الدرس : 20 - سورة البقرة - تفسير الآيات 37-39 ،آدم بين الجنة والدنيا - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 20 - سورة البقرة - تفسير الآيات 37-39 ،آدم بين الجنة والدنيا


1998-11-12

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكرام، مع الدرس العشرين من سورة البقرة.

الله سبحانه وتعالى أراد من الذي حصل لآدم أن يكون درساً بليغاً له ولذرِّيَتِه من بعده :

 مع الآية السابعة والثلاثين وهي قوله تعالى:

﴿ فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) ﴾

 أيها الأخوة، فرقٌ كبير بين معصية إبليس وبين معصية آدم، معصية إبليس ردٌ لأمر الله، معصية إبليس استكبارٌ عن طاعة الله، معصية إبليس تنطلق من الكِبر، وهذه في سُلَّمِ المعاصي تقع في أعلى درجة، فأشد المعاصي إثماً وعقاباً وبعداً أن يَسْتَنْكِفَ الإنسان أن يطيع الله كبراً، أما الذي يعصيه غَلَبَةً فهذا توبته سريعة، إلا أن العلماء يقولون: إن الأنبياء معصومون، ومعصية آدم ليست معصيةً بالمعنى الدقيق، لأن الله سبحانه وتعالى أراد من الذي حصل لآدم أن يكون درساً بليغاً له ولذرِّيَتِه من بعده، وآدم حينما أكل من الشجرة أغراه إبليس فقال:

﴿ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ (120) ﴾

( سورة طه: الآية " 120 " )

 أي أن تبقى في الجنة إلى أبد الآبدين ؟ ولم يكن سيدنا آدم يعرف الكذب لأنه أول إنسان، ولذا ظن ما قيل له صدقاً، يؤكِّد هذا المعنى قول الله عزَّ وجل:

﴿ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (115) ﴾

( سورة طه )

 عزماً على المعصية:

(( تجاوز الله عن أمَّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.))

[ابن حبان والحاكم عن ابن عباس]

 الأنبياء معصومون ولم يكن هناك تكليفٌ من قبل، هذا في الجنة، ليس في الجنة تكليف، هناك أمر إرشادي ونهي إرشادي.

أكبر مشكلة تتأتَّى للإنسان في الدنيا من الشيطان:

 لم يكن الكذب معروفاً، وقد فسَّر بعضهم آية معصية آدم: كما لو أن أماً كلما دخلت إلى البيت هَرَعَ إليها ابنها من شدة شوقه إليها فنهته كثيراً عن أن يركض حينما تلقاه، خالف أمرها وأسرع لاستقبالها من شدة محبته لها، هناك إذاً تفسيراتٌ كثيرة تبين أن هذه المعصية ليست معصيةً بالمعنى الدقيق، فالأنبياء معصومون عن أن يعصوا الله عزَّ وجل، ولكن جعل الله هذه القصة وهذا الحدث لسيدنا آدم في الجنة درساً بليغاً له ولذريته من بعده، أي:

﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً (6) ﴾

( سورة فاطر: الآية " 6 " )

 أكبر مشكلة تتأتَّى للإنسان في الدنيا من الشيطان، لأن الشيطان كما قلت في درسٍ سابق قال:

﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ﴾

( سورة الأعراف )

 لا تجد عند الإنسان قبل أن يصطلح مع الله أي خاطر سَيِّء، هو غارق في المعاصي، ولا يوجد عنده أي مشكلة، حينما يصطلح مع الله ويعزم على السير في طريق الإيمان تبدأ الخواطر، تبدأ الوساوس، تبدأ الأسئلة المُحَيِّرة، ما تفسير ذلك ؟ تفسير ذلك أن الشيطان يَقْعُدُ للإنسان سبيله المستقيم:

﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) ﴾

( سورة الأعراف )

يزين الشيطان كل شيء جديد يتناقض مع الدين:

 قال:

﴿ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ (17) ﴾

 كل ما يقال عن العصر، وعن العلمانية، وعن التقدَّم، وعن الحضارة، وعن حقوق الإنسان من هذا الباب، أي أن:

قتل امرئٍ في غابةٍ جريمةٍ لا تغتفر
وقتـل شعبٍ آمنٍ مسألةٌ فيها نظر
***

 تُرفع كلمات برَّاقة، شِعارات برَّاقة، دعوة إلى الاختلاط، دعوة إلى إزالة الفروق بين الجنسين، والدعوات الآن بالمؤتمرات التي تعقد للسكان، دعوة إلى اعتماد ثلاث هياكل أسرية، رجل وامرأة، ورجلٌ ورجل، وامرأةٌ وامرأة:

﴿ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ (17) ﴾

 يزين الشيطان كل شيء جديد يتناقض مع الدين، يزين سفور المرأة، يزين الاختلاط، يزين أن تنهمك المرأة في عمل الرجال، يزين كل معصيةٍ نهى عنها الشرع، استثمار الأموال بالبنوك:

﴿ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ (17) ﴾

 إقامة الملاهي، إقامة دور القمار، هذا الذي يجري في العالم، أنواع الفساد في كسب المال، وفي المُتَع الرخيصة.

 

غرق الناس في خلافاتٍ في الدين ما عرفها الصحابة ولا طرحوها ولا فكَّروا فيها:

 قال تعالى:

﴿ ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ (17) ﴾

 يزين كل التقاليد والعادات الموروثة التي تتعارض مع الدين، هناك من يفتخر بعصر الجاهلية قبل الإسلام، يفتخر بما فعله العرب قبل أن يأتيهم الإسلام ويعدون ذلك مفخرةً، والله عزَّ وجل سمَّى حياتَهُم قبل الإسلام جاهلية، على كلٍ هناك من يزين، الشيطان يزين ما في الحداثة من معاصٍ، وما في التقاليد والعادات من معاصٍ.

﴿ ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ (17) ﴾

 قد يغرق الناس في خلافاتٍ في الدين، قد يغرقون في طرح مشكلاتٍ ما عرفها الصحابة ولا طرحوها ولا فكَّروا فيها، كانوا كما يقال اليوم: عمليين، أحبوا الله وأقبلوا عليه، وجعلوا همَّهم إرضاءه وخدمة عباده، وأقبلوا عليه، واستناروا بنوره، أما أن ينقسم الناس إلى فريقين حول ما إذا كان كلام الله قديماً أو مخلوقاً، هذا الشيء ما بحثه النبي، ولا ذكره في أحاديثه، ولا سأل عنه الصحابة الكرام، وهناك آلاف القضايا الجُزْئِيَّة التي تثار حول الإسلام، وينقسم الناس فريقين ويتناقشون، ويتراشقون التُهَم، ويقولون، ويُدْلون، وتفرَّغ القيم من مضمونها، ويستنفذون جهدهم في خلافاتٍ داخلية، ويَنْسَوْنَ المهمة الكبرى التي أنيطت بهم.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ (159) ﴾

( سورة الأنعام: الآية " 159 " )

مهمة الشيطان إضلال بني آدم:

 الشيطان أساس كل قضية لا تخدم مجموع المؤمنين، الشيطان أساس كل قضية تفرِّقُنا، تجعلنا فريقين، توسِّع الهوة بين المسلمين، تجعلهم طوائف متعددة، يقتتلون على لا شيء، وهذا الذي يجري في بعض البلاد الإسلامية، استطاعوا أن ينتزعوا الاستقلال من أعلى دولة، ثم وقعوا بعدئذٍ في حروبٍ داخلية، كل طاقاتهم ضد بعضهم بعضاً، هذا من الشيطان، لأن التحريش بين المؤمنين والاقتتال بين المؤمنين دعوة شيطانية، فمهمة الشيطان إضلال بني آدم.
 لكن قد يقول أحدكم: كيف سمح الله له أن يفعل ؟ لم يجعل الله عزَّ وجل للشيطان على الإنسان سلطاناً، سمح له أن يوسوس، وحينما يوسوس فقط فالذي يستجيب له يكون قد تطابق معه، تجد في الصف طالباً منحرفاً من يُفْسِد ؟ لا يفسد إلا من يرغب بالفساد، لأن معظم الطلاب يمتنعون عن أن يستجيبوا له، من يستجيب له ؟ الراغب في الفساد، فالشيطان يوسوس والملَك يُلْهِم وأنت مخير، وليس لأحدٍ عليك من سلطان لا مَلَك ولا شيطان، على كلٍ هي عملية تحريك، الشيطان يحرِّك والملك يحرِّك، وهما متوازيان، وأنت مخير:

﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ (42) ﴾

( سورة الإسراء: الآية " 65 " )

 وقال:

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ (22) ﴾

( سورة إبراهيم: الآية " 22 " )

 هذه حقيقة دقيقة جداً لا سلطان لأحدٍ عليك إنك مخير، ولكن الشيطان يوسوس، آدم عليه السلام هو أول الأنبياء:

(( آدم ومن دونه تحت لوائي ولا فخر.))

[ابن مردويه عن أنس]

الشيطان هو الجهة الوحيدة التي يمكن أن تصرفك عن الهدف الذي خُلِقْتَ من أجله:

 تلقى آدم درساً بليغاً جداً في الجنة، فالجنة شيء ممتع، مريح جداً، حكمة الله عزَّ وجل أنه بيَّن للإنسان لماذا خلقه ؟ خلقه للجنة، خلقه لهذه السعادة الأبدية، خلقه لهذا العطاء الذي لا ينتهي، خلقه لراحةٍ ما بعدها راحة، لسرورٍ ما بعده سرور، خلقه لينظر إلى وجه الله الكريم، خلقه ليقبل عليه، خلقه ليَنْعُمَ بقربه، ثم حذَّره: الذي يحول بينك يا آدم وبين هذه السعادة هو الشيطان، فهذا درسٌ لك ولذرِّيتك، فحكمة ما بعدها حكمة أن يبدأ الله خلق الإنسان بهذا الدرس البليغ، هناك جهة واحدة يمكن أن تصرفك عن الهدف الذي خُلِقْتَ من أجله ؛ إنه الشيطان، إنه عدوٌ مضلٌ مبين، إنه يسعى لشقِّ صفوف المؤمنين، يسعى للتفريق بين المرء وزوجه، فكل علاقة طيِّبة بين الزوجين هذه من الرحمن، والعلاقة السيِّئة من الشيطان، البغضاء من الشيطان، الكلام الذي يقوله الزوج أو تقوله الزوجة، والذي يُباعد بين الزوجين من وسوسة الشيطان، كل عملٍ سيِّء بوسوسةٍ من الشيطان، لذلك التفريق بين المؤمنين، بين الزوجين، التخويف من العمل الصالح:

﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ (175)﴾

( سورة آل عمران: الآية " 175 " )

 وقال:

﴿ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ (268)﴾

( سورة البقرة: الآية " 268 " )

 الشيطان يأمرك بكل شيء يبعدك عن الله ويحذرك من كل شيء يقرِّبك من الله، مع أنه لا يملك شيئاً إلا أن يقول، وأقوى آية بهذا الموضوع قوله تعالى:

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ (22) ﴾

( سورة إبراهيم: الآية " 22 " )

نوايا الشيطان الخبيثة جداً توظَّف في صالح الإنسان لأنه لا يوجد عند الله عزَّ وجل شر مطلق :

 لذلك أي إنسان يتذرَّع، يحتج بأن هذا من عمل الشيطان نقول له: أنت الملوم، لأن الشيطان ليس له عليك سلطان، هل يستطيع أحد أن يدَّعي أمام شرطي أو أمام مخفر شرطة أن فلاناً فعل به ما فعل ؟ يقال لك: دفعك إلى هذه الحفرة ؟ يقول له: لا، يقال لك: وضعك فيها بيده ؟ تقول له: لا، يقال لك: شهر عليك سلاحاً وقال: انزل فيها ؟ تقول له: لا، لماذا تشتكي عليه ؟ تقول: لأنه قال لي: انزل فنزلت، هذا كلام مضحك غير مقبول.
 حتى لا يسترسل الإنسان ويعزو أخطاءه للشيطان ويستريح، الإنسان مسؤول ومحاسب، ولا يعفى من أية مسؤولية أن الشيطان يوسوس، الشيطان محرِّك، الشيطان كاشف، الشيطان مهِمَّته الكشف، يكشف الضَعف، نحن أحياناً كثيرة بحاجة إلى كشف نقاط الضعف، هناك الآن أجهزة حديثة جداً تكشف ما في الحديد من ضعف، حتى لا يحدث خلل والطائرة في الجو صار هناك جهاز يكشف ضعف المعدن، فإذا كانت هناك نقطة ضعف يكشف قبل أن ينشطر المعدن، فالشيطان كاشف يكشف الإنسان، الإنسان لا يعرف نفسه لولا الشيطان، يتوهم نفسه مؤمناً، يكشف له الشيطان حقيقته تماماً، يُحَجِّمُهُ، يغريه فيستجيب فيقع، هذا أنت، هذا هو حجمك الحقيقي في الإيمان، هذه هي خشيتك، هذا هو ورعك، كل ما تقوله ادعاء، هذا هو الحق.
 أقول لكم شيئاً آخر: نوايا الشيطان الخبيثة جداً توظَّف في صالح الإنسان، لأنه لا يوجد عند الله عزَّ وجل شر مطلق، عنده شر نسبي، الشر المطلق لا وجود له في الكون وهو يتناقض مع وجود الله، فلو كان هناك شر فإنه يوظف للخير، وأنا أعرف قصة ذكرتها لكم سابقاً، رغبت إنسانة متفلِّتة أن تكون موظفة في مكان ما، طُلِب منها شهادة صحية، ذهبت إلى المستشفى، الموظَّف مقصر، مهمل، أعطى لأخيها تقريراً يخص غيرها، أنها مصابة بمرض السُل، حينما علمت بهذا المرض الخطير بكت أشد البكاء، تألَّمت أشد الألم، طبعاً قاطعها أهلها، ابتعدوا عنها، أعطوها أدوات خاصة لها، لم يأكلوا معها، تعقدت وبكت بكاءً مراً، ثم تابت إلى الله، وصلَّت واصطلحت معه، وكان أخوها في المستشفى بعد أسبوعين، فإذا بالنتيجة لم تكن لها بل لغيرها، وظّف الله هذا الخطأ الذي ارتكبه الموظَّف وهذا الإهمال للخير المطلق، فهي حينما توهَّمَتْ أنها مريضة بهذا المرض تابت إلى الله عزَّ وجل، دائماً يوظّف الله عزَّ وجل الشر للخير المطلق.

 

الإنسان حينما تُكْشَفُ حقيقته هذه خطوة أولى نحو التوبة ونحو صلاح نفسه:

 حتى الشيطان موظف أن يكشف للإنسان أبعاده، يكشف نقاط ضعفه، يكشفها ليتوب منها، لو كان هناك خطأ كامن في النفس ولم يظهر إلا عند الموت لاستحق صاحبه النار، أما إذا كان عنده ضعف جاء الشيطان كشف هذا الضعف، فهو في الظاهر أغواه، ولكنه في الحقيقة أخرج ما عنده من شر، وبعد ذلك جاء عقاب الله عزَّ وجل وانتهى بالتوبة، لذلك في النهاية عندما يتوب الإنسان من ذنبٍ ارتكبه بفعل وسوسة الشيطان، فما الذي يكون قد حصل ؟ الشيطان كشف وسارع من دون أن يشعر، من دون أن يريد بتقريب هذا الإنسان من الله عزَّ وجل، وإلا من سمح للشيطان أن يفعل فعله في الأرض ؟ الله جلَّ جلاله، والله عزَّ وجل كل فعله خير، حتى الذي يقوله الشيطان للإنسان موظفٌ للخير المطلق، إنها عملية كشف.
 لو كان عندك مثلاً مجموعة أشخاص لا تعرف عنهم شيئاً، وأنت مضطر أن تُقَيِّمَهُم تقييماً جيداً، أو يجب أن تعلمهم بحقيقتهم، لا بد من طريقة كشف ؟ فالإنسان حينما تُكْشَفُ حقيقته، هذه خطوة أولى نحو التوبة، ونحو صلاح نفسه، هذا كلام يحتاج إلى دروس أطول، فالشيطان شرِّير هدفه إغواء الإنسان، هدفه حمله على المعصية، هدفه أن يبعده عن الله عزَّ وجل هذا الذي يريده الشيطان، ولكن الله يريد أن يتوب علينا، فأحياناً يزيِّن الشيطان للإنسان عمله ليخرج ما في نفسه من شهواتٍ مستحكمة، وبعدئذٍ يأتي عقاب الله عزَّ وجل ليطهر هذا الإنسان من كل شهوةٍ عَلقَتْ به.

﴿ فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ (37) ﴾

 هناك ذنبٌ بينك وبين الله، وهناك ذنبٌ بينك وبين العباد، فالذنب الأول يغفر والثاني لا يترك، أما الذنب الذي لا يُغْفَر هو الشرك بالله عزَّ وجل، الشرك بالله ذنبٌ لا يغفر وما كان بينك وبين العباد ذنبٌ يغفر بشرط الأداء والمسامحة، وما كان بينك وبين الله يُغفر بطلب المغفرة، ذنبٌ يغفر، ذنبٌ لا يترك، ذنبٌ لا يغفر.

 

التوبة تكون من الذنب الكبير ومن الذنوب الكثيرة لأن الله توَّاب:

 قال تعالى:

﴿ فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) ﴾

 الله عزَّ وجل توَّاب، ومعنى توَّاب صيغة مبالغة، وصِيَغ المبالغة مع أسماء الله الحسنى تعني أنه يتوب على الإنسان من أكبر ذنبٍ اقترفه، ويتوب عليه من آلاف الذنوب، فهنا مبالغة كَماً ونوعاً، مهما كان الذنب في نظرك كبيراً يتوب الله عزَّ وجل عليك منه، أي ذنبٍ مهما بدا لك كبيراً:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ (53) ﴾

( سورة الزمر: الآية " 53 " )

 وفي الحديث القدسي:

(( لو جئتني بملء السماوات والأرض خطايا غفرتها لك ولا أبالي ))

[ حديث قدسي ]

 وقال:

﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50) ﴾

( سورة الحجر )

 التوبة تكون من الذنب الكبير ومن الذنوب الكثيرة لأن الله توَّاب.

 

ملخص الدين كله معرفةٌ واستقامةٌ وسعادة في الدنيا والآخرة:

 بل إن الله عزَّ وجل:

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27) ﴾

( سورة النساء )

 هذه إرادة الله عزَّ وجل، بل إن الله عزَّ وجل يحمل الإنسان على التوبة، قال الله تعالى:

﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ (187) ﴾

( سورة البقرة: الآية " 187" )

 أي قبل توبتهم، تابوا فتاب الله عليهم، أما:

﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا (118) ﴾

( سورة التوبة: الآية " 118 " )

 أي ساق لهم من الشدائد ما يحملهم بها على التوبة، علمنا الله عزَّ وجل من هذا الدرس أن الإنسان خلق للجنة، ولكن لهذه الجنة ثمنٌ، ثمنها طاعة الله في الدنيا، وطاعة الله عزَّ وجل لا تقع إلا إذا عرف الإنسان الله عزَّ وجل، وحينما يعرفه ويطيعه يسعده في الدنيا والآخرة هذا ملخص الدين كله، أي معرفةٌ واستقامةٌ وسعادة في الدنيا والآخرة.

 

في الدنيا جنةٌ من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة إنها القرب من الله عزَّ وجل:

 ثم إن الله عزَّ وجل وقد خلقنا للجنة لا بد من نماذج، قال:

﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6) ﴾

( سورة محمد )

 يذيقهم في الدنيا بعض القرب، في الدنيا جنةٌ من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، إنها القرب من الله عزَّ وجل، حتى الأشياء الجليلة في الدنيا لها هدف تربوي، لأن كل كلمات الجنة لا معنى لها من دون مكان جميل في الدنيا، فلا بد من مرتكزات لهذه الكلمات، إذا قال الله عزَّ وجل:

﴿ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ (8) ﴾

( سورة التحريم: الآية " 8" )

 لا بد من أمكنةٍ جميلةٍ، مـن غابات، من بساتين، من أنهار، من جبال خضراء، من سواحل جميلة، هذه مرتكزات لكلمات الجنة، من أجل أن تفهم على الله ماذا تعني الجنة، لذلك يذيق الله عزَّ وجل المؤمن نوعاً من أنواع القرب، هذا الذي قاله بعض العلماء: " في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة "، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6) ﴾

( سورة محمد )

الإنسان مخلوق للجنة:

 الله عزَّ وجل عرفنا من خلال هذا الدرس أن الإنسان مخلوقٌ للجنة، وأن:

(( في الجنة ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر.))

[مسلم عن أبي هريرة]

 أن من في الجنة ما هم منها بمخرجين، وأن ثمن هذه الجنة طاعة الله في الدنيا، وأن العدو الأول الذي يحول بين الإنسان وبين الجنة هو إبليس، وأن إبليس مهمته أن يزين الدنيا للإنسان، يزين المعصية، يزين كسب المال الحرام، يزين الشهوة المحرمة، يزين كل شيء محرَّم، هذا من عمل الشيطان، وأن الله عزَّ وجل توَّابٌ رحيم، توابٌ شديد التوبة على عباده، توابٌ من أكبر ذنب، يتوب الله على المؤمن من أكبر ذنب، ويتوب عليه لعددٍ من الذنوب لا يعد ولا يحصى وما على الإنسان إلا أن يتوب، وإذا قال العبد: يا رب إني تبت إليك، قال: عبدي وأنا قد قبلت.
 الكلمات التي تلقاها الله عزَّ وجل من آدم الاستغفار، أعلن آدم توبته، وقَبِل الله عزَّ وجل هذه التوبة، وهذه حقيقة أساسية، أضرب لكم مثلاً موضِّحاً: لو أن ابناً نال صفراً في الرياضيات، وكان أبوه يطمح أن يكون ابنه عالماً كبيراً، ويحمل أعلى الشهادات، فلما جاء بهذه العلامة المخزية غضب الأب غضباً شديداً وأزمع أن يؤدِّب ابنه تأديباً لا حدود له، لو رأى الأب ابنه قد اصفر لونه، وترك الطعام والشراب، وركبه همٌّ لا يحتمل، وبحث عن طريقةٍ ليتلافى تقصيره، هذا السلوك من الابن ؛ الندم والاستغفار والبحث عن إصلاح الوضع هذا يؤخِّر عقاب الأب، وهذا شيء دقيق جداً.

 

الإنسان في مأمنين من عذاب الله حينما يستقيم على أمر الله وحينما يستغفر:

 ما الذي يمنع عن الإنسان عقاب الله عزَّ وجل ؟ أن تكون مستقيماً على أمره، وما الذي يمنع عنك عقاب الله إذا خالفت الأمر ؟ أن تستغفر الله عزَّ وجل، فأنت بين بحبوحتين، بحبوحة الطاعة، وبحبوحة الاستغفار، لأن الله عزَّ وجل يقول:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) ﴾

( سورة الأنفال )

 هذه حقيقة مهمة جداً أيها الأخوة، أنت في مأمنين ؛ مأمنٍ من عذابٍ الله حينما تستقيم على أمره، لأن الله عزَّ وجل يقول:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ (147)﴾

( سورة النساء: الآية " 147 " )

 وأنت في مأمنٍ آخر من عذاب الله، حينما تستغفر:

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً (12) ﴾

( سورة نوح )

 استغفره آدم:

﴿ فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً (38)﴾

 الآن جاء الخروج من الجنة، تحوي الجنة فيها ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر، أما في الدنيا كل شيء محدود، هذا البيت، وهذه الزوجة، وهؤلاء الأولاد، وهذا الدخل.

 

نظام الجنة شيء ونظام الدنيا شيء آخر:

 الجنة فيها نعيم مطلق، بينما سعادة الدنيا محدودة، الجنة مبنيةٌ على الإكرام:

﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35) ﴾

( سورة ق )

 والدنيا مبنيةٌ على السعي والكَد:

﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) ﴾

( سورة النجم )

 كان بحالة مريحة جداً، كان يتلقى الإكرام فصار عليه أن يعمل وأن يكدح وأن يجتهد، اختلف النظام، نظام الجنة شيء ونظام الدنيا شيء آخر، نظام الجنة يأتي عقب استقامةٍ على أمر الله وعملٍ صالحٍ، بينما الجنة التي كان فيها آدم توضيحية، أن أيها المخلوق الأول أنت لهذا خلقت، خلقت للجنة، والذي يحول بينك وبينها هو إبليس، فتحصَّن منه وأطع ربك تصل إلى هذه الجنة مرة ثانية، هناك أسلوب تربوي، يجب أن تُعَرِّف الطفل بما ينتظره من جزاء حسن لو اجتهد، تذيقه بعضاً من هذا الجزاء، ثم تدعوه إلى السعي والكَد، فالإظهار الأولي هدفه تربوي، فربنا عزَّ وجل أراد من هذا الدرس أن يُطْلِعَ آدم على ما في الجنة من نعيمٍ مقيم، وأن الخطر الأول هو إبليس، وأن ثمن هذه الجنة هو العمل الصالح.

 

الفرق بين حالة آدم في الجنة وحالته في الدنيا :

 قال تعالى:

﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً (38) ﴾

 الهبوط نزول مستوى، كان الإنسان بحالة راقية صار بحالة متعبة، تجد الإنسان يصل إلى ثلاثين سنة حتى يتزوج، هذا يكون سبَّاقاً إلى الزواج، حتى يستقر إلى أن يجد له بيتاً، مأوى، زوجة، أولاداً، ثلاثين عاماً فما بعد، يحتاج إلى سنوات وسنوات حتى يستطيع أن يتحرك حركة معقولة، فهؤلاء الذين كسبوا المال حصَّلوه بجهدٍ جهيد، فلمَّا حصَّلوه ما بقي لهم كثير ولا قليل حتى يغادروا الدنيا، فالدنيا دار تعب، إن هذه الدنيا كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( إن هذه الدنيا دار التواء وليست بدار استواء، إنها منزل ترحٍ لا منزل فرح، من عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي.))

[ من كنز العمال عن ابن عمر ]

 صار هناك هبوط، يجب أن يسعى ويكد لتحصيل الطعام، بعد أن كان مبذولاً بأعداد لا تنتهي، بإمكانك أن تأكل مليون تفَّاحة، مليار، كلَّما توجَّهت أشعَّةٌ من نفسك إلى هذه التفَّاحة أخذت كل ما فيها من طعمٍ طيّب، دون أن تدخلها إلى جوفك فتتعبك، أما في الدنيا يوجد طريق ثاني، لا بد من أن تأكلها، فإذا أكلتها أصبحت عبئاً عليك، الذي يؤثر الطعام الطيّب يحتاج إلى جهود جبَّارة كي يُخَفِّض وزنه، فالدنيا متعبة، كل شيء يحتاج إلى سعي وإلى كد، فكسب المال صعب، إن كسبه حراماً سقط من عين الله، وإن أراد أن يكسبه حلالاً بذل جهداً كبيراً جداً، فهبط المستوى، كان للإكرام صار للعمل والسعي والكد، كان لهم ما يشاؤون صار ليس لهم إلا ما يفعلون، كان في إكرام صار في جهد، كان في مسامحة صار في محاسبة، أي أن الوضع في الدنيا اختلف اختلافاً كبيراً، لذلك المؤمن حينما يأتيه ملك الموت ينتقل من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة كما ينتقل الجنين من ضيق الرَحِم إلى سعة الدنيا.
 على كلٍ الحالة التي كان بها آدم حالة مريحة جداً ومثالية جداً، ليس فيها نصب، ولا تعب، ولا خوف، ولا قلق، ولا مرض، ولا هم، ولا حَزَن، ولا زوجة دون الوسط تزعج زوجها، لا يوجد قلق مخيف من مرض، من آلام، من أمراض وبيلة، عُضالة، لا يوجد فقر، ولا سجن، لا يوجد شيء مزعج إطلاقاً ؛ أما في الدنيا فهناك مسؤوليَّة، وهناك كسب للمال، وهناك جوع، والجوع وراء كل عمل الإنسان، إنه مفتقرٌ إلى الطعام كي يستمر وجوده، وتحصيل الطعام مفتقر إلى عملٍ يكسب به ثمن الطعام، لذلك الأنبياء قال الله عنهم:

﴿ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ (20) ﴾

( سورة الفرقان: الآية " 20 " )

 أي أنهم مفتقرون مرَّتين ؛ مرَّةً إلى تناول الطعام لبقاء وجودهم، ومرَّةً إلى كسب المال لشراء الطعام، هذا معنى:

﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً (38) ﴾

الحياة متعبة وفيها ابتلاء وامتحان لكن المطيع لله عزَّ وجل في أمنٍ وراحة:

 على كلٍ الإنسان حينما يأتيه هدىً من الله عزَّ وجل ويتِّبع هذا الهدى:

﴿ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) ﴾

 لا يحزنون أبداً، صحيح أن الحياة متعبة وفيها ابتلاء، وفيها امتحان، لكن المطيع لله عزَّ وجل في أمنٍ وراحة ؛ إن الله يعطي الصحَّة، والذكاء، والمال، والجمال للكثيرين من خلقه، ولكنَّه يعطي السكينة بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين، صحيح أن الحياة متعبة، لكن طاعة الله مُسْعِدَة، الحياة شاقَّة، لكنها مع طاعة الله تبدو مريحة، الحياة مقلقة، ولكنها مع الالتجاء إلى الله تبدو آمنة، أي أن هناك وضعاً خطراً قائماً ومعك طريق النجاة منه، فالذي بحث عن طريق النجاة هو في أمنٍ وبحبوحة:

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) ﴾

 هكذا خلقه الله:

﴿ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) ﴾

( سورة المعارج )

 المصلي المتصل نجا من الهَلَعْ ومن الجَزَعْ، نجا من شدَّة الجَزَع، ونجا من شدَّة الحِرْص لأنه اتصل بالله عزَّ وجل:

﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) ﴾

العبرة ليست في الشباب ولكن في الشيخوخة فالعبرة في خريف العمر :

 لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآية لكفتنا جميعاً:

 

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ (38) ﴾

 في المستقبل:

﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) ﴾

 على الماضي، أحياناً إنسان لا يعرف الله، وليس له أمل في الجنَّة، عندما يجد نفسه قد تجاوز الستين، وتغيَّرت ملامح وجهه، وبدأت العلل تتسرَّب إلى جسمه، وصار على هامش الحياة الأسريَّة، أي أن أولاده انصرفوا إلى زوجاتهم، وبناته إلى أزواجهن، وزوجته منزعجة من وجوده، فهي تغادر البيت، وكل يوم في زيارات متعددة، فعندما يصل الرجل إلى هذا المستوى يشعر بالقلق وبالوحشة لأنه ما عرف الله في شبابه، من لم تكن له بدايةٌ محرقة لم تكن له نهايةٌ مشرقة:

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) ﴾

 العبرة ليست في الشباب ولكن في الشيخوخة، العبرة في خريف العمر، هذه المرحلة من العمر متعلِّقة بالشباب، أحد الصالحين هنا في الشام عَلَّم الطلاَّب ثمانين سنة، بدأ بالتعليم في الثمانية عشر وتوفي في الثمانية والتسعين وهو قائم على التعليم ؛ التعليم الديني، وكان يقول للطالب: يا بني أنت تلميذي، وكان أبوك تلميذي، وكان جدَّك تلميذي، أي أنه علَّم ثلاثة أجيال، وخرَّج آلافاً مؤلَّفة من أعلام هذه البلدة، وكان في الثمانية والتسعين منتصب القامة، حاد البصر، مُرْهَف السمع، أسنانه في فمه، متَّعه الله بقوَّته، فكان إذا سُئل: يا سيدي ما هذه الصحَّة التي أكرمك الله بها ؟! يقول: " يا بني حفظناها في الصِغَرْ فحفظها الله علينا في الكِبَرْ، من عاش تقياً عاش قويَّاً "، لذلك خريف العمر متعلِّق بالشباب، كيف تُمْضي الشباب يكون خريف العمر كذلك:

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) ﴾

 مرَّة زرت والد صديق لي قال: أنا عمري ستة وتسعون عاماً، عملنا تحاليل من يومين فكانت التحاليل كلها طبيعية، قال لي: والله لم آكل قرشاً من الحرام في حياتي ولا أعرف الحرام، كلمتان، لم يأكل قرشاً حراماً ؛ شهوة المال، ولا يعرف الحرام ؛ شهوة النساء، بهذه العفَّة وبهذا الورع متَّعه الله بقوَّته إلى السادسة والتسعين من عمره، من عاش تقيّاً عاش قويَّاً.

الأمن من أهم حاجات الإنسان:

 قال تعالى:

﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) ﴾

 الحقيقة قضيَّة الأمن دقيقة جداً، الأمن أكبر حاجة للإنسان، قال تعالى:

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) ﴾

( سورة الأنعام )

 أنت من خوف الفقر في فقر، أنت من خوف المرض في مرض، توقُّع المصيبة مصيبةٌ أكبر منها، بل إن نوعاً من أمراض القلب سببه الخَوْفُ من أمراض القلب، فالقلق يأكل كَبِدَ الإنسان، بالإيمان والتوحيد تنجو من هذا المرض:

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا (51) ﴾

( سورة التوبة: الآية " 51 " )

 وقال:

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) ﴾

 هذا الأمن الذي يتمتَّع به المؤمن لو وُزِّعَ على أهل بلدةٍ لكفاهم، هناك في قلب المؤمن من الأمن ما لا يوصف بسبب طاعته لله عزَّ وجل، قال له:

(( يَا مُعَاذُ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ))

[ متفق عليه عن معاذ ]

 أنشأ الله عزَّ وجل لك حقَّاً عليه ألاّ يعذِّبك ما دمت في عبادته وطاعته، ما دمت في ظل شرعه، ما دمت في أمره ونهيه، ما دمت تتلو كتابه، تقيم أمره، وتقيم حلاله، وتمتنع عن حرامه، ما دام هناك التزام أنت في بحبوحة.

 

خط بيان المؤمن خطٌّ صاعد وما الموت إلا نقطة على هذا الخط:

 قال تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ (33) ﴾

( سورة الأنفال: الآية " 33 " )

 هذه النعمة التي يملكها الإنسان المؤمن ؛ نعمة الأمن، الطمأنينة، الشعور أن الله يحبُّه، وأن الله قد أعدَّ له جنَّةً، الشعور أنه قد تتصل نعم الدنيا بنعم الآخرة، قد تتصل اتصالاً مستمراً، هو يعيش في الدنيا في سلام مع نفسه، ومع الناس، ومع ربّه، في بحبوحة، في صحَّة، في سمعة طيّبة لأنه مقيم على أمر الله، يموت فينتقل إلى الجنَّة، اتصلت نعم الدنيا بنِعَم الآخرة، وكأن خط بيان المؤمن خطٌّ صاعد، وما الموت إلا نقطة على هذا الخط، بينما حياة الكافرين مُفْعَمَةٌ بالقلق، بالخوف من المجهول، بالخوف من المستقبل، لأنهم حينما أشركوا بالله قذف الله في قلوبهم الرعب:

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) ﴾

( سورة الشعراء )

 على كلٍ هذه الآية:

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) ﴾

 أضيفُ لها آيةً ثانية:

﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) ﴾

( سورة طه )

 اجمع الآيتين ؛ من يتبع هدى الله عزَّ وجل لا يضلُّ عقله، ولا تشقى نفسه، ولا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت، ماذا بقي من السعادة في الدنيا ؟ لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، ولا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت.

إذا عَمَّر الإنسان الآخرة سهُل عليه أن ينتقل إليها:

 قال تعالى:

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) ﴾

 لا خوفٌ عليهم من المستقبل، يضمن الله لهم مستقبلاً مريحاً، ولا يحزنون على ما مضى لأنهم قادمون إلى الجنَّة، إنسان يسكن في حيّ فقير، في حي متواضع جداً، وفي بيت صغير تحت الأرض، مساحته ثمانون متراً، عنده ثمانية أولاد، فإذا انتقل إلى بيت مساحته أربعمئة متر له إطلالة جميلة جداً، هل هناك ألم في أثناء نقل الأثاث ؟ هل هناك انقباض ؟ هل هناك ضيق ؟ بالعكس هناك فرح، وسرور، واستبشار، الانتقال إلى الأحسن مسعد للنفس، إذا عَمَّر الإنسان الآخرة سهُل عليه أن ينتقل إليها، لماذا يخاف الناس الموت ؟ لأنهم عمَّروا الدنيا وخَرَّبوا الآخرة، وهذا الطريق ممر إجباري لا بد منه، فالموت قضيَّة كبيرة جداً، وكلَّما حسَّنت حياتك وأنت ـ لا سمح الله ـ على معصية صعُبَ عليك الموت، توجد بلاٌد فيها من الرفاه ما يفوق حد الخيال، شيء يحيّر العقول، الموت هناك صعب جداً، لأنه يترك جنَّةً في الدنيا إلى القبر، والانتقال من جنَّة في الدنيا إلى القبر شيء صعب جداً، على كلٍ المؤمن في أمن، يشعر أنه لا خوفٌ عليه في الدنيا ولا هو يحزن على فراقها، "وا كربتاه يا أبت " ، قال: " لا كرب على أبيك بعد اليوم، غداً نلقى الأحبَّة محمَّداً وصحبه ".

 

تعجب الله عز وجل من صبر الكفار على النار وهم لا يحتملون عقابها:

 قال تعالى:

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39) ﴾

 كفر أي: كذَّب، وأعرض، وانغمس في شهواته، هؤلاء:

﴿ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39) ﴾

 يقول الله عزَّ وجل وهو أصدق القائلين:

﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) ﴾

( سورة البقرة )

 كأن الله عزَّ وجل يعجب من صبرهم على النار، كيف تقترف هذه المعصية وأنت لا تحتمل عقابها ؟

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39) ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018