الدرس : 11 - سورة الأحزاب - تفسير الآيات 36 - 38 ، قصة زينب بنت جحش ـ تعدد الزوجات - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 11 - سورة الأحزاب - تفسير الآيات 36 - 38 ، قصة زينب بنت جحش ـ تعدد الزوجات


1991-12-06

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الأكارم، مع الدرس الحادي عشر من سورة الأحزاب.

صيغة (وما كان لمؤمنٍ) ليست لنفي الحَدَث بل لنفي الشأن وهو أبلغ من نفي الحدث:

 وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36) ﴾

( سورة الأحزاب)

 هذه الآية أيها الأخوة لها أسباب نزول، وإذا كان للآية أسباب نزول فلا يمنع أن نفهمها فهماً من عموم لفظها، وعلماء التفسير يفرِّقون بين خصوص السبب وعموم اللفظ، فإذا كان لهذه الآية أسبابٌ نزلت من أجلها، فهذا لا يمنع أن نفهمها فهماً متعلِّقاً بعموم اللفظ، فهذه الآية ماذا تعني ؟ يقول الله عزَّ وجل:

 

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ (36) ﴾

 

( سورة الأحزاب)

 صيغة ( وما كان لمؤمنٍ ) هذه ليست لنفي الحَدَث ؛ بل لنفي الشأن، ونفي الشأن كما تعلمون أبلغ بكثير من نفي الحدث، وأوضِّح لكم ذلك، إذا قلنا: فلان لم يسرق هذه الليرة، نفينا عنه السرقة، ليس معنى هذا أنه ليس من عادته أن يسرق، هذه لم يسرقها، قد يكون أكبر سارق، أما هذه الليرة ففلانٌ لم يسرقها، نفيت عنه سرقة هذه الليرة فقط، أما إذا قلت: ما كان لفلان أن يسرق، أي هذا مستحيلٌ في حقه، وهذا بعيدٌ عن مقامه، وهذا ليس من شأنه، فهو لا يفكر في هذا، ولا يرضى هذا، ولا يريد هذا، ولا يُعْقَلُ أن يفعل هذا، فأشد أنواع النفي ؛ نفي الحدث، ونفي الرغبة، ونفي الإرادة، ونفي القبول، ونفي الشأن، وكل هذه منفيةٌ بهذه الصيغة.

ذكر (ولا مؤمنة) ليؤكد الله لنا أن المرأة مساويةٌ للرجل تماماً في التكليف والتشريف:

 قالوا:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ (36) ﴾

( سورة الأحزاب)

 هذه صيغة نفي الشأن لا نفي الحدث، أي أنه ما دام المؤمن مؤمناً، فما دام قد عرف الله عزَّ وجل ما كان له أن يفعل هذا، لأن معرفة الله تتناقض مع هذا الفعل، وكيف أن الضوء والظلام لا يجتمعان، ما كان للظلام أن يكون مع الضوء، وما كان للضوء أن يكون مع الظلام، لأنهما متناقضان، فحيثما وجدتم في القرآن الكريم صيغة (ما كان)، فهذه ليست لنفي الحدث ؛ إنها لنفي الشأن، وأبلغ أنواع النفي هو نفي الشأن، أي أن المؤمن لا يعقل أن يفعل هذا، ولا يريد أن يفعل هذا، وليس من شأنه، ولا يتمنَّى، ولا يتصوَّر، ولا يُقْبَلُ منه أن يفعل هذا، هذا معنى قوله تعالى:

 

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ (36) ﴾

 

( سورة الأحزاب)

 ما هذا الشيء الذي نفاه الله عن المؤمنين أصلاً، قال:

 

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ (36) ﴾

 

( سورة الأحزاب)

 (ولا مؤمنةٍ) وهذا تابعٌ للدرس الماضي، فلو أن الله عزَّ وجل قال: وما كان لمؤمنٍ أي ولا مؤمنةٍ، لكنه ذكر مؤمنةً ليؤكد لنا أن المرأة مساويةٌ للرجل تماماً في التكليف والتشريف.

قضاء الله في القرآن وقضاء النبي في السُّنة:

 قال تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا (36) ﴾

( سورة الأحزاب)

 الله كيف يقضي ؟ في القرآن، والنبي كيف يقضي ؟ في السنة، إذا قال الله عزَّ وجل:

 

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ(30) ﴾

 

( سورة النور )

 هذا أمر الله عزَّ وجل، قضى الله من خلال منهجه أن تغض بصرك، فإذا أنت لم تعبأ بهذا الأمر فلست مؤمناً، وما دمت مؤمناً فهذا أمر الله، وينبغي أن تتقيد به.

 

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ (36) ﴾

 

( سورة الأحزاب)

 وأنت تختار بين هذا البيت أو هذا البيت، وبين هذه الحرفة أو هذه وبين هذا البلد في سفرك أو هذا، وهذه الزوجة أو تلك، أما أن تختار بين أن تطبق أو أن لا تطبق أمر الله عزَّ وجل، فهذا مستحيل بحق المؤمن.

أن تختار أن تنفذ أمر الله أو أن لا تنفذ هذا ليس من صفات المؤمن:

 أنت قبل الإيمان مخيَّر ؛ تؤمن أو لا تؤمن، أما إذا آمنت فلست مخيراً في أن تنفذ أو أن لا تنفذ، فإنسان مخير إما أن يقبل التطوع في الجيش أو أن لا يقبل، فإذا قبل، فالطاعة ملزمة للجيش، فلا يستطيع أن يقول: هذه لم تعجبني، إذ لا يوجد لم تعجبني بالجيش، ما دمت اخترت هذا السلك، فالطاعة فيه لا بدَّ منها.
 مثل للتقريب: أنت ما دمت اخترت أن تكون مؤمناً فلا بدَّ من أن تطيع الله عزَّ وجل، فلو أن طالباً اختار أن يدخل مدرسة، واختار أن يكون مثقفاً فهناك دوام، ووظائف، وتدقيق، ومتابعة، ومراقبة، فكلمة بذيئة يُعاقب عليها، وتأخُّر يعاقب عليه، فلو أن طفلاً آخر، أو لو أن شاباً آخر لا علاقة له بالتعليم إطلاقاً، فهو حر طليق، فاختال على هذا الطالب: أنا لا يوجد من يحاسبني، فأنا حر طليق، وخارج المدرسة كلياً، أنت مؤمن واخترت أن تكون هكذا وما دمت اخترت ذلك فالإيمان له التزامات، فأنت مخير أن تكون مؤمناً أو أن لا تكون، ولو لم تكن مؤمناً لخاطبك الله بعموم الدين، بكليات الدين قال تعالى:

﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ(21) ﴾

( سورة البقرة )

 أما إذا آمنت بالله عزَّ وجل خالقاً، وآمنت به رباً، ومسيِّراً، وواحداً، وكاملاً، وحكيماً، وعليماً، وخبيراً، وقديراً، فلا يمكن أن تختار أن تنفِّذ أو أن لا تنفذ فهذا أمر الله، تختار لوناً من ألوان الطعام، وتختار لوناً لملابسك ترتديه، وبيتاً تسكنه، وزوجة تقترن بها، وحرفة تحترفها، أما أن تختار أن تنفذ أمر الله أو أن لا تنفذ، فهذا ليس من صفات المؤمن أبداً.

الإنسان بعد أن عرف الله عزَّ وجل يأتيه أمره وهو الكمال المطلق والعدل المطلق:

 قال تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا (36) ﴾

( سورة الأحزاب)

 طبعاً في حياة النبي عليه الصلاة والسلام أمره الذي يتلوه علينا من الوحي أمر الله، وأمره الذي يتلوه علينا من دون الوحي أمره هو، ونحن مكلَّفون أن نطيع الله، وأن نطيع الرسول، أما إذا انتقل النبي عليه الصلاة والسلام، فصارت هذه الآية أمر الله هو هذا القرآن، وأمر النبي هو سنة النبي عليه الصلاة والسلام، إذاً:

 

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ (36) ﴾

 

( سورة الأحزاب)

 أنتم تلاحظون أن الإنسان كلما ارتقى علمه تضيق عليه الممرات، فالطبيب مثلاً عنده طريقة للتعقيم لا بدَّ منها، والعلم كلما ارتقى لا بدَّ من أن يعقِّم هذه الأداة، وهذا المشرط، حتى أن العمليات الجراحية الكبيرة الآن تقريباً تجرى في العالم كله بطريقة واحدة، وهذا أكمل شيء، فالإنسان بعد أن عرف الله عزَّ وجل يأتيه أمره وهو الكمال المطلق، والعدل المطلق، كما قال بعض العلماء:
 الشريعة عدلٌ كلها، ورحمةٌ كلها، ومصالح كلها، فإذا خرج التأويل ـ تأويل الشريعة ـ من العدل إلى الجور، أو من المصلحة إلى خلافها، أو من الرحمة إلى القسوة، فهذا ليس من الشريعة، ولو أدخلت عليها ألف تأويل وتأويل.

علامة معرفة الله عزَّ وجل طاعتك له:

 شرع الله، كماله مطلق، وعدله مطلق، ليس هذا كلام البشر، بل كلام خالق البشر، كلام الصانع، الخالق، المدبِّر، المربي، الخبير، العليم، الغني، القدير.
 إذاً حينما تتردد في تنفيذ أمر الله عزَّ وجل فأنت لا تعرف الله أبداً، أما حينما تعرف الله معرفةً بالقدر الذي يكفي لطاعته فإنك تبادر مباشرةً إلى تنفيذ أمر الله عزَّ وجل، إذاً ضع في ذهنك أنك مخير في أن تسلك طريق الإيمان أو أن لا تسلك، وإذا سلكت طريق الإيمان ولست مخيراً أن تنفذ أو أن لا تنفذ، فمن لوازم الإيمان الطاعة، بل إن علامة معرفة الله عزَّ وجل طاعتك له، إذاً:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36) ﴾

( سورة الأحزاب)

 هناك ضلال بعيد، وهناك ضلال مبين، أي أن شيئاً واضحاً بيّناً كالشمس حِدتَ عنه، فهذا ضلال مبين، وعلى كلٍ فهذه الآية نزلت لأسباب، وهي:
 أن النبي عليه الصلاة والسلام أمره الله عزَّ وجل أن يزوِّج ابنة عمته ـ زينب بنت جحش ـ إلى متَبَنَّاه زيد بن حارثة، ولا بدَّ لنا من أن نفهم من هو سيدنا زيد ؟ ومن هي زينب ؟ ولمَ كان الزواج بينهما ؟ ثم لماذا أمر الله عزَّ وجل زيداً أن يطلِّق امرأته ؟ ولماذا أمر الله النبي عليه الصلاة والسلام أن يتزوج زينب ؟ هذه الآية نزلت في هاتين القصتين، فمن أجل أن نفهمها فهماً عميقاً، وأن نلقي ضوءاً كاشفاً على خباياها، فلا بدَّ من معرفة من هو زيد ؟ ومن خلال قصة زيد نتعرف الشيء الكثير عن عظمة هذا الدين.

قصة زيد بن حارثة رضي الله عنه:

 زيد بن حارثة يصفه الواصفون بأنه كان قصير القامة، شديد السمرة، في أنفه فَطَسٌ، أما نبؤه وخبره ومكانته فعظيمةٌ جداً، والعجب لهذه المفارقة بين شكله وبين مكانته عند الله، بل إنه الصحابي الوحيد الذي ورد اسمه في القرآن، لقد كان غلاماً للسيدة خديجة بنت خويلد زوج النبي عليه الصلاة والسلام، فلما تزوج النبي بخديجة رضي الله عنها، قدمت له هذا الغلام هديةً منها إليه، فماذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام ؟ أعتقه فوراً وضمه إليه.
 هذا الغلام حينما ضمه النبي إلى بيته، لم يكن النبي قد بُعِثَ بَعْد، ولا يزال النبي في مكة فتىً من فتيانها، وكلكم يعلم أن فقد الابن شيءٌ عظيم، لذلك فُجِعَت أمه وأبوه بفقده، لأنه اختطف إثر غزوةٍ وبيع في سوق العبيد، وهكذا كان العرب في الجاهلية، والحق يقال: إن تاريخ العرب يجب أن يبدأ مع ظهور الإسلام، ففي الجاهلية كان الغزو، والسلب، والنهب، والحمية الجاهلية، والعصبية، ووأد البنات، والحروب التي تقوم لأتفه الأسباب، يقتل فيها عشرات بل مئات الألوف لأسبابٍ طفيفةٍ وسخيفةٍ وحقيرةٍ، لذلك سمَّاها الله الجاهلية قال:

﴿ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ(33) ﴾

( سورة الأحزاب)

 الجاهلية في أدق معناها جهلٌ في حقيقة التوحيد، وجهلٌ في تنفيذ أمر الله عزَّ وجل، وجهلٌ في الاعتقاد، وجهلٌ في السلوك.
 في موسمٍ من مواسم الحج قصد البيت الحرام نفرٌ من قوم زيد، وأهله، وفيما كانوا يطوفون بالبيت العتيق إذا هم بزيدٍ وجهاً لوجه، فعرفوه وعرفهم، وسألوه وسألهم، ولما قضوا مناسكهم وعادوا إلى ديارهم أخبروا آباه بما رأوا وحدَّثوه بما سمعوا، فماذا قال زيد لأقربائه حينما لقيهم وجهاً لوجه ؟ قال: أخبروا أبي أني مع أكرم والد.

عظمة الإسلام تجعل المسلمين لا فرق عندهم بين إنسانٍ وإنسان:

 سوف ترون بعد قليل كيف أن عظمة الإسلام تجعل المسلمين لا فرق عندهم بين إنسانٍ وإنسان:

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ(13) ﴾

(سورة الحجرات )

 هذا الغلام العبد الأسير الذي اشتري من سوق العبيد، وقدم لخديجة بنت خويلد، وقدمته للنبي عليه الصلاة والسلام، عامله النبي عليه الصلاة والسلام كأحد أولاده تماماً ؛ بل إنه عامله معاملةً تفوق معاملة الأم والأب لابنهما، قال: أخبروا أبي أني مع أكرم والد.
 ما أسرع أن عاد حارثة إلى النبي عليه الصلاة والسلام، أَعَدَّ راحلته، وحمل من المال ما يفدي به فلذة كبده وقرة عينه، وصحب معه أخاه كعباً، وانطلقا معاً يَغِزَّانِ الطريق نحو مكة، فلما بلغاها دخلا على محمد عليه الصلاة والسلام، وقالا له: يا ابن عبد المطلب أنتم جيران الله تفكون العاني، وتطعمون الجائع، وتغيثون الملهوف، وقد جئناك في ابننا الذي عندك، وحملنا إليك من المال ما نفدي به ـ اطلب ما شئت ـ فامنن علينا وفاده لنا بما تشاء، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( من ابنكما الذي تعنيان ؟))

 قالا: غلامك زيد بن حارثة، فقال عليه الصلاة والسلام:

((وهل لكما فيما هو خيرٌ من الفداء أي أفضل ؟))

 قالا: وما هو ؟ قال:

((أدعوه لكم فخيروه بيني وبينكم، فإن اختاركم فهو لكم بغير مال ـ هو ابنكم ـ وإن اختارني فما أنا والله بالذي يرغب عمن يختاره ))

 الآن دققوا، ما هي المعاملة التي تلقاها سيدنا زيد من رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إنه حينما جاء أبوه وعمُّه ليأخذاه ويفكا أسره آثر أن يبقى مع النبي ؟ هذا الشيء الذي أتمنَّى أن نعرفه ؛ أن عند المؤمن من الرحمة، والعدل، والعطف، واللطف، والحرص، والثقة، ما يغني عن الأب، فقالا: والله لقد أنصفت، وبالغت في الإنصاف، فدعا محمدٌ زيداً وقال: من هذان، النبي الكريم قال:

 

(( المؤمن كيس فطن حذر وقـّاف لا يعجل ))

 

[ كشف الخفاء ]

 سأل محمد زيداً وقال: من هذان ؟ قال: هذا أبي حارثة، وهذا عمي كعب ـ إذاً هذا التحقق ـ فقال: قد خَيَّرْتُكَ إن شئت مضيت معهما وإن شئت أقمت معي، فقال سيدنا زيد من غير إبطاء ولا تردد: بل أقيم معك، وما أنا بالذي أختار عليك أحداً، أنت الأب والعم، فقال أبوه: ويحك يا زيد أتختار العبودية على أبيك وأمك ؟ فقال: إني رأيت من هذا الرجل شيئاً وما أنا بالذي يفارقه أبداً.

إكراماً لزيد الذي فقد نسبه إلى النبي بهذه الآية عوَّضَهُ عن ذلك بأن ذكر اسمه في القرآن:

 النبوة كمال مُطْلَق، فالحقيقة النبوة شيء يصعب تصوره، إنسان جاء أبوه وعمه ليفكاه من الأسر، فيؤثر على أمه وأبيه وعمه النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يكن نبياً بعد، ولو أن هذه القصة وقعت بعد الرسالة يقول: هذا نبي عظيم، وسوف يكون له شأنٌ كبير، وسوف أنتفع منه نفعاً كبيراً، لا فهذا كان قبل الرسالة، قبل البعثة، كان النبي أحد فتيان قريش.
 فلما رأى النبي عليه الصلاة والسلام من زيدٍ ما رأى، أخذه بيده وأخرجه إلى البيت الحرام، ووقف به بالحجر على ملأٍ من قريش، وقال:

(( يا معشر قريش اشهدوا إن هذا ابني يرثني وأرث))

 ابن بكل معنى هذه الكلمة ؛ بل إن من لوازم الابن أن يرث أباه وأن يرثه أبوه، فقال:

(( اشهدوا إن هذا ابني يرثني وأرثه ))

 فطابت نفس أبيه وعمه وارتاحوا وخلفاه عند محمدٍ ابن عبد الله، وعادا إلى قومهما مطمئنِّي النفس مرتاحي البال، ومنذ ذلك اليوم أصبح زيد بن حارثة يدعى في قريش زيد بن محمد، وبقي اسمه هكذا أمداً طويلاً، وظل يدعى كذلك حتى بعث النبي صلوات الله عليه، وأبطل الإسلام التبني حيث قال تعالى:

﴿ ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ(5) ﴾

( سورة الأحزاب)

 فلما جاء الأمر أن يدعى المتبنى إلى أبيه فالنبي عليه الصلاة والسلام أصبح يناديه زيد بن حارثة، وقال بعض المفسرين: إكراماً لزيد الذي فقد نسبه إلى النبي بهذه الآية ذكره الله في القرآن، عوَّضَهُ عن ذلك بأن ذكر اسمه في القرآن، وهو الوحيد من أصحاب النبي الذي ذكر اسمه في كتاب الله، والذي نقرأه إلى يوم القيامة.

قصة زواج زينب بنت جحش من زيد بن حارثة:

 الآن زينب هذه من شريفات قريش، بنت عم النبي عليه الصلاة والسلام، حينما بَلَغَ زيدٌ سن الزواج ـ دققوا ـ أية اعتبارات طبقيةٍ في هذه القصة ؟ زيد عبد تبنَّاه النبي، نسبه إليه، قال: يرثني وأرثه. فلما شَبَّ عن الطوق وصار في سن الرجال، زوجه النبي عليه الصلاة والسلام من أشرف فتيات قريش، زينب بنت جحش ابنة عمته صلى الله عليه وسلم، لكن زينب ـ وهذا الشيء واقع ـ زينب التي كانت تعتز بنسبها، وتعتز بجمالها، وبعقلها، وبمكانتها، آلمها أن تكون زوجاً لزيد، فكرهت وكره أخوها أن تُزَفَّ هذه الشريفة ـ وهذه بالطبع من مخلفات الجاهلية ـ إلى مولىً من الموالي، وفزعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ألا يلحق بهما العار، فما كانت بنات الأشراف ليتزوجن من موالٍ وإن أعتقوا، وقالت زينب فيما قالت: لا أتزوجه أبداً وأنا سيدة أبناء عبد شمس، والنبي عليه الصلاة والسلام حدَّثها عن زيد، وعن إسلامه، وعن مكانته، وعن علوِّ مقامه عند الله عزَّ وجل، وعندئذٍ بقيت مترددةٍ إلى أن نزل قوله تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ (36) ﴾

( سورة الأحزاب)

 وعندئذٍ قبلت زينب الزواج من هذا المولى، من زيد بن حارثة.

الحكمة من زواج النبي عليه الصلاة والسلام من زينب إلغاء عادة التبنِّي:

 لكن كما تروي السيرة الحياة لم تكن لتستقر بينهما، فيبدو أنها ترى نفسها أكبر، وأشرف، وأعرق، وتتوهم أن هناك شخصاً عظيماً يجب أن يكون زوجاً لها، وعلى كلٍ هذا شأن النساء جميعاً، قاسى زيدٌ من صَدِّهَا، وقاسى من ترفُّعِهَا، وقاسى من اعتزازها بنسبها، فشكا ذلك إلى النبي، وربنا عزَّ وجل ذكر هذا وقال:

﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ (37) ﴾

( سورة الأحزاب)

 اصبر، وأنا أقول لكل إنسان يشكو زوجته أن يصبر، لماذا ؟ لأنها أم أولاده، والإنسان حينما يتزوج يجب أن يضع حظوظ نفسه تحت قدمه مراعاةً لمصالح الأولاد، فلذلك ما كل بيتٍ يقوم على الحب كما قال سيدنا عمر، قد تقتضي المصلحة أن تبقى هذه معك ترعى أولادها، وقد تقتضي المصلحة أن تكون هذه على وفاقٍ معها، النبي عليه الصلاة والسلام قال:

 

﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ (37) ﴾

 

( سورة الأحزاب)

 لكن ما الذي حدث ؟ الذي حدث أن الله سبحانه وتعالى شاءت حكمته أن يأمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يتزوج زينب، في الحقيقة هذا الشيء أنا لا أبالغ إذا قلت: فوق طاقة البشر، هو زوَّجها من زيد، وزيد متبنَّاه، وهو في الجاهلية في أعراف العرب ابنٌ له، ومن العار الشديد أن يتزوَّج الإنسان زوجة ابنه، هو ابنه، لكن الله سبحانه وتعالى أراد بهذا الأمر العظيم أن يلغي عادة التبنِّي، وأن يلغي ما تعارف العرب عليه من أن المتبنَّى كالابن، لا.

كبر على النبي أمام الناس وأمام من يدعوهم إلى الله أن يتزوج زوجة متبنَّاه:

 قال تعالى:

﴿ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ(2) ﴾

( سورة المجادلة )

 هذا الابن، هذه ليست أمه وهو ليس ابنها، لأن علاقة الدم بين الأم وابنها علاقةٌ ثابتة في العلم، أما هذا فمتبنَّى، فمثلاً قد يشتهيها، وقد تقع مفاسد كبيرة، وقد تختلط الأنساب، إذا سمحنا أن نعامل المتبنى كما يعامل الابن، فالله سبحانه وتعالى أراد أن يربي المجتمع الذي عاش فيه النبي عليه الصلاة والسلام، فجعل النبي عليه الصلاة والسلام كما يقال كبش الفداء، أمر زيداً أن يطلِّق زينب، وأمر النبي أن يتزوجها، لذلك جاءت الآية:

﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ (37) ﴾

( سورة الأحزاب)

 فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام كبر عليه أمام الناس، وأمام من يدعوهم إلى الله، وأمام هذا المجتمع أن يتزوج زوجة متبنَّاه.

﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ (37) ﴾

( سورة الأحزاب)

قصة زواج النبي الكريم من زينب بنت جحش رضي الله عنها:

 النبي عليه الصلاة والسلام تحمَّل من هذه الدعوة الشيء الكثير، وواجه من جرائها العَنَت قال:

(( لَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّه وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، ولَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّه وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلِيّ ثَالِثَةٌ وَمَالِي وَلِبِلاَل طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ، إِلاَ مَا وَارَى إِبْطُ بِلاَل ))

[ مسند ابن ماجةعن أنس بن مالك ]

 زينب هذه حينما زُفَّت إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فيما تروي الكتب، وحينما بشرت بهذا الزواج تركت عملها، واتجهت إلى مُصَلاَّها وصلت ركعتين شكراً لله عزَّ وجل، أي قرت عينها، وارتاحت نفسها، ورأت أنها في مقامٍ عظيم شرَّفَهَا الله به، ولكن هذه المرأة يجب أن نتحدث عنها ملياً لأنها في المستوى التي تطمح إليه، قالوا: بشرتها امرأةٌ اسمها سلمى، وقيل: بشرها زيد زوجها، فهذا أمر الله عزَّ وجل.
 لكن من هي زينب ؟ النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن بشرها بأمر الله عزَّ وجل أَوْلَمَ، وكانت وليمة العرس كما تروي كتب السير حافلةً، ذبح النبي الشياه، وأمر صلى الله عليه وسلم خادمه أنس بن مالك أن يدعو الناس إلى الوليمة، فترادفوا أفواجاً، يأكل فوجٌ إثر فوج، إلى أن قال النبي عليه الصلاة والسلام:

(( يا أنس هل دعوت الناس جميعاً ؟))

 فقال أنس: يا رسول الله دعوت حتى ما أجد أحداً أدعوه، أي أنها كانت وليمةً حافلةً وهذه من السنة النبوية المطهرة، أن تولِم عند الزواج.
 وأقام المدعوون عند النبي، وأطالوا في مقامهم، حتى نزلت آياتٌ سوف نأخذها بعد أسبوعين، تؤَدِّب أصحاب رسول الله في أن لا يبقوا عند النبي وقتاً يزيد عن الوقت المألوف، فهو يستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق.

مكانة السيدة زينت عند رسول الله وحديث عائشة عنها:

 على كل كانت تقول زينب: أنا أكرمكن ولياً، وأكرمكن سفيراً، من وليها الذي زوجها ؟ هو الله عزَّ وجل، كل زوجات النبي تزوجن عن طريق أهلهن، إلا زينب فقد أمر الله بتزويجها من النبي عليه الصلاة والسلام.
 والسيدة عائشة أدركتها الغيرة، فكانت تقول: كانت زينت أحب نسائه إليه فيما أحسبُ بعدي. وهذا من شأن النساء، وكانت تقول: لم تكن واحدةٌ من نساء النبي صلى الله عليه وسلم تناصيني غير زينب، أي زينب كنت أغار منها، وكانت ترتفع إلى درجةٍ أتمنى أن أكون في هذه الدرجة.
 وحينما يسمع النبي عليه الصلاة والسلام من السيدة عائشة بعض التعليقات الناتجة عن غيرتها، كان يقول متلطفا:ً

((إنها بنت أبي بكر ))

 أي إن أباها أحب الناس إليه، فأحياناً الإنسان يراعي زوجته بقدر أبيها، إنها بنت أبي بكر، فكان يقول كلما سمع منها قولاً فيه تعبير عن غيرتها يقول:

((إنها بنت أبى بكر))

 لكن الشيء الذي يجذب النظر أن الإنسان إذا عرف مقامه عند الله، وعرف شأنه فلا ينبغي له أن يعتدي على الآخرين، وقفت زينبُ موقفاً شجاعاً وشريفاً من السيدة عائشة في حديث الإفك، فرفضت أن تتهم السيدة عائشة بشيء مع أنها ضرَّتُها، بل إن أخت السيدة زينب كانت تروِّج حديث مسطح لصالح أختها زينب، وأختها وقفت موقفاً مشرفاً.
 وقالت عائشة مرةً: لم أر قط خيراً في الدين من زينب، إنها أتقانا لله، وأصدقنا حديثاً، وأوصل رحماً، وأعظم صدقةً، وما سمعت منها شيئاً أكرهه. فهذا موقف مشرف للإنسان، فإذا وقعت فتنة، أو ترويج باطل، يقف الإنسان الموقف الحازم، ويمسك لسانه عن الخوض في هذه الأكاذيب التي تروج في المدينة.

وصف لبعض خصال السيدة زينب رضي الله عنها:

 النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( إن زينب أوَّاهة ))

 أي كثيرة التأوُّه ـ فلما سئل: يا رسول الله وما أَّواهة ؟ قال:

((الأوَّاه هو الخاشع المتضرع ))

 ثم تلا عليه الصلاة والسلام قول الله عزَّ وجل:

 

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ(75) ﴾

 

( سورة هود )

 أي شهد النبي عليه الصلاة والسلام لهذه الزوجة بأنها منيبةٌ أوَّاهة، فمن خصالها العظيمة أنها كانت كريمةً خيرة، تصنع بيديها ما تحسن صنعه ثم تتصدَّق به على المساكين، والمرأة التي تتقن حياكة القماش، أو حياكة الصوف، أو الخياطة، تعمل، وتَجِد، وتكد، ثم تنفق من هذا المال على الفقراء والمساكين، وكان هذا من شأن زينب.
 وبعد أن توفي النبي عليه الصلاة والسلام قالت السيدة عائشة: كانت زينب مُعْجِبَةً للنبي عليه الصلاة والسلام، وكان يستكثر منها، وكانت صالحةً قوَّامةً، تعمل بيديها وتتصدق على المساكين، وقالت أيضاً: ذهبت زينب حميدةً متعبِّدة مفزع اليتامى والأرامل، وكان عليه الصلاة والسلام يقول:

 

((أسرعكن لحاقا بي أطولكن يدا ))

 

[ الجامع الصغير والدرر المنتثرة عن عائشة]

 قالت: فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، نَمُدُّ أيدينا على الجدار، ونتطاول، ونرى من التي تموت أول واحدة، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب ولم تكن بأطولنا، فعرفنا حينئذٍ أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال:

((أطولكن يداً ))

 أي أكثركن صدقةً على الفقراء والمساكين، وفلان يده طويلة في الخير.
 سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرسل عطاءها عشرة آلاف فقالت: اللهم لا يدركني هذا المال في قابل فإنه فتنة، أنفقته كله على الفقراء والمساكين، ووقف عمر ببابها مرةً وقال: بلغني ما فرَّقت، فأرسل إليها ألفاً آخر، والألف الآخر وزَّعته أيضاً على الفقراء والمساكين.
 هذه زوجة النبي عليه الصلاة والسلام، كانت كريمةً، شريفةً، خَيِّرَةً، عابدةً، أوَّاهةً، وهذه العادة، عادة التبني التي كانت سائدةً في الحياة الجاهلية، أبطلها الله عزَّ وجل عن طريق هذه الحادثة، حيث تزوج زيد بن حارثة زينب وهي ابنة عمة النبي، وبعد حينٍ أمر الله عزَّ وجل النبي عليه الصلاة والسلام أن يتزوج من زينب، وهذا الزواج أبطل إلى الأبد عادة التبَنِّي التي كانت سائدة.

جوهر الدين طاعة الله عزَّ وجل:

 الآن إلى الآيات، قال تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36) ﴾

( سورة الأحزاب)

 في النهاية الدين كله في طاعة الله ورسوله، وما سوى الطاعة فشيءٌ لا يقدِّم ولا يؤخِّر، أي أن ثقافتك الإسلامية، ومعلوماتك الدينية، وعواطفك الإسلامية، والمظاهر الدينية في بيتك، هذه كلها لا تقدم ولا تؤخر، جوهر الدين طاعة الله عزَّ وجل، وهذا مستفاد من قوله تعالى:

 

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ (36) ﴾

 

( سورة الأحزاب)

 ليس من شأن المؤمن إذا وجد أمر الله عزَّ وجل، أو أمر النبي أن يقف متردداً أفعل أو لا أفعل، وإذا كان هناك تردد فهناك ضعفٌ في الإيمان، علامة الإيمان الذي يُنَجِّي صاحبه من عذاب الدنيا والآخرة، أن يكون في الحجم الذي يحمله على طاعة الله، فإن لم يحملك إيمانك على طاعة الله فهذا الإيمان لا يكفي، ولذلك: جدد إيمانك، وأعد حساباتك، واجلس وفكِّر في هذا الكون، واقرأ القرآن وتدبَّره، إلى أن ينمو الإيمان إلى درجة يكفي لحملك على طاعة الله.

الآية بخصوص لفظها ولكن يجب ألا نغفل عن عموم معناها وكلماتها:

 أنت منهي عن الربا، وتقول توجد ضرورة في هذا الزمان والأمر الآن غير معقول، وأين نذهب بما لنا ؟ فالآن الآية واسعة جداً، وإن كان نزلت في حادثة زينب رضي الله عنها، حين أمرها الله عزَّ وجل، أو حين أمر النبي أن يتزوجها، هذه الآية بخصوص لفظها لا نغفل عن عموم معناها وكلماتها، فالعبارة لها عموم، ومن عموم العبارة أن المؤمن إذا وجد أمر الله عزَّ وجل، أو أمر النبي عليه الصلاة والسلام، فلا خيار له في التطبيق أو عدم التطبيق، وليس هذا من شأن المؤمن.

﴿ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36) ﴾

( سورة الأحزاب)

 الضلال مبين، والطريق واضح، فمثلاً لو وجد طريق عريض جداً وعليه لوحة على عرضه تماماً، مرتفعة، فوسفورية، كل حرف طوله ثلاثة أمتار، أن الجهة الفلانية من اليمين، فتابع الطريق مستقيماً، هذا ضلال مبين، لوحة كبيرة متألِّقة، مُشِعَّة، فوسفوريَّة، توضح كل شيء ومع ذلك ضللت الطريق، فهذا ضلال مبين، فاحكم على كل إنسان يعصي الله عزَّ وجل ويحيد عن طريق الحق أنه ضالٌ ضلالاً مبيناً، قال تعالى:

﴿ فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى(123) ﴾

(سورة طه)

 لا يضل عقله ولا تشقى نفسه.

من الجهل أن تقول عن المتبنى هذا ابني فهذا تضليل وتزوير ولعبٌ بدين الله عز وجل:

 قال تعالى:

﴿ وَإِذْ تَقُولُ (37) ﴾

( سورة الأحزاب)

 يا محمد، أعلى درجات النزاهة:

﴿ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ (37) ﴾

( سورة الأحزاب)

 وهو زيد:

 

﴿ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ (37) ﴾

 

( سورة الأحزاب)

 أنعم الله عليه بالهدى، وأنعمت عليه بالعتق والتبني:

 

﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ (37) ﴾

 

( سورة الأحزاب)

 يا محمد:

 

﴿ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ (37) ﴾

 

( سورة الأحزاب)

 هذا الحق أحق أن يُتَّبَعَ، وهذه العادة يجب أن تُلغى، وهذا السلوك المنحرف يجب يبطُل، وهذا المتبنى غير الابن، وهذه ليست أمه وهو ليس ابنها، وهذه ليست أخته، فإذا جاء الإنسان بولد صغير وتبنَّاه في البيت، وشَبَّ هذا الصغير، من الجهل والخطأ أن تقول: هذا ابني، وهذا أخته فلانة، وأمه فلانة، فهذا تضليل، وتزوير، ولعبٌ بدين الله عزَّ وجل، فالابن ابن، والمتبنى متبنى، ولا يمكن أن يتساوى الشيئان.

يجب أن يطبَّق الشرع تماماً وإن كان مخالفاً للأعراف والتقاليد:

 قال تعالى:

﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ (37) ﴾

( سورة الأحزاب)

 أي أن الأعراف والتقاليد لها تأثير، وهو يدعو إلى الله، وهو مثل أعلى في الكمال، ماذا يقول الناس عن النبي حينما يتزوَّج زينب زوجة متبناه، ماذا يقول ؟ خشي على سلامة الدعوة، وخشي على لغط الناس، وان يتكلموا في حقه ما ليس بواقع، فقال الله عزَّ وجل مسلياً النبي عليه والسلام:

 

﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا (37) ﴾

 

( سورة الأحزاب)

 لماذا كل هذه القصة ؟ وهذه الأزمة ؟ والطلاق والزواج ؟ قال:

﴿ لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (37) ﴾

( سورة الأحزاب)

 أي يجب أن يطبَّق الشرع تماماً، المتبنى شيء والابن شيء آخر.

ربنا عزَّ وجل جعل النبي يدفع الثمن ليبطل هذه العادة المتفشية في الجاهلية وهي التبني:

 قال تعالى:

﴿ لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (37) ﴾

( سورة الأحزاب)

 هذا الذي يجب أن يتم، فالآن استنباطاً من هذه القصة، ليس للإنسان الحق في أن يقول: فلانة مثل أختي، وهذه مثل أمي، أم رفيقه مثل أمه، وهذه مثل أختي، وهذه تخاوينا بالله، وهذه مثل ابنتي، وهذه مثل أختي، وهذه مثل أمي، هذا كله كلام فيه ضلال، وربنا عزَّ وجل جعل النبي عليه الصلاة والسلام وهو أعزُّ الخلق عليه، جعله يدفع الثمن، ويقف هذا الموقف الحرج، ليبطل هذه العادة المتفشية في المجتمع الجاهلي، فنحن إذا عدنا إلى مثل هذه العادات فقد عدنا إلى جاهليةٍ أخرى، فالمحارم محارم، والأجنبيات أجنبيات، الأجنبية تشتهى، ولو بصداقة، أو جوار، أو قرابة بعيدة، أو علاقات حميمة، الأجنبية تُشْتَهَى، فلو أن بنتاً صغيرةً تبنيتها ونشأت في حجرك، وأنت أبوها بالتبني، وهذا أخوها بالتبني، هذا ليس أباً وهذا ليس أخاً، وربما وقعت الفواحش في البيت الواحد من عادة التبني فلذلك سيدنا عمر كما يقال: كان وقافاً عند حدود الله.
 إذاً ربنا عزَّ وجل لحكمةٍ أرادها علل السبب، لماذا كانت هذه القصة ؟

 

﴿ لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ (37) ﴾

 

( سورة الأحزاب)

 زينب زوجة متبنَّى النبي، جاء الأمر أن تطلق، وجاء الأمر أن يتزوجها النبي، وهو في حكم ابنه في العادات والتقاليد، لكن الشرع شيء والعادات والتقاليد شيء آخر.

المؤمن ليس عبداً للعادات والتقاليد التي تعارف الناس عليها وليست في الشرع:

 قد تأتي العادات موافقةً للشرع، فمرحباً بها، فلا يوجد مانع، فمن العادة أن نزور بعضنا، بعض الزيارات، وبعض المساعدات أي عادةٍ اجتماعيةٍ يقرها الشرع أكرم بها من عادة، أما حينما تنفصل العادات عن الشرع فيجب أن نركلها بأقدامنا وأن نتبع الشرع، لذلك المؤمن ليس عبداً للعادات والتقاليد التي تعارف الناس عليها وليست في الشرع فهذا مرفوض، وهذا الاختلاط في الأسر، نحن بيت واحد وهكذا ربينا، وهكذا نشأنا، وهكذا أبونا علمنا، ونحن أسرة واحدة، هناك أصهار متعددون، وزوجات متعددات، ويبدين محاسنهن أمام الأجانب بحكم العادات والتقاليد، وهذا كله ليس من الدين في شيء، وما هذه القصة التي جعلها الله قرآناً إلا من أجل ألا نقع في هذه المتاهات مرةً ثانية، وقد نعود إليها بسبب ضعف الإيمان، وضعف اليقين، وضعف معرفة أمر الله عزَّ وجل، قال تعالى:

﴿ مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا(38)﴾

( سورة الأحزاب)

 حينما أمر الله النبي أن يتزوَّج زينب ما كان عليه من حرج، ولذلك فالحق لا يستحيا منه، والحلال والمباح لا يستحيا منهما، فهناك أحياناً إنسان يكون عنده زوجة لا تنجب، فتجعله يختار اختياراً صعباً ؛ إما أن يطلِّقها، وإما أن يصبر عليها، الله سمح له بزوجة ثانية وهذا ليس خلافاً للشرع، لتبقى عنده وليحسن إليها، ولينجب من الثانية أولاداً، فالحلال لا يستحيا منه، والحق لا يخاف منه، والحلال ما أحلَّه الله، والحرام ما حرَّمه الله، وحينما تختلف العادات والتقاليد مع الشرع، يجب أن نركل العادات والتقاليد بأقدامنا وأن نتبع الشرع، أما الذين يتبعون العادات والتقاليد على حساب الشرع، فهؤلاء ما عرفوا الله، وفي إيمانهم ضعف، وقد ضلوا ضلالاً مبيناً.

تعليقٍ ختامي لهذه الآيات:

 كتعليقٍ ختامي لهذه الآيات:

1 ـ أنت مخيَّر في أن تؤمن أو لا تؤمن لكنك إذا آمنت بالله فلست مخيراً أن تنفذ أو لا:

 أولاً: أنت مخيَّر في أن تؤمن أو أن لا تؤمن، ولكل شيءٍ ثمن، لكنك إذا آمنت بالله عزَّ وجل لست مخيراً أن تنفذ أو أن لا تنفذ، لأن الله عزَّ وجل يقول بعموم اللفظ:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ (36) ﴾

( سورة الأحزاب)

 معصية الله عزَّ وجل، دليل عدم الإيمان به:

 

﴿ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36) ﴾

 

( سورة الأحزاب)

2 ـ المتبنى شيء والابن شيء آخر، والشرع شيء والعادات والتقاليد شيء آخر:

 الشيء الآخر: كما قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( اتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن إبليس طلاع رصاد وما هو بشيء من فخوخه ـ فخوخ جمع فخ ـ بأوثق لصيده في الأتقياء من النساء.))

 

[ كنز العمال عن معاذ ]

 أي أن النساء كما قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( النساء حبائل الشيطان.))

 

[ فيض القدير شرح الجامع الصغير ]

 كل كلامٌ يلقى: أن هذه مثل أختي، وهذه مثل ابنتي، وتخاوينا في الله ـ كما قلت قبل قليل ـ هذه لا يؤثر، وهذه تؤثِّر، وهذه لا تصير، وهذه تصير، هذا كله كلام خلاف الشرع، فالأجنبية أجنبية، والمحارم محارم، والتي أباح الله لك أن تراها أبيح لك أن تراها، والتي أمرك أن تغُضَّ البصر عنها يجب أن تغض البصر عنها، لأن الحق أحق أن يُتَّبع.
 فلذلك هذه قصة ولكن تعاد ألف مرة، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان هو بطل هذه العادة، وقد جعله الله عزَّ وجل قدوةً لنا، زواجه من زينب زوج متبنَّاه، إبطالٌ نهائي لهذه العادة.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018