الدرس : 22 - سورة البقرة - تفسيرالآية 40 ، الانسجام بين القول والفعل - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 22 - سورة البقرة - تفسيرالآية 40 ، الانسجام بين القول والفعل


1998-12-25

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثاني والعشرين من دروس سورة البقرة.

هذه الآيات تعطيك في مضمونها ومحورها ثمن الجنة إن وفَّيت بعهد الله تعالى:

 مع الآية الأربعين وهي قوله تعالى :

﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) ﴾

 وقال:

﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ (40) ﴾

 هذا جواب الطلب:

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ (152) ﴾

 

( سورة البقرة)

 وقال:

 

﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾

( سورة محمد: الآية " 7 " )

 مثل هذه الآيات تعطيك في مضمونها ومحورها ثمن الجنة إن وفَّيت بعهد الله عز وجل. أي إذا ضحيت ببعض حريتك ؛ سمح لك أن تأكل، وأن تشرب، وأن تتزوج، وأن تفعل كل شيء وفق منهج، وفق قنوات نظيفة.

إذا ضحى المؤمن ببعض حريته لزمن محدود ينعم بالجنة إلى الأبد فهي عملية تجارية :

 الكافر متفلِّت يفعل ما يشاء، المؤمن منضبط، الكافر يأكل ما يشاء، يشرب ما يشاء، يلتقي مع من يشاء، ويجلس مع من يشاء، المؤمن عنده حدود، إذاً بماذا يضحي الإنسان عندما يستقيم ؟ يضحي ببعض حريته، يضحي ببعض حريته لزمنٍ محدود لينعم بجنةٍ عرضها السماوات والأرض إلى أبد الآبدين، فهي عملية تجارية، رأسمالك صغير جداً والربح كبير جداً، الرأسمال أن تنضبط لبضعة سنوات والسعادة إلى الأبد، قال تعالى:

﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي (40) ﴾

 في طاعتي:

﴿ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ (40) ﴾

 بالجنة:

﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾

( سورة محمد: الآية " 7 " )

 في الدنيا والآخرة:

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ (152) ﴾

( سورة البقرة)

لو حَكَّمَ الإنسان عقله يجد الثمن قليلاً جداً والمبيع كبيراً جداً:

 كأن الله عزَّ وجل يريد أن نربح عليه:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) ﴾

( سورة الصف)

 تجارة ؛ لك رأس مال، ولك ثمن مبيع، والفرق كبير جداً، رأسمالك:

﴿ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(11)يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(12) ﴾

( سورة الصف)

 أي لو حَكَّمَ الإنسان عقله يجد الثمن قليلاً جداً والمبيع كبيراً جداً، فالله عزَّ وجل يقول :

﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ (40) ﴾

 أما ترضى أن تعيش في الدنيا منضبطاً بعض الشيء ؟ الحرام حرام، والحلال حلال، لا يوجد شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة، وفق منهج واضح، الكافر يفعل كل شيء، لأنه متفلت أساساً، أما المؤمن فهو إنسان منضبط، الإيمان قيده ؛ هذه حرام، هذه تجوز، وهذه لا تجوز، قال لك:

﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ (40) ﴾

في التعامل مع الله سبحانه لا يتناسب العطاء مع الثمن لأن الربح مع الله مضاعف:

 ادفع ثمن الجنة وادخل إلى الجنة متنعماً إلى أبد الآبدين، طبعاً لو ذكرنا الآيات المشابهة:

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ (152) ﴾

( سورة البقرة)

 وقال:

﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ (40) ﴾

 وقال:

﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾

( سورة محمد: الآية " 7 " )

 لا يتناسب العطاء مع الثمن إطلاقاً، بون كبير، الإنسان في العادة يربح بالمئة عشرة، عشرين، ثلاثين، أو أربعين، أما بالمئة مئة يقول لك: هذه هي التجارة، إذا بالمئة مليار، إذا بالمئة ألف مليار، إذا بالمئة مليار مِليار مليار إلى أن ينقطع النفس، هكذا الربح مع الله عزَّ وجل.

الله عزَّ وجل هيَّأَ لك جنة يسعدك فيها لا بقدر طاقاتك بل بقدر قدرة الله عزَّ وجل:

 أيها الأخوة، أرى أن أذكى الأذكياء وأعقل العقلاء هو الذي يتاجر مع الله، من هو أغبى الأغبياء بالمقابل ؟ الذي يشتري بآيات الله ثمناً قليلاً، بالعكس باع الآخرة من أجل المال، مهما كان هذا المال سينتهي عند الموت، كسب مالاً حراماً وضيَّع آخرته، فمن أجل امرأة ضيَّع آخرته، ومن أجل مكانة مؤقتة لا تدوم ضيع آخرته، أحمق الحمقى، وأغبى الأغبياء، وأخسر الخاسرين، هؤلاء الذين يبيعون الأبد بدنيا محدودة، بدنيا قليلة، الله عزَّ وجل يقول:

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾

( سورة النساء: آية " 77 ")

 دقق في كلام الله

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾

 أي مهما كنت متنعماً فيها، يتنعم الإنسان في الدنيا بحسب قدراته، لو معك ألفْ ألف مليون، وأردت أن تأكل، ماذا تستطيع أن تأكل ؟ أوقية لحمة، أوقيتين، أكثر لا تستطيع، مهما كنت غنياً الاستمتاع بالحياة محدود بقدر طاقاتك، لكن الله عزَّ وجل هيَّأَ لك جنة يسعدك فيها لا بقدر طاقاتك بل بقدر قدرة الله عزَّ وجل، فهذه فكرة دقيقة كثيراً، أنت بالدنيا وجدت تفاحاً جيداً، أكلت تفاحة كبيرة، أكمل والله لا أقدر، طيبين، والله لا أقدر، طعمتهم طيبة، والله اكتفيت، ولا أقدر أن أزيد، فعندك سقف بكل شيء، بكل شيء من دون استثناء ؛ الزواج، الأكل، الشرب، السفر، حتى بالثياب تلبس بذلة واحدة، وتستعمل سريراً واحداً، تأكل وجبة واحدة، هناك سقف، ولك حدود، تستمتع في الدنيا بقدر طاقاتك المحدودة، لكن ما قولك بالآخرة:

﴿ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى ﴾

( سورة النحل: آية "60" )

 من باب التمثيل، تأكل مليار تفاحة، تأخذ طعمها، تستمتع بطعمها على طول دون أن تدخل إلى جوفك، فلكل الشهوات حد لا تستطيع أن تكمل بعده، ولكنك بالآخرة وفي الجنة تستمتع لا بقدر قدراتك المحدودة في الدنيا بل بقدر قدرات الله في الآخرة، فالله عزَّ وجل خلقك لجنةٍ عرضها السماوات والأرض.

 

لا يزهد في الجنة إلا أحمق ولا يسعى إليها إلا عاقل:

 والله أيها الأخوة، لا يزهد في الجنة إلا أحمق ولا يسعى إليها إلا عاقل، والإنسان طموح، من هو الزاهد ؟ الزاهد هو الذي زهد في الآخرة، المؤمن في الدنيا طموح جداً لأنه يسعى إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض فيها مالا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فهذه الآيات:

﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ (40) ﴾

 وقال:

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ (152) ﴾

( سورة البقرة)

 إذا ذكرك الله، فهل نال إنسان في الأرض عزاً كرسول الله ؟ ليس هناك على الإطلاق، اذهب إلى المدينة، قف أمام قبره في أيام الحج تجد ملايين كثيرة من شتى بقاع الأرض يقفون أمامه ويبكون، وقد مضى على وفاته ألفٌ وخمسمئة عام تقريباً، ماذا ترك ؟ الله تعالى قال:

﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾

( سورة الشرح )

 إذا الله رفع ذكرك:

((يا ابن آدم! إن ذكرتني في نفسك؛ ذكرتك في نفسي، وإن ذكرتني في ملأ؛ ذكرتك في ملأ من الملائكة (أو قال: في ملأ خير منه) ))

[البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة]

المؤمن محسوب على الله أما غير المؤمن محسوب على بشر:

 بصراحة يا أخواننا الكرام، لا يليق بالمؤمن إلا أن يتعامل مع الله، ولا يليق بك أن تبيع نفسك لغير الله، ولا يليق بك أن تُجَيَّرَ لغير الله، ولا يليق بك أن تكون محسوباً على غير الله، هناك عالم توفي رحمه الله أجرى عملية جراحية بلندن، فلما سألوه بالإذاعة البريطانية: ما هذه المكانة الكبيرة التي حباك الله بها ؟ فلم يجب إجابة دقيقة، فلما ألحوا عليه بالسؤال، قال: " لأنني محسوبٌ على الله ". المؤمن محسوب على الله، أما غير المؤمن محسوب على بشر، فكل إنسان يكون لغير الله فقد احتقر نفسه، لم يعرف قدره، أنت لله، فالمؤمن لا ينافق، ولا يزوِّر، ولا يتكلم كلاماً لا يقتنع به، المؤمن رجل حق وصدق، إذاً:

﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ (40) ﴾

 وقال:

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ (152) ﴾

( سورة البقرة)

 وقال:

﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾

( سورة محمد: الآية " 7 " )

 ينتظر الله منك هذه المبادرة، أن تقترب، وأن تتحرك، وأن تعمل شيئاً لكي يعطيك كل شيء، الثمن دائماً يتناسب مع المبيع إلا مع الله لا يتناسب، سنوات معدودة ؛ تأكل، وتشرب، وتتزوج، وتعمل، وتنام، وتستريح، لكنك تصلي خمس صلوات، تغض بصرك، وتنفق جزءاً من مالك، بالمئة اثنين ونصف للزكاة، وتعمل أعمالاً ضمن حركتك المحدودة جداً، هذه الأعمال المحدودة هي ثمن الجنة، ثمن جنة عرضها السماوات والأرض.

﴿ قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) ﴾

( سورة يس)

 لذلك قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَوْ عَلِمْتُمْ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً ))

[أحمد عَنْ أَبِي ذَرٍّ]

الدنيا دار من لا دار له ولها يسعى من لا عقل له:

 سلطان العارفين إبراهيم بن الأدهم كان ملكاً، وترك المُلك زهداً به، وصار عارفاً بالله، قال كلمة ـ هو وحده يصدق لأنه كان ملكاً ـ قال: " لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف "، لأنه كان ملكاً وصار عارفاً بالله وحده مصدق، لو قالها غيره لقيل له: هل صرت ملكاً لكي تتكلم بهذا الكلام ؟ أما هو كان ملكاً، قال: " لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف ".
 يا أيها الأخوة الكرام، الدنيا لا قيمة لها ؛ تغر وتضر وتمر، الدنيا دار من لا دار له، ولها يسعى من لا عقل له، ولو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء، من يضحك أخيراً يضحك كثيراً.

﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) ﴾

( سورة المطففين)

 الآن الكفار أقوياء، متغطرسون، عندهم عجب، عندهم كبر، وعندهم شعور بالتفوق، وأن العالم كله تحت سيطرتهم، وأنهم يحطمون ويضربون أي مكان:

﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) ﴾

( سورة المطففين)

 وقال:

﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) ﴾

 وقال:

﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) ﴾

( سورة المطففين)

المؤمن هو من يخاف بعقله:

 أخواننا الكرام، لا يمكن لإنسان يخاف الله أن يخيفه الله من عبد أبداً، إذا كنت تخاف الله أَمَّنَكَ، أما إذا لم تخف الله أخافك من أضعف خلقه:

﴿ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) ﴾

 يملك الإنسان بالدنيا حرية اختياره، ما معنى مخيَّر ؟ أي لك أن تفعل كل شيء، لك أن ترتكب المعاصي كلها إلى أمد منظور دون أن يصيبك شيء، هذا الاختيار، فيمكنك أن لا تصلي، وألا تصوم، وأن تفعل كل الموبقات من غير أن يحدث لك شيء ؛ القلب منتظم، والضغط منتظم، وكل الأجهزة تامة، وأنت في كل المعاصي والآثام هذا الاختيار، اعملوا ما شئتم، كل شيء بحسابه، أما هذا الذي يخشى الله بالغيب فهو المؤمن، طبعاً كل إنسان يخاف بعينه، وإذا خاف الإنسان بعينه هبط إلى مستوى الحيوان، أما الإنسان الراقي فيخاف بعقله، الذي يخاف بعقله هو المؤمن، الدنيا ليس فيها أية فوارق، تجد الكافر هذه الأيام مثل المؤمن، مثل الفاسق، مثل الفاجر، كلهم في البيوت يأكلون ويشربون، لكن المؤمن خائف من يوم القيامة فتجده مستقيماً، الكافر يعيش لحظته، وهذا الأحمق يعيش لحظته فقط لا يفكر في المستقبل، قال لهم:

﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ (41) ﴾

كل شيء ثمين يجب أن تعرف قيمته كآيات الله سبحانه:

 صار أحد اليهود صحابياً جليلاً اسمه عبد الله بن سلاَّم يقول: والله حينما رأيت رسول الله عرفته كما أعرف ابني، بالمناسبة أوضح معرفـة، وأقوى معرفة، وأسرع معرفة، أوضح، وأقوى، وأسرع هي معرفة ابنك، لا يوجد أب بالأرض إذا رأى ابنه يقول له: أنت ما اسمك ؟ هذا مستحيل، هذه ليست واردة على الإطلاق، ابنه، قال الله:

﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾

( سورة البقرة: آية " 146 " )

 لأن أوصاف النبي جاءت في التوراة والإنجيل دقيقة يقول: " والله إني لأعرفه أنه رسول الله كما أعرف ابني " ، هذا ابن سلام قد آمن برسول الله، قال الله تعالى:

﴿ وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) ﴾

 هذه الآية في الحقيقة مخيفة، مرة اقتنيت كتاباً فوجدت فيه أربعة أدعية، لما قرأت هذه الأدعية والله اقشعر جلدي، أول دعاء: " اللهم إنـي أعوذ بك أن يكون أحد أسعد بما علمتني منِّي ".
 إنسان يتاجر بالدين ؟! يجعل الدين تجارة ؟ هو ليس ملتزماً، ولا مطبقاً، ولا منضبطاً، ولا طائعاً ؛ ويدعو الناس إلى الطاعة، والالتزام، والتطبيق، هذا أشقى إنسان، هذا اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً. حتى أوضِّح لكم الأمر تماماً: هل من الممكن أن يشتري أحد ما سبيكة ذهب وزنها كيلو غرام يعملها مجرفة بالبيت ؟ هل من المعقول أن تجعل هذه المادة الثمينة الغالية أداة رخيصة بالبيت ؟ هل من الممكن أن تشتري كمبيوتراً غالياً جداً فتعمله طاولة ؟ أنت اشتريت به ثمناً قليلاً، هل من الممكن أن تستخدم لإشعال المدفئة ورقة من فئة الألف ليرة مثلاً ؟ أهذا معقول ؟ فكل شيء ثمين يجب أن تعرف قيمته.

 

الدين هو منهج الإنسان للوصول إلى الجنة وعلى الإنسان ألا يتاجر به:

 هذا الدين منهج الإنسان للوصول إلى الجنة، هل من الممكن أن أتاجر فيه ؟ قال الإمام الشافعي: " والله لأن أرتزق بالرقص أهون من أن أرتزق بالدين" ، دع الدين بالعلياء، دعه صافياً، دعه بعيداً عن وحل الأرض، إذا أردت الدنيا فللدنيا أسبابها، أما الدين فلا تجعله في الوحل أبقه في السماء، هذه الآية دقيقة جداً:

﴿ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) ﴾

 يمكن للإنسان أن يتاجر بالدين، يمكن أن يستخدم القرآن لمصالحه، ويمكن أن يستخدم العلوم الدينية لمصالحه، ولكن هذا الإنسان هو أشقى الناس .
 بالمناسبة: إذا لعب الإنسان بدين الله يفرمه الله فرماً، فهذا الدين دين الله عزَّ وجل لا تقربه بسوء، فإذا أراد الإنسان أن يتاجر به، أو أن يُضِل الناس، فالله كبير وعقابه أليم وشديد.
 ادعى شخص من الباكستان النبوَّة، وقال: " خاتم الأنبياء ليس معناه أنه آخر الأنبياء، أي أن كلامه يصدِّق من يأتي بعده "، وادَّعى أنه نبي، وكانت هناك جائحة كبيرة جداً من مرض الكوليرا بالباكستان، وزعم أنه لن يُصَاب بالكوليرا لأنه نبي، فالذي حدث أنه أُصيب بالكوليرا ومات داخل المرحاض، أي أن الله عزَّ وجل فضحه:

﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ(44)لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ(45)ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ(46)فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ(47) ﴾

( سورة الحاقة )

 لمجرَّد أن يتاجر الإنسان بالدين يفضحه الله، ويذلَّه، ويكشفه للناس، فإيَّاك أن تقترب من هذا الدين العظيم بسوء، هذا اتركه لله، هذا اخدمه ولا تحاول أن تعيش على أنقاضه، ولا تطعن بأهل الحق، سبحان الله الناس لا يحلو لهم شيء إلا الطعن بأهل الحق، لأنه نوع من عدم التوازن، معه عدم توازن، فأنت من الممكن إذا لم يكن لديك توازن أن تستعيد توازنك بطاعة الله، أن تستعيد توازنك بالإقبال على الله، أما أن تستعيد توازنك بتحطيم المؤمنين !! فهذا عمل قذر ولا يليق بالإنسان أن يفعله.

 

لا بدَّ من أن يمتحن الله عزَّ وجل الإنسان والمؤمن هو الذي ينجح في الامتحان:

 قال تعالى:

﴿ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً (41) ﴾

 أي أن أحدهم باع نفسه لله لسنوات محدودة فكان الثمن الجنة، الآن بالعكس، باع الجنَّة واشترى بها الدنيا.
 بالمناسبة: لا بدَّ من أن يمتحن الله عزَّ وجل الإنسان، يضعه أحياناً أمام خيار صعب ؛ إما الآخرة أو الدنيا، إما أن ترضي الله، وإما أن تأتيك المصالح تماماً، فالإنسان قلَّما ينجو من امتحان صعب، قلَّما ينجو من ابتلاء، قلَّما ينجو من خيار صعب، إنه أمام مفترق طرق، فالمؤمن هو الذي ينجح في الامتحان، معاذ الله، سأضرب لكم أوضح مثل: طبيب ناشئ، أي عنده مشوار طويل، لا يوجد معه شيء ؛ لا بيت، ولا عيادة، ولا شيء، يعمل طبيباً في قرية، قُتِل إنسان وكانت الجريمة مُحْكَمَة، وقالوا له: خذ عشرة ملايين واكتب وفاة طبيعيَّة، إنه يحِل كل مشاكله بهذه الملايين، هذا المقتول معه مئتا مليون ضحَّى القاتل بعشرة ملايين، فإذا كتب الطبيب وفاة طبيعيَّة ماذا فعل ؟ اشترى بدينه ثمناً قليلاً، هناك أشخاص لو وضعت له مال قارون لا يخالف قناعاته إطلاقاً، هذا هو المؤمن إنه رجل مبدأ.
 سمعت قصَّة منذ يومين من أخ كريم وحكيتها بعد صلاة الفجر وهي: أن هناك أسرة على وشك الموت من الجوع، الأب مُقعَد، والأم تخدمه، والأولاد صغار، وليس لديهم أي دخل، والجوع شديد جداً، ذهب أحد الأولاد إلى الفرن ليشتري خبزاً فرأى شخصاً يحمل كميَّة كبيرة من اللحم، تقارب خمسة كيلو، فقال للفران: أريد صفيحة، ولما سأله: متى أحضر لأخذهم ؟ قال له: تعال الساعة الواحدة والنصف، خطر في بال هذا الولد أن يحضر الساعة الواحدة والربع ويأخذ الصفيحة لأهله، قال له: أعطنا الصفيحة، لم ينتبه الفرَّان إليه، وأعطاهم له، دخل إلى البيت فقالت له أمه: يا ماما هذا لا يجوز، هذا الطعام ليس لنا، لبست وأخذت ابنها واعتذرت من الفرَّان، وقالت له: جاؤونا خطأً، وأرجعتهم، الله عزَّ وجل كافأهم، فصاحب الطعام عرف بالقصَّة وجاء إلى هذا البيت ولم يترك شيئاً ينقصه أبداً، أكمله تماماً، القضية قضية قِيَمْ، قضية أن تعرف الله، أن تخشى الله.

 

أخطر إنسان هو الذي يُفتي بخلاف ما يعلم:

 هنا المؤمن يظهر في الدنيا:

﴿ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42)﴾

 هناك طُرْفَة، أحد سماسرة البيوت دخل وصلَّى العشاء باتجاه الشمال، ليوهمهم أن هذا البيت اتجاهه قبلي، فمن أجل أن يبيع البيت باع دينه، من أجل أن يبيع هذا البيت باع دينه كلَّه، وهذا يحدث كل يوم، طبعاً هذا مثل حاد، يمكن لإنسان أن يحلف يمين كذب، أو أن يشهد شهادة زور، ممكن لمصلحة مُعَيَّنة أن يستعصي في بيت قد استأجره، ويقول لك: أنا القانون معي، أي أنه باع دينه بعرضٍ من الدنيا قليل، هذا معنى:

﴿ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً (41) ﴾

 بالمناسبة: أحياناً يفتي الإنسان فتوى فيأخذ ثمنها باهظاً، ولكنها فتوى باطلة، لذلك أخطر إنسان هو الذي يُفتي بخلاف ما يعلم، الذي يُفتي وهو لا يعلم مُحاسَب، أما الذي يُفتي بخلاف ما يعلم هذا اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً، أنت تفاجأ أن لكل معصية فتوى، الآن في العالَم الإسلامي أيّ معصية لها فتوى كاملة، فلا توجد مشكلة، ولكن لم يبق شيء في الدين، إذا كان الربا مسموحاً، فتوى رسميَّة ، إذا كان هذا مسموحاً، وهذا مسموح، فما الذي بقى محرَّماً ؟!

 

وجود كتب كثيرة همّها تشويه الدين:

 قال تعالى:

﴿ وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42)﴾

 العمليَّة عمليَّة تزوير، الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمورٌ مشتبهات، يأتي المنافق ويجمع شيئاً من الحق وشيئاً من الباطل كيف ؟ يقول لك: يا أخي الله عزَّ وجل قال:

﴿ لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً ﴾

( سورة آل عمران: آية " 130" )

 معنى هذا ـ حسب مفهومه ـ إذا أخذ الإنسان أضعافاً قليلة فهو ليس مؤاخذاً، دخل من الباب:

﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ(99) ﴾

( سورة الحجر)

 أنا تيقَّنت والحمد لله، إذاً انتهت العبادة، فيُحضر آيات، ويُحضر أحاديث، توجد كتب كثيرة همها تشويه الدين، الآن قراءة معاصرة للقرآن الكريم، السلوك الإباحي مغطَّى بكل آيات القرآن الكريم ، إذا قرأ الواحد الكتاب لا يوجد فيه شيء حرام أبداً، يمكن للفتاة أن يراها أبواها كما خلقها الله، بنص الكتاب، هذه قراءة معاصرة !! ألم ينتبه العلماء القُدامى إلى هذه النقطة ؟! فهناك من يستخدم القرآن، ومن يستخدم السُنَّة، ومن يستخدم الدين لأهداف معيَّنة:

﴿ وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) ﴾

الازدواجيَّة أخطر شيء يصيب أهل الدين:

 هذا الذي يُفتي بخلاف ما يعلم، هذا الذي يسكت عن الحق إرضاءً لجهةٍ ما، لذلك قال الله عزَّ وجل :

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلا اللَّهَ ﴾

(سورة الأحزاب: آية "39 ")

 ذكر الله عزَّ وجل بهذه الآية صفة واحدة، وهذه الصفة جامعة مانعة، هذا الذي يدعو إلى الله إذا خشي غير الله فتكلَّم بالباطل إرضاءً له، وإذا خشي غير الله سكت عن الحق إرضاءً له، سكت عن الحق ونطق بالباطل ماذا بقي من دعوته ؟ انتهت دعوته، هذه أخطر صفة للداعية أن لا يخشى إلا الله:

﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ (44) ﴾

 هذا أخطر شيء بالدعوة، وأخطر شيء يصيب أهل الدين الازدواجيَّة، أي هناك نصوص وهناك طقوس وعبادات، أما المعاملة فهي شيءٌ آخر، عندما تنفصل المعاملة عن العبادة انتهى الدين، يوجد في الدين عبادة تعامليَّة، وعبادة شعائريَّة، وهما متكاملتان، والعبادة الشعائريَّة لا قيمة لها إلا بالتعامليَّة، فإذا ألغينا التعامليَّة ألغينا الدين كلَّه، هنا:

﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) ﴾

المُثُل العُليا تشدُّ الناس إلى الدين أما الكلام فلا يؤثِّر:

 لو سألتني لماذا تألَّقت دعوة هؤلاء الأنبياء العِظام ؟ ولماذا سارت دعوتهم في الآفاق ؟ لأنهم طبَّقوا. كان هناك عهد لسيدنا رسول الله مع اليهود أن يأخذ نصف تمرهم في خيبر، فكلَّف سيدنا ابن رواحة ليقدِّر التمر، فذهب إليهم، خطر في بالهم أنهم إذا أعطوه هديَّةً ثمينةً قد يخفَّض التقييم، فجمعوا له من حلي نسائهم حلياً كثيراً وقدَّموها له، أن ارْأف بنا أي التمسنا، فقال: " والله جئتكم من عند أحبِّ الخلق إليَّ، ولأنتم أبغض خلق الله إليَّ "، وهناك رواية: " لأنتم كالقردة والخنازير عندي ومع ذلك ما كنت لأحيف عليكم، وهذا الذي تعطونني إياه هو سُحتٌ، ونحن لا نأكل السُحت "، فقال اليهود: " بهذا قامت السماوات والأرض، وبهذا غلبتمونا "، أي إذا بقي الدين صلاة وصوماً فقط وكل شيء مُباح انتهى الدين، ولكن يجب أن تجد الدين في التعامل اليومي، عاهد أحد الصحابة الكفار في أثناء الهجرة ألا يقاتلهم، وعندما وصل النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره فرح به، بعد حين سار رسول الله في غزوة فنسي هذا الصحابي وأحب أن يخرج مع الصحابة للغزوة عليهم رضوان الله، فقال له صلى الله عليه وسلم: " ارجع أنت ألم تعاهدهم ؟ ":

﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) ﴾

 لذلك يتعلم الناس بعيونهم لا بآذانهم، ولغة العمل أبلغ من لغة القول، والذي يشدُّ الناس إلى الدين المُثُل العُليا، أما الكلام فلا يؤثِّر، الكلام لا يُحرِّك ساكناً، جاء الأنبياء بالكلمة فقط، ولكن بالكلمة التي يؤكِّدها الواقع، فلو سألتني: ما سر نجاح دعوة الأنبياء، وإخفاق دعوة الدعاة في أيامنا ؟ لأنه لا توجد عند النبي ازدواجيَّة أبداً، فالذي قاله فعله، والذي فعله قاله، فالانسجام تام بين أقواله وأفعاله، ينبغي على المؤمن أن تكون سريرته كعلانيَّته، وظاهره كباطنه، وما في قلبه على لسانه، وخلوته كجلوته، لا توجد عند المؤمن ازدواجيَّة، هذا الانسجام يجعل الدعوة تنتشر في الآفاق، وهذا الدين الآن إن أردنا له النجاح لا بدَّ من أن نطبِّقه، وأن نعقلنه، وأن نُبَسِّطه، يجب أن يُبَسَّط، ويجب أن يُعَقلن أي يتوافق مع العقل، ويجب أن يُطبَّق، طبِّق وكن عاقلاً، عقلنه، وطبِّقه، وبَسِّطه ينتشر الدين.

﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018