الدرس : 11 - سورة التوبة - تفسير الآيات 8 - 10 ، العنصرية في زمن التظلم. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 11 - سورة التوبة - تفسير الآيات 8 - 10 ، العنصرية في زمن التظلم.


2010-05-28

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

نقض العهود سمة أساسية في سلوك الكفار والمشركين :

 أيها الأخوة الكرام... مع الدرس الحادي عشر من دروس سورة التوبة، ومع الآية الثامنة وهي قوله تعالى:

﴿ كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلّاً وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ﴾

 أيها الأخوة الكرام، الآية السابقة التي كانت موضوع الدرس الماضي:

﴿ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾

[ سورة التوبة]

 أولاً كيف: أداة استفهام وتعجب، في الآية السابقة:

﴿ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ ﴾

 الحديث في الآية السابقة عن نقض المشركين لعهودهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن الآية التي تليها:

﴿ كَيْفَ ﴾

 لم يذكر الله عز وجل نقض العهود، يبدو أن نقض العهود سمة أساسية في سلوك الكفار والمشركين.
 لا بد من أُبين لكم أن هناك تقسيمات لأهل الأرض والله لا تعد ولا تحصى، وكل هذه التقسيمات ما اعترف بها القرآن، يقول لك: العرق الآري، العرق الأنغلو سكسوني، العرق السامي، دول الشمال، دول الجنوب، الملونون، الدول الصناعية، الدول المستغِلة، الدول المستغَلة، الشعوب النامية، الشعوب المتقدمة، أي تقسيمات أهل الأرض لا تعد ولا تحصى.

 

أهل الأرض في القرآن الكريم لا يزيدون عن نموذجين فقط لا ثالث لهما :

1 ـ رجل عرف الله فانضبط بمنهجه وأحسن إلى خلقه فسعد في الدنيا والآخرة :

 ولكن دققوا وصدقوا أن الله سبحانه وتعالى في قرآنه الكريم أنزلهم جميعاً في حقلين، أهل الأرض على اختلاف مللهم، ونحلهم، وأعراقهم، وأنسابهم، وطوائفهم، على اختلاف كل تقسيمات أهل الأرض، أهل الأرض في القرآن الكريم لا يزيدون عن نموذجين فقط، لا ثالث لهما، هذا التقسيم في قوله تعالى:

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[سورة الليل]

 النموذج الأول:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

 عقيدياً صدق أن الله خلق بني آدم لجنة عرضها السماوات والأرض، هذه العقيدة، أنت كإنسان مخلوق للجنة، مخلوق لسعادة الأبد، وجاء الله بك إلى الدنيا كي تدفع ثمن الجنة، جاء الله بك إلى حياة دنيا، فيها صلاة، فيها صوم، فيها حج، فيها صدق، فيها أمانة، فيها تواضع، فيها بذل، فيها عطاء، جاء بك إلى الدنيا من أجل أن تدفع ثمن الجنة، من أجل أن تُهيأ للجنة،

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

 السمة العقدية، البارزة، الأساسية في حياة المؤمن أنه مخلوق للجنة، لذلك من لوازم هذا الاعتقاد أن يبتعد عن معصية الله، اتقى أن يعصيه، اتقى أن يغضبه، اتقى أن يخرج عن منهجه، اتقى أن يكذب، اتقى أن يخون، اتقى أن يؤذي عباد الله، صدق بالحسنى، واتقى، وبنى حياته على العطاء.

 

الفرق الصارخ بين المؤمن و غير المؤمن :

 أخواننا الكرام، الفرق الكبير الصارخ النموذجي، يكاد يكون الأوحد بين المؤمن وبين غير المؤمن أن غير المؤمن يسعده أن يأخذ كل شيء، بينما المؤمن يسعده أن يعطي، اسأل نفسك هذا السؤال المحرج، ما الذي يسعدك أن تعطي أم أن تأخذ؟ إذا كان حقاً يسعدك أن تعطي فأنت مؤمن ورب الكعبة.
 لأنه قُدم كتاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم المؤلف قدمه بهذه الطريقة، قال: "يا من جئت الحياة، فأعطيت ولم تأخذ، يا من قدست الوجود كله، ورعيت قضية الإنسان، يا من زكيت سيادة العقل، ونهنهت غريزة القطيع، يا من هيأك تفوقك لتكون فوق الجميع، فعشت واحداً بين الجميع، يا من كانت الرحمة مهجتك، والعدل شريعتك، والحب فطرتك، والسمو حرفتك، ومشكلات الناس عبادتك".
 المؤمن يسعده أن يعطي، ولأنه موقن أنه خلق للجنة فالعطاء الذي يقدمه ثمن الجنة.

﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

[ سورة البقرة]

 ينفق من علمه، من خبرته، من مكانته، من جاهه، من ماله، ينفق كل شيء، موقفه الأساسي هو العطاء، هذا الصنف الأول،

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾

 عقيدياً صدق أنه مخلوق للجنة، السلوك السلبي اتقى أن يعصي الله، امتناع، لم يكذب، لم يخون، لم يزنِ، لم يسرق، لم يغتب، السلوك الإيجابي العطاء، من ماله، من وقته، من جهده، من خبرته، لا تنسَ هذا المقياس، ما الذي يسعدك أن تعطي أم أن تأخذ؟ إن كان الذي يسعدك أن تعطي فأنت مؤمن ورب الكعبة، أما إذا كان يسعدك أن تأخذ وألا تعطي فهذه صفة من شرد عن الله، أما إذا كنت تعطي وتأخذ، فلابأس، تعطي وتأخذ، هذا الصنف الأول.

 

المؤمن يسعده أن يعطي لأنه موقن أنه خلق للجنة :

 الرد الإلهي:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾

[ سورة الليل]

 الله عز وجل يتولاك، يسيرك إلى الجنة، إلى جنة عرضها السماوات والأرض، يتولى تربيتك، يتابعك، يقدم لك كل شيء، يزيدك إيماناً، آمنت بالله فزادك إيماناً، هذه العقيدة، والسلوك السلبي الاستقامة، الامتناع، السلوك الإيجابي العطاء، هذا كلام جامع مانع، هؤلاء هم المؤمنون آمنوا بالجنة، واتقوا أن يعصوا ربهم، و بنوا حياتهم على العطاء، الرد الإلهي، الجواب الإلهي، الجزاء الإلهي:

﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾

 ييسر لك عملاً شريفاً، وزوجة طاهرة، وأولاداً أبراراً.

 

2 ـ و رجل غفل عن الله فتفلت من منهجه وأساء إلى خلقه فهلك في الدنيا والآخرة :

 الصنف الثاني:

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾

[سورة الليل الآية: 8]

 بنى حياته على الأخذ، بخل واستغنى عن طاعة الله، لم يستقم.

﴿ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

[سورة الليل ]

 بالجنة، قال: الدنيا هي الجنة، الغني هو في جنة، المال هو كل شيء، اللذائذ هي كل شيء، المتع هي كل شيء،

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

 عكس الأول، عقيدياً آمن بالدنيا، وكذب بالآخرة، السلوك السلبي لم يمتنع، بل أكل المال الحرام، واعتدى على أعراض الناس، وتطاول، واستكبر، وأخذ ما ليس له، وأما السلوك الإيجابي أخذ ولم يعطِ، بنى مجده على أنقاض الناس، بنى عزه على ذلهم، بنى غناه على فقرهم، بنى قوته على ضعفهم، بنى كبرياءه على إذلالهم، هذا شأن الكافر، شأن المشرك، الرد الإلهي:

﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾

[ سورة الليل ]

 لشقاء الدنيا، وعذاب الآخرة، هاتان الآيتان فيهما تقسيم دقيق لأهل الأرض، والله الذي لا إله إلا هو أتمنى ألا تعتمدوا تقسيماً آخر، في القرآن الكريم البشر على هاتين الزمرتين.

 

الحكمة من تقوية المؤمنين تارة و الكفار تارة أخرى :

 لذلك:

﴿ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ ﴾

((لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له ))

[أخرجه أبو يعلى عن أنس بن مالك]

﴿ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾

 كيف؟ الآن هذا كلام الخبير، كلام خالق السماوات والأرض، هذا كلام رب العالمين.

﴿ كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ﴾

 أي يتمكنوا منكم، الله عز وجل يقول:

﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾

[ سورة آل عمران الآية: 140]

 كان من الممكن أن يجعل الله المؤمنين أقوياء إلى أبد الآبدين، عندئذٍ يظهر النفاق في الأرض من أجل المصالح، وكان من الممكن أن يكون الكفار هم الأقوياء، كالحال اليوم، وعندئذٍ يضعف الإيمان، لكن شاءت حكمة الله أن يقول هذه الآية:

﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾

 مرة يكون المؤمنون أقوياء، ومرة كما هي الحال اليوم المؤمنون ضعفاء، هذه حكمة الله عز وجل،

﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾

 لذلك:

﴿ كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ﴾

 أن يتمكنوا منكم، أن يملكوا القوة،

﴿ كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلّاً وَلَا ذِمَّةً ﴾

 يتابعون، يدرسون، يتقصون أي خطأ من المؤمنين، أي تجاوز، أي تقصير، يُكبر، ويُشهر،

﴿ كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ﴾

 يتمكنوا منكم، يكونوا أقوياء عليكم،

﴿ كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلّاً وَلَا ذِمَّةً ﴾

 لك أن تقول: نظرتُ، اطلعتُ، رأيتُ، حدجتُ، لمحتُ، أما أرقبكم؟ أتابع حركة كل واحد منكم، أعلى درجة من التدقيق المراقبة، كمراقب الامتحان، وجد يده في جيبه، هناك مشكلة، وجد معه ورقة ثانية، هناك مشكلة، يرقبوكم، يتابعوا كل حركاتكم وسكناتكم.

 

بناء الطرف الآخر مجده على أنقاض الشعوب :

﴿ كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلّاً وَلَا ذِمَّةً ﴾

 الإل هو اللمعان، الضياء الشديد للعين، الإل هو الصوت العالي للأذن، حينما يرقبوكم

﴿ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلّاً ﴾

 لا صوت ينهاهم عن العدوان عليكم، ولا وميض، ولا كلام ينهاهم عن العدوان عليكم، ولا أي عامل آخر.
 مثلاً: رجل قوي يضرب طفلاً صغيراً، نقول له: صغير! يضربه، أنت كبير! يضربه ابن أخيك! يضربه، جارك! يضربه، ماذا فعل؟ يضربه، لا يرتدع لا بمبادئ، ولا بقيم، ولا بموقف إنساني، ولا بموقف وطني، يريد أن يأخذ كل شيء، يريد أن يبني مجده على أنقاض الناس.
 لذلك هؤلاء الذين استقطبوا الأرض في بعض البلاد قتلوا ثلاثمئة مليون إفريقي، بلاد الحرية، التي تدعي الحرية بتاريخها، تاريخها وصمة عار، قتلوا ثلاثمئة مليون زنجي، استقدموهم من إفريقيا وقتلوهم حينما عصوا أمرهم، لو قرأت التاريخ الحديث لوجدت شيئاً لا يحتمل.
 لذلك:

﴿ كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلّاً وَلَا ذِمَّةً﴾

 ومضة واحدة: مسؤول كبير جداً من دولة عظمى زار المنطقة، ببرنامج زيارته أربع بنود: دمشق، تل أبيب، رام الله، زيارة أسرة الأسير الإسرائيلي الوحيد، وأحد عشر ألفاً وثمانمئة أسير لنا عندهم، لم يخطر في باله أن يختار أسرة واحدة ليزورها، لا يوجد عهد، ولا منطق، و لا شعور إنساني، هؤلاء الأسرى بشر، لهم آباء، لهم أمهات، تشعر كأن المسلم لا شيء، ليس له حق أبداً، يموت إنسان تقوم الدنيا ولا تقعد.
 مثل آخر: فتاة بأمريكا بنيويورك ارتدت ثياب السحاقيات، والسحاق محرم في كل الشرائع السماوية، بل وفي القوانين الأرضية، أي شذوذ، يبدو أن مدير المدرسة على بقية مروءة فطردها، أقام والدها دعوى على إدارة المدرسة فحكم له القاضي بمبلغ كبير، تعليل الحكم قال: لأنه اعتدى على حرية هذه الفتاة ، ما هذه الحرية؟!.
 فتاة في باريس، تضع على رأسها خرقة، تقوم أوربا ولا تقعد، الحجاب محرم، تقوم أوربا ولا تقعد، ماذا فعلت؟ لأنها وضعت قطعة قماش على رأسها؟ أيها الغرب، ألا تؤمنون بالحرية؟ ماذا فعلت؟ إنها تنتمي إلى دين يدين به ربع سكان الأرض؟ دين كله حشمة، وكله أدب وعفاف، أوربا بأكملها تقوم لأن فتاة صغيرة وضعت على رأسها قطعة قماش، أما التي ارتدت ثياب السحاقيات عندما طُردت من المدرسة أقام أبوها دعوى، فحكمت لها المحكمة بمبلغ كبير، لأن المدير اعتدى على حريتها، أرأيتم المكيالين؟ يكيلون بألف مكيال ومكيال.

 

الكفر بالطاغوت أساس الإيمان بالله عز وجل :

 لذلك:

﴿ كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلّاً ﴾

 الإل اللمعان، الصوت العالي، العهد، الإل القرابة، الحوار، الجوار، التحالف والحلفان، اليمين والقسم، كل شيء يدعو إلى الرحمة هو الإل،

﴿ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلّاً وَلَا ذِمَّةً ﴾

 لذلك صدقوا لا يمكن أن نؤمن بالله إلا إذا كفرنا بالطاغوت، قال تعالى:

﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾

[ سورة البقرة الآية: 256]

 بلد صغير في الشرق الأوسط، عنده مئتا قنبلة نووية، لم يتكلم أحد في الأرض كلها بكلمة، بلد آخر إسلامي يجري مفاعل لقضايا سلمية العالم كله يقوم الآن، يقوم العالم كله ولا يقعد، لا يوجد مقياس واحد، لن نؤمن بالله إلا إذا كفرنا بالطاغوت، أنا آتي ببعض الأمثلة، هناك آلاف آلاف الأمثلة، يكيدون بمكيالين، طائرة سقطت فوق دولة عربية فدفعت هذه الدولة 270مليار، بواقع خمسمئة مليون ليرة سورية لكل راكب ، دية كل راكب، ويموت كل يوم بالمئات في بلاد مستعمرة من قبل الاستعمار الغربي وكله خطأ، لماذا ثمن المواطن الغربي إذا مات بحادث واتُهمت به دولة ندفع له خمسمئة مليون، وآلاف مؤلفة، مليون قتيل بالعراق، ومليون معاق، وخمسة ملايين مشرد، ولا كلمة، كله عادي، أرأيتم؟

﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾

على المسلم أن يعتز بدينه و بانتمائه لهذه الأمة :

 ينبغي أن نعتز بهذا الدين، ينبغي أن نعتز بانتمائنا بهذه الأمة، هناك تخلف، وهناك مشكلات كثيرة، لكن لا يوجد جرائم،

﴿ كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلّاً ﴾

 الإل القرابة، والعهد، والجوار، واليمين، والقسم، والحلف، والتحالف، لا يأخذون بأي اعتبار، لا اعتبار إنساني، ولا أخلاقي، ولا وطني، ولا قومي، ولا ديني، أبداً.

﴿ كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلّاً وَلَا ذِمَّةً ﴾

 ليس عنا ببعيد حرب غزة، قضية إبادة مليون إنسان، والعالم كله متفرج.
 عُقد مؤتمر بدول أوربا في مصر، هل تصدقون؟ من قُتل في غزة؟ أطفال ونساء فقط، بأرقى أنواع الأسلحة، هذه الأسلحة صُممت لتقابل جيوش كبيرة عملاقة، لا لتقابل بيتاً صغيراً فيه أطفال ونساء، فقتل ألف وخمسمائة طفل وامرأة في حرب غزة، أوربا نادت لمؤتمر في مصر، أنا تابعت المؤتمر، التوصية الوحيدة بهذا المؤتمر، محاولة منع تهريب السلاح للمقاومة، والألف والخمسمائة طفل وامرأة أليسوا بشراً؟ سلاح متطور جداً قتل الأطفال والنساء ولا كلمة، ولا حرف، دول أوربا عقدت مؤتمراً بمصر عقب حرب غزة، التوصية الوحيدة منع إيصال السلاح إلى المقاومة، لو أنهم استنكروا قتل الصغار لابأس، استنكار، تنديد، شجب، أبداً، ولا كلمة، كأن هؤلاء المسلمين لا قيمة لهم إطلاقاً، أنا لا أقول هذا الكلام إلا من أجل أن نعتز بالله، أن نعتز بديننا، أن نعتز بهذا التاريخ العظيم الذي أكرمنا الله به.
 مرة ثانية:

﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾

العنصرية :

 أي شيء يدعو إلى الرحمة لا يؤخذ به، هؤلاء لا يحترمون أي قيمة، أما هم يرحمون شعوبهم رحمة تفوق حدّ الخيال، إذاً ليسوا إنسانيين، بل هم عنصريون، اسمعوا هذا الكلام يا أخوان، هذا كلام عام ودقيق: لمجرد أن تتوهم أن لك ما ليس لغيرك، وأن على غيرك ما ليس عليك، فأنت عنصري، بدءاً من زوج يسخر من أم زوجته، فإذا تكلمت زوجته كلمة عن أمه أقام عليها الدنيا، عنصري، وحق الفيتو بمجلس الأمن عنصري، لماذا خمس دول إن قالت: لا توقف القرار؟ نحن نعيش عصراً عنصرياً، الطرف الآخر إذا تمكنوا من المؤمنين لا يراعون قرابة، ولا عهداً، ولا حلفاً، ولا يميناً، ولا جواراً، ولا أي شيء آخر.

﴿ كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ﴾

 هذا كلام الخالق، كلام خالق البشر،

﴿ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلّاً وَلَا ذِمَّةً ﴾

 الآن الذمة بينك وبين نفسك، أحياناً تقترض مبلغاً، ولا تكتب وصلاً، المُقرض توفي و المبلغ كبير، هذا المبلغ لا يوجد شاهد عليه، ولا إيصال، ولا سند، ولا إنسان شاهده، هذا المبلغ في ذمتك، عندك شيء ليس عليه دليل، إلا قناعتك أنت، هذه الذمة، لا الصراخ الخارجي، ولا التصريحات، ولا الرجاء، ولا الاستنكار، ولا التنديد، ولا القناعة الداخلية، أحياناً الإنسان يخجل أن يأمر بشيء وأن يخالفه في عمله، يخجل أن يأمر موظفاً عنده بشيء هو يخالفه كل يوم، لا يقبل اعتراضاً خارجياً، ولا رجاء خارجياً، ولا تنديد خارجياً، ولا يستجيب إلى ذاته التي تستنكر عليه هذا العمل.

 

على الإنسان أن يكون باطنه كظاهره و سره كعلانيته :

 

﴿ كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلّاً وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ ﴾

 الحقيقة دائماً هناك أشخاص أذكياء جداً، له كلام أحلى من العسل، وله معاملة أقسى من الوحش، أحياناً تجد إنساناً في مجتمعات قمة في اللطف، والتهذيب، وفي البيت يكون وحشاً، هذا موجود بكثرة، البيت لا يوجد به رقابة، لا أحد يعترض عليه، لكن استقامتك الظاهرة خارج البيت مصالحة.

﴿ كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلّاً وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ﴾

 قال:

قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر  وقتل شعب مسلـم مسألة فيها نظر
***

 يقول: أزمة الشرق الأوسط، لا يوجد كلمة عدوان، اغتصاب فلسطين، لا، أزمة الشرق الأوسط، المصطلحات دقيقة جداً، يختارون مصطلحات حيادية، أزمة العدوان على فلسطين، جريمة اغتصاب الأرض، لا، أزمة الشرق الأوسط.

 

الربط بين الفسق و الانحراف الفكري :

 أيها الأخوة، هذا درس بليغ جداً،

﴿ يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ﴾

 يجب أن نربط بين الفسق وبين الانحراف الفكري، هناك انحراف فكري معه فسق، وهناك فسق فيه انحراف فكري، والدليل:

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾

[ سورة الماعون]

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾

[ سورة القصص الآية: 50]

﴿ كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلّاً وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ﴾

[ سورة التوبة الآية: 8]

﴿ اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة التوبة]

الخاسر من باع آخرته بعرض من الدنيا قليل :

 أيها الأخوة، هناك نقطة دقيقة جداً: أهل الدنيا الذين شردوا عن الله أخذوا من الدنيا شيئاً محدوداً جداً، وضيعوا الأبد، هم خاسرون أشد الخسارة،

﴿ اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ﴾

 أي باعوا إيمانهم وكسبوا الدنيا، والدنيا محدودة.

((أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين ))

[أخرجه أبو يعلى وابن حبان عن أبي هريرة ]

 بضع سنوات استمتع بالدنيا وضيع الآخرة، كأن إنساناً باع آخرته بعرض من الدنيا قليل، بل إن النبي الكريم بكلام بليغ قال:

((ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما أخذ المخيط غرس في البحر من مائه))

[ الطبراني عن المستورد بن شداد]

 ائتِ بإبرة، واذهب إلى ساحل البحر، واركب قارباً، وأنزل هذه الإبرة في البحر، كم علق فيها من ماء؟ تشبيه بليغ، هذا الماء الذي علق بالإبرة هو أقل من نقطة، أقل من عشر النقطة، هذه الدنيا، والآخرة البحر.

((ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما أخذ المخيط غرس في البحر من مائه))

[ الطبراني عن المستورد بن شداد]

 هؤلاء ظلموا أنفسهم، باعوا آخرتهم بعرض من الدنيا قليل، لذلك:

﴿ اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾

 أي باعوا دينهم بالدنيا، باعوا دينهم بالتفلت، باتباع بعض الشهوات، باعوا آخرتهم بسنوات محدودة،

﴿ فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

 هذا العمل سوف يسوؤهم كثيراً، كلام خالق الأكوان،

﴿ اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

﴿ لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلّاً وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ﴾

[ سورة التوبة]

الغبي من ضيّع آخرته بدنياه :

 قد يقول أحدكم: المعنى تكرر، مرة:

﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ﴾

 على أنفسهم، لما باعوا دينهم، وأساؤوا للمؤمنين، وبنوا مجدهم على أنقاض المؤمنين، ولم يعبؤوا لا بعهد، ولا بوعد، ولا بقيمة، ولا بحياء، ولا برحمة، لما باعوا آخرتهم بدنياهم، الآن اعتدوا على من؟ على أنفسهم،

﴿ اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَا يَرْقُبُونَ ﴾

  عهداً، ميثاقاً، رحمةً، خجلاً، حياءً

﴿ وَلَا ذِمَّةً ﴾

 ولا بدافع ذاتي، ولا بدافع خارجي، ولا بضغط خارجي، ولا بصراخ، ولا برجاء، ولا بتنديد، ولا بتأنيب، ولا يستجيبون لا بضغط خارجي، ولا بوازع إنساني،

﴿ لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلّاً وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ﴾

 هذه المرة على أنفسهم.
 إنسان أمضى حياته بالمعاصي والآثام، هذه الأيام مضت، بقيت تبعات أعماله، إنسان آخر أمضى حياته بالطاعات، هذه الأيام الصعبة مضت بقي ثواب هذه الأعمال، شيء دقيق جداً الأعمال الصالحة، تنتهي أعباؤها وتبقى خيراتها، والأعمال السيئة تنتهي لذائذها وتبقى تبعاتها.
 أحياناً إنسان يرتكب جريمة، يأخذ سرقة كبيرة، بعد القبض عليه انتهت حياته، لم يستفد من هذه الجريمة شيئاً، لذلك تعلمنا في الجامعة أن المجرمين يصنفون مع الأغبياء، المجرم غبي، ومن يتبع الدنيا أيضاً غبي آخر، ضيع آخرته بدنياه، هناك إنسان آخر أشد غباء، من هو؟ الذي يضيع آخرته بدنيا غيره، يعمل أعمالاً كلها منحرفة إرضاء لإنسان، ضيع آخرته، من المنتفع من هذا العمل؟ غيره.
 لذلك قالوا: الذنب شؤم على غير صاحبه، فكيف على صاحبه؟.

﴿ اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

 هذه الأعمال سوف تسوؤهم

﴿ لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلّاً وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ﴾

 ومع كل هذه الجرائم، ومع كل هذه التجاوزات، ومع كل هذا الطغيان:

﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة التوبة]

 هذه رحمة الله، هذه في الدرس القادم إن شاء الله .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018