الدرس : 14 - سورة يونس - تفسير الآيات 71 – 73 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 14 - سورة يونس - تفسير الآيات 71 – 73


1985-12-20

 الحمد لله رب العلمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

مقدمة :

1 ـ موضوعات القرآن :

 ذُكر في السورة قصَّتان : القصة الأولى ، وهي قصة سيدنا نوحٍ عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام ، والثانية قصة سيدنا موسى عليه السلام ، قبل الشروع في شرح القصتين لابدَّ من مقدمة .
 كتاب الله سبحانه وتعالى الذي بين أيدينا يضم موضوعاتٍ متعددة ، لو تتبعنا هذه الموضوعات لوجدنا في مقدمتها الآيات الكونية الدالة على عظمة الله تعالى ، هذا موضوع ، وهناك آيات التشريع ، وهذا موضوعٌ آخر ، وهناك مشاهد الجنة والنار ، موضوعٌ ثالث ، فلو قسَّمنا آيات القرآن إلى موضوعات لوجدنا أن بعضها يتحدث عن ذات الله سبحانه وتعالى من خلال خلقه ، بعضها يتحدث عن تشريعاتٍ دقيقة كسورة البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، بعضها ينقلنا إلى الدار الآخرة ، مشاهد الجنة وما فيها من نعيمٍ مقيم ، ومشاهد النار وما فيها من عذابٍ أليم ، وهكذا .

2 ـ القصة أسلوب تعليمي قرآني :

 لكن عرض هذه الموضوعات له أشكال ، فمثلاً هذهِ الكأسُ لها شكلٌ وفيها مضمون ، الشكل: هذه الكأس بهذه الخطوط ، أما المضمون فهو ماء ، هذا الماء قد يوضع في كؤوس مختلفة ، ذات أشكال مختلفة ، ربنا سبحانه وتعالى حينما عرض موضوعات القرآن الكريم ، عرضها أيضاً بأشكالٍ مختلفة ، أحد هذه الأشكال السَرْد المُباشر ، ثاني هذه الأشكال المَثَل ، ثالث هذه الأشكال القصة ، فالقصة شكلٌ تعبيري من أشكال الأسلوب القرآني ، والله سبحانه تعالى يقول :

﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى ﴾

( سورة يوسف : من الآية 111)

 فلما يقرأ الإنسان كتاب الله ينبغي أن يعرف ما في السورة من موضوعات ، في هذه السورة موضوع البعث يوم القيامة مثلاً ، وفي تلك السورة موضوع بدء خَلْقِ الإنسان ، أما هذه السورة ففيها موضوع الطلاق ، فالموضوعات إذاً متعددة ، لكن الموضوع الواحد يمكن أن يُعْرَضَ بأساليب متعددة ، فالله سبحانه وتعالى قال :

 

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾

( سورة البقرة : من الآية 276)

 هذا سردٌ مباشر ، لكنك لو استمعتَ إلى قصة مُرابٍ انتهى ماله في النهاية إلى الزوال والهلاك ، وهذا شكلٌ آخر عُرِضَ به موضوع الربا ، إنه شكل قصصي ، والحقيقة أنك إذا قرأت القصة وجدت متعةً بالغةً في متابعتها ، ولو استمع الإنسان إلى قصةٍ لن ينساها أبداً ، أما لو استمع إلى محاضرةٍ ربما ينسى منها معظم أفكارها ، لأن طريقة عرض المحاضرة طريقة السَرْد المباشر ، أما طريقة القصة فطريقة الحدث والرواية وعرض الشخصيات ، وما شاكل ذلك ، ولو أن أحد كبار النُقَّاد درس ما في القرآن الكريم من قصص لوجد العجب العجاب .
 قصةٌ واحدة كقصة سيدنا موسى ، عرضت في كتاب الله سَبْعَ عشرة مرة ، لكل مرةٍ زاويةٌ عُرضت منها ، وفي كل مرةٍ ضَوْءٌ سُلِّطَ على جانبٍ من جوانبها ، فهناك بداية القصة ، وعقدتها ، ونهايتها ، هناك الأحداث ، هناك الشخصيات ، هناك البيئة ، هناك الحوار ، فحينما تدرسون أو تقرؤون قصةً في كتاب الله ، ترون أن هذه القصة قد عرضت بأرفع أسلوب .

 

اختلاف الناس في التعامل مع القصة :

 لكن الذي أريد أن أقوله لكم هو أن الإنسان حينما يقرأ قصةً يفقد خطوط دفاعه ، فكل إنسان له أفكار يؤمن بها ويصدقها ، إذا قرأ قصةً ما يمكن أن تتسرب إليه قِيَمُ هذه القصة من دون أن يشعُر ، من هنا كانت عظَمة فائدة القصة وخطورتها في وقتٍ واحد ، فمثلاً قد تقرأ قصة تجد من خلالها أن كاتب القصة أَسْبَغَ على إنسان معين صفات البطولة ، من شجاعة ، من ثبات ، من جُرأة ، من تضحية ، من بذل ، فإذا صوَّر لك هذا البطل الإيجابي بأنه يشرب الخمر مثلاً تسرَّب إلى نفس القارئ ، وهذا أخطر ما في القصة أن شُرْبَ الخمر من لوازم البطولة ، لذلك مِثْلُ هذه القصص تدمر جيلاً بكامله .

القصة فكرةٌ مع البرهان عليها :

 إذا قرأت قصةً أو قصيدةً ، أو عملاً أدبياً وشعرت أنه حرَّك مشاعرك العليا فأنت أمام أدبٍ رفيع ، كما أن القصة سلاحٌ خطيرٌ جداً بيد الجهلة ، أو بيد المارقين مِن الدين ، أو بيد تُجَّار الأدب ، أو بيد من سوَّلت لهم أنفسهم إضلال المجتمع ، القصة في القرآن الكريم حَوَتْ أسلوباً تعبيرياً رائعاً جداً يأخذ بقلوب القارئين ، فالذي لا يهتدي عن طريق البيان المباشر قد يهتدي عن طريق القصة .
 هذا مثلٌ مِن واقعنا : لو أننا جمعنا سائقي السيارات في بلدةٍ ما ، وألقينا عليهم محاضرةً عميقةً جداً عن مضار السرعة ، فهؤلاء السائقون يتأففون ، يتململون ، لا ينتبهون ، يصرون على أنهم قادةٌ مهرة وسائقون يقظون ، فإذا رأى أحد السائقين المتهورين حادثاً مروِّعاً مؤلما ، وقد سالت فيه الدماء ، وبُتِرَت فيه الأعضاء فهذا المنظر يدخل في نفسه إلى المكان الذي يؤثِّر فيه ، ويتعظ ، فالإنسان بالقصة يتعظ ، فأن ترى حادثاً مروعاً بسبب السرعة أبلغ من أن تقرأ كتاباً عن مضار السرعة ، لأن هذا شيء حيوي ، ومثل حي ، لذلك قالوا : " القصة هي فكرةٌ مع البرهان عليها " .
 يمكن أن أحدثك عن مُرابٍ كيف تَدَمَّرَ مالُه ، وهذا الحديث أبلغ من أن أقول لك : الربا حرام ، لذلك المُرَبِّي ، المعلم ، الأب في البيت ، يستطيع أن يستغل طاقة القصة التربوية إلى أقصى الحدود ، إذا جلس أب مع أولاده ليحدِّثهم ، وكانوا صغاراً ، حتى ولو كانوا كباراً يستطيع أن يسلك معهم أسلوب القصة ، قصة شاب استقام على أمر الله ، فرفع الله شأنه ، سيدنا يوسف مثلاً ، شاب ، عبدٌ في قصر ، لا يملك من أمره شيئاً ، ماذا فعل ؟ لم يفعل إلا أنه خاف الله رب العالمين ، و :

﴿ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ(23)﴾

( سورة يوسف )

 فكافأه الله أن جعله عزيز مصر ، فأيها الأب ، أيها المعلم ، أيها الموجِّه ، أيُّ إنسان هو في موقع التوجيه ، عندك محل فيه خمسة عمال ، وأنت لك إشراف عليهم ، عندك أسرة ، أنت معلم بمدرسة ، موظف تحت يدك سبعة موظفين ، لك صفة الإشراف ، صفة التوجيه ، فكل إنسان في موقع التوجيه أو الإشراف قد يستخدم القصة كما استخدمها ربنا سبحانه وتعالى ليعظنا بها ، فبالقصة تصل إلى أعمق ما في الإنسان ، وبالقصة تصل إلى مكان التأثير ، فربنا عزَّ وجل في قصة نوحٍ عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام قال :

 

﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ ﴾

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ

1 ـ القلّة إنْ كانت على حقٍّ فهي المنتصرة :

 العجيب أن هذه القصة وردت في أماكن أخرى ، والأعجب من هذا أن أبرز أحداثها وهي السفينة ، والطوفان ، لم يذكرا هنا إطلاقاً ، كأن الله سبحانه وتعالى سَلَّطَ الضوءَ على الحلقة الأخيرة فيها ، بعض المفسرين قالوا : " هذه القصة تؤكد حقيقةً واحدة ، وهي أن الأقلية إن كانت على حق ، سوف تنتصر على الأكثرية إن كانت على ضلال " ، فلما يؤمن الإنسان بالله ، ويستقيم يرى نفسه أحياناً وحيداً ، فيمكن أن يتواجد بمكان يلتقي فيه بثمانية أشخاص لا يصلّون ، قام وصلى وحده ، يكون في رحلة مع تسعةِ أشخاص شربوا ما حرم الله ، أما هو فقال : لا أشرب ، إني أخاف الله رب العالمين ، أحياناً يرى الإنسان أن أهل الحق قلة قد يخاف ، وإن رأى أهل الباطل كثرة قد يغريه هذا بالانضمام إليهم ، هذه القصة تُسَلِّطُ الضوء على هذه الحقيقة ، وهي أنك إذا كنت مع الله مهما كنت ضعيفاً ، ومهما كانت حيلتك ضعيفة ، ومهما كنت معدوم القوى ، أعزل ، فالله سبحانه وتعالى معك ، إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكَّل على الله ، وإذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتقِ الله ، وإذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك .

 

 

2 ـ نوح عليه السلام والمؤمنون به ضعفاء مستضعفون :

 

 

 قوم نوحٍ على كثرتهم ، وعلى قوتهم ، وعلى استعلائهم ، وعلى كفرهم ، وعلى تمرُّدهم ، وعلى استخفافهم ، أغرقهم الله سبحانه وتعالى عن آخرهم ، وسيدنا نوح الذي كان قومه يسخرون منه .

﴿ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ﴾

( سورة هود : من الآية 38 )

 سَخِرُوا مِنْهُ ، ومن بناء السفينة ، حتى إنه قال لابنه :

 

﴿ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ(42)قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنْ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنْ الْمُغْرَقِينَ(43)﴾

( سورة هود )

 فسيدنا نوح كان ضعيفاً ، والذين آمنوا معه ضعاف ، لذلك سيدنا النبي اللهم صلِّ عليه ، حينما أسلم عدي بن حاتم قال له :

(( لَعَلّك يَا عَدِيّ إنّمَا يَمْنَعُك مِنْ دُخُولٍ فِي هَذَا الدّينِ مَا تَرَى مِنْ حَاجَتِهِمْ فَوَاَللّهِ لَيُوشِكَنّ الْمَالُ أَنْ يَفِيضَ فِيهِمْ حَتّى لَا يُوجَدُ مَنْ يَأْخُدُهُ وَلَعَلّك إنّمَا يَمْنَعُك مِنْ دُخُولٍ فِيهِ مَا تَرَى مِنْ كَثْرَةِ عَدُوّهِمْ وَقِلّةِ عَدَدِهِمْ فَوَاَللّهِ لِيُوشِكَنّ أَنْ تَسْمَعَ بِالْمَرْأَةِ تَخْرَجُ مِنْ الْقَادِسِيّةِ عَلَى بَعِيرِهَا حَتّى تَزُورَ هَذَا الْبَيْتَ لَا تَخَافُ وَلَعَلّك إنّمَا يَمْنَعُك مِنْ دُخُولٍ فِيهِ أَنّك تَرَى أَنّ الْمُلْكَ وَالسّلْطَانَ فِي غَيْرِهِمْ ـ لعل أن يكون هذا أحد الموانع ـ وَاَيْمُ اللّهِ لَيُوشِكَنّ أَنّ تَسْمَعَ بِالْقُصُورِ الْبِيضِ مِنْ أَرْضِ بَابِلَ قَدْ فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ ))

[ السيرة النبوية لابن هشام ]

 فأحياناً الإنسان الضعيف تجده ينكص على عقبيه بسبب عقبات في طريق الإيمان توضع أمامه ، ويجد أن المؤمنين قلة ، وليس في أيديهم شيء ، وهم مستضعفون ، وأعداؤهم كثيرون ، فلا يملكون حيلةً ، ولا وسيلةً ، ولا شيئاً يظهرون به ، فيا أيها الإنسان ضعيفاً كنت أم قوياً كن مع الحق ولا تبالِ ، فإذا كان الله معك فمن عليك ؟

 

النبي عليه الصلاة والسلام أسوة في الثبات على الحق :

 ربنا سبحانه وتعالى في مواطن دقيقة جداً يرينا قدرته وتأييده لمن يصمد في وجه التيار ، فقد تعرض النبي الكريم إلى مواقف حرجة ، في الطائف سار على قدميه ثمانين كيلو متراً ، ليلقى عداوةً ، وسخريةً ، واستخفافاً ، وكفراً ، وردًّا ، وغير ذلك من الأذى ، ومع هذا بقي ثابتاً على المبدأ ، قال أحدهم : " ألم يبعث الله إلينا رجلاً سواك ؟ " ، فقال عليه الصلاة والسلام : " إن الله ناصر نبيِّه " ، حينما اجتمعت قريش ليثنوه عن دعوته ، عرضوا عليه زواجاً من أجمل امرأةٍ ، عرضوا عليه مالاً ، عرضوا عليه سيادةً ، قال :

(( يَا عَمّ ، وَاَللّهِ لَوْ وَضَعُوا الشّمْسَ فِي يَمِينِي ، وَالْقَمَرَ فِي يَسَارِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ حَتّى يُظْهِرَهُ اللّهُ أَوْ أَهْلِكَ فِيهِ مَا تَرَكْتُهُ ))

[ السيرة النبوية لابن هشام ]

 في معركة أُحُد شُجَّ النبي عليه الصلاة والسلام وانكسرت رباعيته ، وظل صابراً ، محتسباً ، ولم يثنه هذا عن مبدئه .
 في الخندق اجتمع عليه العرب كلُّهم ، وجاءوا بجيشٍ لم يُجيَّش في الجزيرة مثله ، عشرة آلاف مقاتل جاءوا ليستأصلوا النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه ، ليست القضية قضية نصرٍ أو هزيمة ، قضية حياةٍ أو موت ، اليهود نقضوا عهدهم مع النبي ، حتى إن أحدهم قال : " أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى ، وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته " ، أي دجلٍ هذا ؟ تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى ، ونحن على وشك الموت بعد ساعات ، على وشك أن نُباد كلياً ، لكن هذا الذي قال هذا الكلام لا يعرف الله ، ربنا عزَّ وجل يعرِّض الإنسانَ أحياناً لمواقف صعبة حتى يمتحن إيمانه ، سيدنا موسى حينما كان فارّاً من فرعون وقومه ، لما دنا من البحر قال أصحاب موسى :

 

﴿ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ(61)قَالَ كَلا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ(62)﴾

( سورة الشعراء )

 فهذه القصة تتحدث عن قومٍ بأكملهم ، أمةٍ بأكملها ، كفروا ، وكذبوا ، واستخفوا ، واستعلوا ، والنبي الكريم مع أصحابٍ قِلَّة كانوا على الحق ، لمن كانت الغلبة في النهاية ؟ ولمن كان النصر ؟ له ولأتباعه ، إذاً أنت حينما تؤمن بالله عزَّ وجل اعرف مع من تتعامل ؟ مع خالق الكون ، مع الذي بيده ملكوت كل شيء ، مع مَن :

 

﴿ رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴾

( سورة الرعد : من الآية 2 )

 مع من :

 

﴿ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ ﴾

( سورة هود : من الآية 123)

 مع الذي لا يقع شيءٌ في الكون إلا بإذنه ، مع الذي بيده حياة كل مخلوق ، أنت تتعامل مع الإله الحق ، فإذا استقمت على أمره ، إذا أحببته ، إذا أخلصت له ، إذا عملت الصالحات إرضاءً له ، هنيئاً لك في الدنيا والآخرة ، فالموضوع ليس موضوع أنْ آمِن ، أؤمن أو لا أؤمن ، الموضوع حياة أو موت ، سعادة أو شقاء ، صعود أو هبوط ، خلود في نعيمٍ مقيم أو في عذابٍ أليم .

 

﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ ﴾

إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ

1 ـ ثقة نوح عليه السلام بربّه :

 معنى كَبُرَ عليكم بمعنى ثَقُلَ عليكم ، أي أن دعوتي إلى الله تضايقتم منها ، ضِقْتُم ذرعاً بها ، لم تحتملوها ، إن كان كذلك فعلى الله توكَّلت ، أي افعلوا ما تشاءون ، فكأن الله سبحانه وتعالى يعرض علينا أعلى مستوى من الثقة بالله عزَّ وجل ، أي افعلوا ما شئتم .

من سحرة لفرعون إلى مؤمنين بموسى :

 إنّ فرعون لما استقدم السحرة من أطراف البلاد ، بل إنه استقدم مهرة السحرة ، ووعدهم بمناصب عليا إن هم أعانوه على دحض دعوة سيدنا موسى ، فقالوا :

﴿ أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ(41)قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ(42)﴾

( سورة الشعراء )

 فكان هناك إغراء كبير جداً ، فجاء سيدنا موسى :

 

﴿ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ(107)﴾

( سورة الأعراف )

﴿ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120)قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121)رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (122)﴾

( سورة الأعراف )

 إيمانهم نزلَ على فرعون كالصاعقة ..

 

﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ(123)لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ(124)﴾

( سورة الأعراف )

﴿ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا(72)إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى(73)﴾

( سورة طه )

 هذا هو الإيمان ، المؤمن الحق لا تأخذه في الله لو لائم ، المؤمن الحق لا يخاف إلا الله ، أتخشون الناس ، والله أحق أن تخشوه ، لكن من هذا الذي يستطيع ألّا يخاف وهو لا يعرف الله سبحانه وتعالى ؟

 

﴿ إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19)إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا(20)وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21)إِلا الْمُصَلِّينَ(22)﴾

( سورة المعارج )

 هذا المصلي لا يخاف ولا يبخل ، والتِبْرُ عنده كالتُراب .
 إذاً :

﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي ﴾

2 ـ إذا أردتَ أن تعرف مقامك فانظر فيما أقامك :

 فهذا المقام ، لو أن واحداً أقامه الله في مقام فلينظر في مقامه متفحصاً ، فإذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما أقامك .. كلمةٌ موجزة إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما أقامك ، هل عملك الذي تعيش منه يعود بالخير على الناس أم بالأذى ؟ إن كان يعود بالأذى على الناس فهذا شر مقام ، وفي الأثر : " الخير بيدي ، والشر بيدي ، فطوبى لمن قدَّرتُ على يده الخير ، والويل لمن قدرتُ على يده الشر " .
 إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك ، فإذا كان الإنسان في عمله عطاء للناس وفيه خدمة ، فهذا من دواعي السعادة ، وإذا كان عمله مبنياً على سَلْب أموال الناس ، وعلى بَثِّ الرُعب فيهم ، وعلى ظلمٍ ، فهذا مِن دواعي الشقاء ، كل إنسان له مقام ، أحياناً الإنسان يعيش من مصلحة دنيئة ، من مصلحة فيها معصية ، من طريقة في التعامل مع أُناس فاسقين ، فلو أن أحداً مثلاً فتح ملهى ، وباع فيه الخمر ، وباع فيه اللذَّة ، وجَمَّع ملايين ، هذا بنى رزقه على شقاء الناس ..

﴿ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ ﴾

( سورة البقرة : من الآية 191)

احذر الفتنة فإنها أشد من القتل :

 لأن هذا الذي يَقتل قد يموت شهيداً ، أما الذي يَفْتِنُ الناس فإلى جهنم وبئس المصير ، فهذه الكلمة يجب أن نعرف بالضبط حدودها ، كل إنسان يمتحن مقامه ، ألك عند الله مقام ؟ هذا المقام محبب ، إذا جعلك في خدمة الخلق ، المقام غير محبب يعني أنه جعل تأديب الخلق على يديك ، فالإنسان قبل أن يوافق على عملٍ ما يجب أن يعد للمليون ، هل في هذا العمل أذى للمسلمين ؟ هل فيه ضرر ؟ هل فيه شيء يتعبهم ؟ أم أن فيه نفعاً للمسلمين ؟ يمكن أن يقوم إنسان مقاماً يبيع حاجاتٍ تفسد حياة الناس ، تفسد عقائدهم ، تفسد إيمانهم ، تفسد وجهتهم إلى الله عزَّ وجل ، قبل أن تقبل عملاً ما عُدَّ للمليون ، أي ابحث ، هل في العمل وجه حرام ، أله مؤدَّى حرام ؟ له آثار محرمة ؟ له أسباب محرمة ؟ لأنه لما يكون عمل الإنسان نظيفاً وبيته نظيفاً فأغلب الظن أنه يسعد ، أغلب الظن أن العقبات الأخرى تغدو ثانوية جداً ، ما دام العمل نظيفاً وبيتك نظيفاً فلا أي مشكلة ، أما إذا كانت الزوجة فاسقة ، أي غير منضبطة ، فهذه تسبب شقاء لا ينتهي ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( إياكم وخضراء الدِمَن ، قالوا : وما خضراء الدِمَن ؟ قال : المرأة الحسناء في المنبت السوء ))

[كنز العمال ]

 شيئان لاصقان في الإنسان : عملك وزواجك ، فإيَّاك أن تتسرع في موافقتك على الزواج من امرأةٍ ما ، قد تكون شريرة ، قد تكون فاسقة ، قد تكون نبتت نباتاً سيِّئاً ، وقد تكون نشأت في بيئةٍ سيئة ، دنيئة ، لذلك : النبي عليه الصلاة والسلام حذَّرنا من المرأة الحسناء التي نشأت في منبتٍ سيئ ، فأنا علقت هذا التعليق على كلمة مقامي ، فكل إنسان يعرف ما مقامه عند الله .
 هناك قول آخر : " إذا أردت أن تعرف مالك عند الله فانظر ما لله عندك " .

 

المقام المحمود للنبي ، ولكل مؤمن مقام عند الله :

 وفي آية أخرى :

﴿ وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79)﴾

( سورة الإسراء )

 هذا المقام المحمود ، هو مقام أوحد لا ينبغي إلا لرسول الله صلّى الله عليه وسلم :

(( سَلُوا لِيَ الْوَسِيلَةَ ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إِلا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ ، وَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ ))

[ من سنن الترمذي عن عبد الله بن عمرو ]

 عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ : اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

[ البخاري ]

 هذا أعلى مقام ، لكن لا يمنع هذا من أن يكون لكل مؤمن عند الله مقام ، أنت دعوت الناس إلى الله فَهَدَيْتَ ثلاثةً منهم ، مقامك قوته ثلاثة ، هديت خمسة ، فمقامك قوته خمسة ، وإذا كانوا مائة تضاعف مقامك إلى مائة ، أو إلى ألف ، سيدنا عمر قال : << ما أنا إلا حسنة من حسنات أبي بكر >> ، كل حجم سيدنا عمر حسنة من حسنات سيدنا أبي بكر ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( لو وزن إيمان الخلق مع إيمان أبي بكر لرجح إيمان أبي بكر ))

[ ورد في الأثر ]

 قال :

(( ما ساءني قَطْ ))

[ ورد في الأثر ]

 و قال عليه الصلاة والسلام :

(( أعطاني ماله ، وزوجني ابنته ، ولا ساءني قط ، فاعرفوا له ذلك ))

[ ورد في الأثر ]

 قال :

(( تسابقت أنا وأبو بكر فكنا كهاتين ))

[ ورد في الأثر ]

 هذه أعلى شهادة لسيدنا الصديق رضي الله عنه ، قال :

(( ما صُبَّ في صدري شيء إلا وصببته في صدر أبي بكر ))

[ ورد في الأثر ]

 ما صُبَّ في صدري شيء من تجليات ، من علم ، من رَحَمات ، إلا وصببته في صدر أبي بكر ..

(( لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلَّا خَوْخَةُ أَبِي بَكْرٍ ))

[ البخاري عن أبي سعيد الخدري ]

 قرأت هذا الحديث الشريف في بعض زوايا الحرم النبوي الشريف فاقشعر جسمي .

 

العمل الشريف مقام كبير عند الله والناس :

 ابن مسعود رضي الله عنه صافحه النبي عليه الصلاة والسلام ذات مرةً ، فرأى يده خشنة .. إذا كان أحدنا عمله بالحديد أو بالنجارة تجد يده خشنة ، أما إذا كان يعمل في الحرير فيده ناعمة .. وكان بيد ابن مسعود جرحٌ من عمل يده ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام :

(( إن هذه اليد لا تمسُّها النار ))

[ ورد في الأثر ]

 هذا تقديس للعمل ، لا تكن عالةً على أحد .

(( الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى ))

[البخاري عن حكيم بن حزام ]

(( لأَنْ يَحْمِلَ الرَّجُلُ حَبْلا فَيَحْتَطِبَ بِهِ ، ثُمَّ يَجِيءَ فَيَضَعَهُ فِي السُّوقِ فَيَبِيعَهُ ، ثُمَّ يَسْتَغْنِيَ بِهِ فَيُنْفِقَهُ عَلَى نَفْسِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ ))

[ أحمد عن الزبير بن العوام ]

 قيمة المرء ما يحسنه , وقد قال عمر : << إني إذا سمعت أن الرجل لا عمل له سقط من عيني >> .
 الصحابة الكرام رأوا رجلاً قُبَيْل الشمس يغدو خارجاً من بيته ، فاتهمه بعضهم بحب الدنيا ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام : " إن كان خرج في هذا الوقت ليسعى على عياله فهو في سبيل الله " .

[ ورد في الأثر ]

 وقال عليه الصلاة والسلام :

(( من بات كالاً في طلب الحلال بات مغفوراً له ))

[ ورد في الأثر ]

 ولحكمةٍ بالغة جعل الله سبحانه وتعالى الرزق الحلال صعبٌ ، وجعل الرزق الحرام سهلٌ ، وتعرفون أنتم تفصيل هذا الكلام ، من أجل أن تكسب رزقاً حلالاً صحيحاً مائة في المائة لابدَّ من أن تبذل جهداً كبيراً ، وإذا اخترت الطريق غير المشروع فربما قبضت في يومٍ واحد ما لا تأخذه في سنة بشكلٍ غير مشروع ، فلذلك قدَّس النبي الكريم العمل ، رفع من شأن الذي يكسب قوت يومه ، قال :

(( لا تسألوا الناس شيئاً ))

[ ورد في الأثر ]

 سيدنا أبو بكر كان يركب ناقته ، وكان خليفة رسول الله .. أي قمة المجتمع .. وقع زمام الناقة ، وحوله أصحابه ، فنزل من على الناقة ليأخذ زمام الناقة ، فعجب أصحابه وقالوا : " نكفيك ذلك " قال : << لا ، أمرني حبيبي ألا نسأل الناس شيئاً >> .

(( ... وَلا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ ))

[ من مسند أحمد عن أبي كبشة ]

 قيمة المرء ما يحسنه .
 يجب أن يكون لك عمل تعيش منه من أجل أن تضرب للناس مثلاً أعلى في البذل والعطاء .
 سيدنا رسول الله أول ما نشأ أخذ مال خديجة وتاجر به ، وقال علماء الفقه : هذه أولُ شركةِ مضاربةٍ في الإسلام ، هي بمالها وهو بجهده ، وكان راعياً ، ولما يتقن الإنسان عمله تطمئن نفسه ، ويكون دخله حلالاً ، وأنا أقول لكم : إتقان العمل جزءٌ من الدين ، لا يتجزَّأ .

(( إن الله يحب من العبد إذا عمل عملاً أن يتقنه ))

[ الجامع الصغير عن عائشة بسند صحيح ]

 إنما أهلك الصُنَّاع

( الصَنَعَة )

 قول غدٍ وبعد غدٍ .
 إتقان العمل ، وتنفيذه في وقته المضروب جزءٌ أساسيٌ من دين الإسلام ، ويحسب الجهلة أن الدين بالصلاة والصوم فقط ، لا والله ، الدين في إتقان عملك ، الدين في إنجازه في الوقت المحدد ، الدين في الصدق ، الدين في المعاملة ، الدين في الورع ، الدين في خدمة الناس .

(( الخلق كلهم عيال الله ، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ))

[ الطبراني عن أنس ، وفي سنده ضعف ]

 وربنا عزَّ وجل بالمرصاد يحاسب كلاً على عمله .
 دخل شخص له سيارة فيها عطل على خبير بهذا العطل ، طلب منه الخبير عشرة آلاف ليرة ، صاحب السيارة لا دراية له بتصليح السيارات فرضي بهذا المبلغ ، فلما خرج قال هذا الرجل الغاش لجاره : هكذا الربح ، هكذا البيع والشراء ، هكذا المُشارطة ، قال له جاره : حرامٌ عليك ، سعرٌ فاحشٌ جداً ، قال : هو لا يعلم ، ابن هذا الرجل يعمل في مخرطة دخلت نثرة فولاذٍ في عينه فكلفته عشرة آلاف ليرة في اليوم التالي ، قال رجل عاصٍ : " يا رب لقد عصيتك ، ولم تعاقبني ، قال له : عبدي ، لقد عاقبتك ولم تَدْرِ " ، كله محسوب .

 

﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ(14)﴾

( سورة الفجر )

 فلذلك الإنسان لما يتعامل مع الناس عليه أن يضع خوف الله بين عينيه ، فإذا خاف الله في تعامله مع الناس لن يبعث الله له أحداً يخيفه ، أما إذا استغلهم ، استغل حاجتهم ، رفع السعر ، أعطاهم بضاعة مغشوشة فإن ربك بالمرصاد .
 أعطى صيدلي دواءً منتهياً مفعوله ، محل التاريخ ستة وثمانين ، مسحه أو حكه ، انتهى مفعوله ، باعه ، بعتَ شيئاً فاسداً ، بعت شيئاً على أنه تصنيع هذه الدولة ، وهو تصنيع دولة أخرى ، هذا كله غش .
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ

(( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا ، فَقَالَ : مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ ؟ قَالَ : أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ ، مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي ))

[ مسلم ]

 على كلٍ ، كلمة مقام :

 

﴿ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي ﴾

3 ـ التطبيق العملي لهذه الآية :

 التطبيق العملي لهذه الآية فيه اختيار لكل واحد منا ليمتحن مقامه عند الله ، ألك مقام ؟ فإذا وقفت بالبيت لتصلي هل تحسُّ بصلة بالله ؟ هل تنهمر من عينيك الدموع ؟ هل يقشعر جلدك لخشية الله ؟ ألك مكانة ، هل تحس أنك غالٍ على الله عزَّ وجل ؟ هل تحس أنك بأعيننا ؟ .

﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾

( سورة الطور : من الآية 48 )

 هل تحس أن الله يدافع عنك ؟ هل تحس أن الله ينصرك ؟ هل تحس أن الله معك حيثما تحركت ؟ هل تحس أن الله يلهمك ؟ يسدد خطاك ؟ هذا هو المقام ، فكل واحد منا له مقام بحسب عمله ، وإذا أردتم تفصيلاً لذلك فعندنا في القرآن آيتان :

 

﴿ وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا(79)﴾

( سورة الإسراء )

 هذه صلاة الليل تسبب رفع المقام ، هذه واحدة .
 الآية الثانية :

 

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

(سورة الأنعام : من الآية 132)

 كل إنسان له عند الله درجة بحسب عمله .

 

﴿ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ ﴾

 افعلوا ما بدا لكم ، افعلوا ما شئتم ، كان واثقاً من نفسه إلى أبعد الحدود ، واثقاً من طهارة قلبه ، قال :

 

﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾

( سورة النمل : من الآية 79 )

 لماذا ؟ قال :

 

﴿ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ(79)﴾

 من دواعي التوكل على الله أنك على الحق المبين ؟

﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ(79)﴾

﴿ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ ﴾

فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً

1 ـ معنى : فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ

 أي جنِّدوا كل طاقاتكم ، وارسموا خططاً أنتم ومن معكم ..

﴿ وَشُرَكَاءَكُمْ ﴾

﴿ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ﴾

2 ـ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً

 كلمة الغَم من معانيها المادية الستر ..

(( فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ ))

[ متفق عليه ]

 معنى غمَّ عليكم ، أي كان هناك سحابٌ يحجب القمر .
 وأحياناً الغَم هو ضيق النفس ، وهناك علماء وفَّقوا بين المعنيين ، الغم هو الستر ، والغم هو ضيق النفس ، إذا الإنسان وقع في ورطة ولم ير حلاً لها ، يُصاب بضيق النفس ، فالاتصال بين المعنى المادي وهو الستر ، والمعنى المجازي وهو ضيق النفس أن الإنسان إذا وقع في مشكلةٍ عويصة ليس لها حل يفكر في مخرج فلا يجد ، إذا سدت عليها المخارج ، أي لم ير مخرجاً ضاقت نفسه ، فهذه الآية حملت على معنيين ..

 

﴿ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ﴾

 أي لا تفعلوا شيئاً بالسِتْرِ ، اكشفوا عن نياتكم ، فأنا لا أخاف منكم ، صَرِّحوا بذلك ، أعلنوا ذلك ، هذا منتهى الثقة بالله عزَّ وجل ، منتهى الثقة بأن الأمر كلَّه بيد الله ..

 

﴿ وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ﴾

( سورة غافر : من الآية 20)

﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ﴾

( سورة الأعراف : من الآية 54 )

﴿ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾

( سورة الرعد : من الآية 41 )

﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا(26)﴾

( سورة الكهف )

﴿ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ ﴾

 خططوا ونَفِّذوا ولا تنتظروا ، ولا تأخذكم بي شفقة ، ولا يأخذكم بي عطف ، ولا تخفوا عني شيئاً ، افعلوا ما بدا لكم تحت ضوء الشمس ، النبي الكريم قال :

(( قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ ))

[ ابن ماجه عن العرباض بن سارية ]

 كن واضحاً ، كن صريحاً ، لا تُخْفِ شيئاً ، وذو الوجهين لا يكون عند الله وجيهاً ، قال رجل لسيدنا عمر : " هل تحبني ؟ " قال له : " والله لا أحبك " .. بصراحة .. قال له : " هل يمنعك بغضك لي من أن تعطيني حقي ؟ " قال له : " لا والله " ، فالمحبة شيء ، وأن يصل حقك إليك شيءٌ آخر .
 إذاً :

 

﴿ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ ﴾

 من القراءات قراءة فاجمعوا أمركم ، تعني أَجْمَعْتُ صِدْقَهُ ، أي عزمت على صدقه .

 

﴿ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ﴾

 وأمر شركائكم ، تعاونوا جميعاً على إيقاع الأذى بي ، تعاونوا جميعاً أنتم وشركاؤكم ..

 

﴿ ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ ﴾

﴿ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ﴾

 لا تأخذكم بي شفقة ، لا تستتروا ، لا تحسوا بالضيق بما تفعلون ، افعلوا .

 

﴿ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾

فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّه

 أيْ لم تؤمنوا بي ، لم تصدقوني ، لم تأخذوا بكلامي ، لم تقدروا هذه الدعوة ..

﴿ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ ﴾

1 ـ الداعي إلى الله لا يسأل الناس أجرًا :

 مثلاً : لو أنني أتقاضى على توجيهكم أجراً باهظاً ، وأعرضتم عني فإنه يأتيني ضيق لقلة الرزق ، كطالب يأخذ درسا عند أستاذه ، كل ساعة بمائتين وخمسين ليرة ، الخميس لم يأت هذا الطالب ؛ فيتضايق الأستاذ ، خسر مائتين وخمسين ليرة ، لمَّا يبلغه أنَّ الطالب لا يريد أن يكمل دروسه عند الأستاذ ، وانتهى حضوره ينزعج أكثر ، يقول : لعله مريض اليوم ، أما الطالب فيقول : لا أريد الدروس نهائياً ، يتضاعف ألمه ، فهذا النبي الكريم ، وهؤلاء الدعاة الصادقون ماذا يأخذون منكم ؟ .. إن آمنتم فلكم وإن أعرضتم فعليكم .. الذي تدفعه اقطعه .

﴿ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّهِ ﴾

2 ـ لا تبتغ الأجر إلا من الله :

 لو أنني أسألكم أجراً لفُسِّرَ قلقي عليكم قلقاً على الأجر أن يضيع .

﴿ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ(72)فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ ﴾

فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ

قصة وعبرة :

 يروون قصة قد تكون رمزية ، ومغزاها أن امرأة آمنت بسيدنا نوح ، وحينما علمت أن هناك طوفاناً كبيراً يعم المنطقة ، ولن ينجو أحدٌ منه رَجَتْه بإلحاحٍ أن يذكرها قبل الطوفان حتى تركب معه السفينة ، تروي هذه القصة الرمزية أن سيدنا نوح عليه الصلاة والسلام وهو في السفينة والموج كالجبال ، وقد تم إهلاك كل الناس عدا مَن في السفينة تذكر المرأة ، فأسِفَ أشد الأسف ، وتألم جداً لأنه نسيها ، فلما انتهى الطوفان .

 

﴿ وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(44)﴾

( سورة هود )

الله ينجي المؤمنين :

 جاءت هذه المرأة إلى سيدنا نوح فقالت له : " يا نوح متى الطوفان ؟ " ، أي أن الله عزَّ وجل لا ينسى أحداً ، لا تخف فالإنسان ينسى ، أما الله فلا ينسى ، إذا كنت معه ينجيك ، فلو أن الله سبحانه وتعالى قرر إهلاك ستة آلاف مليون إنسان عدا واحد ينجو بقدرة الله ، بمعجزة منه سبحانه .

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88)﴾

( سورة الأنبياء )

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88)﴾

( سورة الأنبياء )

 فأنا الذي أراه أن الذي يثبِّت المؤمن على الحق هو الله ، غير أن الحق منطقي ، والحق يلبي كل حاجات فكره ، وغير أن الحق يعطي تفسيراً متكاملاً للحياة ، نعم تفسيراً متكاملاً ، يفسِّر الحياة ، وما بعد الحياة ، الموت ، وما بعد الموت ، طبيعة العمل الصالح ، الأسرة ، فضلاً عن أن الحق يُعْطي تفسيراً شافياً ، كاملاً ، متماسكاً ، صحيحاً ، وفضلاً عن أن الحق يلبِّي حاجة الفكر البشري ، وفضلاً عن أن الحق منطق وواقعي ، الذي يثبِّت المؤمن على الحق أن الله سبحانه وتعالى يعامله بعد توبته معاملةً جديدة ، يوفِّقه ، يقول لك أحدهم : كان بيتي جحيماً فصار نعيماً ، كنت أشكو من عللٍ كثيرة فشفاني الله منها ، كان عملي صعباً فصار سهلاً ، كانت نفسي تزيغ في الطريق فتوحَّدت وجهتها ، كان لي مع زوجتي كل يوم مشكلة فأصبحت زوجتي مثالية ، وأصبحنا زوجين سعيدين ، هذا كله بفضل الحق ، فلما يتوب الإنسان توبة نصوحاً يعامله ربنا عزَّ وجل معاملة خاصة ..

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾

( سورة الرعد : من الآية 11 )

﴿ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ(72)فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ(73)﴾

النتيجة : فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ

 فالإنسان يكون مع الأقلية المؤمنة لا مع الأكثرية الفاسقة ، الكلمة الوحيدة الآن : يا أخي الناس كلهم هكذا ينقسمون إلى فريقين ، هل أنت وحدك جيد ؟ كن مع الأقلية المؤمنة لا مع الأكثرية الفاسقة .

﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

( سورة الأنعام : من الآية 116 )

﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا ﴾

 حقيقة قالها علماء التفسير : أن الله سبحانه وتعالى حينما قال :

 

﴿ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ ﴾

لا يهلك الله قوما إلا بعد إنذارهم :

 لِمَ لمْ يقل : فانظر كيف كانت عاقبة المكذبين ؟ وقالها في آيات أخرى ، استنبط العلماء أن الله سبحانه وتعالى لا يهلك قوماً إلا بعد أن ينذرهم ..

﴿ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ ﴾

 بعد الإنذار يأتي الهلاك ، وهذا الشيء المنطقي ، يُروى أن سيدنا عمر جاءوا إليه برجل قد سرق ، فقال : " والله يا أمير المؤمنين هذه المرة الأولى " ، قال : " كذبت إن الله لا يفضح من أول مرة " ، فلما أجرى تحقيقاً معه كانت هي المرة الثامنة ، إن الله لا يفضح من أول مرة ، الله رحيم ، الإنسان يغلط ، الله يعطيه مهلة .
 علمت أن إنساناً كان يركب سيارته أصيب بأزمة قلبية وهو يقودها ، أول عمل بعد أن أفاق من النوبة القلبية طلب مسجلة حتى يصرِّح أن المحل الفلاني ليس له وحده ، بل له ولإخوته جميعاً ، وإخوته فرحوا بذلك ، لأن هذا الاغتصاب قد انتهى ، بعد أن صحا وانتعش وذهب إلى البيت ، وأزيحت عنه هذه الأزمة ، وعاد إلى ممارسة عمله التجاري ، أنكر حقهم في ذلك ، وطوَّب المحل التجاري باسمه الشخصي ، وبعد ثمانية أشهر مات ، فقلت في تحليل هذه القصة : سبحان الله ! إنَّ الله عزَّ وجل أعطاه فرصة ، هذه الأزمة الأولى فرصة ليتوب ، الهلاك يكون بعد الإنذار دائماً ، الإنذار أولاً ، ثم الهلاك ثانياً ، فلما يرى الإنسان مناماً مخيفاً ، يكون له عمل منحرف ، ماله حرام ، إنه معتدٍ ، ظالم ، فيه انحراف ، إثم ، وفجور ، فحشاء ، رأى مناماً مخيفاً جداً ، عليه أن يأخذ بهذا المنام ، وأن يَحْمِلَهُ على محمل الجد ، وإلا فسوف يقع .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018