الدرس : 08 - سورة يونس - تفسير الآيات 31 – 36 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 08 - سورة يونس - تفسير الآيات 31 – 36


1985-11-08

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة الأكارم ... وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾

قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ

من دلائل ألوهية الله تعالى :

الله مالكُ كل شيء فاطلبوا الرزق مِن عنده :

 في هذه الآية مجموعة أدلة قاطعة على ألوهية الله سبحانه وتعالى وعلى ربوبيته ، من هذه الأدلة الرزق ، وكل إنسانٍ متعلقٌ برزقه ، فهذا الرزق من السماء والأرض ، فإذا كان الرجل يملك ثمن الطعام فهل يملك خلقه ؟ هل يملك صُنْعَهُ ، من جعل أشعة الشمس المسلَّطة على البحار منذ خمسة آلاف مليون سنة ؟ من جعل هذه البحار التي تزيد مساحتها على سبعين بالمائة من مساحة الأرض ؟ من جعل هذا الماء المالح يتبخر ماءً عذباً فراتاً ؟ من جعل الماء يعلق في الهواء على شكل بخار ماء ؟ من جعل الفروق الكبيرة في درجات الحرارة بين القطبين ، بين القطب الشمالي وخط الاستواء ؟ من خلال هذه الفروق الشاسعة تحرَّك الهواء ، إذا كان هناك حرٌ تمدد الهواء فتعرض المكان لضغط منخفض ، وإذا كان هناك بردٌ انكمش الهواء فصار هناك ضغطٌ مرتفع ، وبين الضغط المرتفع والمنخفض يتحرك الهواء ، من حرك الهواء ؟ من حركه حتى ساق هذا السحاب ؟ من جعله ينقلب إلى أمطار تنزل في الأماكن المناسبة ، وفي الأوقات المناسبة ، وفي الكميات المناسبة ، وفي الأنواع المناسبة ؟
 قد تأتي الأمطار في أول العام فلا يستفاد منها الفائدة المطلوبة ، وقد تأتي في آخره بكمياتٍ قليلة فلا يستفاد منه ، وقد تقل الثلوج فلا تمتلئ الينابيع ، أمطارٌ غزيرة في مطلع العام ، في أواخر العام توقَّفت الأمطار ، نسبة الثلوج قليلةٌ جداً ، الينابيع معظمها جفَّ ، من يملك إنزال الأمطار من السماء ؟
 ربنا عزَّ وجل لحكمةٍ بالغة ووفق عدالةٍ مطلقة يمنع الأمطار عن بعض الشعوب ، عن بعض البلاد ماذا يحصل ؟
 في إفريقيا سبع سنواتٍ عجاف ماذا نتج عنها ؟ كاد الناس يموتون جوعاً ، استنجدوا بأمم الأرض ، يبس النبات ، ومات الحيوان ، وكنت أرى في بعض الصور كيف أن مئات ألوف الأبقار ملقاةً على الأرض وهي ميَّتة عطشاً ، رأيت صورةً في أستراليا الأغنام تذبح وتلقى في الوديان لعدم وجود الكلأ ، من يملك هذا الماء من السماء ؟ من يملك الأمطار ؟ الثلوج ؟ من يبخِّر ؟ من يحرِّك ؟

 

﴿ وَأَنزَلْنَا مِنْ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا(14)لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا(15)﴾

( سورة النبأ )

 نزل الماء من السماء بقدرة من ؟ من خلق هذه الأرض وما فيها من معادن ؟ الأرض فيها كالسيوم ، وفيها فوسفور ، وفيها مغنزيوم ، وفيها حديد ، وفيها مواد آزوت ، وفيها كربون ، ومعادن وأشباه معادن ، ومواد لازمة لإنبات النبات ، من جعل هذه التربة أنواعاً ، هذه تربة زراعية ، وتلك تربة كلسية ، وأخرى تربة غضارية ، هذه تربة لحقية ، من جعل أنواع التُرَب ؟ كل هذه المواد التي نحتاجها كامنةٌ في هذه التربة إنها نعمة من رب السماء والأرض وهذا هو الإمداد .
 من خلق أنواع البذور ؟ بذور الأشجار المثمرة ، بذور المحاصيل ، القمح ، الشعير ، العدس، الحمص ، بذور الخضروات ، الكوسا ، الباذنجان ، اللوبياء ، الفاصولياء ، أنواع النباتات، الخضروات ، الخضروات الصيفية ، والشتوية ، والمحاصيل ، والأشجار المثمرة ، هذه البذرة الصغيرة ، من أعطاها هذه القدرة الكامنة ؟ لتكون شجرة لها شكلٌ خاص ، لها وظائف خاصَّة ، لها إثمارٌ في وقت خاص ، لثمرتها شكلٌ خاص ، وطعمٌ خاص ، ولونٌ خاص ، من خلق هذه البذور وأودع فيها خصائصها المتعددة ؟ من جعل الرشيم وهو الكائن الحي في البذرة ؟ من ؟ أإله مع الله ؟
 خلق البحار ، وخلق الشمس ، وخلق القطب ، وخط الاستواء ، وخلق قانون التبخر ، من الذي جعل الماء يزداد حجمه إذا برد على خلاف عناصر الأرض كلها ، ولولا هذه الظاهرة لمات الإنسان والحيوان ولانعدم التبخُّر ؟

 

﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾

 إذا كنت يا أخي الكريم تملك ثمن الفاكهة فتذكَّر أنك لا تملك خلقها ، ولا تملك صنعها ، أنواع منوَّعة ، ليس هناك مجالٌ واسع للحديث عن أنواع الخضراوات ، هذه فيها فيتامين ( سي ) ، وتلك فيها مواد مقوية ، هذه فيها ألياف سيلولوزية ، وأخرى فيها مادة مخاطية ترمم الجهاز الهضمي .. كل غذاء ، كل نبات ، هذه فيها فوسفور تفيد أصحاب الأعمال الفكرية ، فأنواع الخضراوات ، والنباتات ، والفواكه ، والثمار ، القمح ثلاثة آلاف وستمائة نوع ، فالله عزَّ وجل الذي خلقه ونوّعه وجعله ، ينبت في كل أماكن الأرض ، ينبت في الجبال ، وفي السهول ، وفي الأغوار ، وفي الصحارى ، وفي المناطق الحارة ، والباردة ، والمعتدلة ، والجافة ، والرطبة ، من ؟ أإله مع الله ؟

 

﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾

 والأرض أودع فيها هذه المواد الأساسية ، أودع فيها المعادن ، أودع فيها أشباه المعادن ،
 أودع فيها هذه البكتريات ، حينما ألقيت القنبلة الذريّة على كل من هروشيما ونكازاكي تعقَّمت التربة ، بمعنى أن الأحياء الدقيقة ماتت ، فلم تنبت شيئاً ، من خلق الكائنات الدقيقة ؟

انظر إلى طعامك :

 من خلق ديدان الأرض ؟ قرأت عن ديدان الأرض مقالةً رهيبة ، لو أن ديدان الأرض ماتت لمات معها الإنسان ، لأنها عنصرٌ أساسيٌ في إنبات النبات ، ديدان الأرض ، من ؟ أإله مع الله ؟

﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾

 فحينما تأكل هل ترى الله من خلال طعامك ؟

 

﴿ قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾

( سورة يونس : من الآية 101 )

﴿ فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ(24)أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا(25)ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا(26)فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا(27)وَعِنَبًا وَقَضْبًا(28)وَزَيْتُونًا وَنَخْلا(29)وَحَدَائِقَ غُلْبًا(30)وَفَاكِهَةً وَأَبًّا(31)مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ(32)﴾

( سورة عبس )

﴿ قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾

 بدءاً من الشمس والقمر ، والرياح ، والحرارة ، والبرودة ، وتبدُّل الطقس ، والبحار ، واليابسة ، وهطول الأمطار ، من جعل الجبال مستودعاتٍ للأمطار ؟ من جعل الثلوج مغذِّياتٍ لهذه المستودعات ؟ من خلق أنواع النباتات ؟ من خلق البذور ؟ أإلهٌ مع الله ؟!

 

هذا الإله ألاَ يستحق العبادة ؟

 هذا الذي يرزقنا ألا يقتضي أن نعبده ، هذه الذي يمدنا بالطعام والشراب ، هذا الذي ينزل علينا الأمطار ألا يستحق العبادة ؟ نعبد من دونه أُناساً مثلنا لا يملكون ضراً ولا نفعاً ، ولا حياةً ولا موتاً ولا نشورا ؟ من اعتز بمن يموت فإن عزَّه ميت ، لأن هذا الذي تعتز به إذا مات مات عِزُّك ، لكنك إذا اعتززت بالله الحي القيوم فإنك عزيزٌ كريم .

﴿ قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾

 فموضوع الرزق ، موضوع الطعام والشراب موضوع كبير جداً ، وهذا ما نتعامل معه كل يوم ثلاث مرات ، إذا جلست إلى مائدة الصباح تفكَّر فيما على المائدة صنفاً صنفاً ، صحناً صحناً، الجبن ، البيض ، اللبن ، الزيت ، من أين جاء الزيت ؟ من هذه الشجرة المباركة ، من الزيتون ، تفكَّر في الخبز ، في كأس الماء ، في كأس الحليب ، في لعقة العسل ، في كل شيءٍ تأكله آيةٌ على أنه هو الخالق ، هو المربي ، هو المسيِّر ، هذه فقرةٌ أولى في الآية .

 

﴿ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ ﴾

أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ

1 ـ إعجاز الله ظاهر في السمع :

 من شق لنا السمع والبصر ؟ فهذه الأذن ، لماذا جعل الله لنا أذنين ولم يجعل لنا أذناً واحدة ؟ سؤال ، لنا أنفٌ واحد ، ولنا أذنان ، لأنه لولا الأذنان لما عرفت مصدر الصوت ، بوجود أذنين والصوت من خلفك أودع الله سبحانه وتعالى جهازاً دقيقاً دقيقاً معقداً في المخ يحسب تفاضل وصول الصوتين إلى الأذنين ، فإذا وصل الصوت إلى هذه الأذن قبل هذه الأذن بواحد على ألف وستمائة وخمسين جزءا من الثانية ، يحكم الدماغ البشري على أن جهة الصوت من اليمين ، من جعل هذا الصيوان ؟ هذا الصيوان يُجَمِّع الأصوات ، ولو تصورنا إنساناً بلا صيوان لكان سمعه ضعيفاً جداً ، إذاً : بهذا الصيوان يقوى السمع .
 أؤكد لكم هذه الحقيقة ، إذا وضع أحدكم يده هكذا يصله الصوت بشكلٍ أضخم ، وأقوى ، فهذا الصيوان من خلقه ؟ من خلقه بهذه التجاعيد ، هذه التجاعيد أي صوتٍ جاء من أي جهةٍ لابدَّ من أن يلقى سطحاً يعكسه إلى الداخل ، هذه التجاعيد من صنعٍ حكيمٍ عليم ، إن جاء الصوت بزاوية ثلاثين ، يجد سطحاً يعكسه إلى الداخل ، وعلى الزاوية ستين هناك سطح يتعاكس معه ، إن لهذا الصيوان سطوحاً من كل الاتجاهات ، فأي صوتٍ جاء إلى الأذن لابدَّ من أن يجد سطحاً يعكسه إلى الداخل ، فلو جعلنا هذا الصيوان أملس لضاع علينا صوتٌ كثير ، وضعف سمعنا .
 من جعل ممرّ الأذن ضيِّقاً ؟ ولو كان أوسع من أحد أصابعنا لفقد الأطفال سمعهم لأتفه سبب ، لكن الله سبحانه وتعالى لحكمةٍ بالغة جعل قناة السمع أضيق منفذاً من أصغر إصبع في الإنسان ، ثم جعلها مِعْوَجَّة ، لو جعل غشاء الطبل في صدرها والخط مستقيم ، فقلم أو عود يفقد الإنسان سمعه ، لكن الله سبحانه وتعالى جعلها ضيقةً وجعلها معوَجَّةً ، وجعلها تنتهي بغشاء الطبل ، ما هذا الغشاء الذي يتجاوب مع أي صوت ؟ ويهتز اهتزازاتٍ قدرها العلماء بأرقام مائة وثلاثين اهتزازة بالثانية أو أكثر .. الرقم لا أذكره ، لكن هناك عتبات للسمع دقيقة جداً .. يهتز ثم يستعيد استقراره ليتلقى صوتاً جديداً ، مَن ربط هذا الغشاء بعظامٍ سمعيةٍ أربع تضخم الأصوات إلى أن يصل الصوت إلى الأذن الداخلية حيث العصب السمعي الذي يلتقط الأصوات ويرسلها إلى الدماغ ليدرك الإنسان فحوى الكلام ؟
 يرن جهاز الهاتف ترفع السماعة يقول لك : هل عرفتني ؟ تقول له : أنت فلان ، كيف ؟ من زودك بذاكرةً للأصوات ؟ في مخ الإنسان ذاكرةٌ صوتية ، لاشك أن كل واحدٍ منا في حياته أكثر من مائة شخص يعرف أصواتهم واحداً واحداً ، من ؟
 لا يزال علماء الجسم البشري في حيرةٍ من أن هناك صوتاً يسبب انزعاجاً سموه الضَجيج ، وأن هناك صوتاً يسبب ارتياحاً سموه النَغَم ، وما الفرق بين النغم والضجيج ؟ لا أحد يعرف سر هذا ، لماذا خلق الله سبحانه وتعالى الأذن مفتوحةً دائماً ، الإنسان بإمكانه أن يغلق عينيه ، الإنسان يغضُّ بصره عن المحارم ، لكنه لا يستطيع أن يغلق أذنه عن الأصوات ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( من استمع إلى صوت قينةٍ صب في أذنيه الآنك قيل : وما الآنك يا رسول الله ؟ قال : الرصاص المذاب ))

[ الجامع الصغير عن أنس ، وفي سنده مقال كبير ]

 من استمع ، لم يقل من سمع ، أي جلست إلى جهاز اللهو ، واستمعت إلى الغناء ، وأنت تقصِدُ ذلك ، لكن إذا طرق سمعك نغمٌ لا يرضي الله وأنت لا ترضى عنه ، أغلب الظن أن هذا معفوٌ عنه ، والله وحده يعلم إن كنت راغباً في سماع هذا الصوت أو لست راغباً فيه ، ربنا عزَّ وجل قال :

 

﴿ فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا(11)﴾

( سورة الكهف )

 لماذا قال على آذانهم ؟ لأن الأذن مفتوحة ، مفتوحةٌ دائماً ، ولماذا جعلها مفتوحةً دائماً ؟ لأنها دائرة أمنٍ للإنسان ، والإنسان إذا أغمض عينيه قد يأتيه الخطر من أقرب الناس إليه ، من أقرب شيءٍ إليه ، لكن الصوت يحذِّرُهُ ، فسائق السيارة قد لا يرى ماذا يحدث ، لكن صوتاً غريباً يجعله يقف ، فالأذن مفتوحةٌ دائماً ، رأيت مرةً جهازاً للهاتف له ضوء ، فبدل الجُلْجُل يتألَّق الضوء ، أي أن هناك مخابرة ، فقال صاحب هذا الجهاز : لو أنني لفتُّ وجهي هكذا أحدث إنساناً وجاءت مخابرة لا أدري ، لكن الصوت له وظيفة أخرى ، كيفما كنت يأتيك الصوت ، وهذا من حكمة الله عزَّ وجل .

 

﴿ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ ﴾

2 ـ إعجاز الله ظاهر في البصر :

 وهذه العين ، المَحْجَر ، الحاجب ، كرة العين ، عضلات أنسيةٌ ، عضلاتٌ وحشيةٌ ، عضلاتٌ علويةٌ ، عضلاتٌ سفليةٌ ، عضلات مائلةٌ تحرِّكها في كل الاتجاهات ، هذه هي العين ، ثم القَرنية ذلك الجسم الشفَّاف شفافيةً تامة ، كيف تتغذى القرنية ؟ أين الشعريَّات ؟ أين الشرايين ؟
 هذه القرنية لها سمةٌ خاصة تتغذى عن طريق الحلول ، أول خليةٍ تأخذ غذاءها وغذاء جارتها ، وينتقل الغذاء من خليةٍ إلى أخرى عَبْرَ الجدار الخلوي من دون أن يكون هناك شبكة شرايين وأوردة تعيق الرؤية وتحجبها ، هذه هي القرنية .
 من جعل بعد القرنية القزحية ، عين فلان زرقاء اللون ، وتلك سوداء ، وأخرى عسلية ، هذه القُزَحية ؟

ظاهرة المطابقة في العينين :

 من جعل فيها هذه العضلات تتسع وتضيق من دون أن تشعر ؟ إذا جاءها الضوء الكثيف ضاقت ، وأخذت من الضوء حاجتها ، وإذا قلّ الضوء اتسعت ، وأخذت من الضوء حاجتها ، فإذا نظرت إلى شيءٍ بعيد اتسعت أيضاً حتى تنضِح الرؤية وأنت في غفلةٍ عن هذا ، من جعل هذه العين ؟ من جعل هذا الجسم البلوري عدسة لكنها ذات حياة ؟ عدسةٌ مرنة يزداد إحديدابها ، أو يزداد انبساطها حيث يقع خيالها في الشبكية دائماً ، وهذا من الأشياء المعجزة ، كيف ترى الأشياء المتحرِّكة ، وتأتي جميع أخيلتها على الشبكية تماماً ؟ سمى العلماء هذه الظاهرة المطابقة ، وهي من أعقد ما يجري في العين ، هذا يعجز عنه أكبر علماء الأرض ، لأنك لو كنت تشاهد كرةً تتحرك في كل ثانيةٍ لها بعدٌ عن العين ، من يقيس هذا البعد ؟ ومن يضغط على الجسم البلوري ضغطاً يجعل خيال هذه الكرة تقع على الشبكية تماماً ؟ الله سبحانه وتعالى وهو معكم أينما كنتم .
 إن ظاهرة المطابقة لا يمكن أن تشرح في مسجد لأنها تحتاج إلى صور ورسومات ، إلى توضيحات .
 من جعلك ترى الأشياء المتحركة وأنت مرتاح ؟ لو أنك ترى الشيء بعد أربعين سنتيمترا فقط ما قيمة هذه العين ؟ بعد الأربعين لا تراه ، قبل الأربعين لا تراه ، لكن هذه العين تنظر إلى كل شيء ، وترى كل شيء وهي مرتاحة ، من جعل هذه الشبكية فيها مائة وثلاثون مليون عصية ومخروط ، الذي أحصى مخاريط العين ، وعصيَّاتها مُنِحَ جائزة نوبل في عام سبعة وستين وتسعمائة وألف للميلاد ، في عام سبعة وستين هناك عالمٌ توصَّل إلى أن في شبكية العين مائة وثلاثين مليون من المخاريط ومن العصيات ، يستقبل بعضها الألوان كلها ، وبعضها يستقبل اللون الأبيض والأسود فقط ، ثم من جمع هذه الشبكية في عصبٍ بصريٍ قوامه أربعمائة ألف عصب ، تذهب إلى الدماغ ؟ من جعل لك عينين من أجل أن ترى بهما البعد الثالث ؟ أن ترى الأشياء مجسَّمة ؟ أن ترى طولاً وعرضاً وعمقاً ، من ؟ إنك لن تستطيع بعينٍ واحدة أن ترى المسافات العُمقِية ، لن تستطيع أن ترى البعد الثالث في عينٍ واحدة ، ولكن العينين تريانك الأشياء مجسمةً ، لا يزال هذا سر ، إنك إذا صورت شيئاً بآلة تصوير فالصورة حجمها صغير ، ولكنك ترى الشيء بحجمه الحقيقي ، وعينك صغيرةٌ جداً ، كرةٌ صغيرة ، ترى الجبل جبلاً ، والجمل جملاً ، والإبرة إبرةً ، والنملة نملةً ، ترى الشيء بحجمه ، ولونه ، وبعده ، من خلق هذا ؟

 

﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ ﴾

 ومن زوَّدك بذاكرةٍ للبصريات ؟ .. هناك ذاكرة للمسموعات ، وذاكرة للمشاهد ، تقول هذا المنظر رأيته من قبل ، هذا الوجه أعرفه ، هذا الكتاب قرأته ، هذا الطفل شاهدته من قبل مع أبيه ، من زودك بهذه الذاكرة ؟ ألا يستحق منك العبادة ؟ ألا يستحق منك الطاعة ؟ ألا يستحق أن تكون محباً له ؟ .

 

﴿ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ ﴾

وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ

المعنى الأول :

 فبحسب تفكير الناس البدائي الشيء الساكن ميِّت ، فالبيضة ميتة ، من أخرج منها الدجاجة ، افتح بيضة الآن ، اقلها أو اسلقها ، وانظر ما فيها ؟ بياض وصفار ، هل من السهل أن تنقلب هاتان المادَّتان إلى صوص ؟ له سمع ، وله بصر ، وله شم ، وله فم ، وله لسان ، وله مريء ، وله حُوَيصلة ، وله أمعاء ، وله قلب ، وله كبد ، وله بنكرياس ، وله كليتان ، وله عضلات ، وله عظام ، وله أعصاب ، من ؟ .

﴿ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ ﴾

 الحيوان المنوي إذا لقَّح بويضةً يصبح إنساناً سوياً ، من أودع في هذا الحيوان المنوي وفي تلك البويضة خمسة آلاف مليون صفة ؟ سموها تعليمات ، وسموها أوامر ، والعلماء قالوا : لو أن هذه التعليمات ، وهذه الأوامر كُتِبَت في كتب لكان حجمها كحجم أكبر موسوعةٍ مؤلفةٍ حديثاً .
 الآن عندنا موسوعات ، دائرة معارف ، مؤلفة من أربعين أو خمسين جزءاً ، كل جزء ثلاثة آلاف صفحة ، لو أن هذه الأوامر التي أودعها الله في الحيوان المنوي ، وفي البويضة ، أردنا أن نكتبها بكتب لاستغرقت أكبر الموسوعات العلمية .
 إنسان له شعر ، وهناك أنواعٌ منوَّعَةٌ من الشعر ، هناك شعرٌ جَعِد ، وهناك شعر أملس ، وهناك شعر أسود ، وهناك شعر أشقر ، وهناك شعر خشن ، وهناك شعر حريري ، أنواع منوَّعة من الشعر ، في هذا الحيوان المنوي يكمن شكل الوجه ، أهو كروي أم مستطيل أم كمثري الشكل ، في هذا الحيوان المنوي يكمن نوع العينين ، لونهما ، حجمهما ، نوع الحاجبين، أزجّين ، مفترقين ، نوع الأنف أقنى ، طويل ، قصير ، نوع الشفتين ، نوع الخدين، أملسين ، أسيلين ، قصيرين ، نوع العنق ، نوع اليدين ، لون الجلد ، طبيعة الدم ، كيمياء الدم كلها كامنة في هذا الحيوان المنوي .

 

﴿ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ ﴾

 ثمرة واحدة زيتونةٌ من خشب ترميها في الأرض ، فتصبح شجرةً لها جذور، ولها جذع ، ولها أغصان ، ولها أوراق ، تزرعها بعلاً تعطيك زيتوناً ، ممتلئاً زيتاً ، تأكله ، وتستفيد منه .

 

﴿ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ ﴾

 وكلما تقدم العلم فُسِّرَت هذه الآية بحسب التقدم العلمي كيف تموت الخلايا وكيف تولد الخلايا ؟ خلايا الأمعاء عمرها ثمانيةٌ وأربعون ساعة ، خلايا القلب والدماغ عمرها يوازي عمر الإنسان ، خلايا الشعر تبقى ثلاث سنوات حيّة ، الشعرة تعيش ثلاث سنوات ثم تسقط ، ينبت مكانها شعرةٌ جديدة .

 

﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ ﴾

المعنى الثاني :

 وقد تفهم هذه الآية بشكلٍ آخر ، قد يلد الكافر مؤمناً ، وقد يلد المؤمن كافراً .

﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ ﴾

 هذا بعلم الله .

 

﴿ وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ(45)قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ﴾

( سورة هود )

 عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه أبوه أبو جهل .

 

﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ ﴾

البيئة ليست حُجةً :

 لا تقل : بيئتي صعبة ..

﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ ﴾

 قد يخرج عالمٌ من بيئةٍ جاهلة ، وقد يخلق أخلاقيٌ كبير من بيئةٍ منحطة ، وقد يخرج رجلٌ فاسقٌ من بيئةٍ صالحة ، لأن لكل إنسان اختيار..

﴿ إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(56)﴾

( سورة القصص )

مدلول إخراج الحي من الميت والميت من الحي عامٌّ في جميع المخلوقات :

 والمجال يطول ، هذه آيةٌ دلالاتها واسعةٌ جداً ، يطبق مضمونها على الإنسان ، كما يطبق على الحيوان ، وعلى النبات ، وبعد ذلك فهناك بحوث حديثة مفادها أن هناك مجَرَّات تخلق ، ومجرات تتلاشى على شكل غازات ، حتى في الكون هناك خلقٌ متجدد ، هناك خلقٌ جديد ، وهناك موتٌ لبعض الكواكب ، وهناك مناطق سوداء في الفضاء الخارجي إذا دخلتها الأرض أصبحت بحجم البيضة ، هناك كواكب غازية ، زحل غازي ، غازات متجمعة ، طبعاً كثافته قليلة ، من يحوِّل الصلب إلى سائل والسائل إلى غاز والغاز إلى صلب ؟ ثم هناك نظرية تقول : إن هناك أجراماً غازيةً تدخل في ثقوبٍ سوداء فتصبح كتلاً متراصَّة .

﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ﴾

وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ

1 ـ الله يدبِّر أمرَ المخلوقات كلها :

 فأحياناً تجد أن الجو ارتفعت حرارته بشكلٍ غير طبيعي ، هذا من أجل أن يتفتَّح الزهر ، يسميه العوام : ( عبوء الزهر ) ، من يدبِّر الأمر ؟ أحياناً تأتي رياحٌ عاتية في أيام الربيع ، هذه رياحٌ لواقح من أجل إلقاح النباتات ، من يدبِّر الأمر ؟ يأتي بردٌ شديد فيهلك كل الكائنات الضارة في التربة ، يأتي حرٌ شديد فتكسب الفواكه طعمها الحلو المذاق ، من يدبِّر الأمر ؟ مِن إشراق الشمس إلى غروبها ، القمر ، الأرض ، يقول لك : منخفضات ، من يدبِّر الأمر ؟ منخفضات ، منخفض وراء منخفض ، هنا صقيع ، هنا برد ، هنا حر ، هنا جو رطب ، هنا رياح شديدة ، يقول لك: رياح شرقية لها فوائد ، رياح غربية لها فوائد ، الشرقية باردة ، الغربية دافئة ، الغربية يأتي معها أمطار ، الشرقية يرافقها صقيع ، هذا مفيد وهذا مفيد ، ومن يدبِّر الأمر ؟

 

2 ـ الله يدبِّر أمرَ الإنسان كلَّه :

 شيء آخر : أمر الإنسان من يدبِّره ؟ إلى هنا تناولنا في شرحنا أمر الكون الذي تحدثت عنه الآية الكريمة ، لكن الآية مطلقة ..

﴿ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ﴾

 شاب يطلب الزواج ، يطلب العفة مثلاً ، فالله عزَّ وجل يجمعه مع إنسان يلهمه أن يسأله عن وضعه العائلي ، فيقول له الشاب : لست متزوجاً فيؤمّن له بيتاً ، فدّبر لهذا الشاب ، من يدبر الأمر ؟
 أحد الناس يريد أن يشتغل في عمل يدرّ عليه أسباب معيشية وعائلته ، يلهمه مصلحة يشتغل فيها ، يأتيه الزبائن ، يبعثهم ربنا إلى متجره ، يبيع يشتري ويربح ، ويشتري طعاماً لأولاده ، يدخل بيته معه قوت عياله ، من يدبِّر الأمر ؟ الله سبحانه وتعالى ، هذه أدلةٌ قاطعة على ربوبية الله ، وعلى ألوهيته ، وعلى حكمته ، وعلى تسييره .

 

﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾

 أمر عجيب ..

 

﴿ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾

إنه اعتراف لكن بغير تطبيق : فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ

 قال أعرابيٌ للنبي عليه الصلاة والسلام : جئتك لتعلمني من غرائب العلم ، فقال النبي الكريم: فماذا صنعت في أصل العلم ؟ قال : وما أصل العلم ؟ قال : هل عرفت الرب ؟ قال : ما شاء الله ؟ قال : فماذا صنعت في حقه ؟ قال : هل عرفت الموت ؟ قال : ما شاء الله ؟ قال : فماذا أعددت له ؟ فأدق نقطة بهذه الآية هذه الكلمة ، إذا كنت تعرف هذا تماماً فلماذا لم تأخذ حتى الآن موقف يتناسب مع هذا الإيمان ؟ إن كنت تقول : الله يرزقني ، والله جعل لي السمع والأبصار ، والله يدبِّر أمري ، فلمَ لا تطيعه ؟ ماذا تنتظر ؟

تعصي الإله وأنت تظهر حبه  هذا لعمرك في المقال بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعتـه  إن المحب لمن يحب مطيع
***

 فإذا لم تأخذ موقفاً عملياً تجاه ربك ، وإذا لم تتقصَّ سُبُلَ طاعة الله عزَّ وجل ، إذا ما اجتنبت نواهيه ، فهذه المعرفة لا قيمة لها .

 

﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾

( سورة الأنفال : من الآية 72 )

 إذا لم يأخذ الإنسان موقفاً عملياً ، ويسمع الحق ، ويعمل به ، فإيمانه إدعاء ليس أكثر فلماذا هذه المعصية في البيت ؟ ماذا تنتظر ؟ ألا تحس بالتناقض ؟ هل تقول : هي حرام ، تجيبني : نعم حرام ؟ إذاً : لمَ لا تزيلها فوراً ؟ كيف يرضى الإنسان أن تركن نفسه ، وهناك خلل بين ما يعتقده وما يفعله ؟ كيف يرضى عن نفسه وهو لا يتِّبع ما يقتنع به من سبيل الإيمان ؟

 

﴿ أَفَلَا تَتَّقُونَ(31)فَذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ الْحَقُّ ﴾

فَذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَال

 أما هذه الآية ، والله الذي لا إله إلا هو لو عرفنا دلالاتها حق المعرفة ، لو فهمنا أبعادها لعقدنا التوبة من توِّنا دون تباطؤ أو تراخٍ ..

﴿ فَذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾

1 ـ لا يمرُّ بين نقطتين إلا خطّ مستقيمٌ واحدٌ :

 إذا كان الخط المستقيم يمر بين نقطتين فهل يمكن أن يمر بين هاتين النقطتين خطٌ آخر لا ينطبق عليه ، ويكون مستقيماً ؟ مستحيل ، بين نقطتين لا يمر إلا مستقيمٌ واحد ، فإذا قال ربنا عزَّ وجل :

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾

(سورة الأحزاب : من الآية 33)

 فلو أن المرأة لم تفعل هذا وتستجب لدعوة ربها وأمره لكانت في الضلال ، هذا هو الحق .

2 ـ الحق هو الشيء الثابت :

 معنى الحق الشيء الثابت ، حق الشيء أي استقر ، فإذا بنيت جداراً على الشاقول تقول : هذا جدار حق ، أي يستمر ، يبقى ، فإذا بنيته من غير شاقول ، وكان مائلاً هذا سوف يقع ، فتعريف الحق أنه يثبت والباطل يزول .

﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ﴾

( سورة الإسراء : من الآية 81 )

 الحق الشيء الذي رسمه الله سبحانه وتعالى منهجاً للبشر ، فأي منهجٍ آخر فهو باطل ، إن لم تعتقد بالله رباً فعقيدتك باطلة ، إن لم تعتقد بالله إلهاً فعقيدتك باطلة ، إن لم تصل فأنت مبطل ، ولو تفلسف الإنسان ، وزعم أنه ذو فكرٍ مُنْفَتِح ، وأنه يقرأ ، وأنه يطالع ، ما دمت لا تصلي فأنت مبطل .

 

﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾

3 ـ إمّا الحق وإما الباطل :

 العلماء قالوا : " ليس في الأرض منزلةٌ ثالثة بين الحق والباطل ، إما أنك على حق ، وإما أنك مبطل " ، إن لم يكن اسمك في قائمة الناجحين فماذا يعني هذا ؟ أنك راسبٌ ، فهل هناك قائمة ثالثة ؟ لا توجد قائمة ثالثة ، إما أن يكون اسمك في قائمة الناجحين ، وإما أنك راسب ، ولا توجد حالة ثالثة ، في بلد فيها جامعة واحدة ، إما أن تكون من طلاَّب هذه الجامعة ، أو خارجها ، لا توجد حالة ثالثة ، فالإنسان إن لم يعتقد بالله رباً ، إن لم يعتقد به خالقاً ، إن لم يعتقد به إلهاً يعبد ، فعقيدته باطلة ، فالأرباب الذين يزعمهم من دون الله مبطلون ، فالآلهة الذين يعتقدهم مبطلون .

﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾

 أي إذا لم ينطبق سيرك على الخط المستقيم فشيء قطعي أنك مُبطل ، ولا توجد حالة ثالثة ، وهنا لا مجال للمجاملة ، قضية مصيرية ، قضية سعادة أبدية أو شقاء أبدي ، لا يوجد عندنا أنصاف حلول ، الإسلام إما أن تأخذه كله أو تدعه ، أما أن تأخذ منه ما شئت ، فأخذك منه ما شئت كأنَّك تركته كله ، فالأمر ليس هوىً يتبع .

 

﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾

 الحق هو الذي حقَّه الله ، إنما الحق هذا القرآن ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ :

(( ... أَنْتَ الْحَقُّ ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ ، وَالنَّارُ حَقٌّ ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ ، وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقٌّ ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ ... ))

[ البخاري ومسلم ]

4 ـ النشاط الإنساني إما حقٌّ وإما باطل :

 هذه بعض مناجاته ربه في جوف الليل ، أي إن لم تؤمن بهذا النبي فإيمانك باطل ، إن لم تؤمن بهذا القرآن فعقيدتك باطلة ، ليس هناك شيء وضعي آخر يحل محله ، هذا هو الحق ، فلو أن التشريع الوضعي كان كالقرآن ، وانطبق عليه لكان حقاً ، بل وكان قرآناً ، وإن خالفه فهو باطل ، وهذا هو الحق ، ليس من حالة ثالثة ، غض البصر هو الحق ، العلاقة بالمرأة لها حق واحد وهو الزواج ، وأي علاقة أخرى باطلة .

﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾

 وبالنسبة لكسب المال ، فإن الشرع حدد سبل كسبه ، فالهبة جائزة ، والإنسان يتملَّك المال حلالاً بالهبة ، وبالإرث ، وبالتجارة ، وبالكسب الحلال ، أي طريق آخر فهو باطل .

 

﴿ فَذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾

 والله قضية مصيرية وخطيرة ، الإنسان يتفحَّص سلوكه اليومي ، يتفحَّص قِيَمَه ، لماذا يؤمن ؟ ماذا يفعل في اليوم ؟ هل يفعل شيئاً خلاف القرآن ؟ إذاً هو مبطل .

 

5 ـ الحقُّ يقابل الضلالَ أيضًا :

 ربنا عزَّ وجل مرة قابل الحق بالباطل ، ومرة أخرى قابله بالضلال ، إذا انطلق أحد باتجاه حمص مثلاً ، ولكنه سلك طريقاً لا يؤدي إلى حمص ، بل يؤدي إلى بغداد مثلاً ، فإننا نقول : ضل الطريق ، الضلال أن تسير في جهةٍ لا توصلك إلى هدفك ، فما هو الهدف الكبير ؟ السعادة ، فالضلال أي سلوكٍ يؤدي إلى الشقاء فهو الضلال .

﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾

( سورة الإسراء : من آية 9 )

 بالزواج تسعد ، وبغير الزواج تشقى ، بكسب المال الحلال تسعد ، وبكسبه حراماً تشقى ، باتصالك بالله تسعد ، وبانقطاعك عنه تشقى ، إذاً صار معنى الضلال هو الطريق الذي لا يوصلك إلى هدفك ، ولو عرف الضَّالون أنهم سائرون في طريق شقائهم لما ساروا .

 

6 ـ لابد من معرفة طريق السلامة حتى نسلكه :

 إذاً ما هي الأزمة ؟ أزمة مَعْرفةٍ ، إما أن تعرف ، وإما ألا تعرف ، لو عرفت حُلَّت القضية ، ليس على وجه الأرض رجلٌ واحد يتمنَّى الشر لنفسه ، أو يتمنى الشقاء لنفسه ، فحب السلامة فطرةٌ في الإنسان ، إذاً : بقي عليك أن تعرف أين طريق السلامة ، إنه طريق الحق ، وغيره باطل ، باطل ، شيء آخر ربنا عزَّ وجل قابل الحق بالضلال وقابله بالباطل ، الحق من خصائصه الثبات والديمومة ، والباطل من خصائصه الإزهاق .

﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا(81)﴾

( سورة الإسراء )

 الإنسان المبطل يتلاشى هو ومبدؤه ، لكن من دعا إلى الله عزَّ وجل ، من تمسك بكتاب الله فهو خالدٌ خلود الحق ، إذاً من تعلق بالباطل زهق مع الباطل ، ومن تعلّق بالحق خَلُدَ في جنةٍ عرضها السماوات والأرض مع الحق .

 

﴿ فَذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾

 تذكَّروا مثل الناجحين ، هناك قائمة واحدة للناجحين ، إن لم يكن اسمك في هذه القائمة فهذا الطالب راسبٌ حتماً ، إذا لم ينطبق سلوكك على القرآن فالحكم القطعي أن هذا الإنسان مُبْطِل ، وفي طريق الهاوية والشقاء ، والسعيد من عرف الحقيقة قبل فوات الأوان ، لكن جميع بني البشر سيعرفونها ، ولكن بعد فوات الأوان .

 

﴿ يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي(24)فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ(25)وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ(26)﴾

( سورة الفجر )

﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا(27)يَاوَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا(28)﴾

( سورة الفرقان )

 لكن متى ؟ بعد فوات الأوان .

 

﴿ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾

( سورة يونس : من الآية 90)

 فقال له : أي لفرعون .

 

﴿ أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ﴾

( سورة يونس : من الآية 91)

7 ـ البطولة أن تعرف الحق في الوقت المناسب :

 البطولة أن تعرف الحق في الوقت المناسب ، أن تعرفه وأنت شاب ، وأنت في مقتبل العمر ، أن تبني مستقبلك وفق الحق ، أن تبني زواجك على الحق ، أن تبني عملك على الحق ، فإذا عرف الإنسان الحق متأخراً وله أربٌ و مصلحة في أمرٍ ما ، ولا يستطيع أن يتخلى عن مأربه ، فالباطل يفترسه ، قال لي أحدهم : دعوت صاحبي للجامع مرتين وثلاثا وأربعا وخمسا ، فيقول لي : مصلحتي لا تتناسب مع الجامع ، أتناقض مع نفسي ، قلت له : غيِّرها ، قال لي : والله من الصعب أن أغيرها ، إذا عرفت الله عزَّ وجل في وقتٍ مبكِّر تبني زواجك وكل مصالحك على أساسه .
 قال لي أخ آخر : إنه خطب امرأة أعجبه جمالها ، فلما اهتدى إلى الله أبت أن تهتدي معه ، وظلت على طريقتها التي لا ترضي الله ، الآن هو يشقى بها ، يشقى بهذه الزوجة ، فإذا عرفت الحق في وقتٍ مبكر تبني زواجك على أساسه ، وتبني عملك على أساسه ، فتسعد بزواج وبعملك .

﴿ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾

في إعادة الحق إحقاقٌ للحق وإبطالٌ للباطل :

 هل بين الشركاء المزعومين من يبدأ الخلق ، أي أنه يخلق ؟ فمن خلق الشمس ، والقمر ، والأرض ؟ من يعيد خلق الإنسان ؟ هذه الآية دقيقة جداً ، لو أن الله عزَّ وجل بدأ الخلق ولم يعده لكان في مبدأ الخلق نقص ، المحسن لم يأخذ جزاءه ، والمسيء لم ينل عقابه ، لكن الله عزَّ وجل بدأ الخلق ، وسوف يعيده لينال كل إنسان جزاء عمله ، هذا يوم الدين ، بدأنا خلقاً وسوف يعيدنا مرةً ثانية ليلقى كلٌ منا جزاء عمله .

﴿ وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا ﴾

( سورة النساء )

﴿ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ(47)﴾

( سورة الأنبياء )

﴿ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾

 هذه الآية جميلة الدلالة جداً ..

 

﴿ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾

 في إعادة للخلق إحقاق للحق وإنصاف للعباد يتبعه تكريم للمؤمنين ، إذ يخلدون في جنة عرضها السماوات والأرض فأنت خُلقت ، وأعطيت سمعا وبصرا ، ودماغا ، وتفكيراً ، وحريةَ اختيار ، وشهوات أودعها الله فيك ، وقال لك : تصرف ، وسوف أحاسبك على كل حركةٍ وسكنة في يوم الدين ، مالك يوم الدين ، فهنيئاً لمن عرف الله في الحياة ، المشكلة ليست الآن ، لكن المشكلة في الخلق الثاني ، الطلاب جميعاً في العام الدراسي متساوون ، لكن المشكلة بعد الامتحان ، بالامتحان ينفرز الطُلاَّب إلى ناجحين وراسبين ، إلى أعزَّة وإلى أذلة ، إلى متفوقين يعلو وجوههم البشر ، وإلى مهزومين يعلو وجوههم القنوط .

 

﴿ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلْ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ ﴾

 إذاً نستدل على الله عزَّ وجل بخلقه .
 الآن هناك دليل آخر ، لا يقلّ عنه :

 

﴿ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ﴾

الله خلَق الخلق وهداه إرشادًا إلى الحق :

 للتقريب مثلاً : تجد الدولة شقت طريقاً عريضاً ، بعد فترة وضعت عليه لافتات ، من هنا للمكان الفلاني ، هنا ممنوع المرور ، هنا مسموح ، هناك منعطف خطر ، أنت إذاً إزاء شيئين ، عملية بناء ، و عملية إرشاد ، باللافتات عملية إرشاد ، والدولة حريصة على أن يسلك الناس هذا الطريق ، وحريصةٌ على سلامتهم ، وعلى وصولهم إلى أهدافهم ، فشقت لهم هذا الطريق ، وأقامت لهم العلامات على جوانبه ، فدائماً بالنسبة لخلق الإنسان شيئان خلق وهدى ..

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾

( سورة فاطر : من الآية 1 )

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا(1)﴾

( سورة الكهف )

 خلق وهدى ..

 

﴿ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى(1)الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى(2)وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى(3)﴾

( سورة الأعلى )

﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ(62)﴾

( سورة الزمر )

 فهنا :

﴿ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلْ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ ﴾

 أين أنت ذاهب ؟ فإذا كان الفحص غداً الساعة الثامنة ، وغرفتك جاهزة ، والكتاب مفتوح ، يقول الأب لابنه : أين أنت ذاهب ؟ لابد من أن تجتهد يا بني وتذاكر ، أنت في مرحلة إعداد ، والوقت ثمين جداً ، أين ذاهب ؟

 

﴿ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ ﴾

فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ

 ما دام الله عزَّ وجل خلق الخلق ، وينتظر منك أن تطيعه ، فأنى تصرف عنه ؟ إلى أين تلتفت ؟

﴿ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلْ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى ﴾

 هذا الصنم ليس فيه ما يهديك ، لا يستطيع أن يتحرك من دون أن تحركه ، هل يتحرك بذاته ؟ معنى يَهِدِّي يتحرك ، لا يستطيع أن يتحرك إلا أن تحركه أنت ، هذا يهديك ؟

 

﴿ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(35)وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا ﴾

وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا

 أي أن عقائد معظم الناس ، وتفكيرها ، وتصوراتها ، وثقافتها ، معارفها ، معلوماتها من نوع الظن ، والظن لا يغني من الحق شيئاً .
 قال عليه الصلاة والسلام :

(( قيدوا العلم بالكتابة ))

[ ورد في الأثر ]

 أحدهم قرأ مقالة خلاصتها أن الدواء الفلاني يطيل العمر ، هذا باطل ، لأن ربنا عزَّ وجل قال :

 

﴿ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ(34)﴾

( سورة الأعراف )

أيُّ شيء يخالف كلام الله فهو باطل :

 انتهى الأمر ، فهذه المقالة باطلة ضع عليها إشارة ضرب ، كلام فارغ جزاف ، أحدهم قال لك : أنا رأيت الجن ، كلام لا أصل له ، بل هراء .

﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ﴾

( سورة الأعراف : من الآية 27 )

 يمكنك أن تلغي مائة قصة بهذا الموضوع ، مائتي قصة ، مليون قصة، كله كذب ، صار باطلاً ، فأيّ علم ، أي قصة ، أي حادثة ، أي مقالة قرأتها وفق كتاب الله حق ، خلافه باطل ، فربنا عزَّ وجل سماه باسم ثالث ظن ، ليس مؤكداً ، فإذا بنى إنسان مصيره على أشياء غير صحيحة أو غير ثابتة ، فهو من أهل الظن والريب ، فإن مات وهو مسلم بالهوية ، أيريد بعد ذلك من رسول الله أن يشفع له ؟ هذا ظن .. بل وَهم .

 

﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ(19)﴾

( سورة الزمر )

 الشفاعة حق ، ولكن لمن دخل الجامعة مثلاً ، فإذا دخل للجامعة فإنه يجد من يعاونه ، ويقدم له الكتب ، ويهيئ له قاعة مطالعة ، ومكتبة عامرة ، وقد يُعطى راتباً ، وغرفة بالمدينة الجامعية ، كلها لمن ؟ لمن دخل الجامعة ، أما إذا كنت خارج الجامعة الشفاعة ليست لك ، إذا ظن بعضهم أن الشفاعة لكل واحد انتمى انتماء شكلياً للنبي عليه الصلاة والسلام ، انتماؤه شكلي ، فهذا ظن ، والظن خطر ، يأكل مال حرام ، يغش الناس ، يختلس النظر ، يصافح النساء ، يتغزَّل ، يجلس جلسات منكرة ، وظنه أن رسول الله يشفع له يوم القيامة ، معنى ذلك أنه خرب بيته ، وعاقبته البوار لا محالة .

 

﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾

 أي أن الأمر خطير جداً ، تحقق من كل فكرة تعرفها ، من كل قصة تسمعها ، هناك قصص غير صحيحة ، اجعل القرآن إمامك ، قيدوا العلم بالكتاب ، فأي قصةٍ أو فكرةٍ أو عقيدةٍ ، وافقت كتاب الله فهي حق وإلا فهي باطل .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018