الدرس : 13 - سورة يونس - تفسير الآيات 61 – 70 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 13 - سورة يونس - تفسير الآيات 61 – 70


1985-12-13

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون ... وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾

وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ

1 ـ للإنسان حالٌ ومقالٌ وعملٌ :

 من خلال هذه الآية بدا أن للإنسان حالاً ومقالاً وعملاً ، وقد قالوا عن النبي عليه الصلاة والسلام : " إن الشريعة أقواله ، والتقوى أفعاله ، والحقيقة أحواله " ، وكلٌ منَّا له قالٌ ؛ له لسان ، له علم ، وله حال ، وله عمل ، فإذا تطابق القال مع الحال ومع العمل فهذا هو الكمال بعينه ، أن يكون قالك كحالك وكعملك ، وقد تجد إنساناً علمه أعلى من حاله ، وقد تجد إنساناً آخر حاله أعلى من علمه ، وقد تجد إنساناً آخر عمله أرقى من علمه ، وهكذا ، فالله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ ﴾

2 ـ حالُ الإنسان مكشوفة لله :

 الشأن هو الحال ، في حال الرضا ، في حال الشكر ، في حال الخوف ، في حال المراقبة ، في حال التوكُّل ، في حال الخَشْيَة ، في حال الإعراض ، في حال البعد ، في حال السخط ، في حال حب الذات ، في حال المَكْر ، حالة الإنسان مكشوفةٌ أمام الله عزَّ وجل ، والقرآن كما قلنا من قبل : له خاصٌّ وله عام ، فإن توجَّهت هذه الآية للنبي عليه الصلاة والسلام فلا يمنع أن تخصَّ غير النبي ..

﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ ﴾

 أي أن حالك في علم الله ، سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام حينما أزمع قومه أن يلقوه في النار جاءه جبريل فقال : " يا إبراهيم ألك حاجة ؟ " قال : " منك ؟! " قال : " لا ، من الله عزَّ وجل " فقال : " علمه بحالي يغني عن سؤالي .

وإذا كنت في كل حالٍ معي  فعن حمل زادي أنا في غنى

﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ ﴾

 الشأن هو الحال ، ولله عزَّ وجل شأن .

 

﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ(29)﴾

(سورة الرحمن)

 أي أن شأنه مع العبد متبدِّلٌ بتبدُّل شأن العبد ، إن كان شأن العبد إقبالٌ فشأن الله مع العبد إكرامٌ ، وإن كان شأن العبد مع الله إعراض ، شأن الله مع العبد معالجةٌ ، فلك شأنٌ ولله شأن ، شأن الله متبدِّل بتبدُّل أحوالك ..

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾

(سورة الرعد)

﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾

(سورة الصف)

﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ ﴾

 والإنسان يستطيع أن يغُشَّ الناس جميعاً إلى أمدٍ قصير ، ويستطيع أن يغشَّ واحداً إلى أمدٍ طويل ، لكنَّه في كل الحالات لا يستطيع أن يغشَّ نفسه لحظةً ، ولا أن يغشَّ ربَّه لحظةً ..

 

﴿ بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(14)وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ(15)﴾

(سورة القيامة)

 والله سبحانه وتعالى يعلم سرَّكم وجهركم ..

 

﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى(7)﴾

(سورة طه)

 السر ما تخفيه عن الناس ، ولكنَّ الأخفى هو الذي يخفى عنك أنت بالذَّات ..

 

 

 

﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ ﴾

 فَلِمَ النفاق إذاً ؟ تنافق لمن ؟ خالق السماوات والأرض يعلم شأنك ، تغطّي على من ؟ تُدَجِّل على من ؟ تخادع من ؟ ..

 

﴿ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾

(سورة النساء : الآية 142)

﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ(30)﴾

(سورة الأنفال)

 هذه الآية :

 

﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ ﴾

 أي أن شأنك مكشوفٌ أمام الله عزَّ وجل ، لا تخفى عليه خافية ..

 

﴿ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ ﴾

وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ

1 ـ الله أعلمُ بنيتك حين تتلو القرآن :

 وإذا قرأت القرآن فهو في علم الله هل تقرؤه عبادة ؟ هل تقرؤه تفكُّراً ؟ أم تقرؤه تدبُّراً ؟ أم تقرؤه تقرُّباً ؟ أم تقرؤه رياءً وسمعةً ؟ أم تقرؤه لتنتزع إعجاب الناس ؟ حالتك في أثناء قراءة القرآن مكشوفةٌ عند الله عزَّ وجل ..

﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ ﴾

2 ـ القول عملٌ تحاسَب عليه :

 لذلك القول من العمل .. ربَّ كلمةٍ صالحةٍ أنبتت نباتاً طيّباً ..

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ(24)تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ﴾

(سورة إبراهيم)

﴿ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ ﴾

وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ

الله يعلم كلّ ما يتعلّق بعملك :

 العمل ، دوافعه ، أهدافه ، ملابساته ، وسائله ، نواياه ، حجمه ، حجم التضحيات التي بُذِلَت من أجله كلُّه في علم الله ، حالتك ، وأقوالك ، وتلاوتك ، وأعمالك الباطنة والظاهرة ، الصغيرة والكبيرة ، المعلنة وغير المعلنة ، دوافعها ، وسائلها ، أهدافها ، حجمها ، تضحيَّاتها ، كل هذا في علم الله .

﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً ﴾

 الله سبحانه وتعالى شهيدٌ علينا ، شهيدٌ على كل الخلق ، شهيدٌ على كل ذرَّةٍ في الكون ، يشهد لها ، ويشهد عليها ، ويشهدها .

 

﴿ إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾

إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ

معنى : تُفِيضُونَ فِيهِ

 أفاض في العمل أي انطلق إليه ، فإذا فتحت باب دارك ، وانطلقت بحالة أية حالةٍ ، فماذا كان حالك ؟ فهو معلوم عند الله بحالة كسب المال الحلال ، هذه الحالة معروفةٌ عند الله عزَّ وجل ، بحالة خداع الناس لتأخذ أموالهم ؟ فهذه معلومةٌ عند الله أيضاً ، وهكذا كل حال ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( من تزوَّج امرأةً على صداقٍ وهو ينوي ألا يؤدّيه لها ـ من يعلم هذا ؟ لا يعلم هذا إلا الله ـ لقي الله وهو زانٍ ، ومن أخذ مالاً وهو ينوي ألا يؤديَّه لقي الله عزَّ وجل وهو سارق ))

[ الطبراني بسند صحيح عن ميمون الكردي عن أبيه ]

 هذه الحالة من يكشفها ؟ الله سبحانه وتعالى وحده ..

 

﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء ﴾

وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء

احذر فإن الله وسع علمه كل شيء :

 أي أنه إذا استرق الطبيب النظر وهو يفحص امرأةً إلى مكانٍ لا يؤْلمها هذا من يعلمه ؟ الله سبحانه وتعالى ، وإذا استرق الرجل النظر إلى امرأةٍ في الطريق من يعلم هذا ؟ الله سبحانه وتعالى ..

﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء ﴾

 أي : مهما بدا لك العمل طفيفاً ، ومهما بدا لك الحال يسيراً ، ومهما بدت لك الكلمة قليلةً التأثير فإنها لا تعزب عن الله سبحانه وتعالى .

 

 

 

﴿ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾

وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ

1 ـ كل شيء في كتاب :

 هنا شيءٌ دقيقٌ جداً ، أي أن أحوالك وأقوالك وأعمالك مسطورةٌ في كتابٍ مبين ، كأنَّ لك عند الله ملف .. كما يقولون .. فيه صفحةٌ لأحوالك ، وصفحةٌ لأقوالك ، وصفحةٌ لأعمالك ، وفي ضوء هذا الكتاب المبين الذي كُتِبَ فيه كل شيء يعاملك الله سبحانه وتعالى بالإكرام أو بالمعالجة ..

﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَاب ﴾

(سورة الحديد )

 هذه المصيبة ليست ارتجاليَّة ، بل في كتاب ، لك عند الله كتاب فيه أحوالك وأقوالك وأعمالك ، في ضوء هذا الكتاب المبين الذي سُطِّرت فيه كل أقوالك وأحوالك وأفعالك قضى الله لك قضاءً ما ، إما تشجيعاً ، وإما تحذيراً ، وإما تأديباً ، وإما قصماً ، وإما تصحيحاً ، وإما دفعاً ، وإنا كشفاً ، في ضوء هذا الكتاب المبين الذي سُطِّرت فيه أقوالك وأحوالك وأعمالك فالله سبحانه وتعالى يقضي لك ، لذلك كما قال عليه الصلاة والسلام :

(( الإيمان بالقدر يُذهِب الهمَّ والحزن ))

[ الجامع الصغير عن أبي هريرة بسند غير صحيح ]

﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ ﴾

(سورة الحديد)

 الكتاب جاء هنا تفصيله ..

 

﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾

 هذا الكتاب المبين الذي سَطَّر الله فيه أحوالك وأعمالك وأقوالك هو الكتاب الذي ورد في قوله تعالى :

 

﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ﴾

 (ها)تعود على المصيبة ..

 

﴿ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(22)﴾

(سورة الحديد)

 إن ذلك على رحمته الله يسير لا على قدرته ، على قدرته شيء بديهي ، على رحمته أي ما يتناقل إلى سمعك من فيضانات مثلاً ، ومن زلازل ، ومن عواصف مدمِّرة ، ومن شُحٍّ في السماء ، ومن أمراض ، ومن متاعب ، هذا كلُّه من أجل مصلحة الإنسان .

 

﴿ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾

 شأن الله سبحانه وتعالى بحسب شأن خلقه ..

 

﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾

(سورة الصف)

﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ(29)﴾

(سورة الرحمن)

﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ{61} أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ

1 ـ كن وليَّاً لله وخذ كل مَيِّزات هذه المرتبة :

 كن وليَّاً لله وخذ كل مَيِّزات هذه المرتبة ، فحينما يعطى أحد الطلاب الشهادات العُليا فهو قد استحقَّ كل امتيازات هذه الرُتبة العلميَّة ، فكلمة وليًّا لله ، وهذه أعلى مرتبة .

2 ـ معنى الوليّ :

 ما معنى الوليّ لله ؟ أي أنه استسلم لله فتولَّى الله هدايته ، وتولَّى الله إرشاده ، وتولَّى الله إسعاده ، وتولَّى الله حفظه ، وتولَّى الله الأخذ بيده من خيرٍ إلى خير ، ولا ينتهي به المطاف إلا في الجنَّة ، واستسلم لله ، هذه هي حقيقة الإسلام ؛ أن تستسلم لله ، أن تُفَوِّضَ له ، أن تتوكَّل عليه ، إذا استسلمت له تولَّى الله شأنك ..

﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ﴾

(سورة البقرة : من الآية 257)

3 ـ احذروا ولاية الشيطان :

 لا يزال الشيطان يتولَّى أولياءه ، ويغريهم بالمعاصي ، ويورِّطهم بالجرائم إلى أن يصعدوا سُلَّم المشنقة ، هذا من عمل الشيطان ، ولا يزال الله سبحانه وتعالى يتولَّى أولياءه بالحفظ ، والهداية ، وتنوير القلب ، والإرشاد ، والإسعاد حتى يأخذ بيدهم إلى الجنَّة ، فليس هناك حالٌ ثالثة ، إما أن يكون الرجل وليَّاً لله عزَّ وجل ، وإما أن يكون وليَّاً للشيطان ، إذا استسلمت لله عزَّ وجل تولَّى الله إرشادك ، وحفظك ، وهدايتك ، وإسعادك..

﴿ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

ليس للوليّ شيء من هذا :

1 ـ الوليّ لا يملك النفع والضر :

 أتلو على مسامعكم بعض الآيات القرآنية التي تصف سيِّد الأنبياء ، وهو النبي عليه الصلاة والسلام ، سيد الأولياء قال الله عنه :

﴿ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ ﴾

(سورة الأعراف)

 إذاً لا يحقُّ لمن يدَّعي أنه وليٌّ أياً كان أن يدَّعي أنه يملك النفع والضُر ، يقولون : الولي الفلاني نَظَرَ في فلان فاهتدى ، هذه ليست لأحد ، ولا لرسول الله ، اقرأ قوله تعالى :

 

﴿ إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾

(سورة القصص : من الآية 56)

2 ـ الوليّ لا يسقط عنه التكليف :

 الولي الفلاني تجاوز مرحلة التكليف .

﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ(13)﴾

(سورة الزمر)

 سيِّد الأولياء يخاف إن عصى الله عذاب يومٍ عظيم .

 

3 ـ الوليّ لا يعلم الغيب :

 سيد الأولياء لا يعلم الغيب ..

﴿ قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْب ﴾

(سورة الأنعام : من الآية 50)

 سيِّد الأولياء لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضُراً ، إذا كان سيد الأولياء لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ، وإن كان سيد الأولياء لا يعلم الغيب ، وإن كان سيد الأولياء يخاف إن عصى الله عذاب يومٍ عظيم ، فهل يستطيع وليٌّ على وجه الأرض أن يدَّعي خلاف ذلك ؟ هذا هو الحجم الحقيقي ، سُئل الإمام الجنيد رضي الله عنه : " من ولي الله ؟ أهو الذي يطير في الهواء ؟ قال : " لا " ، قالوا : " أهو الذي يمشي على وجه الماء ؟ " ، قال : " لا " ، فقالوا : " من هو ولي الله إذاً ؟ " قال : " هو الذي تجده عند الحلال والحرام " .
 حتى إن ولي الله لو قال لك : إني رأيت المصطفى عليه الصلاة والسلام ، وقال لي : كذا وكذا ، فإن كان في هذه الرؤيا تطابق مع الشرع نقبلها منه ، وإلا يثْبتُ الشرع ، وتردُّ الرؤيا ، بعد النبي عليه الصلاة والسلام لا يحقُّ لأحدٍ كائناً من كان أن يشرِّع ، وقد قال أبو بكر الصديق : << إنما أنا متَّبعٌ ولست بمُبْتَدِع >> .
 العلماء الكبار قالوا : " نحن مُقَيَّدون بكتاب الله ، نعم كلّنا مقيَّدون ، إذا سمحنا بالشطحات والاجتهادات من دون ضبطٍ من كتاب الله فقد ضاع الدين ، وتلاشت معالمه ، وتخلَّف المسلمون .

 

﴿ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

تعريف الوليّ في الكتاب والسنة :

 النبي عليه الصلاة والسلام يُعَرِّف وليّ الله فيقول :

(( الذين يُذكَر اللهُ برؤيتهم ، أولياء أمَّتي إذا رُؤوا ذُكِر الله بهم ))

[ ورد في الأثر ]

 تقع عينك عليه فتذكر الله سبحانه وتعالى ، هذه علامة .
 علامةٌ أخرى كما قال عليه الصلاة والسلام :

(( ِإنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ ، وَلا شُهَدَاءَ ، يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ))

[ أبو داود عن عمر ]

 هذا تعريفٌ آخر .
 تعريفٌ ثالث :

(( هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ ، عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ ، وَلا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا ، فَوَاللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ ، وَإِنَّهُمْ عَلَى نُورٍ ، لا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ ، وَلا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ ))

[ سنن أبي داود عن عمر بن الخطَّاب ]

 مقياسٌ دقيقٌ جداً ، إذا خاف الناس جميعاً لا يخافون ..

 

﴿ إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19)إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا(20)وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا(21)إِلا الْمُصَلِّينَ(22)﴾

( سورة المعارج )

 المصلي لا يخاف ، ولا يحزن ، وقارئ القرآن لا يحزن ، لِمَ الحزن ؟ الله سبحانه وتعالى خالق السماوات والأرض ، الغني ، القوي ، العزيز ، الرحيم ، السميع ، المجيب ، وهو معك .

 

﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾

(سورة الطور : من الآية 48)

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

(سورة الحج : من الآية 38 )

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدًّا(96)﴾

(سورة مريم)

 لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( لا يحزن قارئ القرآن ))

[ ورد في الأثر ]

من علامات أولياءّ الله أنهم لا يخافون إذا خاف الناس ، ولا يحزنون إذا حزن الناس ، إذاً : ولي الله هو الرجل الذي استسلم لله عزَّ وجل ، حينما استسلم لله عزَّ وجل تولَّى الله هدايته ، وإسعاده ، وحفظه ، وما يزال الله سبحانه وتعالى يأخذ بيد وليَّه حتى يدخله الجنَّة ، وحجم وليّ الله لا ينبغي أن يزيد على حجم سيد الأولياء ، فالنبي عليه السلام لا يملك للناس نفعاً ولا ضرَّاً ، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشورا .
يزعمون مثلاً أن أحد الأولياء توفي أحد تلاميذه ، فقال له : قم ، فقام ، فما هذه الخرافة ؟ إنها خرافة مفضوحة ، وكذلك من خرافاتهم رجل توفي فدخل في القبر ، فجاءه الملكان ، فإذا بشيخه يدفع الملكين من صدرهما ، ويقول لهما : " قوما عنه ، أمثل هذا يُسأل ؟ هذا تلميذي " ، لا ، لا ليس هذا صحيحاً ، بل هذا تخريف وافتراء ، سيد الأولياء لا يملك نفعاً ولا ضراً ، سيد الأولياء لا يعلم الغيب ، سيد الأولياء يخاف إن عصى الله ..

فأحبابنا اختاروا المحبَّة مذهباً وما  خالفوا عن مذهب الحُبِّ شرعنا
***

 لئلا تضيع معالم الدين ، كي يكون الدين كما بدأ ناصعاً واضحاً ..

(( قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا ، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ ))

[ ابن ماجه عن العرباض ]

لا تُعطوا الأولياء حجمًا لا يستحقونه :

 هذا هو الدين ، عودوا إلى ينابيعه الأولى ، عودوا إلى كتاب الله ، إلى سنَّة النبي عليه الصلاة والسلام ، أما هذه القصص المزعومة ، وهذه الخرافات المفضوحة التي يذكرها بعض الناس عن أولياء الله فهذه ما أنزل الله بها من سلطان .
 للولي كرامة هذه لا تُنكر ، أما أن يملك الولي هداية الناس ، نظر إليه فاهتدى ، لِمَ لم ينظر النبي إلى أبي لهب كي يهتدي وهو عمّه ؟ لمَ لم ينظر لأبي جهل كي يهتدي ؟ ما هو الضلال ؟ هو أن تعطي الإنسان حجماً أكبر من حجمه ، أو أن تُقلِّل من حجمه ، أناسٌ أعطوا الأولياء أكبر من حجمهم هداهم الله ، وأناسٌ أعطوا الأولياء أقلَّ من حجمهم هداهم الله عزَّ وجل ..

﴿ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾

 في الدنيا لا يخافون .
 من علامات المؤمن الصادق أن يقول لك : والله الذي لا إله إلا هو إنني أسعد الناس ، على دخله المحدود ، وعلى بيته الصغير ، وعلى متاعبه الكثيرة ، لأنه سعد بالله عزّ وجل .
 مرَّة أخ كريم قال لي : ليس في الأرض من هو أسعد منّي إلا أن يكون أتقى مني ، والله أعجبتني هذه الكلمة ، فهو صادق ، لذلك :

 

﴿ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾

﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(175)﴾

(سورة آل عمران)

الخوف من غير الله من علامات البعد عن الله :

 من علامات البعد عن الله الخوف من غير الله ، ومن علامات الشرك الخوف من غير الله ، أنت تقول : لا إله إلا الله ، تقولها مئات المرَّات ، ما معنى لا إله إلا الله ؟ أي أنه لا مسيّر في الكون إلا الله ، أي إليه يرجع الأمر كلُّه ..

﴿ وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾

(سورة النحل : من الآية 51 )

﴿ وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ﴾

(سورة غافر : من الآية 20)

﴿ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ(41)﴾

(سورة الرعد)

﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا(26)﴾

(سورة الكهف)

 هذا هو التوحيد ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ..

 

﴿ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(56)﴾

(سورة هود)

 إذا ابتعد الإنسان عن الله عزَّ وجل ألقى الله الخوف في قلبه فانقلبت حياته جحيماً ، وانقلب غناه فقراً ، فأنت من خوف الفقر في فقر ، وأنت من خوف المرض في مرض ، وتوقُّع المصيبة مصيبةٌ أكبر منها ، وما من مرضٍ يفتك بالناس اليوم في بقاع الأرض كالقلق ، وهناك كتابٌ أُلِف في أمريكا عنوانه " دع القلق وابدأ الحياة " ، طُبِع منه خمسة ملايين نسخة ، لأن كل الذين اشتروه قلقون ، خائفون ، وجلون ، وكل بلد فيها مجموعة مُقْلِقَات ، في هذا البلد القلق من السرطان ، ومن الإيدز ، ومن مرض القلب ، وفي ذاك البلد الفلاني قلق من قائمة مخاوف ، حيثُما توجَّه الإنسان المُعْرِضُ البعيد أكلت قلبه المخاوف ، أما الولي فلا خوفٌ عليهم ، لا يخاف ..
 إذا كنت في كل حالٍ معي فعن حمل زادي فأنا في غنى
 إذا كان الله معك فمن عليك ؟! ..

 

﴿ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾

(سورة التوبة)

 عَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا فِي الْغَارِ : لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا ، فَقَالَ :

(( مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا ؟ ))

[ البخاري ومسلم ]

 هذا هو الإيمان ..

 

﴿ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

أولياء الله لا يحزنون على الدنيا :

 لا يحزنون على تركها ، ومن ضيق أفق الإنسان أنه يجد بيته مرتَّباً منظَّماً ، معتنى به ، أموره منظَّمة ، دخله كبير ، صحَّته طيبة ، لكنه يخاف من الموت ، يخاف أن يذهب إلى القبر ، إن كنت مؤمناً فأنت كما قالوا : " الرجل المؤمن يخرج حينما يموت من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة كما يخرج الجنين من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا " .. حجم الرحم صغير ، يولد هذا الجنين ، ويكبر ، ويركب الطائرات ، يذهب إلى أمريكا ، يذهب إلى كندا ، يذهب إلى اليابان ، يذهب في نزهة إلى مصيف ، يأتي ويذهب ، يغوص في أعماق البحار ، يصعد إلى القمر ، كم النسبة بين حجم الرحم وحجم الأرض والسماء ؟ قالوا : " إن المؤمن يخرج حينما يموت من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة كما يخرج الجنين من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا " .. لذلك :

﴿ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

 على بيت تركَه مساحته ثلاثمائة متر ، لأنه أتى جنَّةً عرضها السماوات والأرض ، أو حزين على زوجة .
 صحابي جليل ألحَّت عليه زوجته بشيءٍ لم يفعله النبي عليه الصلاة والسلام فلم يستجب لها ، فغضِبَت فقال لها : "اعلمي يا فلانة أن في الجنَّة من الحور العين ما لو أطلَّت إحداهن على الأرض لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر ، فلأن أُضَحِّي بكِ من أجلهن أهون من أن أضحي بهنَّ من أجلكِ " ، يأخذ الزوج موقفاً حازماً ..

(( إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ ، وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ فَظَهْرُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا ، وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلاءَكُمْ ، وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ فَبَطْنُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا ))

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

 مما وصف به النبي الناس في آخر الزمان أن قبلتهم نساؤهم ..

 

﴿ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

 من علامات الإيمان الصادق أنك لا تخاف في الدنيا ، ولو لاح شبح الموت ، كأن تكون قد شعرت بألم في الصدر ، أو جاءت جلطة ، وكنت مؤمناً فمرحباً بلقاء الله ، لأن العبد المؤمن إذا مات استراح من عناء الدنيا .
 واكربتاه يا أبتِ ، قال : " لا كرب على أبيكِ بعد اليوم غداً نلقى الأحبَّة محمَّداً وصحبه " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ اللَّهُ :

(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ))

[ متفق عليه ]

﴿ وَرَحْمَةٌ ربك خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(157)﴾

(سورة آل عمران)

 من الأموال الطائلة ، من البيوت الفاخرة ، من النساء الجميلات ، من البساتين المُزْدانه ..

 

﴿ وَرَحْمَةٌ ربك خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(157)وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ(158)﴾

 إلى أين أنت ذاهب ؟ إنسان أمسكوا به وجرَّوه إلى أمِّه أينبغي أن يبكي ؟! إلى أين أنت ذاهب ؟ إلى بيت أهلك حيث الدفء ، والطعام ، والشراب ، والعطف ، والإكرام ، وكل شيء ..

﴿ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

 بالمناسبة : لا يوجد في الدين كما يقول بعضهم : نحن رجال دين ، يجب أن يكون كلٌ منكم وليَّاً لله ، أخي هؤلاء أولياء الله ، يجب أن تكون أنت من أولياء الله ، إذا أطعت الله طاعةً تامَّة فأنت من أولياء الله الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون ..

 

﴿ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴾

الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ

1 ـ الوليّ آمن بالله وهو مستمر على تقواه إلى الممات :

 آمنوا فعل ماض ، عرف الله عزَّ وجل فآمن به ، لكن يتَّقون فعل مضارع ، والمضارع يفيد الاستمرار ، أي طوال حياته يتقي الله ، يتقي أن يعصيه ، هذه مرتبة ، يتقي أن ينقطع عنه هذه مرتبة أعلى ، يتقي أن يكون في قلبه سواه ، مرتبة ثالثة ، وعندنا صيام عامَّة الناس عن الطعام والشراب ، وصيام المؤمنين هو صيام الجوارح عن المعاصي ، وصيام الأتقياء وهو صيام القلب عمَّا سوى الله ، فالولي يتقي أن يعصي الله ، ويتقي أن ينقطع عن الله ، ويتقي أن يكون في قلبه غير الله ..

﴿ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴾

 بجهود مستمرَّة ، يبذلون جهوداً كبيرةً لا تنقضي ..

 

﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِع ﴾

(سورة السجدة)

 ِ تتجافى أي لا يرتاح في نومه بحياته ، يخاف أن يفوته الصبح ، لا يرتاح العصر بنومه لأنه يخاف أن تفوته صلاة العصر ، إذا جلس وسهر ، وتكلَّموا في شؤون شتى ، وخاضوا في الدنيا يشعر أن السهرة بلا طعم ، هذا كله كلام فارغ إذا لم يكن هناك ذكر لله عزَّ وجل ، أي أنه إن ضيَّع ساعةً من حياته لم يذكر الله فيها ، فحياته خسارة ..

 

﴿ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴾

 لكن الله رحيم بالمؤمنين .

لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ

﴿ لَهُمُ الْبُشْرَى ﴾

1 ـ في القرآن والسنة بشرى للمؤمنين :

 أول رحمته أنه بعث إليهم نبياً رسولاً ، وأنزل عليه قرآناً فيه بشارةٌ للمؤمنين ..

﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابيه(19)إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيه(20)فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ(21)فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ(22)قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ(23)كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ(24)﴾

(سورة المعارج)

 

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ(15)آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ(16)كَانُوا قَلِيلا مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ(17)وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(18)وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ(19)﴾

(سورة الذاريات)

 إذاً : في القرآن الكريم بشائر ، النبي عليه الصلاة والسلام بشَّر المؤمنين بالجنَّة فقال :

(( مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ ، وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكُمُ الْمُؤْمِنُ ))

[ الترمذي عن ابن عمر ]

(( مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَة ))

[ الترمذي عن أنس بن مالك ]

 أي أن أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام كثيرةٌ جداً وكلُّها فيها بِشارات للمؤمن ، والله سبحانه وتعالى أحياناً يتولَّى مباشرةً تبشير المؤمن بالجنَّة عن طريق الرؤيا الصالحة ، فالمؤمن أحياناً يكون مكسور القلب حزيناً ، يحزن على شيء واحد ؛ هو ألا يكون عند الله مرضياً ، هذا سبب حزنه الوحيد ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( الحزانى في كنف الله ))

[ ورد في الأثر ]

(( إن الله يحب كل قلبٍ حزين ))

[ ورد في الأثر ]

(( الحزانى معرَّضون للرحمة ))

[ ورد في الأثر ]

 الذي يغلب عليه الحزن بسبب قلقه حول ما إذا كان الله راضياً عنه أو غير راضٍ ، هذا الإنسان يتولى الله سبحانه وتعالى بشارته برؤيا صالحة ، يرى النبي عليه الصلاة والسلام يناديه باسمه ، يثني عليه ، يصافحه ، وأحياناً يقبِّله ، أحياناً يرى سيدنا الصدِّيق في المنام ، أو سيدنا عمر ، هؤلاء الأناس الأكارم الأولياء ، أحياناً يرى مرشده في المنام يبتسم له ، ويهش له ، هذه البشرى ..

 

﴿ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ﴾

2 ـ في القرآن والسنة بشرى للمؤمنين :

 ففي الآخرة كيف تكون البشرى ؟ إذا بُعِثَ مَن في القبور بشَّر الله المؤمنين بالجنَّة ، أي أنه بين البعث ودخول الجنَّة هناك مسافة ، لئلا يبقى هؤلاء قلقين تأتيهم البشرى من الله عزَّ وجل فور بعثهم من مراقدهم .

﴿ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ﴾

لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ

لا يتخلف وعدُ الله وكلماتُه أبدا :

 أي أن زوال الكون أهون عند الله من تبديل كلماته ، كلمات الله الوعد والوعيد والقواعد الثابتة التي جاء بها القرآن ، أي :

﴿ فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى(123)﴾

(سورة طه)

 هذه إحدى كلمات الله الثابتات .

 

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

(سورة النحل)

 أي في الستة آلاف مليون إنسان الذي يسكنون الكرة الأرضية اليوم إذا كان فيهم شخصٌ واحدٌ عمله طيّبٌ ، وكان مستقيماً ، ولم يكن سعيداً لا يكون هذا الكلام قرآناً ، لو أن حالة واحدة من ستة آلاف مليون حالة لم تنطبق على هذا الإنسان فهذا الكلام ليس كلام الله ، لكن :

 

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

(سورة النحل)

 وإن وجدت واحداً مُعْرِضَاً عن الله عزَّ وجل وهو سعيدٌ بإعراضه فهذه الآية ليست من كتاب الله ..

 

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا(125)﴾

(سورة طه)

 هذه الآية من كلمات الله .

 

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات ﴾

(سورة الجاثية)

 ِ وهذه من كلمات الله ..

 

﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ(1)﴾

(سورة محمد)

 هل يُعْقَل أن ترى الكافر حكيماً ، رقيقاً ، منصفاً ، متواضعاً ؟ لا يُعْقَل ..

 

﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ(1)﴾

 هذه من كلمات الله ..

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ(18)﴾

(سورة السجدة)

 هذه من كلمات الله .

 

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا ﴾

(سورة البقرة : من الآية 276)

 هذه من كلمات الله ..

 

﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا(81)﴾

(سورة الإسراء)

 هذه من كلمات الله ، أي أن القواعد الثابتة والوعد والوعيد ، كلمات الله تعني تلك القواعد الثابتة التي لا تتبدَّل ، ولا تتغيَّر ، ولا تُعدَّل ، ولا تُعطَّل ، ولا تُغَيَّر ، هذه كلمات الله..

 

﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾

 هذا هو الفوز العظيم ..

 

﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ(61)﴾

(سورة الصافات)

﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ(26)﴾

(سورة المطففين)

﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(58)﴾

(سورة يونس)

﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ﴾

وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ

 وقف لازم عند كلمة قولهم ، ولو وصلنا التلاوة لفسد المعنى .

﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ﴾

من عرف نفسه ما ضرَّته مقالة الناس فيه :

 أي إذا استخفُّوا بك ، أو ردّوا دعوتك ، أو فنَّدوها ، أو اتهموك بالسحر ، أو اتهموك بأنَّ لك مقاصد دنيويَّة ..

﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ﴾

 من عرف نفسه ما ضرَّته مقالة الناس فيه ..

 

﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً ﴾

إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً

 سبحانك إنه لا يذلُّ من واليت ولا يعزُّ من عاديت ، العزَّة لله جميعاً..

اجعل لــربِّك كل  عزِّك يستقر و يثـبت
فإذا اعتززت بمن  يموتُ فإنَّ عزَّك ميِّتُ
***

أي أن هؤلاء الذين يدعون من دون الله لا يتَّبعون شركاء حقيقيِّن ، فالله سبحانه وتعالى لا شريك له .

 

﴿ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ شُرَكَاء إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ ﴾

نفعُ الشريك وهمٌ وظنٌّ :

 متوهِّم أنه شريك لله ، لكنَّ هذا توهُّمٌ ، وليس حقيقة .

﴿ إِلاَّ يَخْرُصُونَ{66} هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً ﴾

هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً

الليل للهدوء والنهار للحركة والنشاط :

 الليل بسكونه ، النهار بضيائه ، النشاط والحركة في النهار ، وكسب الرزق في النهار ، وفي الليل سكون ، وهدوء ، وطاعة ، وصلاة ، ومناجاة ، لذلك ..
 " إن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار ، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل " .
 إن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كانوا فرساناً في النهار رُهْباناً في الليل ، وسيدنا عمر رضي الله عنه رأى رجلاً لا يعمل ، يقرأ القرآن في النهار ، فقال : << إنما أُنْزِلَ هذا القرآن ليُعْمَل به ، أفتَّخذت قراءته عملاً ؟ >> ، اقرأه في الفجر :

 

﴿ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا(78)﴾

(سورة الإسراء)

 قيمة الرجل ما يُحْسِنه ، يجب أن يكون لك عمل تنفع به المسلمين ، اختصاص تقضي به حاجة المسلمين ..

 

﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ{67} قَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ ﴾

قَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ

1 ـ الولد دليل نقص وعجز :

 لماذا يتَّخذ أحدنا ولداً ؟ يرجو ولداً ؟ يتزوَّج من أجل الولد ؟ من أجل أن يكون ابنه استمراراً له ، يقول لك : هذا المال من الذي سيأخذه ، ابني يرثه ، تريد ولداً ليحيا ذكرك من بعد موتك ، هذا معقول لأننا نحن ميتون ..

﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ(30)﴾

(سورة الزمر)

 أو أنك تريد ولداً يعينك إذا كبرت سنّك ، وشاب شعرك ، وضعف بصرك ، وانحنى ظهرك ، حينئذ تحتاج إلى ولد يعينك .

 

﴿ سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ ﴾

 ربنا سبحانه وتعالى باقٍ على الدوام .

 

﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ ﴾

(سورة القصص)

 هو الحي الباقي ..

 

﴿ مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا(3)﴾

(سورة الجن)

 إذاً :

 

﴿ قَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَـذَا أَتقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾

إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَـذَا

1 ـ السلطان هو الحجَّة :

 السلطان هو الحجَّة .

﴿ وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ(11)﴾

(سورة المؤمنون)

 السلطان هو الحجَّة ، الحجَّة تعطي صاحبها سلطاناً ، قال النمرود لسيدنا إبراهيم : من ربك؟ قال :

 

﴿ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيت ﴾

(سورة البقرة)

 أعفو عن شخصٍ فأحييه ، وآمر بقتله فأميته ، سيدنا إبراهيم كان فَطِناً ، أدرك أن متابعة النقاش في هذا الموضوع طريق مسدود ، قال :

 

﴿ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ﴾

(سورة البقرة)

﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ﴾

(سورة الأنعام)

2 ـ كلّ مؤمنٍ صادق معه حجَّة على خصمه :

 ولكل مؤمنٍ نصيبٌ من هذه الآية .. ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلَّمه .. ما من مؤمنٍ صادق إلا ومعه حجَّة يُفْحِمُ بها الخصوم ، ويُهَدِّم بها الباطل ..

﴿ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَـذَا ﴾

 أي ما عندكم من سلطانٍ بهذا ، أنتم بدون حجَّة ..

﴿ أَتقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ{68} قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ ﴾

قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ

1 ـ افتراء الكذب من أجل الدنيا الزائلة :

 أحياناً يكون أناس ضالّون مضلّون يفترون على الله الكذب من أجل الدنيا ، فكم ديانة وثنيَّة موجودة ؟ بجهات التبت والصين كان هناك ديانة ، وهذا الذي كان اسمه .. الداي لاما كان يجبي أموال الناس كلها إليه ، ويعيش في بحبوحةٍ كبيرة والناس جِياع ، وهم يؤلِّهونه ، هذا الافتراء على الله ، وهذا هو الكذب ، كم يستفيد منه ؟ في الدنيا فقط ، إذا جاء الموت دخل إلى النار وبئس المصير ، وإذا دجَّل الإنسان، أو كذب ، أو افترى ، أو سحر ، أو فعل شيئاً خلاف الحق من أجل كسب المال فقط ، فمصيرهم كما قال ربنا عزَّ وجل :

﴿ قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ ﴾

 فإذا أفتى الإنسان بشيء لا يرضي الله إرضاء لجهة من الجهات ، وكسب بسببها مالاً كثيراً .. يناله من هذه الجهة .. فهذا المال كم ينفعه ؟ ما دام حيَّاً ، فإذا مات انتهى ، شيء دقيق جداً ..

 

﴿ قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ{69} مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ﴾

 أي أن هذا الذي كسبوه من افترائهم على الله ..

 

﴿ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ ﴾

 هؤلاء الذين اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً ، عندما يُسَخّر الإنسان الدين لمصالح شخصيَّة ، أو يوظّف الدين لمنافع دنيويَّة ، أو يَسْكُت عن الحق وينطق بالباطل من أجل دنيا عريضة ، من أجل مال ، من أجل زوجة ، من أجل بيت ، من أجل شيءٍ من حُطام الدنيا ، هذا الذي جناه من افترائه على الله الكذب لا ينفعه إلا في الدنيا ، والدنيا زائلة ، وشيكة التحوُّل ، كل حالٍ يزول ولا يبقى إلا حسابه العسير ..

 

﴿ قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ{69} مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018