بنور الله ، وتهتدي إلى الله بالله ، ولا ملجًأ من الله إلا إليه ، فالمعتدي بعدوانه محجوبٌ عن رَبِّه ، وإذا حُجِبَ عن الله عزَّ وجل حُجِبَ عن أنواره ، أنَّى لأنوار الله عزَّ وجل أن تدخل إلى قلبه ؟! ..

﴿ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ﴾

 لذلك :

 

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ(1)فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ(2)﴾

( سورة الماعون )

 هو نفسه ..

 

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾

( سورة القصص : من الآية 50 )

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى(9)عَبْدًا إِذَا صَلَّى(10)﴾

( سورة العلق )

 انتهت الآية ، أي أن هذا الذي ينهاك عن الصلاة لا تُجَشِّم نفسك مشقَّة سماع كلامه إطلاقاً ، وليكفك منه أن تنظر إلى أفعاله الدنيئة ، إلى انحرافاته ، إلى شذوذه ، إلى أنانيَّته ، إلى حبِّه لذاته ، إلى استعلائه ، إلى بناء مجده على أنقاض الآخرين ، إلى بناء غناه على فقرهم ، إلى بناء حياته على موتهم ، هذا الذي ينهاك عن الصلاة لا تنظر إلى كلامه ، لا تنظر في فحوى كلامه ، بل انظر إلى أفعاله ، أفعاله تؤكِّد لك أنه ليس على الحق ، لو أنه على الحق لأمرك بالصلاة ..

 

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى(9)عَبْدًا إِذَا صَلَّى(10)أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11)أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12)﴾

 انظر إلى أخلاقه ، إلى ورعه ، إلى عفَّته ، إلى كماله ، إلى شجاعته ، إلى كرمه ، انظر، لو لم يكن للمؤمن لسان فَعَمَلُهُ ينطق بأنه مؤمن ، ولو بقي الكافر صامتاً فَعَمَلُهُ وحده ينطق بأنَّه كافر ، فيه لؤم ، يقابل الإحسان بالإساءة ..

 

أعلِّمه الرماية كل يـومٍ  فلمَّا اشتدَّ ساعده رماني
وكم علَّمته نظم القوافي  فلمَّا قال قافيةً هـجاني
***

 فلذلك :

 

 

﴿ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾

 بمعنى أن المعتدي لا يهتدي ، لذلك لا تُحمِّل نفسك مشقَّة مناقشة المعتدي لأنه لن يهتدي ..

 

﴿ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى(9)﴾

( سورة الأعلى )

 ولكن شَمِّر لهداية المُستقيم فإنه قريب المأخذ ، سريع التأَثُّر ، سريع الاستجابة .

 

﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ﴾

ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ

1 ـ هذا هو فرعون بطغيانه :

 من فرعون ؟ ماذا قال فرعون ؟ قال فرعون :

 

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

( سورة القصص : من الآية 38 )

 هذا قاله في المرة الأولى ، أما في المرَّةِ ثانية :

﴿ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى(24)﴾

( سورة النازعات )

 فربنا عزَّ وجل قال :

 

﴿ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى(25)﴾

( سورة النازعات )

 يعجب المفسِّر لماذا بدأ الله بالآخرة وثنَّى بالأولى ، مع أن الترتيب المنطقي الأولى والآخرة ، لأن قوله الآخر الثاني كان أشدَّ كفراً من قوله الأول ، فالله سبحانه وتعالى بدأ بالأقوى .

 

﴿ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى(25)﴾

﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ(51)﴾

( سورة الزخرف )

 رجل بدأ يناجي ربَّه فقال متعجباً : يا رب ..

 

﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى(43)فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا ﴾

( سورة طه )

2 ـ مع ذلك فلابد من اللين والرفق :

 نبيٌّ كريم .. هو سيدنا موسى .. يأمره الله سبحانه وتعالى أن يُلين القول لمن قال :

﴿ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى(24)﴾

( سورة النازعات )

 ولمن قال :

 

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

( سورة القصص : من الآية 38 )

 فأنت أيها الأخ الكريم المؤمن إذا كان فرعون على ما هو عليه من الكفر يجب أن تقول له قولاً ليناً ، فما قولك إذا دعوت إنساناً إلى الله عزَّ وجل ؟ فهل تقسو أنت عليه ؟
 يروي التاريخ أن أحد الأمراء جاءه واعظ فقال له : " أيها الأمير سوف أعظك بغلظة " ، فقال هذا الأمير : "ولِمَ الغلظة يا أخي ؟ لقد أرسل الله مَن هو خيرٌ منك إلى من هو شرٌّ مني ، أرسل موسى إلى فرعون فقال له :

 

﴿ فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا ﴾

( سورة طه من الآية 44 )

 إذاً : مَن أمر بمعروفٍ فليكن أمره بمعروف ..

 

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ﴾

( سورة آل عمران : من الآية 159)

 ولن تستطيع أن تؤثِّر في قلوب الناس إلا بإحسانك قبل لسانك ، وقلوب أهل البلاد المفتوحة فُتِحَت للمسلمين قبل أن تُفْتَح بسيوفهم ..

 

(( رأس العقل بعد الإيمان بالله التودُّد إلى الناس ))

 

(( بُعِثْت بمداراة الناس ))

[ ورد في الأثر ]

 والمداراة بذل الدنيا من أجل الدين ، بينما المُداهنة بذل الدين من أجل الدنيا ، لذلك التودُّد إلى الناس ، لين القول ، الرحمة ، العمل الطيّب ، الخدمة ، هذه رسل الهدى ، قبل أن تنصحه بالصلاة أَرِهِ من شخصك مثلاً أعلى في التعامل ، كن صادقاً معه ، كن رحيماً به ، كن عطوفاً عليه ، ابذل من وقتك ومالك لخدمته حتى يهتدي بهداك .
 إذاً :

 

﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ﴾

 حتى الكافر ..
 وفي الأثر : " لو يعلم الكافر انتظاري لتركِ معاصيه لتقطَّعت أوصاله من حبّي ، و لمات شوقاً إليّ ، هذه إرادتي بالمعرضين فكيف إرادتي بالمقبلين " .

 

﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى(43)فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى(44)﴾

( سورة طه )

 قال أحد العلماء : علمت رحمتك بمن قال :

 

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

( سورة القصص : من الآية 38 )

 فكيف رحمتك بمن قال : لا إله إلا الله ؟!
 هذه الآيات تعلِّمنا الأدب ، تعلمنا اللطف في الدعوة إلى الله ، والآية الكريمة تكفي ..

 

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ(159)﴾

( سورة آل عمران )

 جاءه أعرابيٌّ وقال له : " أعطني مما أعطاك الله " ، فأعطاه النبي عليه الصلاة والسلام ، قال له : يا أعرابي هل أحسنت إليك ؟ " قال : " لا ولا أجملت " ، فهبَّ أصحاب النبي ليقتلوه لأنه تجاوز الحدود ، فقال النبي: " دعوه " ، أخذه إلى البيت وزاده من العطاء ، فقال : " يا أعرابي هل أحسنت إليك ؟ " ، قال : " نعم وأجملت " ، قال : " لقد جئتنا فسألتنا فأعطيناك ، فقلت ما قلت ، وفي نفوس أصحابي من قولك شيء ، فإذا خرجت إليهم فقل لهم مثلما قلت إلي " ، فلمَّا خرج إليهم قال النبي الكريم : " إنَّ هذا الأعرابي سألنا فأعطيناه فقال الذي قال ، فلمَّا زدناه قال غير ذلك ، أهكذا يا أعرابي ؟ " قال : " نعم أحسنت وأجملت " . ثمَّ انطلق في سبيله ، ثم قال عليه الصلاة والسلام : " مثلي ومثل هذا الأعرابي كرجلٍ له ناقة شردت عنه فجعل أصحابه يتبعونها فزادوها نفوراً فقال : خلَّوها إليّ ، تبعتها ووضعت لها من خشاش الأرض وأرحلتها فانقادت إليّ ، لو تركتكم وشأنكم لهلك وهلكتم " .

 

[ ورد في الأثر ]

 هذه رحمته صلَّى الله عليه وسلَّم .
 قال أعرابي جلف للنبي : " والله ما عدلت يا محمَّد " ، فقال عليه الصلاة والسلام وقد نبض عرقٌ في جبينه ، وكان هذا العرق إذا غضب ينبض ، قال له : " ويحك فمن يعدل إن لم أعدل ؟ " . مَنْ في الأرض يعدل إن لم أعدل ..

 

 

﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ﴾

3 ـ علية القوة قدوة لغيرهم :

 إلى فرعون ومَلَئه ، ليس فرعون وحده هو المقصود بل عليَّة قومه ، هؤلاء الذين هم قدوةٌ للناس ، يميل الناس حيث يميلون ، إن سيدنا عمر رضي الله عنه كان إذا أراد إنفاذ أمرٍ جمع أهله وخاصَّته قبل كل شيء وقال : " إني قد أمرت الناس بكذا ، ونهيتهم عن كذا ، والناس كالطير ، إن رأوكم وقعتم وقعوا ، وايم الله لا أوتينَّ بواحدٍ وقع فيما نهيتُ الناس عنه إلا ضاعفت له العقوبة لمكانه مني " ، فعلَّق بعضهم على هذه القصَّة بقوله : " فصارت القرابة من عمر مصيبة " ، مصيبةٌ كبيرة أن تكون قريباً من عمر ، لأن العقاب سوف يتضاعف .
 المقصود إذاً فرعون وملئه ، هؤلاء الذين ينظر الناس إليهم .. ويجلونهم .

﴿ بِآيَاتِنَا ﴾

 الدالَّة على الرسالة والنبوَّة ؛ العصا ، وشقُّ البحر ، واليد البيضاء..

 

﴿ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ﴾

فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِين

1 ـ من أسباب الكفر الاستكبارُ ، والتواضع علامة الإيمان :

 أحد عوامل الكفر الكِبْر ، ومن علامات المؤمن التواضع ، تواضعوا لما تتعلَّمون منه ، وتواضعوا لمن تعلِّمونه ، والتواضع لابدَّ منه في التعلُّم والتعليم ، وقال أحد العارفين بالله لبعض تلامذته وقد تجاوز حدَّه : " يا فتى نحن إلى أدبك أحوج منَّا إلى علمك " .
 الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ(215)﴾

( سورة الشعراء )

2 ـ تواضع النبي عليه الصلاة والسلام مع أصحابه :

 اخفض جناحك ، كان عليه الصلاة والسلام يُكْرِمُ أصحابه كثيراً ، كان يحبُّهم ، كان يثني عليهم ، كان يعرف أقدارهم .. " والله يا معاذ إني لأحبُّك " .. ولسيدنا سعد : " هذا سعدُ ، هذا خالي أروني خالاً مثل خالي ".
 سيدنا أبو عبيدة أمين هذه الأمَّة ، كل صحابيٍّ جليل أعطاه النبي عليه الصلاة والسلام وصفاً يليق به .. " لو كان نبيٌّ بعدي لكان عمر " .. "تسابقت أنا وأبو بكر فكنَّا كهاتين ، ما صُبَّ في صدري شيء إلا وصببته في صدر أبي بكر " ، هكذا يجب أن تحبَّ من تعلّمه ، تحبَّهم ، أن تعرف أقدارهم ، أن تنزلهم منازلهم ، أن تقدِّر أعمالهم ، تضحيَّاتهم ، ورعهم ، استقامتهم لكي يحبُّوك ، يحبَّهم ويحبُّونه ..

﴿ فَاسْتَكْبَرُوا ﴾

 أمَّا فرعون وملؤه فقد استكبروا ، والكِبْر مدمِّر ..

 

(( لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ ))

 

[ مسلم عن عبد الله بن مسعود ]

 ما من فاتحٍ على وجه الأرض فتح بلدةً إلا وأخذه التيهُ ، وأخذته الغطرسة والاستعلاء والعلو ، وما شاكل ذلك ، إلا النبي عليه الصلاة والسلام حينما فتح مكَّة دخلها مطأْطِئَ الرأس ، فلمَّا جمعهم ، وكان بإمكانه أن يقضي عليهم وَاحداً واحداً ، هؤلاء الذين كذَّبوه ، هؤلاء الذين أخرجوه ، هؤلاء الذي ائتمروا على قتله ، هؤلاء الذين عذَّبوا أصحابه ، هؤلاء الذين قتَّلوا أصحابه ، هؤلاء الذين حاربوه ليستأصلوا شأفته ، هؤلاءِ هؤلاء لمَّا كانوا في قبضته وكان بإمكانه أن يقضي عليهم، وأن يدمِّرهم عن آخرهم قال لهم : " ما تظنُّون أني فاعلٌ بكم ؟ " ، قالوا : "أخٌ كريم وابن أخٍ كريم " . قال : " اذهبوا فأنتم الطُلقاء " . هكذا الرحمة ، هكذا الحكمة .
 أبو سفيان قُبيل إسلامه قال له : " والله ما أعقلك ، ما أحكمك ، ما أرحمك ، ما أوصلك!"، قال عليه الصلاة والسلام : " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن " .. أي أن هذا زعيم قريش ، فجعل له شأناً .. من دخل الكعبة فهو آمن ، ومن دخل بيته فهو آمن ، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن .. فلمَّا عَلِمَ أبو سفيان قال : " ما أعقلك ، ما أرحمك ، ما أحكمك ، ما أوصلك ! " .

 

﴿ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ﴾

 عدي بن حاتم عندما رأى النبي يكلِّم امرأةً مسنَّةً ، ضعيفةً ، فقيرةً وقف معها طويلاً قال : " والله ما هذا بأمر ملك " ، هذا ليس ملك ، دخل إلى البيت وليس في بيت النبي الكريم إلا وسادة من أدمٍ محشوَّةً ليفاً ، قال له النبي : " اجلس عليها " ، قال : " بل أنت " ، قال : "بل أنت ضيفنا " ، قال : " فجلست عليها وجلس هو على الأرض " .
 يا محمَّد أتحبُّ أن تكون نبيَّاً ملكاً أم نبياً عبداً ؟ قال له : " بل نبيّاً عبداً أجوع يوماً فأذكره وأشبع يوماً فأشكره " ..

 

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا(21)﴾

( سورة الأحزاب )

﴿ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ﴾

3 ـ أكبر جريمة أن تجرم في حق نفسك :

 فكلمة جريمة لا يوصف بها إنسان لم يدفع فاتورة الهاتف أبداً ، هذا يقال له : مُقَصِّر، إن لم يدفع الفاتورة يقطعوا عنه التيار ، يدفع الغرامة مع الفاتورة ، هل تصف إنساناً خالف القانون مخالفة طفيفة بأنه مجرم ؟ لا ، كلمة مجرم للقصم ، لعمل كبير ، لعمل له مضاعفات خطيرة ، تقول : هذه جريمة يا أخي ، هذا مجرم قتل إنساناً بريئاً ، يجب أن يُقْتَل ، فإذا وصف الله سبحانه وتعالى إنساناً ما بأنَّه مجرم فمعنى هذا أنَّ جريمته كبيرةً جداً ، وهل مِن جريمةٍ أكبر من أن تكون مجرماً بحقِّ نفسك ؟ هذه النفس التي ملَّكَكَ الله إيَّاها ، جعلها أمانةً بين يديك ..

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9)وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا(10)﴾

( سورة الشمس )

 إنسان حضر مجلس علم ، تعرَّف إلى الله ، تعرَّف إلى شرع الله ، تعرَّف إلى أحكام القرآن ، تعرّف إلى هذا الدين الصحيح ، وطَبَّقه والتزم به فسعِد وأسعد ، هذا زكَّاها ، أما هذا الذي بقي جاهلاً ، وتاه في شهواته ، وانغمس في ملذَّاته ، وأكل من مالٍ حرام ، واعتدى وطغى وبغى ، ونسي المبتدى والمنتهى هذا مجرم ، ما قتل قتيلاً ، ما آذى أحداً ولكنه لَحِقَ شهواته ، هذا مجرمٌ بحقِّ نفسه ، هذه النفس بدل أن تَخْلُدَ في الجنَّة جعلها تخلد في جهنَّم ، وهل من جريمةٍ أكبر من أن يكون الإنسان مجرماً بحقِّ نفسه ؟ يكفي ألا تصلي ، ألا تذكر الله سبحانه وتعالى ، يكفي أن تدع نفسك وما تشتهي ، يكفي ألا تحاول تطهير نفسك من عيوبها ، فأنت بحقِّ نفسك مجرمٌ ..

 

﴿ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ(75)فَلَمَّا جَاءَهُمْ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا ﴾

 مِنْ عند مَنْ ؟ من عند خالق الكون ، خالق السماوات والأرض ، رافع السماء بلا عمد ، من عند الذي إذا أراد شيئاً أن يقول له : كن فيكون..

(( لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ ))

[ صحيح مسلم عن أبي ذر ]

 ذلك لأن عطائي كلام وأخذي كلام ، فمن وجد خيراً فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه .

 

﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا ﴾

فَلَمَّا جَاءَهُمْ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ

تهمة السحر قديمة متجددة :

 من عند الذات العَلِيَّة ، مِن عند الرحمن الرحيم ، من عند الحكيم العليم ، من عند الغني ، من عند القوي ، من عند العزيز ، من عندنا ، لذلك قال بعضهم : " لا تنظر إلى صِغَر الذنب ، ولكن انظر على من اجترأت " ..

﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ﴾

 قالوا عن سيدنا موسى : إنَّه ساحر ، وقالوا عن سيدنا رسول الله : إنَّه ساحر ، وشتَّانَ بين المعجزتين ، تشابهت قلوبهم وتشابهت أقوالهم .
 مرَّةً طُلِبَ من بعض البلاد الإسلاميَّة أن تُوفِد إلى عاصمة أوروبيَّة بعض المنشدين وبعض قُرَّاء القرآن ليُتلى في هذه العاصمة الأوروبيَّة على أنَّه فلكلور أي على أنه فن شعبي ، أي أنه مثل الرقص الشعبي .. تشابهت قلوبهم ، سحر ، تقاليد ، عادات ..

 

﴿ إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ﴾

 أهذا سحر ؟! كتاب هداية يقال له : سحر ؟ لو عرفه البشر لآمنوا به ولسعدوا به ، سحر ؟! ..

﴿ قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ ﴾

قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ

 هكذا تقولون ؟ حقٌّ واضحٌ كالشمس ، دلائل واضحة ، حجج قاطعة، معجزات ، أهذا سحر ؟

﴿ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ ﴾

 استمعوا الآن إلى حجَّتهم في ردِّ الحق :

 

﴿ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ﴾

قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ

1 ـ تهمة تغيير العادات والتقاليد :

 أي أنت يا موسى هدفك أن تغيِّر عاداتنا وتقاليدنا ، أن تغيّر معالِم البيئة ، أن تغير طبيعة العلاقات فيما بيننا ، وهذا كلامٌ يقوله الناس اليوم ، هكذا نشأنا يا أخي ، هكذا رُبّينا ، أنت مِن أين جئت بهذا الدين الذي يفرِّق بيننا ؟ الإنسان المُعْرِض يحب أن يستمر على خطئه ، على ضلاله ، المفكِّر ليس له حق في أن يتقبَّل البيئة إلا إذا تطابقت مع كتاب الله ، ما هذه الدعوة الباطلة ؛ بيئة ، محيط ، تراث ، معطيات ، المحيط الخارجي ، المؤثِّرات ، التفاعل بين البيئة والمحيط ؟ لا يوجد إلا الحق ، فماذا بعد الحقِّ إلا الضلال .
 جلس شاب مسلم على كرسي إلى جانب زوجته الشابَّة أمام مائتي امرأةٍ في أبهى زينة ، ما هذا ؟ عادات ، هكذا الأصول ، يصمد أمامهم ، فيقول عاقل ناصح ، ولكن لا يجوز ذلك ، فيجيبوه : لا لكي لا يتكلَّموا علينا نحن أهل الفرح ، يجب أن نري الناس أنَّ عندنا عروساً لائقاً ، أتعبد البيئة ؟ أتعبد التقاليد ؟ أتعبد العادات ؟ يجب أن تكون التقاليد غير الإسلاميَّة تحت أقدامنا ، أترتدي زوجتك هذه الثياب التي تبيّن خطوط جسمها ؟ هكذا الموضة ، أتعبدها من دون الله ؟ لا يجوز ، المسلم لا يبالي لا بتقاليد ، ولا بعادات ، ولا بأعراف ، ولا بأساليب ولا أنماط معيشة زائفة ، لا يبالي إلا بما في الحق من حق ، إلا بما في كتاب الله من دلائل ، وما عداه لا أفعله .
 قالت أم سيدنا سعد له : " يا بني إن لم تكفر بمحمَّد لن أذوق الطعام حتى أموت " ، فقال سيدنا سعد : " يا أم لو أنَّ لكِ مائة نفسٍ فخرجت واحدةً وَاحدةً ما كنت لأكفر بمحمَّد ، فكلي إذا شئتِ أو لا تأكلين " ، بعد ذلك أكلت .
 أحد الصحابة طلبت منه زوجته حاجةً لم يفعلها النبي عليه الصلاة والسلام فقال لها : " والله يا فلانة إن في الجنَّة مِنْ الحور العين ما إنْ أطلَّت إحداهن على الأرض لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر ، َفَلأن أضحّي بكِ مِن أجلهن أفضل مِن أن أضحي بهنّ مِن أجلكِ " ، هكذا المؤمن حازم ، مواقفه صلْبَة ، مواقفه واضحة ، لا يلين ، يلين في الدنيا أما في أمور الدين فلا يلين .

﴿ قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ(77)قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ﴾

 أخي هذه تقاليد موروثة ، هكذا أصول الاحتفال بالزواج ، هكذا فعل آباؤنا وأجدادنا ، من أنت ؟

﴿ وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ ﴾

2 ـ تهمة السعي وراء الجاه والرياسة والمنازعة عليها :

 ظنَّ فرعون وملؤه بموسى الظنون ، ظنُّوه مثلهم يحبُّ الكِبْر ، لا فقد قيل : " إن الطيور على أشكالها تقعُ " ، الإنسان دائماً يظنُّ ما في نفسه ، الكذَّاب لا يُصدِّق الصادق ، يظنّه كذَّاب ، والصادق يصدِّق الكاذب ، ويظُّنه صادقا ، وإن الطيور على أشكالها تقع ، ففرعون اتهم سيدنا موسى بأنه إنما جاء بهذه الدعوة لينازعه على الكبرياء في الأرض ..

﴿ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ(78)وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ ﴾

وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ

التحدي الفرعوني :

 أي أنَّ فرعون حوَّل هذه الدعوة إلى الله ، وهذه البينات ، وهذه المعجزات حوَّلها تحويلاً آخر ، ووصفها بأنَّها سحر ، أي أنَّ هذه الدعوة العظيمة كما يقال : فرَّغها من مضمونها ، ووصفها بوصفٍ ساذج ، بل ماكر خبيث ، وادعى أن هذا سحر ، وأنا عندي سحرة وسوف يردُّون عليك ..

﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ(79)فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ(80)فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ﴾

إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِين

1 ـ لا نجاح للمفسد :

 أي أنه لا يمكن المفسد أن يحقِّق النجاح في الحياة ، المفسد لن يحقِّق النجاح لهذه الآية :

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ﴾

 هؤلاء السحرة أرادوا إفساد هذه الدعوة الإلهيَّة فَسِحْرُهُم باء بالإخفاق ، سحرهم أبطله الله سبحانه وتعالى ، طبعاً القرآن الكريم من إعجازه أن الآية القرآنيّة الواحدة لها معنى في السياق ، فإذا نزعتها من بين أخواتها أصبحت مبدأً عاماً ، قاعدة ثابتة ، دعنا من هذه القصَّة كلِّها ، وانزع هذه الآية وحدها ، واكِّتبها على لوحة ..

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ﴾

 كل عمل هدفه الإفساد فأنت الذي تؤدي الثمن جراء إفسادك ، تبوء بالإخفاق ، لن يُصلِح الله عملك ، ما دامت النوايا سيئة ، ما دام الهدف دعم الباطل ، ما دام الهدف تبديل دين الله عزَّ وجل وشرعه ، إطفاء نور الله فلن يُصْلِح الله عملك ، لماذا ؟ لأنك تخالف سنَّة الكون ، ما معنى الحق ؟ الشيء الثابت ، ما معنى الباطل؟ الشيء الذي سوف يبطُل ، لا يقف على قدميه ، سرعان ما يتهاوى ..

 

﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا(81)﴾

( سورة الإسراء )

2 ـ الباطل زهوق :

 أي أن من صفات الباطل الثابتة الزُهوق ، الزُهوق والباطل مترابطان ترابطاً وجودياً ، هذه فكرة دقيقة جداً ، فلنضرب الطائرة مثلاً تقول : شكل الطائرة كبير ، هناك بيت كبير أيضاً ، و بناء كبير ، و ساحة كبيرة ، هذا وصف غير صحيح ، ليس وصفاً جامعاً مانعاً ، صفها أيضاً تقول لي : فخمة ، هناك بيت فخم ، وهناك أثاث فخم ، وهناك سيَّارة فخمة ، هذا الوصف ليس صالحاً ، لازلت تقول كذا وكذا ، إلى أن تقول : تطير ، كلمة تطير هذه صفةٌ مترابطة مع الطائرة ترابطاً وجوديَّاً ، فإذا أُلغي الطيران أُلغيت الطائرة ، القرآن الكريم عبَّر عن هذه الحقيقة ، عن الترابط الوجودي بفعل كان التام .
 فعل كان له معنيان ، توجد عندنا كان الناقصة مثل قولك : كان الجو ماطراً ، وأصل الجملة الجو ماطرٌ ، تركيب اسمي إسنادي ، إذا قلت : كان الجو ماطراً ، فأنت بهذا نقلت هذا التركيب الاسمي إلى الزمن الماضي ، فكان أفادت معنى المضي فقط ، ولم تفد معنى الحدث ، من هنا قالوا : فعل ماض ناقص ، لكنْ هنا كان ذات دلالة أخرى ، وهي كان التامَّة قلَّما ينتبه لها الناس ، وهي مثل : ما كان الإنسان ليظلم أخاه ، وهذه بمعنى ما وُجِدَ الإنسان ليظلم .
الآن :

﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا(81)﴾

 أي منذ أن وُجِدَ الباطل صفته اللازمة المترابطة معه ترابطاً وجوديَّاً أنه زاهق ، فإذا كنت مع الباطل عقيدةً فأنت زاهقٌ معه ، وإن كنت مع رجل مُبْطِل فأنت زاهقٌ معه ..

﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا(81)﴾

 أي أن الحق ثابت منذ الأزل وإلى الأبد ، وكلمات الله سبحانه وتعالى تبَيِّن الحق وتُحِقُّه وتوضِّحه ، وسوف نتابع هذه القصَّة إن شاء الله في درسٍ قادم .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018