الدرس : 04 - سورة يونس - تفسير الآيات 9 – 11 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 04 - سورة يونس - تفسير الآيات 9 – 11


1985-10-11

 الحمد لله العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

تذكيرٌ بما سبق :

 في الدرس الماضي وصلنا بتوفيق الله إلى قوله تعالى :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ(7)أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

التذكير الأول : إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا

(( فَالنَّاسُ رَجُلانِ : بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ وَالنَّاسُ ))

[ من سنن الترمذي عن ابن عمر ]

 هؤلاء :

 

﴿ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا ﴾

 كانت أكبر همِّهم ، ومبلغ علمهم ، ومنتهى طموحاتهم ، واستغنوا عن رحمة الله ، وأداروا ظهرهم للقرآن ، وجعلوا ما بعد الموت خارج اهتمامهم .

 

التذكير الثاني : مَأْوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونْ

 هؤلاء كما قال الله عنهم :

﴿ مَأْوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

 لكن الذي آمنوا لهم حالٌ أخرى ، فربنا سبحانه وتعالى يقول :

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ(9)دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

التذكير الثالث : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِم

 فالإيمان عمل ، هذا الذي يقول لك : أنا مؤمن ، يجب أن تقول له : متى آمنت ؟ كيف آمنت ؟ ما الدليل على وجود الله ؟ ما الدليل على ربوبيَّته ؟ ما الدليل على ألوهيَّته ؟ متى آمنت ؟ هل خصصت وقتاً كل يوم كي تؤمن ؟ هل جلست مع نفسك تتأمل في ملكوت السماوات والأرض؟ أمَّا أن يسمع الإنسان شيئاً فيقوله كما سمعه هذا لا يسمى إيماناً ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)﴾

( سورة العنكبوت )

 الإنسان له أن يدَّعي أنه مؤمن ، هذه بيده ، كلمة يقولها : أنا مؤمن ، لكن هل تظن أن الله سبحانه وتعالى سيترك هذا الإنسان يدَّعي أنه مؤمن ، ولا يضعه في مواقف معيَّنة تكشف حقيقته ، فربنا عزَّ وجل يقول :

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

 هؤلاء الذي عرفوا الله سبحانه وتعالى ، هؤلاء الذين آمنوا به من خلال آياته ، هؤلاء الذين فكروا في ملكوت السماوات والأرض ، هؤلاء الذي ذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ، هؤلاء الذين تعرَّفوا إلى الله في الرخاء ، هؤلاء الذين بَهَرَتْهُم عظمتُه ، هؤلاء الذين ملأت آياتُه نفوسَهم ، هؤلاء الذين آمنوا ، من لوازم الإيمان العمل الصالح ، الإيمان دعوى برهانُه العمل الصالح ..

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

 أي أنه عرف أن له رباً بيده كل شيء ، إليه مرجع كل شيء ، فلا حركة ، ولا سكنة ، ولا صغيرة ، ولا كبيرة ..

 

﴿ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾

التذكير الرابع : مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ

 الأشياء كلها مُعَطَّلَة إلى أن يشاء الله ، لا تأخذُ الأشياء خصائصها ولا فاعليتها إلا إذا شاء الله .

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ﴾

 هذه الكلمة فسَّرها المفسِّرون تفسيراتٍ شتَّى ، بعضهم قال : ألم يقل الله قبل قليل :

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ(7)أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(8)إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ﴾

من معاني : يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ

 إلى مأواهم ، وهو الجنة ، أي إيمانهم وعملهم الصالح يهديهم إلى الجنة ، هذا معنى .
 وهناك معنى آخر ، المعنى الآخر مأخوذٌ من معنى الإيمان ، الإيمان وجهةٌ إلى الله سبحانه وتعالى ، فما دام الإنسان متجهاً إلى الله سبحانه وتعالى أي أنه في صلة ، وتعريف الصلاة كما عرَّفها النبي عليه الصلاة والسلام :

(( الصّلاةُ نُورٌ ))

[ مسلم عن أبي مالك الأشعري ]

 كل إنسانٍ يصلي صلاةً صحيحة يقذف الله في قلبه نوره ، فالصلاة نور ، وبالنور ترى الخير خيراً والشر شراً ، إذاً : المصلي مستنير ، والمؤمن الذي آمن بالله ، وعمل صالحاً فأقبل عليه ، بإيمانك به عرفته ، بعملك الصالح تقرَّبْتَ إليه ، مثلاً أنت في عطشٍ شديد ، عرفت النبع وذهبت إليه ، لا ترتوي إلا إذا عرفت النبع أولاً ، وذهبت إليه ثانياً ، كذلك آمنت بالله أولاً من خلال آياته الدالة على عظمته ، ثم تقربت إليه بالعمل الصالح ، فإذا آمنت بالله أولاً ، وعَمِلْتَ الأعمال الصالحة ثانياً ، هداك الله إليه .
 بعضهم قال : إلى جنته .
 وبعضهم قال : أنت حينما آمنت به ، وعملت العمل الصالح تقرَّبت إليه ، بمعنى اتصلت به ، وطبيعة الصلة نور ، وبهذا النور رأيت الخير خيراً فاتبعته ، ورأيت الباطل باطلاً فاجتنبته .
 نقف عند هذه النقطة قليلاً ، هذا الذي يسرق ، وهو في البيت يقتل ، يقبض عليه فيعدم ، حينما أقدَم على هذا العمل ماذا كان يرى ؟ كان يرى أن السرقة مَغْنَمٌ كبير ، وأنه بجهدٍ يسير يُحَصِّل مالاً كبيراً ، كان في عمى وقتها عن النتائج الأليمة ، عن إعدامه ، عن شنقه أمام الناس ، فالقضية عند الناس قضيةٌ واحدة ، إما أنك ترى ، أو أنك لا ترى ، الكافر في عمى ، لا يرى نتائج الأشياء ، ما من إنسانٍ أُتيح له أن يرى نتائج عمله السيئ فيقدم على هذا العمل ، فالأزمة أزمة رؤية ، إما أنك ترى ، وإما أنك لا ترى .
 لأن كل إنسان فُطِرَ على حب نفسه ، حب السلامة ، حب النجاة ، حب الفوز ، هذه فطرة الإنسان ، فلأن الإنسان مفطورٌ على حب ذاته ، وعلى حب سلامته ، وعلى حب نجاته ، وعلى حب فوزه إذا رأى الخير خيراً يتبعه قطعاً ، وإذا رأى الشر شراً يجتنبه قطعاً ، لكن لماذا يقدم الإنسان على الشر ؟ لأنه يراه خيراً ، لماذا يراه خيراً ؟ لأنه في عمى ، لماذا هو في عمى ؟ لأنه لا يصلي .
 هذا ملخص الآية : إذا اتصلت بالله عزَّ وجل قذف في قلبك النور ، فرأيت الخير خيراً فاتبعته ، ورأيت الباطل باطلاً فاجتنبته ، إذاً أنت في نجاة .
 وتماماً كمن يقود سيارةً في طريقٍ كله منعطفات ، في اَللْيَل ، ما دام المِصباح متألِّقَاً فهو ينجو من هذه الحُفَر والمنعطفات ، لكن إذا انطفأ الضوء فجأةً لابدَّ من أن يتدهور ، وهذا الذي لا يصلي مقطوعٌ عن الله عزَّ وجل ، إذاً هو في عمى ، إذاً : يرى المعصية مغنماً ، يرى كسب المال بطريقةٍ غير مشروعة مغنماً كبيراً ، وذكاء ، وقدرة على اقتناص المناسبات ، وفوزاً عظيماً ، لكن الذي يرى ، يرى الحسيب العليم ، يرى الديَّان ، يرى عدالة الله سبحانه وتعالى ، لابدَّ من أن يذهب المال من حيث أتى ، لابدَّ من أن يتلف المال ، ويتلف صاحبه معه ، ومن أصاب مالاً في مهاوش أذهبه الله في نهاور ، فالقضية قضية رؤية .
 سيدنا يوسف لماذا صار عزيز مصر ؟ لأنه حينما راودته هذه المرأة .. امرأة العزيز .. كان ذا بصيرة ، كان متصلاً بالله عزَّ وجل فرأى نتائج الزنا ، وكيف أنه قبيحٌ لصاحبه ، وكيف أنه خيانةٌ لسيِّدِهِ ، وكيف أنه معصيةٌ لربه ، فقال :

 

﴿ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾

( سورة يوسف : من الآية 23)

 فجعله الله عزيز مصر ، ولو أنه لبَّى نداء جسده كما يقولون لكان في أسفل سافلين ، لما كان سيدنا يوسف ، وقد قيل لأحد العارفين : " متى يكون داؤها دواءها .. أي النفس .. ؟ " ، فقال هذا العارف بالله : " إذا خالفت هواها " ، لأن هواها هو داؤها ، ودواءها بمخالفة الهوى ، لأن اتباع الهوى هوان ..

و اخجلتي من عتاب ربـي  إذا قال لي أسرفت يا فلان
إلى متى أنت في المعاصي  تســير مرخى لك العنان
عندي لك الصلح و هو برِّي  وعندك السيف والسنــان
ترضى بأن تنقضي الليالي  و ما انقضت حربك العوان
فاستحي من شيبةٍ تراهــا  في النار مسجونةً تهــان
واستحي من كتابٍ كــريمٍ  يحصي به العقل و اللسـان
***

 عندما يكون الإنسان في عمى يأكل مالاً حراماً ، فيكون الجزاء عاجلاً ، يتلف الله ماله ، وقد يتلفه مع ماله ، إذا كان في عمى يعتدي على الأعراض ، يُعْتَدَى على عرضه ، ما من مأساةٍ في المجتمع ـ راجعوا المحاكم الشرعية ـ ما من دعوى طلاق إلا وراءها معصية ، وليس من معصيةٍ إلا وراءها عمى ، والعمى سببه الانقطاع عن الله عزَّ وجل ، لو كنت في قمة الذكاء ، لو حصَّلت أعلى شهادة في العالم ، الذكاء وحده لا يكفي ، الذكاء قوة مدمِّرة ، أما مع الهدى قوة خَيِّرَة ، الذكاء قوة خيرة ، فإن كان الذكي مقطوعاً عن الله عزَّ وجل فهو قوةٌ مدمِّرة .
 فالإنسان بلغ الآن من الذكاء المرتبة العُليا ، أي أن العقل البشري تطور ، واخترع ، وسخَّر الطبيعة ، واخترع مخترعات تريحه جداً ، نقل الصورة ، نقل الصوت ، غاص في أعماق البحار ، راد الفضاء ، وصل القمر ، اخترع أجهزة تنقل الصور الملونة في لمح البصر، لكنه في جهلٍ شديد ، وبعدٍ عن الله مديد ، ما الذي حصل ؟
 أطلق لنفسه العنان ، بوحي عقله ، وذكائه ، وأن هذه الدنيا هي كل شيء ، فإذا مرضٌ عضال يصيب العالم المتمدن فيما يزعمون .. مرض الإيدز .. انحلال المناعة ، خبرٌ قرأته قبل أيام أن في العالم مائة مليون إصابة حتى الآن ، ستة آلاف وفاة في أمريكا وحدها ، وهذا المرض هو بسبب بعدهم عن الله عزَّ وجل ، بعدوا عن الله ، انقطعوا عنه ، كانوا في ضلالة وفي عمى ، فأطلقوا لشهواتهم العنان ، فكان العقاب العاجل في الدنيا قبل الآخرة ، فمهما كنت ذكياً ، مهما كنت مثقفاً ثقافةً عالية ، مهما كنت ذا شأن ، إن لم تدعِّم هذا الذكاء بالهُدى فالمصير إلى الهاوية ، وإلى الدمار ..

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ﴾

 المعنى الثاني : أن الإيمان وجهة إلى الله ، وأن العمل الصالح قربةٌ له ، وأنك إذا عرفته وتقرَّبت إليه اتصلت به ، في هذه الصلة يحصل النور، في هذا النور ترى الخير خيراً والشر شراً، تنجو من مآذق الدنيا ، من متاعبها ، من مهلكاتها ، من ضلالاتها ، من شقائها ، من الضياع ، من القلق .

 

﴿ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ﴾

 هناك معنى ثالث مستنبطٌ من قوله تعالى :

 

﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى(13)﴾

( سورة الكهف )

 إذا قال ابن لأبيه : أنا أود أن أدرس ، وأبوه كان مثقفا ثقافة عالية ، بمجرد أن يقول له : أنا أريد أن أدرس ، الأب أعطاه غرفةً مستقلةً في البيت ، أَمَدَّه بالكتب ، أمده بالمراجع ، وضعه في أرقى مدرسة ، أعطاه المال الكافي ، أعفاه من أعباء المنزل ، سجَّله في معاهد إضافةً إلى مدرسته ، جعل له مدرّسين خاصين ، والطالب قال : أنا سأدرس ، كذلك ولله المثل الأعلى ، إذا قال العبد : يا رب أعنّي على طاعتك ، تُيَسَّرُ له أموره ، يُيَسَّرُ له أمر معاشه ، ييّسر الله له زوجةً تعينه على دينه ، توافقه في اتجاهه ، ييسر له عملاً طيباً ورزقاً حسناً ، نقياً ، نظيفاً ، هذا إذا اختار أن يكون من المؤمنين .

 

﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى(13)﴾

 المعنى الرابع :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ﴾

 إلى العمل الصالح ، لأن جوهر الحياة هو العمل الصالح ..

 

﴿ وَالْعَصْرِ(1)إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2)إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

( سورة العصر )

 أي أنك جئت إلى الدنيا من أجل مهمةٍ واحدة ؛ أن تعمل عملاً صالحاً يصلح للعرض على الله عزَّ وجل كي تسعد به إلى الأبد .
 إذاً :

 

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا(103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾

( سورة الكهف )

 المعنى الرابع :

 

﴿ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ﴾

 إلى العمل الصالح ، الله عزَّ وجل يقدِّر على يديه الأعمال الصالحة الكبيرة ، أي أنه إذا أراد ربك إظهار فضله عليك خلق الفضل ، ونسبه إليك ، وما من مخلوقٍ على وجه الأرض يحب العمل الصالح كسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لذلك قدَّر الله على يديه هداية البشر ..

 

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ ﴾

( سورة سبأ : من الآية 28 )

 وجعله بابه الأوحد ، أي امرئٍ أتاه من غيره لا يدخله ، وجعل له المقام المحمود ، والوسيلة العظمى ، إذاً أنت لك عمل صالح بقدر نواياك ، لو أنك تنطوي على نيةٍ صادقة في التقرُّب إلى الله عزَّ وجل ، لأَمَدَّكَ الله بالعمل الصالح ولقدّره على يديك ، وجعل الهدى على يديك ، أنت لا تملك إلا شيئاً واحداً ، تملك النية الطيبة والباقي على الله ..
 " الخير بيدي ، والشر بيدي ، فطوبى لمن قدَّرت مفاتيح الخير على يديه ، والويل لمن قدَّرت الشر على يديه " .

 

العمل الصالح أفضلُ عطاءٍ :

 قيل : " إذا أردت أن تعرف مقامك عند الله ـ شيء دقيق هذا الحديث ـ فانظر فيما استعملك " ، فما نوع عملك في الحياة الدنيا ؟ مبني على أذى الآخرين أم على نفعهم ؟ هناك أعمال خيِّرة ، وهناك أعمال شريرة ، والله عزَّ وجل قال :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴾

 والله إن هذا هو الذي يسمَّى العطاء ، أما العطاء في الدنيا فلا يسمَّى عطاء ، إنه ابتلاء ، لأنه منقطع ، هل يصح أن تقول لعطاءٍ قليلٍ يسيرٍ موقَّت : إنه عطاءً ؟ الكريم لا يعطي هكذا ، لذلك قال سيدنا علي : << الغنى والفقر بعد العرض على الله >> ، قال سيدنا موسى :

 

﴿ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ(24)﴾

( سورة القصص )

 أنا مفتقر يا رب للعمل الصالح ، فالحقيقة التي لا مراء فيها ولا مجاملة : إذا كانت حياة الإنسان مبنيةً على عمل ، وكسب مال ، وراحة ، واسترخاء ، وطعام ، وشراب ، ونوم ، وخدمة نفسه ، والعناية ببيته فقط ، وليس له عمل صالح ، والله هذا هو الفقر بعينه ، حتى إن بعضهم وجَّه قول سيدنا علي : " كاد الفقر أن يكون كفراً " ، وبعضهم وجَّه هذا القول بمعنى أن الفقر من العمل الصالح هو كفرٌ بالله عزَّ وجل ، أي أنك آمنت به ، وعرفت أنه عظيم ، وعرفت أن هناك جنة عرضها السماوات والأرض ، وهناك نار ، ولا تتقرب إلى الله بالعمل الصالح ، إذاً : هذا أحد أنواع الكفر ، وكاد الفقر من العمل الصالح أن يكون كفراً .

 

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

( سورة الأنعام : من الآية 132 )

 لك عند الله حجم ، حجمك بحجم عملك الصالح ، ماذا فعلت ؟ ماذا ضَحَّيْت ؟ ماذا أنفقت ؟ كم هديت ؟ ألك عملٌ صالحٌ باتجاه الهدى والدعوة إلى الله ؟ ألك عملٌ صالح باتجاه إنفاق المال ؟ ألك عملٌ صالحٌ باتجاه تقديم الخدمات للمؤمنين ؟ هل عاونت مؤمناً ؟ هل أنقذته من ورطة ؟ هل عُدَّتَ مريضاً ؟ هل دللت ضالاً ؟ هل ضحيت بوقتك من أجل أخيك ؟ هل عملت عملاً يرضي الله عزَّ وجل ؟ الحقيقة الإنسان لا يتمكن أن يقابل إنساناً له شأن ، لا يوجد وقت ، انتظر شهرا ، لكن ربنا عزَّ وجل قال :

 

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا ﴾

( سورة الكهف " 110 " )

 ربُّ العِزَّة ، خالق السماوات والأرض ، إذا أردت أن تلقاه فعليك بالعمل الصالح ، والدليل : اعمل عملاً صالحاً خالصاً لوجه الله ، وانظر كيف أن الله سبحانه وتعالى يتجلَّى على قلبك بالرحمة ، والآية الكريمة هكذا :

 

﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ(56)﴾

( سورة الأعراف )

 قال لي شخص كان يمر بمنطقة دُمَر الساعة الثانية عشرة ليلاً .. القصة ذكرتها سابقاً .. رأى امرأة واقفة حاملة طفلا ، ومعها رجل ، توقّع أنهم بحاجة ماسة للمساعدة ، وإذا الابن حرارته إحدى وأربعون درجة ، والأم لا تدري ماذا تفعل ، ومعها زوجها ، قال لي : أخذتهم إلى مستشفى ، ولطبيب مناوب ، ولصيدلي مناوب ، وأخذ إبر بالمستشفى ، الساعة الرابعة فجرا انتهينا من علاجه ، ثم أرجعتهم إلى دمر مكان سكناهم ، ورجعت إلى بيتي ، أقسم لي بالله أسبوعين أو ثلاثة وهو مغمور بالسعادة ، وكل واحد منا يجرِّب ..

 

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا ﴾

 اخدم إنسان لله ، لا جزاءً ، ولا شكوراً ، ولا مدحاً ، ولا ذماً ، ولا تقديرا معنويا ، ولا تقديرا ماديا ، ولا لفت نظر ، ولا كلمة شكر في الجريدة .

 

﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ ﴾

( سورة الإنسان : من الآية 9 )

 العمل الصالح هو الذي يرقى بك ، والآية الكريمة :

 

﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ﴾

( سورة فاطر : من الآية 10 )

 إذا تكلمت بكلام لطيف يعرفه الله سبحانه وتعالى ، يصعد إليه ، لكنك أنت على الأرض ، ويصعد كلامك إليه ، والذي يصعد بك كلك هو العمل الصالح ..

 

﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾

( سورة فاطر : من الآية 10 )

 يرفعك عند الله عزَّ وجل ، لا يرفعك عند الله كلامك ، الكلام اللطيف سهل ، بلا شيء ، لذلك :

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾

( سورة فصلت : من الآية 30 )

 علامة الإيمان الاستقامة ، بعد فقرة ثانية ..

 

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا ﴾

( سورة فصلت : من الآية 33 )

 لا تؤثّر الدعوة إلى الله إلا بالعمل الصالح ، وإذا كان العمل سيئاً أعطت الدعوة عكس المفعول ، أي أن من دعا إلى الله ، وكان عمله سيئاً فكأنه ينفّر الناس من الله عزَّ وجل ..
 " يا رب ، أيُّ عبادك أحَبُّ إليك حتى أحبه بحبك ؟ قال : يا موسى أحبُّ عبادي إلي تقي القلب ، نقي اليدين ، لا يمشي إلى أحدٍ بسوء ، أحبَّني ، وأحب من أحبني ، وحبَّبني إلى خلقي ، قال : يا رب ، إنك تعلم أني أحبك ، وأحب من يحبك ، فكيف أحبّبك إلى خلقك ؟ قال : ذكرهم بآلائي ، ونعمائي ، وبلائي " .

 

الأخلاق الحسنة لها أثر كبير في الدعوة :

 أي أن من دعا إلى الله ، وكان عمله سيئاً كان سبباً في تنفير الناس من الدين وإبعادهم عنه ، لذلك قال الله تعالى في الحديث القدسي :

(( إن هذا الدين قد ارتضيته لنفسي ، ولا يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق ، فأكرموه بهما ما صحبتموه ))

[ الترغيب والترهيب عن جابر ، وفي سنده ضعف ]

 هذا الدين يحتاج إلى سخاء ، وإلى أخلاق حسنة ، فلو أن زوجاً أخلاقه شرسة ، وانفعالي ، وكلامه قاسٍ ، وتوبيخه عنيف ، وبخيل على زوجته ، ويقول لها : صلِّ ، مستحيل أن تصلي ، وإن صلَّت فستصلي بلا وضوء ، كي تغيظه ، تقول له : أنا كنت أصلي بلا وضوء ، لكن هذا الدين لا يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق ، لا بدَّ له من سخاء ومن حسن خلق ، حتى إن ربنا عزَّ وجل علمنا كيف ندعو إليه ، قال الله سبحانه وتعالى مخاطباً نبيه الكريم :

 

﴿ قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ(25)﴾

( سورة سبأ )

 أنتم تعملون ، نحن أجرمنا ، هذا هو الأدب الجَم ، أي إن كنتم تعتقدون أننا مجرمون بهذه الدعوة فأنتم مُعفَون من السؤال عن هذه الجريمة ، ونحن لا نُسأل عما تجرمون ، ولا عما تعملون ، يجب أن تنتقي ألطف كلمة ..

 

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾

( سورة آل عمران : من الآية 159 )

﴿ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

التذكير الخامس : دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ

من معاني : دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ

 المعنى الأول : دعاءهم ، والمعنى الثاني : الدعوة العبادة ، والمعنى الثالث : ملخص علاقتهم بالله سبحانه وتعالى منذ أن خلقوا في الأزل وحتى الأبد ..

﴿ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

 أحياناً تلخِّص علاقتك كلها بكلمات ، علاقة الإنسان مع ربه منذ أن خلقه وحتى الأبد ..

 

﴿ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ ﴾

 أي ما أعظم شأنك يا رب .

﴿ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ﴾

 السلام من الله : الطمأنينة ، الأمن ، التجلِّي ، السعادة ، وملخَّص السلام والتسبيح ..

 

﴿ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

 بعضهم قال : لما دخل يونس في بطن الحوت ، كيف دعا ربَّه ؟ قال :

 

﴿ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)﴾

( سورة الأنبياء )

 فلم يدعُ ، بل سبَّح الله ، ونزَّهَهُ ، ومجَّده ، قال العلماء : تنزيه الله وتمجيده ، وتسبيحه أحد أنواع الدعاء ، لذلك النبي الكريم استنبط من هذه الآية دعاء الكَرْب ، فإذا ألمَّت بالإنسان مصيبة يقول : لا إله إلا أنت العليم الحكيم ، لا إله إلا أنت الرحمن الرحيم ، لا إله إلا أنت ربُّ العرش العظيم ، هذا هو الدعاء ، ولكنه ما دعا ، لقول الله عزَّ وجل في الحديث القدسي الشريف :

(( مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِين ))

[ من سسن الترمذي عن أبي سعيد ]

 لما قال سيدنا يونس :

 

﴿ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)فَاسْتَجَبْنَا لَهُ ﴾

( سورة الأنبياء )

 هذا دعاء ، لكن سيدنا يونس شغله تعظيم الله سبحانه وتعالى ، والاعتراف بذنبه عن طلب الخلاص ..

 

﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88)﴾

( سورة الأنبياء )

 أي أن إذا وقع بضائقة قال له : سبحانك يا رب ، ما أرحمك .. مصيبة قاسية جداً .. سبحانك يا رب ما أعدلك ، سبحانك يا رب ما أرحمك ، سبحانك يا رب ما أحكمك ، إنني صابرٌ لحكمك يا رب ، هذا دعاء ويقتضي الإجابة ، النبي الكريم استنبط من هذا الدعاء فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو عِنْدَ الْكَرْبِ يَقُولُ :

(( لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ))

[ متفق عليه ]

 وهذا دعاء الكرب ، فأهل الجنة لا يوجد موضوع يجول في خواطرهم إلا موضوع واحد ، سبحانك اللهم ، ما هذا العطاء ؟ ما هذا النعيم المقيم ؟ ما هذا السرور ؟ ما هذا الأمن ؟ ما هذه الطمأنينة ؟ ما هذا الذي لا عينٌ رأت ، ولا أذنٌ سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ؟ ما هذا النعيم المقيم ؟ ما هذه الجنة ؟ .

 

﴿ إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ(55)هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ(56)﴾

( سورة يس )

 فهناك آيات كثيرة ..

 

﴿ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ﴾

 تحيتهم من الله ، تصور إنسانا عظيما يقول لك : أهلاً وسهلاً ، رحَّب بك ، سلامٌ عليك ، فكيف بهذا السلام من الله عزَّ وجل .

 

﴿ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ﴾

 أي تحية الله لهم سلامٌ عليكم إلى الأبد ..

 

﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ(61)﴾

( سورة الصافات )

 هذا طموح ، هنا الطموح ، جمع مليونا يريد مليونا ثانيا .

 

﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ(61)﴾

(سورة الصافات )

 هذا العطاء الذي لا ينفد ، أما غيره فليس لك منه إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدَّقت فأبقيت ، والباقي ليس لك ، بل لغيرك ، وستحاسب عليه ، كيف اكتسبته ؟ وكيف أنفقته ؟
 إذاً :

﴿ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ﴾

 بعضهم قال : أهل الجنة إذا رأوا طائراً ، واشتهوا أن يأكلوه يكفي أن يقولوا : سبحان الله ، فيأتيهم مشوياً جاهزاً للطعام ، فإذا أكلوه قالوا : الحمد لله ، أي أنه لا طلبات ، فأحياناً إذا كان الشخص غالياً على صاحبه يقول له : والله هذا الثوب جميل ، يقول له : هو مقدَّم ، فوراً ، أي أن الأول اشتهى ذاك الثوب ، فأهل الجنة يكفي أن يقولوا : سبحان الله ، لشيء جميل حتى يصبح بين أيديهم ، فإذا تناولوه يقولون : الحمد لله رب العالمين ، هذا المعنى الآخر من معاني :

﴿ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنْ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا ، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا ))

[ مسلم ]

 إذا أكل أكلة الإنسان ، وكان يحبها وشبع فقال : الحمد لله رب العالمين ، يا ربي لك الحمد والشكر والنعمة والرضا ، الحمد لله الذي أطعمني ، وسقاني ، وآواني ، وكم مِن إنسان لا مأوى له ، وكم من كبدٍ جائعة ، لقد أطعمك الله .

 

﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ(3)الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ(4)﴾

( سورة قريش )

 هذا المعنى الثالث ، بعد ما أن يتلقى الإنسان النعمة من الله عليه أن يحمد الله .
 بعضهم قال : في كل دعاءٍ يجب أن يبدأ بالتسبيح ، وينتهي بالتحميد ، لقول الله سبحانه وتعالى :

 

﴿ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ(180)وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ(181)وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182)﴾

( سورة الصافات )

 هذه من أواخر سورة الصافَّات .
 إذاً :

 

﴿ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

 بعضهم قال في معنى هذه الآية : " الدعوة القضية " ، المعنى الثالث للدعوة ، الدعوة الدعاء ، والدعوة العبادة ، والدعوة القضية ، أي أن قضيتهم مع الله تتلخص بالحمد لله ، كان في حياته فقيراً ، كان مصاباً ، كان قد فقد بصره ، فقد ابنه ، له ابن متعلِّق به كثيراً توفاه الله عز‍َّ وجل ، كانت زوجته مشاكسة ، دخله قليل ، عنده أمراض مزمنة ، كل شيء ساقه الله له يكشفه يوم القيامة ، فيذوب محبة لله ، لولا هذه الأمراض لما عرفتك ، لولا هذه المصائب لما عبدتك ، لولا هذا الضيق لما التجأتُ إليك يا رب .

 

﴿ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

 هذه ملخص الملخص ، لذلك في الإسلام كلمات أساسية ، بعض هذه الكلمات : لا إله إلا الله ، هذه علامة التوحيد ، بعض هذه الكلمات : الله أكبر ، شعار المسلمين ، الكلمة الثالثة : الحمد لله ، الحمد لله ، لا إله إلا الله ، والله أكبر ، ولله الحمد ، هذه ثلاث كلمات أساسيات في الدين .

 

﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ﴾

التذكير السادس : وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ

طالبُ الخير يلقى الخير ، ومستعجل الشر يحلم الله عليه :

 الشيء الملاحظ أن الله سبحانه وتعالى إذا طلب العبد طلب خير وقال : يا رب اهدني ، يمكن أن يدعو الله عند العصر ، ويأتي في صلاة المغرب فيجمعه الله برجلٍ تكلم معه بكلام طيب ، فسأله : أنت أين تحضر ؟ خذني معك ، عند العصر دعا الله عزَّ وجل وعند المغرب كان مهتدياً ، وإذا طلب الإنسان الخير فإن الله سبحانه وتعالى يستجيب له استجابةً سريعةً جداً .. " من أقبل علي منهم تلقيته من بعيد ، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب ، أهل ذكري أهل مودتي ، أهل شكري أهل زيادتي ، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم " ..
 ربنا عزَّ وجل قال :

﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ ﴾

 أي أنه أكل مالاً حراماً ، فقصمه ، فمات ، فصار إلى جهنَّم ، يأكل مالاً حراماً ، يسَلِّمه ، ويعتدي على أعراض الناس ، يمهله الله ، ويظلم ويمد له في حياته ، ربنا عزَّ وجل قال :

 

﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ﴾

 لأهلك الناس كلَّهم وأخذهم إلى جهنم ، لكن ربنا عزَّ وجل حليم ، فإذا طلب الإنسان الخير يُعَجِّلُ الله له به ، فإذا طلب الشر أمهله ، لعله يتوب ، لعله يندم ، لعله يرجع ، لعل الله يخرج من صلبه من يوحِّد الله ..
 سيدنا جبريل قال لسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام بالطائف :

(( أمرني ربي أنا أكون طوع إرادتك ـ لأهل الطائف ، لأنهم آلموه ، وردّوه ، وكذَّبوه ، واستهزءوا به ـ لو شئت لأطبقتُ عليهم الجبلين " ، قال له : " لا يا أخي ، اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون " ..

[ السيرة النبوية ]

 إذا وضع طبيب أسنان الآلة في فم الطفل ، والطفل سبّه ، فهل يطرده ؟ ..

(( اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون ، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحِّد الله ))

 كلما ارتقى إيمانك تترفَّع عن الانتقام نهائياً ، حتى لو أسيء إليك ، تداريه ، لو ارتكب معصية أمامك لا تيأس منه ، الفاسق ضيِّق الأفق إذا رأى عاصياً يسبّه ، أما المؤمن العالي فإنه يحوطه .

 

أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ ؟

 الإمام مالك كان ماشياً في الطريق فرأى رجلاً سكّيرا ملقىً على الأرض ، والزَبَدُ على فمه ، ويقول : الله ، فآلمه أن يخرج هذا الاسم العظيم من فمٍ سكران ، فأخذه إلى البيت ، ونظَّفه ، وأكرمه ، وأطلقه ، جاء إلى المسجد صباحاً فرأى رجلاً يصلي ، ويبكي ، ويعبِّر عن شوقه لله عزَّ وجل ، فقال : يا هذا من أنت ؟ سيدنا مالك رأى في المنام ربَّ العزة قال له : " يا مالك طهَّرت فمه من أجلنا فطهرنا قلبه من أجلك " ، فقال له : " من أنت يا رجل ؟ " قال : " إن الذي شفاني أخبرك بحالي " ، الإنسان لا ييأس من شارب خمر ، فهذا قد يتوب ويسبق العابدين ، لأن الصلحة بلمحة ، وقد يرتكب الإنسان معصية ، ويندم ، ويقول : يا رب ، ندمت ، " إذا قال العبد : يا رب ، وهو راكع ، قال الله : لبَّيك يا عبدي ، فإذا قال العبد : يا رب وهو ساجد ، قال : لبيك يا عبدي ، فإذا قال العبد : يا رب وهو عاصٍ قال : لبيك ثم لبيك ثم لبيك " .
 فما من شيءٍ أحب إلى الله من شابٍ تائب ، " إذا تاب العبد توبة نصوحاً أنسى الله حافظيه .. الملَكيَن .. والملائكة وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه " ، إذا تاب العبد و "

(( أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنْ الذُّنُوبِ ))

[ أحمد عن عمرو بن العاص ]

(( أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ ))

[ مسلم عن عمرو بن العاص ]

 واللهُ سِتِّير ، قال رجل : " يا رب ، من هذا الذي يعصيك ، وأنت لا تمطرنا .. المطر نزل ، وهذا الإنسان لم يغادر قوم سيدنا موسى .. قال له : " عجبت لك يا موسى أأستره عاصياً وأفضحه تائباً ؟ " .
 لما يتوب الإنسان إلى الله انتهى كل شيء ، " إذا تاب العبد توبةً نصوحاً نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنِّئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله " ، وانتهت مشكلته .
 الكلمة الحقيقية : هنيئاً هنيئاً لمن تاب توبةً نصوحاً ، وإذا تاب الإنسان يحس أن وزنه قد خف كثيراً ، ينام نوماً عميقاً ، ليس عليه ذنوب ، ولا عليه حقوق ، لو أن الله قبضه في الليل يعلم أن مصيره إلى الجنة .

 

﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ﴾

 سيدنا خالد لو أن الله أراد أن يؤآخذه وهو يحارب النبي عليه الصلاة والسلام ، وأرسل إليه بسهم فمات ، يحارب رسول الله ، فبعد ذلك ؟ بعدها صار سيدنا خالد ، ثم بعد ذلك أصبح سيف الله المسلول .
 عكرمة بن أبي جهل أعدى أعداء الإسلام صار سيدنا عكرمة ، عمير بن وهب ، صفوان بن أمية ، صناديد الكفر ، هؤلاء أسلموا وحسن إسلامهم ، واستشهدوا في المعارك ، فلو أن الله سبحانه وتعالى عجَّل إليهم الشر لقضى عليهم ، فلو أن الإنسان آمن لا ينظر باحتقار لغير المؤمن ، لعله يسبقك ، الآن هو متلبس بمعصية ، لكن لعله يتوب ، كن متواضعاً ، أكرِمه ، هذا العاصي أكرمه ، تقرَّب إليه ، لعله يلين قلبه .
 قيل : إن بشراً الحافي كان مسرفاً على نفسه كثيراً بالمعاصي ، طرق عليه الباب رجل .. فإذا عنده خمر ونساء وجوارٍ ومشاكل .. فخرج إليه غلام ، قال له : " قل لسيِّدك : إن كان حراً فليفعل ما يشاء ، وإن كان عبداً فما هكذا تصنع العبيد " ، هل العبد هكذا يعصي مولاه ؟ فتبعه حافياً .
 مالك بن دينار دخل مرة إلى المسجد ، وكان حوله أناس كثيرين ، فوقفوا له تعظيماً لشأنه ، فاستحيا من الله وقال : أنا كنت قاطع طريق ، وشقياً من الأشقياء ، تزوج ، جاءته فتاة صغير جميلة ، فكانت تخفف من شراسته ، نام مرةً فرأى ثعباناً تنيّناً يتبعه ، وقد انخلع قلبه ، وهو يفرّ من وادٍ إلى جبل ، إلى أن أدركه التعب ، وكاد يقع ، فرأى ابنته الصغيرة في المنام ، فأشارت إلى الثعبان فابتعد الثعبان عنها ، قال لها : " يا بنيتي من أنتِ ؟ " قالت : " أنا عملك الصالح " ، قال : " فمن هذا التنيّن ؟ " قالت : " هذا عملك السيئ " ..
 أحياناً الإنسان يحلم بثعبان مخيف ، هذا عمل سيئ .. فاستيقظ وتاب من وقته ، وقبلت توبته ، وصار من كبار العارفين بالله ، فليس للإنسان أن ييأس ، يرى من لا يصلي فيقول : فيعنفه من غير مبالاة ، لماذا ؟ هو مقصر اخدمه ، وتقرب له ، فإذا أنقذت رجلا من المعصية فلك أجر أكبر .
 إذاً :

 

﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾

التذكير السابع : فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ

 هؤلاء الكافرون في الجنة ، وفي الآخرة نذرهم أحياء ، يأكلون ويشربون ، ويطغون ، ويعمهون ، فلعلَّهم يهتدون ، إلى أن يهتدي .
 ( يعمهون )من العمه ، وهو غير العمى ، العمى عمى العين ، أما العمه فعمى القلب ، فلان أعمه بالهاء ، أي قلبه أعمى ..

﴿ فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ(46)﴾

( سورة الحج )

 إذاً : من حكمة الله سبحانه وتعالى أنه يعطي المقصِّر والعاصي فرصةً كي يتوب .

 

لا يجوز الدعاء على النفس والولد والمال :

 عَنْ أَبِي بَرْزَةَ قَالَ : كَانَتْ رَاحِلَةٌ أَوْ نَاقَةٌ أَوْ بَعِيرٌ عَلَيْهَا مَتَاعٌ لِقَوْمٍ ، فَأَخَذُوا بَيْنَ جَبَلَيْنِ ، وَعَلَيْهَا جَارِيَةٌ ، فَتَضَايَقَ بِهِمْ الطَّرِيقُ ، فَأَبْصَرَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجَعَلَتْ تَقُولُ : حَلْ حَلْ ، اللَّهُمَّ الْعَنْهَا ، أَوْ الْعَنْهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَا تَصْحَبْنِي نَاقَةٌ أَوْ رَاحِلَةٌ أَوْ بَعِيرٌ عَلَيْهَا أَوْ عَلَيْهِ لَعْنَةٌ مِنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ))

[ أحمد ]

 عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى خَدَمِكُمْ ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ ، لَا تُوَافِقُوا مِنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَاعَةَ نَيْلٍ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ ))

[ أبو داود ]

 الدعوة على الولد لا تجوز ، ولا على المال ، ولا على النفس ، في ساعة الغضب يدعو على نفسه ، لا يجوز ، ولا على أولادك ، ولا على أموالك ، هذا مما نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام .

 

﴿ وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

الخلاصة الختامية :

 إذاً : الآيتان :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ(7)أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

 هذا الصنف الأول ..

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

 عرفوا ربهم ..

 

﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ﴾

 إلى الجنة ، وإلى العمل الصالح ، وإلى معرفة الحقائق ..

 

﴿ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ(9)دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ ﴾

 أي إذا دعا الإنسان على نفسه ، أو على أهله ، أو على أولاده ، أو على ماله ، الله عزَ وجل لا يستجيب له ، يعطيه مهله ، النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم قال :

(( إني سألت ربي عزَّ وجل أن لا يستجيب دعاء حبيبٍ على حبيبه ))

[ ورد في الأثر ]

 من طلبات النبي الخاصة لله عزَّ وجل أنه إذا دعا إنسان على حبيبه بالهلاك فالله لا يستجيب له ، إذا دعت أم علي ابنها بدعوة ، وقال لها أحدهم : آمين ، فتجدها قد اغتاظت منه ، إذاً : هي لا تعني ما تقول .

(( إني سألت ربي عزَّ وجل أن لا يستجيب دعاء حبيبٍ على حبيبه ))

[ ورد في الأثر ]

 إذاً :

 

﴿ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ ﴾

 الخير مُعَجَّل أما الشر فمؤجَّل .. فالإنسان الذي ينوي الشر ، ويطلب الشر فلا يحقق ، بل يؤخَّر ، إلى أن يُصِرَّ عليه ، عندئذٍ يكون إخراجه أفضل من كبته ، أما إذا طلب الخير مباشرةً فيهديه الله إلى طريق الخير ، لذلك الآية الكريمة :

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾

( سورة العنكبوت : آية " 69 )

(( إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا ، وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا ، وَإِذَا أَتَانِي مَشْيًا أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ))

[ البخاري عن أنس ]

(( فَإِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفُ اللَّيْلِ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا جَلَّ وَعَزَّ ، فَقَالَ : هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأُجِيبَهُ ؟ ))

[ من مسند أحمد عن أبي هريرة ]

﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ ﴾

 أي تعجيلهم بالخير ، أي أن الله عزَّ وجل إذا سأله العبد خيراً أجابه سريعاً ، فإذا سأله الشر أخَّره إلا أن يصر عليه ، فإذا أصر عليه أخرج هذه الشهوة من نفسه ، ثم حاسبه عليها ، ولو فعل الله ذلك ..

 

﴿ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾

 الحكمة تقتضي :

 

﴿ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾

 الآية التي تدعمها :

 

﴿ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى(129)﴾

( سورة طه )

 الله عزَّ وجل سبقت منه كلمة أن يعيش الإنسان في هذه الدنيا عمراً محدوداً لا يقلّ ، وسبقت منه كلمة أن تكون الحياة الدنيا تجسيداً لنيات الإنسان ، ولولا هاتان الكلمتان ..

 

﴿ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا ﴾

 لكان إهلاكهم .

 

﴿ وَأَجَلٌ مُسَمًّى(129)﴾

 إن الله سبحانه وتعالى سبقت منه كلمةٌ أن تكون الدنيا تجسيداً لنفس الإنسان ، والأجل المسمى ، لولا هاتان الكلمتان لأهلك الله العصاة ، فالإنسان لا يتدخل في شؤون الله عزَّ وجل ، وإذا كان له صديق فاجرٌ فلا يقل : ألا يقصمه الله ؟ ألا يهلكه ؟ هذا تدخل بشؤون الله عزَّ وجل ، " رحم الله عبداً عرف حده فوقف عنده " .
 إن هذا الأمر ليس لك ، فهو له سبحانه ، وهو إله حكيم عليم ، وليس كلما رأيت عاصياً تقول : لماذا لا يهلكه الله ؟ لماذا تركه حياً إلى الآن ؟ أنت ألم تكن جاهلاً سابقاً ، لو أن الله أهلك الإنسان بجهله لكان مصيره لجهنم ، الله حلم عليك ، واهتديت ، وعرفته ، واستقمت ، والآن يحلم على غيرك ، هكذا الأصول ، فالإنسان لا يطلب تعجيل العقاب للأشرار ، لله حكمةٌ بالغة في مدّهم بالحياة .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018