الدرس : 01 - سورة النمل - تفسير الآيات 1 - 6 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 01 - سورة النمل - تفسير الآيات 1 - 6


1989-12-08

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الأول من سورة النمل.

بيْنَ يدي سورة النمل:

 هذه السورة فيها تِبْيَانٌ لأمر التوحيد ولأمر الآخرة، وفيها مجموعةٌ من القِصَص ؛ قصَّة سيدنا موسى، وسيدنا داود، وسيدنا سُليمان، وسيدنا لوط، وسيدنا صالح، في هذه السورة خاصَّةٌ خصوصيَّة هي: أن ربنا سبحانه وتعالى أراد أن يبيِّن لنا أن عَلِيَّةَ القوم، وأولي الأمر معنيون بالهدى، وأنه يمكن أن تُتَخَذَ قوتهم في سبيل هداية الخلق، هذا في الحديث عن سيدنا سليمان.
 على كلٍ فيها توحيدٌ، وفيها بشارةٌ، وفيها إنذارٌ، وفيها حديثٌ عن يوم القيامة، وفيها ذكرٌ لقصَّة مجموعة من الأنبياء سبق ذكرهم في بدء هذا الحديث، وفي مطلع هذه السورة يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿ طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) ﴾

( سورة النمل )

معاني الحروف المقطعة: طس:

 هذه الحروف التي تُفْتَتَحُ بها السوَرُ عادةً..

﴿ الم(1) ﴾

( سورة البقرة )

﴿ المر ﴾

( سورة الرعد: من الآية 1 )

﴿ كهيعص(1) ﴾

( سورة مريم )

﴿ طسم(1) ﴾

( سورة الشعراء )

﴿ حم(1) ﴾

( سورة الأحقاف )

 هذه الحروف سبق الحديث عنها في دروسٍ سابقة.

المعنى الأول:

 بعضهم قال: " الله أعلم بمراده "، لقول الله عزَّ وجل:

﴿ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ ﴾

( سورة البقرة: من الآية 255 )

المعنى الثاني:

 وبعضهم قال: " إنَّ هذا القرآن المُعْجِز من هذه الحروف "، وربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا(88) ﴾

( سورة الإسراء )

 المادَّة الأوليَّة لهذا القرآن هذه الحروف، حروف الهجاء نعرفها جميعاً، وهي بين أيدينا جميعاً، وبإمكان كلٍ منَّا أن يصوغ منها الكلمات، َفِلأنَّ هذا القرآن كلام الله عزَّ وجل فهو معجز، ومن تعاريف القرآن الموجزة أنه الكلام المعجز، أي يَعجز البشر عن صياغة مثله، ولو سورة منه، لأن فيه إعجازاً بلاغيَّاً، وفيه إعجازٌ لغوي، وإعجازٌ تشريعي، وإعجازٌ علمي، وإعجازٌ تاريخي، وإعجازٌ غَيْبي، فالحديث عن إعجاز القرآن لا ينتهي، لكنَّه يُجْمَع بقولنا: " إن البشر يعجزون عن أن يأتوا بمثله ".
 إذاً كأن الله سبحانه وتعالى يبيِّنُ لنا أنَّ هذا القرآن المعجز الذي هو كلام الله عزَّ وجل مؤلف من هذه الحروف، فإن كان بالإمكان أن تأتوا بمثله أو بسورةٍ من مثله فافعلوا، هذا المعنى الثاني.

المعنى الثالث:

 المعنى الثالث لهذه الحروف: أنها أوائل أسماء الله عزَّ وجل.

المعنى الرابع:

 أنها أوائل أسماء النبي عليه الصلاة والسلام، ويُرَجِّحُ هذا التوجُّه الأخير أن السُّور التي تبدأ بهذه الحروف تأتي في أغلب الأحيان بعدها حروف الخطاب..

﴿ طس تِلْكَ (1) ﴾

 فكأنَّ الله سبحانه وتعالى يُخاطب النبي عليه الصلاة والسلام بأسمائه التي تميَّز بها، فمن أسمائه أنه طاهر، طاهر القلب، من أسمائه أنه سليم من كل عيب، فإذا شئنا أن نوجِّه هذه الحروف على أنها أوائل أسماء النبي عليه الصلاة والسلام، يؤكِّد ذلك أنه قد جاء حرف الخطاب بعدها، هذا وجه، ودائماً وأبداً إنَّ القرآن الكريم حمَّال أوجه، ودائماً وأبداً القرآن الكريم ليس مِلْكَ أحدٍ، ودائماً وأبداً كما قال الإمام عليٌّ كرَّم الله وجهه: " في القرآن آياتٌ لمَّا تُفَسَّر بَعْدُ ".
 إذاً: إمّا أن نقول: " الله أعلم بمراده "، وإما أن نقول: " إن القرآن الكريم من جنس هذه الحروف "، فيا معشر الإنس والجن إن استطعتم أن تأتوا بسورةٍ من مثل هذا القرآن، فها هي الحروف بين أيديكم فافعلوا، إنَّ هذا شيءٌ فوق إمكاناتكم، أو أن نفسِّر هذه الحروف بأنها " أوائل أسماء الله الحسنى "، أو أنها " أوائل أسماء النبي عليه الصلاة والسلام والذي يدعِّم ذلك مجيء حرف الخطاب عقب هذه الحروف في أغلب الأحيان "..

﴿ طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) ﴾

تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ

1 – دلالة اسم الإشارة:

 كلُّكم يعلم أن هذه التاء اسم إشارة، وأن هذه الـكاف كاف الخطاب، لكنَّ اللام تسمى لام البعد، تقول: ذا، أي تشير إلى شيء، وتقول: ذاك، تشير إلى الشيء وتخاطبه، وتقول: ذلك، تشير إلى الشيء وتخاطبه، وتبيِّن أنه بعيد، فلماذا جاءت هذه اللام في اسم الإشارة تلك ؟ لأن هذا القرآن الكريم عالي الشأن، بعيد المَرْمَى، هذا الذي تعنيه هذه الآية في قوله تعالى:

﴿ طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) ﴾

2 – معنى الآية:

 آيات القرآن، الآية تعني العلامة، وأيَّةُ آيةٍ في القرآن الكريم تدلُّ على عظمة الله عزَّ وجل، وهناك فرقٌ كبير بين كلام البشر وكلام خالق البشر، في كلام البشر حشوٌ لا طائل منه، وفي كلام البشر اضطراب، في كلام البشر خَلَل، في كلام البشر خَطَل، في كلام البشر عدم تنسيق، ولكن كلام الله سبحانه وتعالى مُبَرأٌ عن كل هذه العيوب..

﴿ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2) ﴾

( سورة السجدة )

﴿ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ﴾

( سورة فصِّلت: من الآية 42 )

 فإذاً: أشار الله عزَّ وجل إلى عُلوِّ شأن القرآن، وإلى بعد مراميه عن طريق اللام، تلك، وأشار ثانيةً إلى أن هذه المقاطع التي تنتهي عندها الكلمات هي آيات، هي علامات، هي دلائل، هي إشارات إلى عظمة الله عزَّ وجل في كل سورةٍ، في كل آيةٍ، في كل كلمةٍ، في كل حرفٍ، في كل حركةٍ، ولو أن الإنسان أمضى حياته كلَّها في البحث في عظمة هذا القرآن وما تعنيه آياته، وما تَنِمُّ عنه دلالاتُه لأمضى عمره كله، ولم يُحِط به علماً، لأن القرآن كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( القرآن غنىً لا فقر بعده، ولا غنىً دونه ))

[ ورد في الأثر ]

 وبعض الآيات الكريمة تؤكِّد هذا..

﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا(109) ﴾

( سورة الكهف )

3 – تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ

 أمّا أن يُذْكَر في هذه الآية القرآن والكتاب في ذلك إشارة هامة لابدَّ من شرحها.

تعريف القرآن:

 القرآن كما قلت قبل قليل: هو الكلام المعجز، فلا يمكن لبشرٍ أن يأتي بمثله، ولا بسورةٍ منه، هناك تعريفٌ أكثر شمولاً وأكثر دقَّةً، القرآن الكريم كلام الله المنزَّل على النبي محمَّدٍ صلى الله عليه وسلَّم، المَكتوب في المصاحف، فأي شيءٍ آخر ليس في هذه المصاحف فليس قُرآناً، المنقولُ بالتواتر، والتواتر كما تعلمون معناه: إذا نقل كلاماً جمعٌ غفيرٌ ثقاة عدول عن جمعٍ غفيرٍ ثقاة عدول من عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى يومنا هذا، نقول: هذا كلام متواتر، إذاً: القرآن فيه صفة النقل الشَفَهِي، وفيه صفة النقل الكتابي.

معنى قرآن وكتاب:

 هو قرآن من فعل قرأ يقرأ قرآناً وقراءةً، وهو كتاب من كَتَبَ بمعنى جَمَعَ يَكْتُبُ كتابةً وكتاباً، فالكتاب هو الجَمْع، كيف أن الكتابة تجمع الحروف في كلمات، وتجمع الكلمات في جُمَلْ، والجُمَلْ في عبارات، والعبارات في موضوعات، إذاً القرآن ثابتٌ شفهيَّاً وكتابياً، ففي قوله تعالى:

﴿ طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ (1) ﴾

 إشارةٌ إلى أنه منقولٌ بالتواتر من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم إلى يومنا هذا، نقله جمعٌ غفيرٌ عن جمعٍ غفيرٍ عن جمعٍ غفيرٍ لا يمكن أن يتواطئوا على الكذب، أو يستحيل تواطؤهم على الكذب، أيضاً هو مكتوبٌ في كتابٍ اعتنى به النبي عليه الصلاة والسلام قبل وفاته، وجاء من بعده سيدنا عثمان جامعُ القرآن، فوحَّد اللَهَجَات، وبعث به إلى الأمصار، وإلى يومنا هذا القرآن الكريم في حرزٍ مكين تولَّى الله سبحانه وتعالى حفظه، إذاً:

﴿ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ﴾

( سورة فصِّلت: من الآية 42 )

﴿ طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ (1) ﴾

 قرآن يُقْرَأ، وكتابٍ يُكْتَب، تجده في المصاحف، وتسمعه من الحفظة، والله سبحانه وتعالى هو الذي سخَّر هؤلاء العلماء الحُفَّاظ، سخَّرهم لحفظ هذا الكتاب، حفظوه في صدورهم، وحفظوه في السطور، فالقرآن الكريم محفوظٌ في السطور، ومحفوظٌ في الصدور، متواترٌ من جيلٍ إلى جيلٍ، ومنقولٌ من كتابٍ إلى كتاب، هذا يُدْخِلُ في قلب الإنسان الطمأنينة إلى أن هذا القرآن هو نفسه الذي أُنْزِلَ على النبي عليه الصلاة والسلام من دون زيادةٍ ولا نقصان.

4 – وَكِتَابٍ مُبِينٍ

 أما كلمة مُبِين تعني أنه واضح، هذا القرآن لبني البشر، فمن يدَّعي أن القرآن بحرٌ إذا غُصْتَ فيه غرقت، ويقول: وما لنا وما للقرآن دعونا من تفسيره، هذا شيء فوق طاقتنا، فوق مستوانا، هذا كلام إلى حدٍ ما مقبول، أما أن يحملك هذا الكلام على ترك القرآن، وإلى جعله في مَنْأى عن فهمه، فهذا لم يُرِدْهُ القرآن الكريم لقول الله عزَّ وجل:

﴿ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(24) ﴾

(سورة محمد )

 الله سبحانه وتعالى يدعونا إلى تدبُّره، يدعونا إلى فهمه، يدعونا إلى التأمُّل فيه.

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾

( سورة سبأ: من الآية 46 )

 ما الذي يعرِّفنا قدر النبي عليه الصلاة والسلام ؟ هو هذا الكتاب الذي جاء به، فأن نجلس في مجلسٍ عام، ونقرأ هذا القرآن، ونفهم مراميه وأبعاده، ونفهم دقائقه ومبهمه، وتفسير آياته وأحكامه الشرعيَّة، وآيات العقائد، وآيات اليوم الآخر، فهذا من صلب مهمَّة الإنسان في الحياة.
 لذلك القرآن هو نفسهُ الكتاب، الكتاب لأنه مكتوب، والقرآن لأنه متلوّ، والقرآن كما قلت قبل قليل: مصدر قرأَ يقرأُ قراءةً وقرآناً.
 شيءٌ آخر، القرآن مبين، هناك آياتٌ متشابهات، لكن الله سبحانه وتعالى جعل معظم آياته محكمات، ففي القرآن الكريم..

﴿ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾

(سورة آل عمران: من الآية 7 )

 هذه آيةٌ محكمة واضحة..

﴿ وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

(سورة العنكبوت: من الآية 45 )

 لو أنك قرأت القرآن تجد معظم آياته محكمة واضحة، وبعضها يحتاج إلى مُفَسِّر، بعضها يحتاج إلى أن تسأل عنها، وربنا سبحانه وتعالى أمرك بهذا، قال:

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ(7) ﴾

( سورة الأنبياء )

 فمعظم الآيات محكمة، والمحكم واضح لا يحتاج إلى تأويل ولا إلى تفسير، فهذا الذي يُعْرِضُ عن فهم القرآن بحجَّة أنه كلام الخالق، ومن غاص فيه فقد غرق، هذا الكلام إلى حدٍ ما مقبول ؛ أمّا أن يحملك هذا الكلام على هجر القرآن وعلى ترك فهمه فهذا كلامٌ باطل، لأنه كتابٌ مبين، ومعنى مبين أي واضح.

﴿ أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22) إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ (24) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) ﴾

(سورة الغاشية )

 هذا الكلام واضح.

﴿ هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ(2) ﴾

هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِين

1 – لابد للإنسان من نورٍ يمشي به، وهو الهدى:

 الإنسان مخلوق يفني عمره وحياته في الدنيا، لكنَّ الإنسان رُكِّبَت فيه الشهوات، مُنِحَ نعمة العقل، فيه نوازع، فيه حاجات جسديَّة، فيه حاجات نفسيَّة، فيه حاجات اجتماعيَّة، فيه صراعات، فيه مبادئ، فيه حاجات، فيه مُثُل، فيه شهوات، فيه قِوى ضاغطة، فيه قِوى جاذبة، فيه أشياء كثيرة، فإذا عاش الإنسان من دون نورٍ يَهتدي به، من دون منهجٍ يسيرُ عليه، من دون كتابٍ يهتدي بهديه فقد ضلَّ سواء السبيل، فالله سبحانه وتعالى خلق الكون، ونوَّره بالقرآن، ومن أسماء القرآن أنه نور تستنير به، من أسماء القرآن أنه فرقان يفرِّق بين الحقِّ والباطل، من أسماء القرآن أنه الكتاب الذي فيه المنهج، من أسماء القرآن أنه قرآن، وهذا الذي يُتلى،هو قرآن وهو كتابٌ، وهو فرقانٌ، وهو نورٌ، إذاً:

﴿ هُدًى وَبُشْرَى (2) ﴾

 الهُدى نهتدي به..

﴿ فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى(123) ﴾

(سورة طه )

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(38) ﴾

(سورة البقرة )

2 – ما هي البشرى ؟

 أما البُشْرَى فإنه يبدو من هذه الآية أن هذه الدنيا دار عمل، وأن هذه الدنيا دار ابتلاء، دار امتحان، دار مَشَقَّة..

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ(4) ﴾

(سورة البلد )

 ولكنَّ الآخرة هي دار الجزاء، دار النعيم المُقيم، دار السعادة، دار العطاء، دار الإكرام، دار التشريف، فالقرآن الكريم يهديك في الدنيا إلى سواء السبيل، ويُبَشِّرُكَ بأن بعد هذه الدنيا حياةً أبديَّة لا نغص فيها ولا نَصَب..

﴿ هُدًى وَبُشْرَى (2) ﴾

 تهتدي به من جهة، وتستبشر من جهةٍ ثانية، يضئ لك الطريق، ويكشف لك عن المستقبل البعيد.

﴿ هُدًى وَبُشْرَى (2) ﴾

 إنك تهتدي بأحكامه في علاقتك بزوجتك، إنك تهتدي بأحكامه في علاقتك بمن حولك، في البيع والشراء، إنَّك تهتدي بأحكامه في علاقتك بربِّك، إنك تهتدي بأحكامه في علاقتك بجسدك..

﴿ هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) ﴾

3 – هدى وبشرى للمؤمنين خاصةً:

 لكن هذه اللام تحملُ إشارةً دقيقة، ليس هذا القرآن هدىً وبشرى لعامّ‍ة الناس، لأن الله سبحانه وتعالى يقول في آياتٍ أخرى:

﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾

(سورة فصِّلت: من الآية 44)

﴿ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا(82) ﴾

(سورة الإسراء )

 إنه:

﴿ هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) ﴾

 فهذا كلام من ؟ كلام الله، فإذا لم يكن الإنسان مؤمناً بالله عزَّ وجل فهذا الكلام لا معنى له عنده، وإذا آمنت بالله، وعرفت الله عزَّ وجل عندئذٍ تشعر بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى معرفة كلامه، إلى معرفة مَنْهَجِهِ، إلى معرفة أمره ونهيه، إلى معرفة نظامه، إلى معرفة سُنَنِه، هكذا، لذلك الصحابة الكرام قالوا: " أوتينا الإيمانَ قبل القرآن "..

﴿ هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) ﴾

 حصراً، أما بقية الناس فإنهم يقرؤون القرآن، ولا يفهمون منه شيئاً، يقرؤون القرآن، ويخرجون منه كما يخرج السهم من الرميَّة، لا يَعي شيئاً، يقولون:

﴿ مَاذَا قَالَ آنِفًا ﴾

(سورة محمد: من الآية 16)

 فلذلك الإيمان قبل القرآن، لأنَّ هذا الكون كلُّه دالٌ على الله عزَّ وجل، فإذا عرفت أن هذا الإنسان عظيم فعندئذٍ تهتم برسالته، تهتم بأمره، تهتم بنهيه، تهتم ببرنامجه، تهتم بنظامه، تهتم بوعده، تهتم بوعيده، إذاً يجب أن نتعرَّف إلى الله عزَّ وجل، فإذا عرفناه حرصنا على فهم هذا الكتاب حِرْصَاً لا حدود له، إذا عرفنا الله عزَّ وجل حرصنا على فهم كلامه حرصاً لا حدود له، إذا عرفنا الله عزَّ وجل حرصنا على تنفيذ أمره تنفيذاً دقيقاً، لذلك:

﴿ هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) ﴾

الإيمان يحتاج إلى جهدٍ:

 والإيمان يحتاج إلى جُهد، ألا إنَّ سلعة الله غالية، تريد جنَّةً عرضها السماوات والأرض، تريد أن تسعد إلى الأبد، تريد أن تكون من عَلِيَّة خلق الله عزَّ وجل، من الذين اصطفاهم لدخول الجنَّة، ولا تريد أن تبذل وقتاً أو جهداً في الدنيا لمعرفة الله عزَّ وجل ؟‍ هذا شيءُ عُجاب، هذا الذي يخوض ويلعب ولا يدري لِمَ يخوض ويلعب هذا إنسانٌ تائهٌ ضال، إذاً من قوله تعالى:

﴿ هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) ﴾

 يتَّضح أن الإيمان قبل القرآن، لو أن القرآن قبل الإيمان لقال الله عزَّ وجل: " هدىً وبشرى للناس "، بينما هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم وابتعدوا عن ربِّهم، وصف الله القرآن بحقِّهم بأنه عمى عليهم، بأنه لا يزيدهم إلا ضلالاً، إلا بُعداً، إلا خسارا.
 من هم المؤمنون ؟ هؤلاء الذين يُعَدُّ القُرآن لهم هدىً وبُشرى، فأحياناً الإنسان لا يهتم بالطُرُق إلا إذا كان مسافراً، إذا كان مسافراً يقصد بلدةً معيَّنة، وفي هذه البلدة يُعَلِّق آمالاً عريضة على بلوغها، عندئذٍ يُصْغِي إلى النشرة الجويَّة، يصغي إلى حالة الطُرُق، يقرأ بعنايةٍ بالغة اللافتات من هنا البلد الفلاني، من هنا الفلاني، يديم الإصغاء إلى حالة الطُرُق، والنظر إلى اللافتات، والأسهم والإشارات، وهذا سببه الحرص على بلوغ هذه البلدة، فأنت إذا أردت الله عزَّ وجل، أردت أن تصل إليه، من هذه الإرادة الجازمة يأتي اهتمامك لمعرفة كتابه، وأمره ونهيه، ووعده ووعيده، ماذا يُحِب وماذا يكره، ماذا يأمر وماذا ينهى، ماذا يَعِدُ المؤمنين وماذا يَعِدُ الكافرين، فلا يمكن أن نهتمَّ بالقرآن إلا إذا عرفنا الواحد الديَّان.
 أعيد وأكرِّر: " أوتينا الإيمان قبل القرآن "، فلابدَّ من وقفةٍ طويلة لمعرفة الله، لابدَّ من وقفةٍ طويلة في هذا الكون لمعرفة الخالق، لمعرفة المُربي، لمعرفة المسيِّر، عندئذٍ ترى أن قرآنه، وكلامه، وكتابه في أعلى درجة من اهتمامك، وعنايتك، وبحثك عن الحقيقة.

مَا صفاتُ هؤلاء المؤمنين ؟

 من هم هؤلاء المؤمنون ؟ الله سبحانه وتعالى وصفهم بأنهم:

﴿ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ (3) ﴾

1 – الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاة

 قد يسأل سائل: لماذا اختار الله من بين أركان الإسلام الصلاة والزكاة ؟

الحكمةُ مِن الربط بين الصلاة والزكاة:

 بالمناسبة لابدَّ من التنويه أن الصلاة عبادةٌ بدنيَّة، بينما الزكاة عبادةٌ ماليَّة، الصلاة عبادةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بالخالق، بينما الزكاة عبادةٌ متعلِّقةٌ بالمَخلوق، فإذا أردت أن تلخِّص الدين كلَّه في كلمتين أقول لك: إن الدين اتصالٌ بالخالق، وإحسانٌ إلى المخلوق، وهكذا قال سيدنا عيسى عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام:

﴿ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا(31) ﴾

( سورة مريم )

 كأن الله سبحانه وتعالى جَعَلَ الصلاة ركناً في بابها، وجعل الزكاة ركناً في بابها، فالصلاة أساس العبادات، أنت تصوم من أجل أن تُصلي، وتحجُّ بيت الله الحرام من أجل أن تتصل بالله عزَّ وجل، وأنت تدفع زكاة مالك من أجل أن تُصَلِّي، إنها الفرضُ الوحيد الذي يتكرَّر، والذي لا يسقط بحال، الصيام يَسْقُطُ عن المريض وعن المسافر، والحج يسقط عن الفقير وعن غير المستطيع، والزكاة تسقط عن الفقير، أما الفرض الوحيد المتكرِّر الذي لا يسقط بحال فهو الصلاة، إنها عماد الدين، مَن أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين، إنها سيِّدة القُرُبات، وغُرَّة الطاعات، إنها معراج المؤمن إلى ربِّ الأرض والسماوات، إنها مناجاةُ الحق، إنها اتصالٌ بالله عزَّ وجل، إنها ذكرٌ لله..

﴿ وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي(14) ﴾

( سورة طه )

 لذلك اختار ربنا عزَّ وجل من بين أركان الإسلام كُلِّها الصلاة، هي في بابها ركن، فالصيام للصلاة، والحج للصلاة، والصلاة للصلاة، العبادات التي في جوهرها اتصالٌ بالله في رأسها الصلاة، ربنا عزَّ وجل اختارها واكتفى بها، قال:

﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ (3) ﴾

 كل الأعمالٍ التي في جوهرها إحسانٌ إلى المخلوق هي زكاة، إعطاء مالك للناس من أجل أن ترحمهم، ومن أجل أن تخفِّف من مآسيهم، ومن أجل أن يرضى عنك ربُّهم، هذه الزكاة، فربنا عزَّ وجل وصف المؤمنين وصفاً بليغاً موجزاً، جامعاً مانعاً قال:

﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ (3) ﴾

 وما بال بَعْضِ الناس لا يزكي ؟ قال الله عزَّ وجل:

﴿ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (3) ﴾

2 – وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ

 لأنه حينما يجعل الإنسان اهتمامه كله في الدنيا، ويُسقِط الآخرة من حسابه، فأغلب الظن إنه لن يصلي، ولن يزكي، لأن الدنيا مبلغ علمه وغاية قصده، أما حينما تنتقل اهتماماته إلى الدار الآخرة، حينما يدخل الآخرة في حسابه اليَومي، فهؤلاء الذين يُدْخِلون اليوم الآخر، والوقوف بين يدي الله عزَّ وجل يوم القيامة في حسابهم اليومي ؛ في بيعهم، في شرائهم، في نظراتهم، في غضِّ بصرهم، في عطائهم، في منعهم، في غضبهم، في رضاهم، في صلتهم، في بعدهم فهؤلاء يبادرون بالصلاة والزكاة، والإنسان له حركات وسكنات كثيرة جداً، له نشاط كبير، وإذا أدخلت اليوم الآخر في حسابك اليومي تُبادر إلى الصلاة وإلى الزكاة.
 فلذلك الإيمان باليوم الآخر يأتي في الدرجة الثانية بعد الإيمان بالله، فمن كان إيمانه بالله ضعيفاً فبالتالي يمكن أن يكون إيمانه باليوم الآخر أضعف، ومن لوازم الإيمان بالله الإيمان باليوم الآخر، لأن اليوم الآخر هو الذي يعطي الدنيا فلسفة خاصَّة، الدنيا فيها قويٌ وفيها ضعيف، فيها غنيٌ وفيها فقير، فيها ذو حَظٍّ عظيم وفيها ذو حظٍّ ضَئيل، فيها إنسان يملك وإنسان لا يملك، إنسان صحيح وإنسان مريض، هذه الحظوظ موزَّعة في الدنيا توزيع ابتلاء، أما إذا اكتفيت بالدُنيا تحسُّ أن في هذا العطاء إجحافاً، لمَ أعطى فلاناً ولَمْ يعط فلاناً ؟ أما إذا آمنت باليوم الآخر تشعر أن فهمك للدنيا يصبح فهماً صحيحاً.
 فلذلك من لوازم الإيمان بالله أن تؤمن باليوم الآخر، إذا آمنت باليوم الآخر يصبح إيمانك هذا رادعاً لك عن أي عمل لا يرضي الله عزَّ وجل، ما الذي يمنع القوي من أن يستخدم قوَّته لأخذ مال الناس ؟ إيمانه باليوم الآخر، ما الذي يمنعك أن تنظر إلى امرأةٍ لا تحلُّ لك نظرة شهوةٍ ؟ إيمانك باليوم الآخر، فلهذا وصف ربنا عزَّ وجل المؤمنين بأنهم:

﴿ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ (3) ﴾

 وخصهم وحدهم بأنهم الذين يوقنون باليوم الآخر، وإليك الإيضاح، قال:

﴿ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (3) ﴾

الفائدة من تَكرار لفظ ( هُمْ ): وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ

 لماذا جاءت هم مكرَّرة ؟..

﴿ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ (3) ﴾

 بعضهم قال: هذه للقَصْر.. أي أن..

﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ (3) ﴾

 وحدهم يؤمنون بالآخرة، الآن في معنى دقيق جداً: أن إيمانك باليوم الآخر لا عبرة به، ولا قيمة له إن لم يكن هناك في عملك اليومي ما يؤكِّده، فإيمانك عندئذٍ كلامٌ بكلام، ما من مسلمٍ على وجه الأرض يُنْكِرُ بلسانه اليوم الآخر، ولكنَّ الذي لا يعمل لهذا اليوم، ولا يتقي الله، ولا يخشى الوقوف بين يديه هو بشكل عملي، وبشكلٍ واقعي ليس مؤمناً بهذا اليوم، فلذلك ربنا سبحانه وتعالى قال:

﴿ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ (3) ﴾

 أي هم وحدهم يؤمنون باليوم الآخر، لأنهم يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ومن دلائل إيمانك باليوم الآخر إقامتُكَ للصلاة وإيتاؤك للزكاة، إذا آمنت بالله واليوم الآخر فلابدَّ مِن أن تصلي، ولابدَّ مِن أن تزكي، إذا ادَّعيت أنك مؤمنٌ بالله واليوم الآخر، ولم تصلِّ، ولم تزكِّ فإيمانك باطل، هذا كلُّه من كلمة (هم) الثانية..

﴿ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ (3) ﴾

 شيءٌ آخر، ( هم ) الثانية قال عنها بعض العلماء: هي لوصفِ شأنهم، فأحياناً الإنسان يفعل شيئاً لا يُعَبِّر عن شأنه، وأحياناً يفعل شيئاً يعبِّر عن شأنه، فلو أن إنساناً أخذ شيئاً، ليس له، خطأً، هل نقول عنه: إنه سارق ؟ لا، ليس من شأنه أنه يسرق، أما إذا كان الإنسان له سوابق، وأخذ هذه الحاجة التي ليست له فهذا من شأنه، فربنا عزَّ وجل بتكراره كلمة ( هم ) أشار إلى أن هؤلاء من شأنهم أنهم يوقنون باليوم الآخر.
 فلذلك أيها الإخوة، دعونا من بعض التفصيلات، ولكن أقول: إنك في عملك اليومي إذا لم تدخل هذه الوقفة التي ستقفها بين يدي الله عزَّ وجل، إن لم تُدْخِلْهَا في حسابك فلست مؤمناً، وانظر إلى هذا الذي يأخذ ما ليس له، يعطي أقلَّ مما يجب أن يُعطي، هذا الذي يسهو، ينسى، يغفل، هذا الذي يتجاوز، يطغى، يبغي، يأخذ، يعتدي، فهذا ليس مؤمناً باليوم الآخر بشكلٍ قطعي، لأنه لو آمن بهذا اليوم العصيب، وبهذا الحساب العسير فلا يمكن أن يفعل هذا الذي يفعله، فلذلك سيدنا عليٌّ رضي الله عنه قال في بعض الحديث عن هؤلاء: << لا تجد في أعمالهم ما يُنْبِئُ أنهم مؤمنون باليوم الآخر >>.
 إذاً:

﴿ تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (3) ﴾

سؤالٌ مصيريٌ خطير: هل أنا مؤمنٌ باليوم الآخر ؟

 شيءٌ مَصيري، شيءٌ خطير وضروري أن تسأل نفسك هذا السؤال: هل أنا مؤمنٌ باليوم الآخر ؟ لنضرب مثلاً التساهل في طاعة الله ؛ فإذا كان في بيت أحدنا معاصٍ، أو مخالفات، أو تقصيرات، إذا كان في تعامله اليومي تجاوزات، وكذلك لديه شيء من الحرام في دخله، وشيء من الحرام في إنفاقه، وشيء من الحرام في علاقاته مع الناس، في سهراته، في مجالسه، في نزواته، في نشاطه، في كلامه، كيف يمكن أن يكون هذا الإنسان مؤمناً باليوم الآخر ؟ لا يُبالي، لو أنه كان يبالي بهذا اليوم لسارع إلى الطاعة، إلى طاعة الله عزَّ وجل، فهذا الذي يوهمك أنك لمجرَّد أن تقول: أنا آمنت باليوم الآخر فتظن أنك مؤمن ؛ هذا يوقعك في الوهم، لن تكون مؤمناً باليوم الآخر إلا إذا كنت مستقيماً، لن تُفْرَزَ في صفِّ المؤمنين باليوم الآخر إلا إذا كان الإيمان باليوم الآخر واضحاً في عملك..

((الإِيمَانُ قَيَّدَ الْفَتْكَ، لا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ ))

[من سنن أبي داود عن أبي هريرة ]

 فهذا الذي يأخذ ما ليس له، هذا الذي يعتدي على حقوق الورثة، ويأخذ النصيب الأكبر، احتيالاً أو اغتصاباً، ويصلي ! كيف يكون هذا الإنسان مؤمناً باليوم الآخر ؟ هذا الذي يقع في المعاصي، ويعلم أنها معاصٍ، كيف يكون مؤمناً باليوم الآخر ؟ مستحيل، لأن النبي عليه الصلاة والسلام لمَّا جاءه أعرابي قال: هل عرفت الرب ؟، قال: "نعم"، قال: " فماذا صنعت في حقِّه ؟ " ثم قال له: "هل عرفت الموت ؟ " قال: "نعم " قال: " فماذا أعددت له ؟ ".
 لابدَّ أن يكون الإنسان واضحاً مع نفسه، لا أن يعيش بالوهم، ولا أن يعيش في أحلام ممتعة، لكنَّها موهومة.

بين الحقيقة المرة والوهم المريح:

 عندنا شيئان، عندنا وهم مريح، وعندنا حقيقة مُرَّة، أنا أنصح كل أخ كريم أن يبحث عن الحقيقة المُرَّة لا عن الوهم المريح، الوهم المريح يبعثه على أن يقول: نحن إسلام الحمد لله، نحن لنا الجنَّة، نبينا سيشفع لنا، هذا وهم مريح، يريحك من التعب، والنَصَب، والانضباط، والبذل، والعطاء، والخوف، أما أن تقف عند حدود كتاب الله، أن تعرف ماذا يعني الإيمان باليوم الآخر ؟ إنه يعني الطاعة لله عزَّ وجل، فإذا كان في الطاعة خللٌ، وكان في الطاعة تقصيرٌ، فهذا يدلُّ على ضعف إيمانك باليوم الآخر.
 إذاً:

﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (3) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ(4)﴾

إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ

 أي أنهم أسقطوا الآخرة من حسابهم، أغفلوا أن تكون أحدَ أهدافهم، يريدون الدنيا فقط، وهذا حال معظم الناس ؛ يريد بيتاً، وزوجةً، ودخلاً، ومركبةً، ومكانةً، ورِفْعَةً، يريد أن يفعل كذا وكذا، وأن ينتقل من مكان إلى مكان، وأن يأكل ما لذَّ وطاب، الرغبات الدنيوية كلُ همِّه، زخارف الدنيا تُصْبِح كل علمه، لذلك:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ (4) ﴾

زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ

 همُّه التزيينات، همُّه أن يَغْرَقَ في النعيم، أن يغرق في المباهج، في المسرَّات، همُّه أن يكون في أعلى درجة من المظهر الفخم، في بيته وفي حياته اليوميَّة، وفي أثاث بيته، وفي مركبته، همُّه هذا المظهر..

﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ (4) ﴾

التزيين بين كسب الإنسان وتقدير الله:

 الحقيقة أنك إذا عزوت الشيء إلى الله عزَّ وجل فهذا من باب أن الفاعل هو الله، وإذا عزوته للإنسان، أو إلى الشيطان فهذا يعني أن الإنسان مخيَّر، وأنَّ هذا من كَسْبِهِ.
 مثلاً: لا تقع في حيرة إذا قال الله عزَّ وجل:

﴿ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ﴾

(سورة العنكبوت: من الآية 38 )

 وإذا قال الله عزَّ وجل:

﴿ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ (4) ﴾

 إذا عُزِيَ التزيين إلى الله عزَّ وجل فهو من باب أن الله هو الفاعل، وإذا عزي التزيين إلى الشيطان فمن باب أن هذا العمل هو كَسْبٌ للشيطان، فإذا قال مدير المدرسة للطالب: لقد رسبت، معنى ذلك أن هذا من تقصيره، إن تقصيره وعدم اهتمامه وتهاونه أدى به إلى الرسوب، وإذا قال المدير لهذا الطالب: لقد رسَّبتُك، بمعنى أن الذي اتخذ القرار هو المدير، فإذا عَزَوْتَ قرار الرسوب إلى المدير فمن باب التنفيذ، وإذا عزوته إلى الطالب فمن باب المسؤوليَّة، فالإنسان لمجرَّد أن يسقط الآخرة من حسابه اليومي، لمجرَّد أن يجعلها خارج اهتمامه، وراء ظهره، لمجرَّد أن تتربَّع الدنيا على عرش قلبه، لمجرَّد أن تصبح الدنيا أكبر همِّ الإنسان ومبلغ علمه، لمجرَّد أن تكون كل خواطره دنيويَّة، عندئذٍ..

﴿ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ (4) ﴾

 يظنُّ أن هذا العمل الذي يبتغي به الدنيا عظيم والحقيقة هو عند الموت لا قيمة له أبداً، وقدمنا إلى ما عملوا من عملٍ فجعلناه هباءً منثورا، فدائماً ليكن عندك مقياس دقيق: ما قيمة هذا العمل بعد الموت ؟ لو أنك فعلت كذا وكذا، زرت كذا وكذا، التقيت مع زيداً وعمرو، هذا العمل ضَعْهُ على مِحَكِّ القبر، فماذا ينفعك بعد الموت ؟ لا شيء، إذاً: لا قيمة له عند الله..

(( لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))

(من سنن الترمذي عن سهل بن سعد )

﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4) ﴾

فَهُمْ يَعْمَهُونَ

معنى العمه:

 معنى يَعْمَه: أي هو في حيرة، يحتار، المنافق كالشاة الحائرة بين الغنمين، مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، هذا المنافق لا هو مؤمن فيقطف ثمار الإيمان ؛ ولا هو كافر فيُقصَى من دائرة الإيمان، هو مذبذب..

((مثل المنافق كالناقة ربطها أهلها، لا تدري لا لمَ عُقِلَت ؟ ولا لمَ أُطْلِقَت؟))

[ ورد في الأثر ]

 هذه الحيرة، هذا التيه، يقول لك: نحن في ضياع، نحن تائهون، لا نعرف ما المصير، لا نعرف إلى أين نحن سائرون، هذا كله كلام أهل النِفاق، لأنه حينما ترك الآخرة، وأعرض عنها، وأخرجها من حسابه، وجعل الدنيا مبلغ علمه ومنتهى أمله، الله عزَّ وجل جعل عمله في نظره هو العمل الصحيح.
أحياناً تجد إنساناً يتلف كسوة بيت بمئات الألوف لكي يغيِّر لون الرخام، أو لون البلاط، يقول لك: لم يعجبني، فهل أنت مخلِّد في الدنيا ؟ ما إن ينتهي من كسوة هذا البيت حتى يأتيه مَلَك الموت، إلى أين هو يمشي ؟ لسان حاله ومقاله:

﴿ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ ﴾

(سورة الزخرف: من الآية 56 )

﴿ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ (4) ﴾

 طبعاً الشيء المباح مباح، لكن حينما يَدَعُ الإنسان طريق الإيمان، حينما يَدَعُ الواحد الديَّان، حينما يطلق لشهوته العِنان، حينما يجعل الدنيا كُلَّ شيء، حينما يجعل المال كل شيء، يجعله دينه ومعبوده عندئذٍ يضلُّ سواء السبيل..

﴿ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (5) ﴾

أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُون

 أي أنه خسر الدنيا والآخرة، في الدنيا لهم سوء العذاب، وفي الآخرة ليسوا خاسرين، بل هم الأخسرون، أي أنهم أشد الناس خُسْراناً، هذا الذي خسر نفسه يوم القيامة، خسر الجنَّة، خسر كل شيء، من هنا يقول الله عزَّ وجل:
 " ابن آدم، اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتُّك فاتك كل شيء، وأنا أحبُّ إليكَ من كل شيء ".

وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ

 في مطلع هذه السورة حديثٌ عن يوم القيامة، حديثٌ عن الإيمان باليوم الآخر..

﴿ وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآَنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6) ﴾

 هل عرفت خالق الكون ؟ هل عرفت ربَّ العالمين ؟ هل عرفت الإله العظيم ؟ هل عرفت صاحب الأسماء الحسنى ؟ وأنَّ هذا القرآن من عنده..

﴿ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6) ﴾

1 – مَن هو الحكيمُ ؟

 مَن هو الحكيم ؟ قال بعض العلماء: الذي يُحْكِمُ خَلْقَ الأشياء، أي أن خلق الله عزَّ وجل مُحْكَم..

﴿ ثُمَّ ارْجِعْ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ(4) ﴾

(سورة الملك )

 الله عزَّ وجل لم يجعل في هذا الكون خللاً ولا خطأً، ولا شيئاً غير مُحْكَم، فالحكيم هو الذي إذا صنع شيئاً أحكمه، والحكيم هو الذي يتقن التدبير، إذا رسم خطَّةً تأتي هذه الخطَّة مُحْكَمَةً، والحكيم هو الذي أحسن التقدير، إذا قدَّر الأشياء جاءت تقديراته صائبةً مئة بالمئة، إحكامٌ في الخلق، وإتقانٌ في التدبير، وحُسْنٌ في التقدير، هذا من معاني الحكيم، هذا القرآن إذاً من لدن حكيمٍ عليم.

1 – مَن هو العليمُ ؟

 شيءٌ آخر، عليمٌ بالبواطن، عليمٌ بالأسرار، عليمٌ بكل شيء، أنزلَ هذا القرآن بالحجم، والطريقة، والأسلوب، والنَظْمِ الحكيم، من معاني الحكيم المُقَدَّس عن فعل ما لا ينبغي، إذا قلت: الله حكيم أي تقدَّست ذاته عن فعل ما لا ينبغي، فكلَّما عرفت الله عرفت حكمته، نزَّهته عن كل شيءٍ لا يليق بذاته، حكيم، هل يليق بالله عزَّ وجل أن يتخذ ولداً ؟ هل يليق بالله عزَّ وجل أن يجعل الملائكة إناثاً، ويجعلهم بناته كما يزعمون ؟ هذا لا يليق بذاته التي أخص خصائصها الوحدانيَّة، ربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾

(سورة البقرة: من الآية 269 )

 إذاً: أراد الله عزَّ وجل أن يُعَرِّفنا أن هذا القرآن الكريم من عند خالق الكون، من عند الحكيم العليم، فالحكيم الذي أَحْكَمَ خلق الأشياء، وأتقن التدبير، وأحسن التقدير، والحكيم المُقَدَّس عن فعل ما لا ينبغي، والحكيم من كان مُصيباً في التقدير مُحسناً في التدبير، والحكيم من ليست له أغراض، وليس على عمله اعتراض، على كلٍ، كلُّ ما في الكون، وكلُّ شيء يعبِّر عن حكمته جلَّ وعلا، فإذا أردت أن تعرف الحكيم فدونك الكون ففيه تجسيدٌ لهذا الاسم العظيم، بل إن الحكمة من الأدلَّة القطعيَّة على وجود الله عزَّ وجل، لولا الخالق لما كان في الكون حكمة، الحكمة: أيُّ شيءٌ يَرْجِح بدليل، فالمرجِّح هو الله سبحانه وتعالى، لا رجحان بلا مرجِّح، فالحكمة أحد الأدلَّة على وجود الله عزَّ وجل.

3 – استنباط من اسم الحكيم: من عرف الله فهو حكيم:

 قال بعضهم: من عرف جميع الأشياء، ولم يعرف الله عزَّ وجل لا يسمَّى حكيماً، لا يسمَّى حكيماً إلا من عرف الله لأنه أصل الوجود، أصل الخير، أصل كل نعمة، فإذا عرفت النعمة، ولم تعرف المُنعم فلست حكيماً، إذا عرفت الخَلْق ولم تعرف الخالِق فلست حكيماً، إذا عرفت النظام، ولم تعرف المنظِّم فلست حكيماً، إذا عرفت الكون ولم تعرف المكوِّن فلست حكيماً، لذلك من عرف جميع الأشياء، ولم يعرف الله عزَّ وجل لا يسمَّى حكيماً، ومن عرف الله سُمّي حكيماً ولو كان ضعيف الفطنة، ولو كان مستوى ذكائه أقل مما يجب، إذا عرف الله وعرف الطريق إليه فقد عرف كل شيء، واهتدى إلى كل شيء، هذا الذي يقول: يا رب ؛ ماذا فقد مَن وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟ هذا الذي عرفك ما فاته شيء، وهذا الذي لم يعرفك ما أخذ شيئاً.

مِن دلائل معرفة الله:

 الآن من دلائل معرفة الله عزَّ وجل:
 أن تخافه.. " رأس الحكمة مخافة الله "..
 من دلائل معرفة الله عزَّ وجل:

((الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ ))

[من سنن الترمذي عن شداد بن أوس ]

 مِن دلائل معرفة الله عزَّ وجل إيمانُك أنَّ ما قلَّ وكفى خيرٌ مما كثر وألهى.
 من دلائل معرفة الله عزَّ وجل أن تكون ورِعاً، إذا كنت ورعاً فأنت أعبد الناس، وإذا كنت قَنِعَاً فأنت أغنى الناس.
 من دلائل معرفة الله عزَّ وجل ترك ما لا يعنيك..

(( مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ ))

( من سنن الترمذي عن أبي هريرة )

ِ من دلائل معرفة الله عزَّ وجل أنك تتعظ بغيرك ولا تتعظ بنفسك، وهذا أيضاً من دلائل معرفة الله عزَّ وجل.
 من دلائل معرفة الله أن تكون أكثر صمتاً، لأن الصمت دليل العقل ودليل التَبَصُّر والتأني.
 ومن دلائل معرفة الله عزَّ وجل أن تكون قانعاً بما أعطاك لأنك عرفته واستغنيت به عمن سواه.
 من دلائل معرفة الله عزَّ وجل أن تصبر لأن الصبر نصف الإيمان، واليقين هو الإيمان كلُّه.
 لذلك موضوع الحكمة ؛ إحكامٌ في الخلق، حسنٌ في التقدير، إتقانٌ في التدبير، تنزيهٌ عن فِعل ما لا ينبغي، هذا بعض ما يعنيه اسم الحكيم.

كلُّ شيءٍ في الكون بحكمةٍ ولحكمةٍ:

 أما الكون كله فكل شيء فيه بحكمة ولحكمة ؛ بُعد الشمس عن الأرض بحكمة، شدَّة الحرارة بحكمة، حجم الكرة الأرضيَّة بحكمة، دورتها حول نفسها بحكمة، محورها المائل بحكمة، علاقتها بالشمس بحكمة، علاقة القمر معها بحكمة، أي شيءٍ خلقه الله عزَّ وجل متعلِّقٌ بالحكمة المطلقة، فتكاد الحكمة تكون دليلاً أولياً أوله الأولوية على الله عزَّ وجل.
 وفي درسٍ قادمٍ إن شاء الله تعالى نبدأ بقصَّة سيدنا موسى..

﴿ إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ (7) ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018