الدرس : 11 - سورة يونس - تفسير الآيات 42 – 51 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 11 - سورة يونس - تفسير الآيات 42 – 51


1985-11-29

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون ... وصلنا في سورة يونس عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام إلى قوله تعالى :

﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ(42)وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ ﴾

وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ

1 ـ دقة الآية في الجمع بين الحواسّ :

 الحقيقة هذه الآية من الدَّقَّة بمكان ، نبدأ بالعين ، هناك في الإنسان عينٌ ، وهناك دماغٌ ، وهناك قلبٌ ، وهناك اتصالٌ بين هذه الأشياء الثلاثة ، فهذه الكرة تنطبع في شبكيَّتها الصور ، والعصب البصري ينقل هذه الصور إلى الدماغ ، الدماغ يُدرك ، والعين تُحس ، العين مكان الإحساس ، والدماغ مكان الإدراك ، والقلب مكان العقل ، بدليل قوله تعالى :

﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا ﴾

( سورة الأعراف : من الآية 179 )

 أحياناً الطفل الصغير يرى ثعباناً مخيفاً ، صورة الثعبان انطبعت على شبكيَّته ، ولكنَّه لم يُدرِك ما هو ، لذلك لا يخاف ، ولا يتأثَّر ، ولا ينفعل ، وقد يُدرِك ما هو ، وبين هذا الإنسان وبين الثعبان حاجز منيع ، فلا يتحرَّك ، لكن إذا انطبعت صورة الثعبان في شبكيَّة العين ، وانتقلت هذه الصورة إلى الدماغ ، والدماغ بحكم التجربة والمفهومات التي حصَّلها في سنيّ حياته أدرك أنه ثعبان ، هل تعرفون ما دور العقل ؟ دور العقل هو التحرُّك لاتقاء شرِّه أو للهروب منه ، فمن لم يتحرَّك لم يعقل ، ومن لم يعرف الخطر لم يُدرِك ، ومن لم ير لم يُبصر ، فالعين تبصر ، والدماغ يُدرِك ، والقلب يعقل .
 أحياناً تُصاب الشبكيَّة بتخريب ، أو تصاب العين ، أو عدستها ، أو جسمها البلوري ، أو خلطها المائي ، أو خلطها الزجاجي ، أو قرنيَّتها ، أو قزحيَّتها بعطب ، فهناك عمىً سببه تخريب جهاز العين ، وقد تكون العين سليمةً مائة في المائة ، لكن مركز الرؤية في الدماغ يُصاب بالعطب ، هناك عمىً في الدماغ ، وإذا جاءت الشهوات فختمت على القلب نقول : هناك عمىً ثالث هو عمى القلب ، فإما أن تصاب العين بعطبٍ فتعمى ، وإما أن يصاب الدماغ بعطبٍ فيعمى ، تتعطَّل الرؤيَّة ، وإما أن يصاب القلب الذي هو مناط العقل بعطبٍ ، أو يحال بينه وبين الحقائق فهذا هو عمى القلب ، والله سبحانه وتعالى يقول :

 

﴿ فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ(46)﴾

(سورة الحج )

2 ـ التعامل بين الإنسان والمحيط مبنيٌّ إدراك وانفعال وسلوك :

 أحد العلماء قال : " إن قانون التعامل بين الإنسان والمحيط مبنيٌّ على ثلاث مراحل ؛ إدراكٌ ، انفعالٌ ، سلوك " الإدراك أولاً من لم ينفعل فإدراكه غير صحيح ، من لم يسلك فانفعاله غير صحيح ، الناس درجات ، أُناسٌ في غفلةٍ عن حقائق الدين ، هؤلاء بعدوا عن الدين ، أناسٌ ينفعلون ، أي عندهم عاطفة دينَّة ، يتأثَّرون ، يتمنَّون نصر المسلمين ، لكنَّ سلوكهم في البيت هوَ هو ، لم يتحرَّكوا ، هؤلاء لا يجديهم انفعالهم شيئاً ، وعاطفتهم المتأجِّجة لا تنفعهم ، فما لم يسلك طريق الحق ويبتعد عن طريق الباطل لا يُعدُّ المسلمُ مسلماً حقَّاً ، لذلك :

﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾

( سورة الأنفال : من الآية 72 )

 فربنا عزَّ وجل يقول هنا :

 

﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ﴾

3 ـ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْك

 لم يقل : ومنهم من يسمعونك ، بل يستمعون إليك ، أي أنه جلس ليسمع ، لكن السماع ينتقل من الأذن ، إلى الدماغ ، إلى القلب ، قلبه مغلقٌ بالشهوة .

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ(6)خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ﴾

( سورة البقرة )

 فالختم على القلب حكمي ، لأن منافذ القلب مسدودةٌ بالشهوات ، فعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمّ ))

[ سنن داود ]

 إذاً :

 

﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ ﴾

4 ـ ليس الصممُ صممَ الأذن :

 أيُّ صَمَمٍ هذا ؟ هل هو صمم الأذن ؟ لا ، الأذن سليمة تتأثَّر بأدقِّ الأصوات ، هل الدماغ أصابه عطب ؟ لا ، هذا الكلام الذي نقله غشاء الطبل إلى عُظَيْمات السمع إلى الأذن الداخليَّة إلى الدماغ أدرك الدماغ فحواه ، وسمَّاه الله أصم ، ما الذي جعله أصمَّ ؟ إن الطريق من الدماغ إلى القلب مسدودٌ بالشهوات ، فربنا عزَّ وجل قال :

﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ ﴾

 يا محمَّد عليه الصلاة والسلام ..

 

﴿ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ ﴾

 أنَّى لهم أن يعقلوا هذه الحقيقة ما دامت الشهوة قد سدَّت منافذ القلب ؟

 

صمم الأذن وعمى القلب سببهما الانغماس في الشهوات :

 صار واضحاً الآن أن العين تنتقل الصور منها إلى الدماغ ، ومن الدماغ إلى القلب ، وتنتقل الأصوات من الأذن إلى الدماغ ، ومن الدماغ إلى القلب ، فقد يُصاب الإنسان بصممٍ جزئي ، أي بعطبٍ في الأذن أو بعمى في العين ، وقد تتخرَّش أماكن الإدراك في الدماغ فيصاب الإنسان بعمىً منشؤه الدماغ ، وبصمم منشؤه الدماغ ، هذه كلِّها أشياء عضويَّة ، لكن قد يُصاب الإنسان بصمم القلب وبعمى القلب ، وصمم القلب وعمى القلب هذان مرضان منشؤهما نفسي ، أي أن الاستغراق في الدنيا أن تأخذ الشهوة على الإنسان مداخل قلبه ، أن تسدَّ هذه المداخل ، أن تكون الشهوة همَّ الإنسان ، شغله الشاغل ، عندئذٍ لا يعي القلب خيراً ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُهُ ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ :

﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

[ الترمذي ]

 

﴿ كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(14)﴾

( سورة المطففين )

 أي أن الأعمال السيئة تكون حاجزاً بين القلب وبين الحقيقة ، شيء دقيق جداً ..
 أنا أضرب بعض الأمثلة : يرى إنسان أن في غرفته ثعباناً ، ولا يتحرَّك ! هذا مستحيل ، قد تنطبع الصورة في العين والدماغ لا يُدْرِكُها ، وقد يُدرك الدماغ ولا يتحرَّك ، إذاً هو إنسان غير عاقل ، بل مجنون ..

 

﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا ﴾

( سورة الأعراف : من الآية 179)

 فالله سبحانه وتعالى سمَّى هؤلاء الكفرة صماً وعمياً ، ووصفهم بالصمم ، ووصفهم بالعمى ، ولكن هذا الصمم ، وهذا العمى ليس منشؤه عضوياً ، ولكن منشؤه نفسي ، انغماس الإنسان في الدنيا ، تعلُّقه بها ، ارتكابه المعاصي ، هذه المعاصي كلُّها تكون حجاباً بين القلب وبين عقل الحقيقة .

 

بعد أن تعقل الحقَّ لابد أن تتحرك لتطبيقه :

 فالذي أريده من خلال هذا الكلام ، أنه مهما استمعت إلى الحق ، ومهما كان الحقُّ واضحاً ، ومهما كانت الأمور واضحةً لديك ، فإن لم تتحرَّك فإن الحقَّ لا يُجْدي ، أي أن هذا كلامٌ عاقبته خطيرة ، كلامٌ يسمِّيه بعضهم مصيريَّاً ، أي أن مصيرك في الدنيا والآخرة متوقِّفٌ على تطبيقه ، فعندما يسمع الإنسان ، ويتأثَّر ، ويثني على المتكلِّم ، وهو كما هو ، نقول : إنه لم يعقل الحقيقة ، ولو عقلها لسلك سلوكاً يتناسب مع عقله لها .
 النبي الكريم هكذا فهم الدين ، جاءه أعرابيٌّ فقال له : " يا رسول الله جئتك لتعلمني من غرائب العلم " ، فقال عليه الصلاة والسلام :

(( وماذا صنعت في أصل العلم ؟ " فقال هذا الأعرابي: " وما أصل العلم ؟ " قال : " هل عرفت الرب ؟ " قال : " ما شاء الله .. أي عرفته وهو بذلك يدَّعي .." قال له : " فماذا صنعت في حقِّه ؟ إن كنت قد عرفته ماذا صنعت في حقِّه؟ ))

[ ورد في الأثر ]

 ولقد ضربت في الأيَّام الماضية مثلاً على بعض الإخوة الأكارم ، وهو : أن إنسانًا ليس عنده زيت ، وسعر عبوة الزيت عند جاره السمَّان خمسمائة ليرة ، وسعرها في المؤسسة الاستهلاكيَّة مائتان وخمسون ، وقال له ابنه : في الاستهلاكيَّة الزيت متوفرة ، و ليس هناك ازدحام ، وأنت بحاجة لزيت ، ودخلك محدود ، ولديك فراغ ، والمبلغ موجود معك ، ماذا تفعل ؟ لا يمكن إلا أن تقف ، وترتدي ثيابك ، وتتجه نحو الاستهلاكيَّة لشراء الزيت ، هذا العقل ، العقل تحرُّك ، بلغ إلى علمك أن الزيت متوافر ، والسعر معقول جداً ، وعند السمَّان السعر بالضعف ، ودخلك محدود ، والمبلغ موجود ، ووقتك فراغ ، والزيت موجود ، والازدحام منعدم ، إذا لم تتحرَّك فلعل ابنك قال لك : الازدحام شديد ، أو إذا لم تتحرَّك لعلّ دخلك غير محدود فلست بسائل ، أو إذا لم تتحرَّك فلديك في البيت زيت ، أو إذا لم تتحرَّك لأن سعر الزيت عند السمَّان بسعر الاستهلاكيَّة ، أو إذا لم تتحرَّك لأنه ليس لديك وقت لتتحرَّك وتشتري الزيت ، عندك موعد مهم جداً ، أو إذا لم تتحرَّك لأنه ليس معك ثمن الزيت ، فعندما تأتيك المعلومات الدقيقة ، ولا تبادر من فورك فذلك سبب ما ، أما إذا بلغتك كل هذه المعلومات وأنت بحاجة ترى نفسك تتحرَّك مسرعاً ، هذا شأن الإنسان في الدنيا ، إذا بلغه أن في هذه السيَّارة مخالفة تسبِّب مصادرتها فماذا يفعل ؟ لا يحركها من موقفها حتى يزيل أسباب المخالفة .
 إذا بلغك أن هذه البضاعة سوف تُصَادَر ، وستدفع ثمانية أضعاف ثمنها غرامة جزاءً فماذا تفعل ؟ تبقيها في محلِّك التجاري ؟ من الممكن ألا تنام ليل نهار ، طول الليل تعمل في نقلها ، عندما يكون إدراك الإنسان صحيحاً ، وينتقل الإدراك إلى القلب تجد أنه تحرَّك ، هذا مقياس لنا جميعاً ، ما دام بعض الحاضرين يقول : والله تباركنا بك يا أستاذ ، والحمد لله على هذا الدرس ، والله مجلس علم زاخر ، والحمد لله ، وصافحت يد الشيخ تبركاً ، وانصرفت مهرولاً ، وأنت كما أنت في البيت ، والله ما عقلت شيئاً ، ولا تقدَّمت درجة ، وكلَّه وهمٌ في وهم ، ما لم تتحرَّك ، و تغض بصرك ، وتحرِّر دخلك ، وتستِّر عيالك ، وتزيل المخالفات من البيت فالآن أنت عقلت الحق ، أما قبل ذلك فشممت رائحته ، أدركته بفكرك ، ولم ينتقل إلى قلبك ..

 

﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾

( سورة الحج )

 لكي يوفِّر الإنسان وقته ، لكي لا يقول الإنسان : أنا بقيت عند الأستاذ اثنتي عشرة سنة ولم أتقدَّم ، والله لم أستفد شيئاً ، أنت لا تطبِّق ، عملياً ما علمت الازدحام الشديد لا قيمة له عند الله عزَّ وجل .. واحدٌ كألف وألفٌ كأُف .. أي واحد عقل الحقيقة انتهى أمره إلى خير ، أعرابيٌّ من الصحراء جاء النبي عليه الصلاة والسلام وقال له : " يا رسول الله عظني وأوجز " ، فقرأ عليه النبي الكريم :

 

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8)﴾

( سورة الزلزلة )

 قال له : " قد كُفِيت " فقال عليه الصلاة والسلام : " فقُه الرجل " ، أي أنه أصبح فقيهاً ، فآية واحدة لو عقلتها لأفلحت ، فقد تقرؤها ، وقد تفهمها ، وقد تسمع تفسيرها ، وقد تفسِّرها لأخيك ، ولكنَّك لم تعقلها ، دليل عقلك لها تطبيقك إيَّاها ، ودليل فهمك إياها توضيحك للمعنى ، فإذا وضَّحت المعنى للآخرين فقد فهمتها ، أما إذا طبَّقتها فقد عقلتها ، وقبل العقل لا قيمة لأيِّ شيءٍ آخر ، ربنا عزَّ وجل يقول :

 

﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ ﴾

 الله عزَّ وجل سمَّاهم صُمَّاً ، لهم آذان مرهفة ، لهم دماغ تلافيفه متعرِّجة وهو ذكي ولكنَّه عند الله أَصَمَّ لأنه ما طبَّق الحق .. فقال هذا الأعرابي : " وما أصل العلم ؟ " قال : " هل عرفت الرب ؟ " قال : " ما شاء الله " قال : " فماذا صنعت في حقِّه ؟ هل عرفت الموت ؟ " قال : "ما شاء الله " ، قال : " فماذا أعددت له ؟ " .. هذا هو التفكير العملي ، أما أن تُعلِّق مصحفاً في البيت ، وتضع مصحفاً على صدرك ، أو تُعلِّق مصحفاً في سيَّارتك ، تكتب على المحل : فاستقم كما أُمِرْت ، بسم الله الرحمن الرحيم، إنَّا فتحنا لك فتحاً مبيناً ، تعلِّق صورة الكعبة في البيت ، ما دام الأمر في اختلاط فأنت لست عاقلاً شيئاً من الدين ، ما دام الدخل مشبوهاً فلست عاقلاً شيئاً من الدين ، ما دام هناك مصافحة للنساء و تساهلا في الأوامر و تقصيرا في الصلاة فإنك لم تعقل شيئاً عن الله عزَّ وجل ، إن هذا الحضور للمسجد وسماع الدروس من دون تطبيق ليس له قيمة ..

 

﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا(142)مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا(143)﴾

( سورة النساء )

 هذا الإنسان المقصِّر هل هو كافر ؟ لا ليس كافراً ، لأنه يعرف كل شيء ، أهو مؤمن ؟ لا ليس مؤمناً ، لأنه ليس بمطبِّق ، إنه من المذبذبين لا إلى هؤلاء ، ولا إلى هؤلاء .

 

﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ(42)وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ ﴾

 إذاً مناط العقل في القلب ، ومنفذا القلب السمع والبصر ، فإذا أحبَّ الإنسان الدنيا كانت غشاوةً على سمعه وعلى بصره ، هذه آية دلالتها دقيقة جداً ومن الآيات المحكمات ..

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾

إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

1 ـ علاقة هذه الآية بالآية التي قبلها :

 علاقة الآية بالآية التي قبلها ، أنَّ الإنسان خلقه الله سبحانه وتعالى مزوَّداً بوسائل المعرفة ، فهذه السيَّارة مزوَّدة بمصباحين متألِّقين شديدين ، فإذا أطفأ السائق هذين المصباحين ، وسار في الظلمات بلا ضوء ، وكان هناك منعطفٌ خطير لم يرَه بالعين المجرَّدة فهوى في الوادي ، نقول له : لم يظلمك أحد ، لقد ظلمت نفسك ..

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾

2 ـ هلاك الإنسان في الدنيا سببه عدمُ رؤية الحقيقة :

 عندما يهلك الإنسان هلاكاً في الدنيا السبب أنه ما رأى الحقيقة مع أنَّه يملك وسائلها ، مع أنه يملك وسائل الحقيقة ، أو لو أن وسائل الحقيقة لا يملكها الناس لكان الله سبحانه وتعالى قد ظلمهم ، لكن الله سبحانه وتعالى قال :

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ(8)﴾

( سورة البلد )

 بعض تفسيرات هذه الآية : يرى بهما الآيات ..

 

﴿ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ(9)﴾

 يسأل به عن الحق ..

﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ(10)﴾

 طريق الخير والشر ..

﴿ فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ(11)وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَـة ُ(12)فَكُّ رَقَبَةٍ(13)﴾

 أي أن تفكَّ رقبتك من أسر الشهوة ، ما دامت الشهوة أكبر همِّك ومبلغ علمك فلن تعرف الحقيقة ..

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ(8)وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ(9)وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ(10)فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ(11)وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ(12)فَكُّ رَقَبَةٍ(13)﴾

( سورة البلد )

 أي أن تفكَّ رقبتك من نير الشهوة ثمن الحقيقة ، لذلك :

(( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْقَطِيفَةِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ ))

[ابن ماجة عن أبي هريرة ]

 الإنسان يقيِّم نفسه بهذا المقياس ، مقدار التحرُّك ، مقدار الاستجابة العمليَّة ، مقدار التطبيق هذا الله هو مقياس عقلك لقول الحق .
 نذكر بعض الأمثلة ، فمثلاً لو أن أحداً قرأ الآية التالية

 

﴿ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71)﴾

( سورة الأحزاب )

 هي آية واضحة ، من الممكن لي إنسان عادي أن يفهمها ، وهذه الآية لا تحتاج إلى تفسير ، لكن إذا لم يطع الإنسان الله ورسوله فما فاز الفوز العظيم ، فشتَّان بين فهم الآية وتطبيقها .
 من الممكن أن أحداً يقرأ بلاغَ منع التجوُّل ، يدقِّق في الخط والحروف ، ونوع الطباعة ، ونوع الورق ، شكل التوقيع ، بخط مَنْ ، يدقِّق بالصياغة ، بالرقم والتاريخ ، لكن فاته أن يطبِّق البلاغ ، فاته أن يدخل إلى البيت فوراً ، قد يهلك ، درس في هذا البلاغ أشياء كثيرة ولكنَّه غفل عن مضمونه ، إذاً ما الذي عقله ، لو أنه عرف أن هذا البلاغ يعني أنه من يتجوَّل في الطريق يعرِّض نفسه للهلاك إذاً قبل أن تدرس الخط ، والتوقيع ، والحبر ، والورق ، وصياغة البلاغ ، ورقمه وتاريخه انظر إلى مضمونه واستجب له قبل أن تهلك نفسك ، فالقرآن الكريم أول ما يدعوك إليه أن تستجيب لأوامره ، وأن تنتهي عن نواهيه ، وإلا لا جدوى مما سوى ذلك ..

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾

 أحياناً قد يشتري الإنسان دواءً مبيداً لكنَّه خطر جداً ، والبائع ينصحه فيقول له : إن هذا الدواء خطر جداً ، إذا وضعته في وعاء ، ولم تغسله يمكن أن يسبب هلاك الأسرة ، هناك من استعمل هذا الدواء في وعاء وغسل الوعاء غسلاً سطحيَّاً ، وطبخ فيه فمات أفراد الأسرة كلُّهم ، البائع بلَّغه ، حذَّره ، أخذ توقيعه ، فربنا عزَّ وجل قال :

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(44)وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ﴾

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ

1 ـ تعارف الناس تعارف افتضاح وتوبيخ :

 في الآية تعارف بين الناس ، هذا التعارف لا تعارف ترحيب ، ولكن تعارف افتضاح وتوبيخ ، يقول أحدهم للآخر : أنت دللتني على طريق المنكر لا جزاك الله خيراً ، يقول له : لا ، أنت السبب ، هناك تعارف توبيخ وافتضاح .
شيء آخر : ربنا عزَّ وجل قال :

﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ﴾

 أي حينما تأزف الآزفة ، حينما يأتي يوم القيامة ، أو حينما تأتي الساعة عندئذٍ ..

 

﴿ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ ﴾

2 ـ عيشك في الدنيا كأنه ساعة من نهار :

 إذا أعطيناه شخصاً فرصة خمس سنوات يتجوَّل في أرجاء الأرض ، ويستمتع بكل ما فيها من مباهج ، ويقترف جميع الملذَّات المباحة وغير المباحة والمحرَّمة ، وينغمس في كل الشهوات ، وينفق أبهظ الأموال ، ويعطي نفسه هواها ، وهو عاطل عن أي عمل إطلاقاً ، بل كل عمله الاستمتاع ، وبعد هذا أردنا أن نعذِّبه عذاباً أليماً ، حينما يبدأ التعذيب الجسدي ألا ينسى كل هذه الأيَّام ؟ ألا ينسى كل هذه السنوات التي أمضاها في الملذَّات ؟ هكذا حال الكافر .

﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ ﴾

 عمرهم المديد قضوه بالمتع التي انغمسوا فيها ، بالملذَّات التي اقتنصوها ، بالشهوات التي مارسوها ، بالأيَّام التي استطالوا فيها شِرّةً ، بالليالي التي سهروها ، بالأصحاب الذين استمتعوا بصحبتهم ، بالموبقات التي انغمسوا فيها ، هذا العمر المديد الذي أمضوه في المعاصي يصغر ويصغر حتى يصبح ساعةً من النهار ، لذلك سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كلَّما دخل إلى مجلس الخلافة كان يتلو هذه الآية ..

 

﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ(205)ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ(206)مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ(207)﴾

( سورة الشعراء )

 فهذه الدنيا المديدة بشهواتها وملاذِّها ، وطعامها وشرابها ، ونسائها ، وبيوتها الفخمة ، وبساتينها ، ومقاصفها ، وذهبها وفضَّتها ، ومتعها الرخيصة وغير الرخيصة هذه كلُّها تصغر وتصغر حتى تصبح ساعةً من النهار ..

 

﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ﴾

 السيِّدة عائشة رضي الله عنها سألت النبي عليه الصلاة والسلام : "أيعرف بعضنا بعضاً يوم القيامة ؟ " سؤال طريف ، أي إذا كان للإنسان جار ، أو له صديق ، أو صاحب ، يعرف شخصاً أعلى منه في الدائرة ، أدنى منه ، صهر مثلاً ، أخ ، أب ، إذا وقعت عين الابن على أبيه يوم القيامة هل يعرفه ؟ " أيعرف بعضنا بعضاً يوم القيامة ؟ " ، قال عليه الصلاة والسلام: " نعم يا أمَّ المؤمنين ، إلا في ثلاثة مواضع : عند الصراط ، وعند الميزان ، وإذا الصحف نُشِرَتْ " ، ففي هذه المواضع الثلاثة لا يعرف بعضنا بعضاً ، وفيما سوى ذلك لو وقعت عين الأمِّ على ابنها تعرفه فتقول له : " يا ولدي ، يا بني ، جعلت لك صدري سِقاءً ، وبطني وعاءً ، وحجري وطاءً ـ أي فراشاً ـ فهل من حسنةٍ يعود عليَّ خيرها اليوم ؟ أي أن أمُّه تتسوَّل منه حسنة ، فيقول : يا أمَّاه ليتني أستطيع ذلك إنني أشكو مما أنتِ منه تشكين " ..

 

﴿ وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ(20)وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ(21)﴾

( سورة الذاريات )

 السيِّدة عائشة رضي الله عنها بعد أن سمعت قول النبي عليه الصلاة والسلام :

(( يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ !!! قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا عَائِشَةُ ، الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ))

[ مسلم ]

 معنى غُرلاً أي على حالهم قبل أن يطَّهروا ، أي حالهم قبل الختان .. فقالت يا نبي الله : أو يرى بعضنا بعضاً هكذا ؟ " ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( يَا عَائِشَةُ ، الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ))

 الأمر أخطر بكثير من أن يلتفتوا إلى بعضهم بعضاً .
 إذاً :

 

﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ ﴾

قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ

الخسارة مطلقة يوم القيامة :

 أروع ما في هذه الآية أنَّ نوع الخسارة لم يذكره الله سبحانه وتعالى في الدنيا قد يخسر الإنسان محلَّه التجاري ، شقت المحافظة شارعاً مرَّ بمحله فأعطوه بدلاً له خمسة آلاف ليرة ، بينما فروغ محلَّه خمسمائة ألف ، أعطوه خمسة آلاف فقط ، أي أنه خسر المحل ، لكن صحَّته سالمة ، و له بيت ، وله أولاد ، وله أرض ، وله محل ثانٍ ، وعنده بناية يؤجِّرها ، خسر محلَّه التجاري فقط ، فالخسارة محدودة ، أحياناً الإنسان يخسر ولدًا من أولاده ، إذا كانوا يريدون أن يواسوا الأب يقولون له : بضاعة مخلوفة ، أحياناً يخسر الإنسان بيته من جراء قرار إخلاء ، فيبقى هو وأسرته في الطريق ، يستأجر بيتًا ، خسارة الدنيا محدودة ، لكنَّ يوم القيامة ربنا سبحانه وتعالى قال :

﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ﴾

 خسروا ماذا ؟ كل شيء ، خسروا أنفسهم ، خسروا هذه السعادة الأبديَّة ، خسروا دهرهم إلى الأبد ، خسروا الجنَّة ، خسروا القُرب من الله عزَّ وجل ، خسروا كل شيء ..
 " ابن آدم اطلبني تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتُّك فاتك كل شيء ، وأنا أحبَّ إليك من كل شيء " .
 هذه :

 

﴿ قَدْ خَسِرَ ﴾

 في الدنيا الخسارة محدودة ، مقيَّدة ، خسر ماله ، خسر زوجته ، خسر أحد أبنائه ، خسر منصبه ، خسر بيته ، خسر محلَّه التجاري ، لكن يوم القيامة الخسارة فادحة :

 

﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴾

 فالأمور بخواتيمها ، ومن شبَّ على شيءٍ شاب عليه ، ومن شاب على شيءٍ مات عليه ، ومن مات على شيءٍ حُشِرَ عليه " ، " ومن هوي الكفرة حُشِرَ معهم ، ولا ينفعه عمله شيئاً " .

 

﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ ﴾

وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ

إلى الله مرجع العباد للحساب :

 أي أن الله عزَّ وجل شهيدٌ على ما يفعل العباد ، سواء أأدركت ذلك أم لم تُدْرِك ، و :

﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1)﴾

( سورة النساء )

 يمكن أنت تعاشر صديقاً لك ظالماً فالله عزَّ وجل يمُدَّه ، فمن الممكن أن هذا الإنسان ينتهي أجله وصديقه في أوج قوَّته ، على الله عزَّ وجل الحساب ..

 

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26)﴾

(سورة الغاشية )

 أي سواءٌ عليك أشهدت نهاية الكفَّار أم لم تشهدها فنهايتهم محتومة ، سواءٌ عليك أشهدتها أنت بأمِّ عينك أم لم تشهدها ، سواءٌ عليك أكان في العمر بقيَّةٌ تشهد بها مصير الكفَّار ، أم لم يكن في العمر بقيَّة تشهد خلالها مصير الكفَّار ..

 

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26)﴾

( سورة الغاشية )

﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ﴾

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ﴾

( سورة النمل )

 فانظروا الفاء للترتيب على التعقيب ..

 

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(11)﴾

( سورة الأنعام )

 أما ثم : فهي للترتيب على التراخي ، يمكن أن يأكل الإنسان يأكل مال حرام ، ويعتدي ، ويبغي والله يمد بعمره إلى فترة طويلة ، فالإنسان إذا رأى له صديقاً أو جاراً تجاوز الحدَّ المعقول، لا يصلي ، وكلامه بذيء ورغم ذلك يزداد قوَّةً ومالاً ، فإن هذا الموقف يجب ألا يحملِك على الشك بقواعد الدين ..

 

﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ(46)وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ ﴾

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ

1 ـ من تمام هداية الله للعباد إرسالُ الرسل :

 من تمام هداية الله عزَّ وجل ، ومن تمام رحمته أنه قيَّص لكل أمةٍ رسولاً ، هذا الرسول يشهد لهم ويشهد عليهم ، يشهد لهم في الدنيا ، ويشهد عليهم في الآخرة ، يذكر لهم الحقيقة في الدنيا ، أي يعرِّفهم بالله عزَّ وجل ، بآياته القرآنيَّة ، بآياته الكونيَّة ، بأسمائه الحُسنى، بمصيرهم بعد الموت ، بنشأتهم ، بجدوى الحياة ، بجوهرها ، هذا النبيّ ، النبي عليه الصلاة والسلام وكل نبي ..

﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ(151)﴾

( سورة البقرة )

﴿ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾

(سورة آل عمران : من الآية 164)

 أي يطهِّرهم هذه وظيفة النبي ووظيفة الدعاة إلى الله من بعده ..

 

﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ(46)وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ ﴾

2 ـ يوم القيامة كلُّ أمّةٍ مع رسولها :

 يوم القيامة هذه الأمَّة أين رسولها ؟ يأتي رسولها ، هل أبلغتهم ؟ نعم ، إذاً يستحقُّون العذاب ، أغلب المفسِّرين حمل هذه الآية على هذا المعنى ..

 

﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾

﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى ﴾

( سورة الزمر : من الآية 71 )

 طبعاً :

 

﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ﴾

 أي بالعدل ..

 

﴿ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾

 ويقول الكفَّار :

 

﴿ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾

وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ

الكفار يستنكرون وعيد الله :

 هذا ليس استفهاماً ، علماء التفسير حملوا هذا الكلام على محمل الاستهزاء والسخرية ، هذا الوعد متى ؟ استنكاراً لهذا الوعد والوعيد ، واستهزاءً به ، واستبعاداً له ، استهزاءً واستنكاراً واستبعاداً ..

﴿ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾

الجواب القرآني : قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا

1 ـ لا أحد يملك لنفسه ضرا ولا نفعا :

 فالله سبحانه وتعالى أمرَ نبيه عليه الصلاة والسلام أن يقول :

﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ﴾

 أي إن كنت أنا لا أملك لنفسي التي بين جنبي نفعاً ولا ضرَّاً أفأملك هذا النفع والضُرَّ لكم ؟

 

﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾

2 ـ كل شيء بمشيئة الله :

 هذه الجملة :

﴿ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾

  قال العلماء : " استثناء المشيئة محمولٌ على أن الأشياء ثابتة لا بذاتها ، ولكن بمشيئة الله سبحانه وتعالى " ، فأنت مثلاً ترى هذه الطاولة من الخشب تتركها مئات السنين تبقى على حالها كما هي ، هذا الخشب له صفات ثابتة ، أي أن قِوامه متين ، ولا يتأثَّر بالهواء ، ولا بأي شيءٍ آخر ، ماذا تظن ؟ أنها ثابتة على حالها بذاتها ، يجب أن تقول : إلا ما شاء الله ، أي أنها ثابتة على حالها بمشيئة الله لا بذاتها ، كما أنك تقرأ آية قرآنية :

 

﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ(107)﴾

( سورة هود )

 هذا ليس استثناء ، هذا ليؤكِّد أن الأشياء ثابتةٌ لا بذاتها ، ولكن بمشيئة الله ، فأنت معمِّرٌ بيتاً في الطابق السابع ومطمئن ، وهذا البيت مُلك لك ، ودفعت ثمنه ، وانتهيت ، وأسعاره ارتفعت ، وإسمنته مسلح بالحديد ، وفي المتر المربَّع وضعت سبعة أكياس من الإسمنت ، فتماسك الإسمنت بمشيئة الله عزَّ وجل ، وبقاء الحديد حديداً بمشيئة الله عزَّ وجل ، تقول : هذا البيت قِوامه جيد إلا ما شاء الله ، معنى إلا ما شاء الله أي ليس بذاته قائماً ، لكنَّه قائمٌ بمشيئة الله ، فلو أن الله سبحانه وتعالى غيَّر صفات الحديد لوقع البناء ، ولو غيَّر تماسك الإسمنت لوقع البناء ، ولو غيَّر استقرار الأرض لوقع البناء ، فالإنسان المؤمن الموحِّد ولو سكن بيتاً ووضع في أساساته أربعة أضعاف الكميات القانونيَّة ، والحديد بثخانة اثنني عشر ميليمتراً فهذا بمشيئة الله ، وهذا الاستثناء الذي أراده الله سبحانه وتعالى إذا تحدَّث عن شيءٍ دائم قال :

 

﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ ﴾

( سورة هود : من الآية 107 )

 وإذا دخل أحد الجنة فبقاؤه فيها بمشيئة الله .

 

﴿ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ(48)﴾

( سورة الحجر )

 بقاؤك في الجنَّة ليس ذاتياً بذاتك ، بل برضاء الله عنك ، وبمشيئة الله التي سمحت لك بالبقاء ، فلو أن الله شاء لك غير ذلك لما بقيت فيها ، مثل موظَّف فوقه أعلى منه ، هذا الموظَّف الأدنى حر بالحركة والتصرُّف ، ويمارس صلاحيَّاته ما دام الذي فوقه راضٍ عنه ، وينوي له أن يبقى في منصبه ، فإذا أراد الذي أعلى منه أن يُعزل عن منصبه عزل فوراً ، إذاً :

 

﴿ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(48)قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾

لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ

1 ـ لكل شيء أجلٌ محدَّد لا يُقدَّم ولا يؤخَّر :

 أي لكل واحدٍ من آحاد هذه الأمَّة أجل ، ليس المقصود أمَّة بكاملها ، لكل واحدٍ من آحاد هذه الأمَّة أجل ..

﴿ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾

 بعض المجلات أحياناً تنشر مقالات مضحكة ، أنه تم اختراع دواء يُطيل العمر ، هذا الكلام خلاف القرآن الكريم ، الإنسان العاقل لا يقرأ شيئاً خلاف كتاب الله ، لأنه كلام فارغ ، وجهد ضائع ، وبذل طاقة في غير محلَّها ، وهذا المقال ينطلق من الباطل ..

 

﴿ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾

2 ـ العناية بالصحة مطلوبة ، لكن لا يغني حذَرٌ عن قدَرٍ :

 العناية بالصحَّة ليست سبباً لطول العمر ، لا ، ولكن العناية بالصحَّة من أجل أن تمضي هذا العمر سالماً عافياً قائماً فقط ، لكن العمر لا يزيد ولا ينقص ، سواءٌ عليك أكانت عنايتك بالصحَّة ممتازة أم سيئة ، وبعض الناس يعاني مثلاً من حالة مرضية بالقلب ، فيعيش خمساً وأربعين سنة بعد حدوث هذه الحالة ، معنى هذا أن مرض القلب لا يميت ، ولا الضغط يميت ، بل لا يميت إلا الله سبحانه وتعالى ، هذا اعتقاد الإنسان المؤمن ، و إذا اعتنى بصحَّته ، أكل طعاماً معتدلاً ، اهتم بجسمه ، بحركات جسمه ، بعضلاته ، بأمعائه ، بجسمه ، بنظافته فهذه العناية من أجل أن يستمتع بصحَّته طوال العمر الذي رسمه الله له ، فإنه يبقى واقفاً في عافية ، أي أنه يبقى جنديَّاً في خدمة الحق ، أنت عندك خدمة ثابتة وخدمة مسلَّحة ، وإذا كنت بصحَّتك التامَّة فعليك خدمةٌ في سبيل الله أجرها كبيرٌ جداً ..

﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ ﴾

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ

1 ـ احذروا عذاب الله :

 مدينة في كولومبيا بأمريكا الوسطى ، مدينة سكَّانها يزيدون على خمسين ألفاً ، وهي في مكان جميل .. كما سمعت .. لم أر صورها ، وعلى مقربة منها بركانٌ خمد منذ مائة وخمسين عاماً ، وعَلَتْه الثلوج المتراكمة ، ثار هذا البركان ، أذاب الثلوج فانهمرت المياه على شكل سيول فأغرقت سكَّان المدينة ، غرقوا في المياه والوحل ، ثم جاءت الحُمَمُ من فوهة البركان فغطَّت المدينة أربعة أمتارٍ من هذه الحُمم الملتهبة ، فلمَّا حاول بعضهم إنقاذ من سمعوا له أنيناً جاءت الحُمم الأخرى فوقهم فولَّوا هاربين وكتبوا : هذه المدينة مقبرةٌ لأصحابها بإذن ، الله عزَّ وجل ..

﴿ وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ﴾

( سورة الكهف : من الآية 59 )

﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ(117)﴾

( سورة هود )

 آيات كثيرة :

 

﴿ وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا(58)﴾

( سورة الإسراء )

 وقبلها في مكسيكو أيضاً حصل زلزال مشابه ، لكن هذه المدينة التي في كولومبيا قالوا : خمسة وثلاثون ألفاً أُبيدوا عن آخرهم ، في خلال دقائق معدودة ..

 

﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا ﴾

2 ـ لا أحدَ يعلم ساعةَ العذاب من ليل أو نهار :

 يعني أن بعضهم كان نائماً مطمئناً ، أغلق بابه وأوى إلى فراشه والبيت دافئ ، وصباحاً لديه مشاريع كثيرة سيبادر لإنجازها ، ونام وهو مطمئن ، فجاءت المصيبة ..

 استعجالهم إذاً استعجال إنكارٍ وسخريّةٍ واستبعاد ..

 

﴿ أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ ﴾

أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ

لا ينفع إيمان بعد فوات الأوان :

 إنّ منتهى البلاهة والغباء أن تؤمن بالشيء بعد وقوعه ..
 هناك غدير ماءٍ فيه سمكاتٍ ثلاث ؛ كيَّسةٌ وأكيس منها وعاجزة ، مرَّ بالمكان صيَّادان ، نظرا في الغدير فأبصرا ما فيه من السمك ، أُعْجِبا بالسمك ، تواعدا أن يرجعا ومعهما شباكها ليصيدا ما فيه من السمك .. هذه القصَّة رمزيَّة .. فسمعت السمكات قولهما ، أمَّا أكيّسهن أي أعقلهن فقالت : العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها .. هذا العاقل .. فلم تعرج على شيءٍ حتى خرجت من المكان الذي يدخل منه الماء من النهر إلى الغدير فنجت وارتاحت وأراحت ، وأما الكيَّسة أي الأقلُّ ذكاءً فبقيت في مكانها حتى عاد الصيَّادان ، فذهبت لتخرج من حيث خرجت رفيقتها فإذا بالمكان قد سُد فقالت : فرَّطت ، وهذه عاقبة التفريط ، غير أن العاقل لا يقنط من منافع الرأي ، ثم إنها تماوتت فأخذها الصيَّادُ ، فوضعها على الأرض بين النهر والغدير ليأخذها عند فراغه ، فوثبت في النهر فنجت ، وأما العاجزة فلم تزل في إقبالٍ وإدبارٍ حتى صيدت .. قال عليه الصلاة والسلام :

(( الْكَيِّسُ ـ أي العاقل ـ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ ))

[ الترمذي عن شداد بن أوس ]

 وهذا معظم حال المسلمين ، تجده يقول : الله يتوب علينا ، نحن عبيد إحسان ، ولسنا عبيد امتحان ، ماذا سنفعل ؟ حتى الله يتغمَّدنا برحمته ، هذا كلام فارغ ، هو مقيم على شهواته كلها ، مقيم على معاصيه كلها ، ليس مستعدا أن يتحرَّك نحو الحق ، ليس مستعداً أن يتوب إطلاقاً ، لكن كلامه لطيف ومحذّر ، قال

(( لَقَدْ خَلَقْتُ خَلْقًا أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ ، وَقُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ ، فَبِي حَلَفْتُ لأُتِيحَنَّهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِيمَ مِنْهُمْ حَيْرَانًا ))

[ الترمذي عن ابن عمر ]

 الكلام ليس كلاما ألطف منه ، أما من حيث السلوك فإن بعضنا يأكل بعضاً ، يستغل بعضنا بعضاً ، يسحق بعضنا بعضاً من أجل الدنيا ، وكلامهم لطيف ..

 

﴿ أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ ﴾

 هذه العاجزة بعد أن جاءها الصيَّاد ، وألقى القبض عليها ، وبدأ يضعها على النار ليأكلها عرفت أنها مخطئة ، لكن متى ؟ بعد فوات الأوان..

 

﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلْ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ(158)﴾

( سورة الأنعام )

 لكن الكيَّسة قالت : العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها ، والأقلُّ ذكاءً حينما واجهتها المشكلة احتالت لها ونجت لكن بعد أن حطَّمت أعصابها..

 

﴿ ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018