الدرس : 01 - سورة سبأ - تفسير الآيات 01 -10 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 01 - سورة سبأ - تفسير الآيات 01 -10


1992-01-31

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون... مع الدرس الأول من سورة سبأ

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴾

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ

1 ـ الناس يستوون في الإقرار بالنعم:

 أيها الإخوة الأكارم... ليست القضيَّة في هذه الآية قضية إثبات النِعَمِ أو نفيها، لكن القضيَّة لمن تُنسَب هذه النِعَم ؟ لو أن أحداً أخذ بيدك إلى وليمةٍ عالية المستوى، وتذوقت أطيب الطعام، تسأله: من صاحب الدعوة ؟ الأكل نفيس، الإكرام بالغ، تريد أن تعرف من صاحب الدعوة لتشكره، النعم التي أكرم الله بها الإنسان ؛ المسلم وغير المسلم، الكافر، والجاحد، نعمة الوجود، نعمة الزوجة، نعمة الحواس، نعمة الكون، نعمة دقائق ما في الكون، هذه نِعَمٌ يَنْعُمُ بها كل الناس، لا شكَّ فيها، ولا خلاف عليها، ولا تردد في تصديقها، بأن هذه نعم أو ليست بنعم، أو هذه نعم عظيمة أو ليست عظيمة، لا، فقد أجمع بنو البشر على أنهم متمتِّعون، متنعمون بنعمٍ لا تُعدُّ ولا تحصى، بل إنَّ أهل الكفر أكثر من أهل الإيمان استمتاعاً بهذه النِعَم، كل شيء درسوه، ودقَّقوا فيه، واستفادوا منه، وحَسَّنوه، حتَّى أصبحت الدنيا عند هؤلاء في أعلى درجاتها، وفي أجمل مظاهرها، وفي أعلى زينتها، بل إن الله سبحانه وتعالى أثبت لأهل الكفر أنهم يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا.
 ويستوي في التنعُّم بهذه النعم كل إنسان ؛ عالماً كان أو جاهلاً، غنياً أو فقيراً، بدليل أن الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، فأنت قد تشتري جهازا بالغ التعقيد، وتستفيد منه بالغ الفائدة، وتنعم به، ولا تفقه شيئاً عن طريقة تشغيله، أو عن آليَّة عمله، أو عن مبدأ عمله، وقد يشتري إنسان يجهل كل شيء أغلى سيَارة، ويركبها وينتفع بها، ولا يدري كيف صُنِعَت، ولا كيف صُمِّمت، ولا كيف رُكِّبَت، ولا على أي مبدأٍ عَمِلَت، لذلك قالوا: الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، قد تشتري جهاز تكييف، وتنتفع بتعديل الجو من دون أن تفقه مبدأ عمله.
 إذاً الناس جميعاً ؛ في كل زمان وفي كل مكان، من كان منهم عالماً أو جاهلاً، ذكياً أو غبياً، قوياً أو ضعيفاً، متعلِّماً أو جاهلاً، يستوون جميعاً في هذه النِعَمِ، والدليل إذا حدث خللٌ في العين فإن أيّ إنسان يبادر إلى الطبيب، وهو يقلق قلقاً لا حدود له، معنى هذا أن العين نعمةٌ كبيرة، إذا حدث تشويش في السمع تبادر إلى الطبيب، إذا حدث مولود مشوَّه لا تنام الليل، إذاً ما دامت الأمور منتظمة فأنت في نعمٍ لا تُعدُّ ولا تُحصى.
 المشكلة ليست أن نقنعك بأن هذه نِعَم، إنها نعمٌ تعرفها بالفطرة، المشكلة ليست أن نقدِّر لك مستوى هذه النِعَم، إنك تعلم علم اليقين أنه لا شيء يعوِّض النعم التي أودعها الله فينا.
فهذا الذي أسنانه الأصليَّة في فمه كالذي يضع أسناناً اصطناعيَّة ؟ فرقٌ كبير بينهما، هذا الذي يضع على رأسه شعراً مستعاراً كالذي برأسه شعرٌ كثيف ؟ هذا الذي يستخدم جهازاً للتنقُّل كالذي يستخدم رجلين ؟ فالشيء الذي أودعه الله فينا لا يقدِّر بثمن، والدليل أن كل واحدٍ مستعدٌ بكل تأكيد من دون تردُّد أو تحفّظ أو دراسة أن يدفع كل ماله من أجل استمرار حياته، أن يدفع كل ماله من أجل استرداد بصره، أو إصلاح كليته، أن يدفع كل ماله من أجل صمَّامٍ بقلبه.
 إذاً: موضوع النعمة لا يختلف فيها اثنان، ليست محل خلاف، فقد كنت مرَّةً أنظر إلى أناسٍ مدعوين من شتَّى الملل، والنحل، والاتجاهات، والمذاهب، والمشارب، وكنت أعجب أن كلهم يستمتعون بهذا الطعام، مع أن لهم منطلقات متباينة، وأفكاراً مختلفة، ومشارب متعدِّدة، وانتماءات متباعدة، ومع ذلك هذه النِعَم يقذفون بها، أثنوا على هذا الطعام.
 قد تستمتع بمنظر جميل، وبهواءٍ طلقٍ مُنعش، قد تستمتع بكأس ماءٍ عذبٍ زلال أنت وغيرك، ولا خلاف عليه أبداً، نحن جميعاً بحاجة إلى الأمطار، وها نحن نشكر الله عزَّ وجل على هذه الأمطار الغزيرة، الناس كلٌّهم مرتاحون بهذه الأمطار.
 قرأت البارحة خبراً: أن ما نزل من الأمطار في محافظة ريف دمشق ستة أمثال ما نزل في العام الماضي لهذا التاريخ، إذاً: أتمنى عليكم بادئ ذي بدء أن نفهم دقة هذه الآية، وهي في الحقيقة في أول الفاتحة.

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

( سورة الفاتحة )

2 ـ اختلاف الناس في نسبة هذه النعم:

 النعم ثابتة، متَّفق عليها، لا خلاف عليها، لا شكَّ فيها، لا تردُّد في قبولها، لكن لمن هذه النعم ؟ هنا الافتراق، فالمؤمن يرى المنعم وهو الله سبحانه وتعالى، وغير المؤمن إما أن يرى جهده، أو ذكاءه، أو سعيه، أو فلان أنعم عليه، من شأن الكفر أن تعزو النعمة إلى غير المنعم، لهذا ورد في الحديث القدسي:

(( إني والجن والإنس في نبأ عظيم: أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري ))

[ الجامع الصغير عن أبي الدرداء بسند ضعيف ]

(( خيري إلى العباد نازل، وشرُّهم إليَّ صاعد، أتحبَّب إليهم بنعمي، وأنا الغنيُّ عنهم، ويتبغَّضون إليَّ بالمعاصي، وهم أفقر شيءٍ إليّ))

[ ورد في الأثر ]

 إذاً: حينما تقرأ قوله تعالى في أول سورة سبأ:

 

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾

 فيجب أن تعلم علم اليقين أنه لا خلاف على النعم، ولا خلاف على ما نحن فيه من نعمٍ لا تعدُّ ولا تحصى، لكن القضيَّة لمن تعزو هذه النعم ؟ إن عزيتها إلى صاحبها فأنت على حق، وأنت المؤمن وربِّ الكعبة، وإن عزوتها إلى غير صاحبها فهذا هو الكفر، والجحود، والجهل، جهل مع كفر مع جحود

 

(( أخلق ويُعْبَد غيري، وأرزق ويُشْكَر سواي ))

خيار الإيمان خيار وقتٍ:

 قلت لكم مرَّةً في دروسٍ سابقة: قضية الإيمان ليس أن تؤمن أو أن لا تؤمن، لا، قضية الإيمان متى تؤمن ؟ لأنه لابدَّ من أن تؤمن عند الموت، لأن أكبر كفَّار الأرض الذي قال:

﴿ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى ﴾

( سورة النازعات )

 حينما جاءه الموت قال:

﴿ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ ﴾

( سورة يونس )

 متى يجب أن تؤمن ؟ إما أن تؤمن في الوقت المناسب ؛ أو في الوقت غير المناسب، إما أن تؤمن قبل فوات الأوان ؛ أو بعد فوات الأوان، هذه هي القضيَّة، والآن هذه النعم، من يجب أن تعزا له، فأنت في صحَّةٍ جيِّدة أتعزوها إلى بنيتك القويَّة التي ورثتها عن والديك ؟ هذا الكلام كُفر، أتعزوها إلى عنايتك البالغة في طعامك وشرابك ؟ هذا الكلام كفر، أتعزوها إلى التدريبات الرياضيَّة القاسية التي تجريها كل يوم ؟ هذا الكلام كفر، لا يمنع أن تعتني بصحَّتك، ولا يمنع أن تجعل لكل شيءٍ حظُّه من عنايتك ؛ ولكن المشكلة أن تظنَّ أن هذه القوَّة، وهذا النشاط، وهذا التفكير السديد هو من عندك، ماذا قال قارون ؟ قال:

﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ﴾

( سورة القصص: من الآية 78 )

 النبي عليه الصلاة والسلام حينما عاتب الأنصار الذين وجدوا عليه في أنفسهم قال:

(( أَلَمْ آتِكُمْ ضُلَّالًا ـ ما قال: فهديتكم ـ قال: فَهَدَاكُمْ اللَّهُ ))

[ أحمد عن أبي سعيد الخدري ]

 لأن صاحب النعمة هو الله.

 

3 ـ شكرُ الناس على معروفهم لا ينافي عزو النعم إلى الله:

 إذاً: الكلمة الأولى والأخيرة في هذه الآية: أن النعم كلَّها ؛ جليلها وحقيرها، كبيرها وصغيرها، عاجلها وآجلها، ما كان منها مادياً، وما كان منها معنوياً، إنَّ كل هذه النعم نعزوها إلى الله وحده، وإذا شكرت إنساناً لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ لَا يَشْكُرُ اللَّهَ ))

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

 فللأسباب التالية: لأن هذا الإنسان مخيَّر، وهو باختياره أراد أن ينفعك، من الذي سمح له ؟ من الذي خلقه ؟ من الذي ألهمه ؟ من الذي سمح له ؟ من الذي وجَّهَهُ نحوك ؟ هو الله عزَّ وجل، إذاً إذا أسدى إليكَ إنسان معروفاً فالشكر بالدرجة الأولى لله عزَّ وجل، ثم ـ لا تقل و لأنها شرك، أما ثم إيمان ـ ثمَّ لهذا الإنسان الذي سيقت إليكَ النعمة عن طريقه، لذلك الشكر لله أولاً، وعندما نزلت للسيدة عائشة آيات براءتها، توجَّهت إلى الصلاة، ولمَّا دُعيت إلى أن تشكر النبي عليه الصلاة والسلام قالت: " والله لا أشكر إلا الله "، فالنبي لم يتأثَّر قال:

(( عرفت الحقَّ لأهله ))

[ ورد في الأثر ]

 فلذلك:

 

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾

 إذاً: أنت لأنك موجود، وصاحب هذه النعمة هو الله، هذه نعمة الوجود، جاءتك عن طريق والديك، إذاً:

 

﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾

( سورة النساء: من الآية 36 )

 نعمة الإمداد ؛ هذا الهواء من الله، نعمة الماء، نعمة الطعام والشراب، نعمة العقل، نعمة الحركة، نعمة السمع، نعمة البصر، نعمة البيان، نعمة الأعضاء، لك بيت، لك مأوى، لك أهل، لك أولاد، نعمة الأم والأب، ترتيب ربنا عزَّ وجل يأخذ بالألباب، هذا الطفل الصغير جعله محبَّباً عند والديه، يعملان من أجله ليلاً ونهاراً:

﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾

( سورة طه: من الآية 39 )

 أي لولا أني أودعت في قلب أمِّك وأبيك هذا العطف والحنان لما عشت، فإذا رأيت الناس يحبونك فاعلم أن الله أودع فيهم هذا الحب، ولو نزع الله هذا الحب لتخلوا عنك، ولتخلَّى عنك أقرب الناس إليك، فلذلك:

 

يُنادى له في الكـون أنَّا نحـبُّك  فيسمع من في الكون أمر محبِّنا
***

 

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾

 نعمك، كل نعمك ؛ الظاهرة والباطنة، العاجلة والآجلة، الكبيرة والصغيرة، الماديَّة والمعنويَّة، نعمة الإيمان، هذا كلُّه يجب أن يُعزا لله عزَّ وجل..

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾

 إذاً: أول فكرة ( الحمد لله )، القضيَّة في هذه الآية لمن نعزو النعمة ؟ الله عزَّ وجل يقول:

 

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾

 للمنعم، للخالق، للمربي، للمسيِّر، للعظيم، للملك، القدوس، السلام، المؤمن، الغني، القدير، اللطيف، الرحيم، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الرافع الخافض..

 

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾

 يجب أن تعرف أن هذه النعمة من الله عزَّ وجل، لذلك المؤمن في أثناء حديثه يقول: أنجزت هذا العمل، والفضل لله عزَّ وجل الله فهو مكَّنني، ليس هذا الكلام يقوله تقليداً، ولكن هذا شعوره، إذا أكل طعاماً طيباً يقول: الحمد لله الذي أطعمني فأشبعني، وأسقاني فأرواني، هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام، أية حركةٍ، وأية سكنةٍ، وأي شيءٍ تَنَعَّمَ به، كانت تعظُم عنده النعمة مهما دقَّت.

4 ـ كيف أنت لو فقدتَ النِّعمَ ؟

 طلب هارون الرشيد كأس ماء، وكان في مجلسه أحد العلماء فقال له: مهلاً، يا أمير المؤمنين بكم تشتري هذا الكأس لو منِعَ عنك ؟ وكان مُلكُ هارون الرشيد واسعاً لا تغيب عنه الشمس، نظر مرة إلى سحابة في السماء فقال: اذهبي أينما شئتِ يأتني خراجك، بلاده مترامية الأطراف، يا أمير المؤمنين هذا الكأس من الماء بكم تشتريه إذا مُنِعَ عنك ؟ قال: بنصف ملكي، قال: فإذا منع إخراجه ؟ قال: بنصف ملكي الآخر.
 ما الإنسان لو توقَّفت كليتاه ؟ الإنسان إذا أفرغ مثانته هل يفكَّر أنه في نعمةٍ لا تقدَّر بثمن ؟ لو تعطَّلت كليتاه، أو لو انخفض عمل الكليتين، لو بقي بعض حمض البولة في الدم، ماذا يفعل ؟ لو عجز عن الحركة، وضعف التروية ماذا يفعل ؟ لو ضاقت شرايينه قليلاً، كيف نوسِّعها ؟ كم من المال نحتاج كي نوسِّع هذه الشرايين ؟ لذلك المؤمن يعزو النعمة إلى الله عزَّ وجل.
 في صحَّته، الحمد لله الذي جعلني سليماً معافىً، تحرَّك، الحمد لله الذي أعطاني هذه القوَّة، أخدم نفسي بنفسي، مهما كنت لامعاً، ذكياً، حصيفاً، غنياً، مقتدراً، لو تعطَّلت هذه الحركة، أول يوم الشراشف البيضاء، العناية البالغة، الخدمة بعد أسبوع ينزل مستواها، بعد شهر تنزل، بعد سنوات يتمنى موتك أقربُ الناس إليك، أحبُّهم إليك، أكثرهم إخلاصاً يتمنَّى موتك.
 إذاً: إذا خدمت نفسك بنفسك، فهذه نعمةٌ لا تقدَّر بثمن، إذا تحرَّكت على قدميك من دون أن يحملك أحدٌ فهذه نعمةٌ لا تقدَّر بثمن، فإذا تحرَّكت هل ترى أن هذه النعمة من الله، فجلطة دماغيَّة تسبب شللاً، يجب الذهاب إلى فرنسا، شلل نصفي، نقطة دم تجمَّدت في الدماغ، لم يبق هناك حركة، والدعاء النبويُّ الشريف:

 

((اللَّهُمَّ مَتِّعْنا بأسْماعنا وأبْصَارِنا وَقُوَّتِنا ما أحْيَيْتَنا ))

 

[ الترمذي عن ابن عمر ]

 وعقولنا، فإذا كان عقلك أصابه مسّ أو خلل، أقرب الناس إليك يقابل أكبر إنسان من أجل أن يُسمَح له بالإقامة في مستشفى الأمراض العقليَّة، تحتاج إلى واسطة، لا يحتملك أحد في البيت، بيتك، أنت اشتريته، وأنت رتبته، وأنت زيَّنته.
 لي صديقٌ له صديقٌ له منصبٌ رفيعٌ جداً في بعض الوزارات، يحمل شهادة من دولة متقدِّمة، دكتوراه، ويحتل منصباً رفيعاً، فقَدَ بصره، في الأسبوع الأول مجاملات، وفي الثاني مجاملات، البريد إلى البيت، بعد شهر أعفي من منصبه، زاره صديقي، فقال له: " والله يا فلان أتمنَّى أن أجلس على الرصيف وأتسوَّل، وأن يردَّ الله لي بصري "..

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾

 عقلك في رأسك، ترى بعينيك، تسمع بأذنيك، تنطق بلسانك، تتحرَّك برجليك، الكلية تعمل، المعدة تعمل، الرئتان، صمَّامات القلب سليمة، الضغط جيِّد، هذه نعمة الصحَّة لا يعرف قيمتها إلا من فَقَدها، فلهذا كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيت الخلاء كان يقول:

 

(( الحمد لله الذي أذاقني لذته ـ أي الطعام ـ وأبقى في قوته، وأذهب عني أذاه ))

 

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]

 الحمد لله، فالمؤمن الصادق بصحَّته، الحمد لله الذي عافاني، الحمد لله الذي أعطاني، الحمد لله الذي زوَّجني، الحمد لله الذي آواني، الذي وفَّقني، الذي أرشدني، الذي هداني، الذي أكرمني، لا ترى إلا الله، لا ترى منعماً إلا الله، لذلك قلبك ممتلئٌ بالحبِّ لله..

 

هم الأحبَّة إن جاروا وإن عدلوا  فليس لي عنهمُ معدلٌ و إن عدلوا
والله وإن فتَّتوا في حـبِّهم كبدي  باقٍ على حبِّهم راضٍ بما فعـلوا
***

 

1 ـ قلَّة من الناس مَن يعرف حقيقة النعم:

 هذا حال المؤمن، حال حمد، حال امتنان من الله عزَّ وجل، أول هذه النعم نعمة الوجود، وثاني هذه النعم نعمة الإمداد، خلق الهواء، وخلق الرئتين، خلق التفَّاحة، وخلق جهاز الهضم، فتعطُّل البنكرياس في إفراز الأنسولين سبَّب متاعب كبيرة جداً، يحتاج إلى أنسولين يومياً بشكل حقن، ويحتاج إلى دواء معيَّن، ومراقبة التحليل باستمرار، إذا ارتفعت نسبة السكر أكثر من ثلاثمئة فهناك خطر على حياته، خطر فقدِ بصره، هذه نعمة أن النِسَب في الدم صحيحة، كذلك هذه نعمة لا نعرفها.

ماذا لو انحرفت الشمس عن مسارها ؟

 قلت لكم مرَّةً: هذه الأرض تدور حول الشمس، لأن دورانها ثابت نحن قد لا نحفل بهذه النعمة، أما لو خرجت عن مسارها، وتاهت في الفضاء الخارجي، لدخلت في الظلام التَّام، ومع الظلام التام الصفر المُطلق، ومعنى الصفر المطلق، أي مائتي وسبعين درجة تحت الصفر، انتهت الحياة من على سطح الأرض.
 كيف نستعيدها إلى دورانها حول الشمس ؟ نحتاج إلى مليون مَليون حبل فولاذي، قطر الحبل خمسة أمتار، في حين أن الفولاذ يتحمَّل قِوى الشد في كل ميليمتر مئتي كيلو، الحبل خمسة أمتار يتحمَّل مليوني طن، نحن بحاجة إلى مليون مَليون حبل، يتحمل قوة شد مقدارها مليونين، إذاً: مليون مَليون ضرب مليونين، هذه قوَّة جذب الشمس للأرض، وهذه القوة تجعل الأرض في مسارها حول الشمس تنحرف ثلاث مليمترات كل ثانية، فتبقى الأرض مع الشمس، هذه نعمة نحن لا نعرفها، نحن في غفلةٍ عنها، نحن نفرح بالأمطار..

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا ﴾

( سورة فاطر: من آية 41 )

 معنى تزول أي تنحرف، أي إذا خرجت هذه الأرض عن مسارها ماذا نفعل ؟ ليجتمع بعض أهل الأرض، وليتخذوا قراراً بإعادتها إلى مسارها، مثلهم كمثل نملة رأت قاطرة خرجت عن سكَّتها ماذا تفعل ؟ ماذا عندها من القدرة كي تعيد هذه القاطرة إلى السكَّة ؟ لا شيء، فهذه النعم..

 

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾

 يجب أن ترى هذه الأمطار بتقدير عزيزٍ حكيم، بتقدير رحمنٍ رحيم، ستة أمثال ما هطل في العام الماضي، المياه الجوفيَّة أصبحت مقفرة، معظم الينابيع غارت في العام الماضي، معظم الأنهار جَفَّت، المخزون المائي انخفض أمتارا كثيرة، وأصبحت الأراضي عطشى، ولا أمل، حتى جاء إمداد الله عزَّ وجل، فالمؤمن لا يقول لك: منخفض جوي متمركز فوق قبرص باتجاه القطب، لا، الحمد لله رب العالمين على نعمة الأمطار، على نعمة الصحَّة، على نعمة الأهل، على نعمة المأوى، المؤمن حالته دائماً حمد.
 إذاً الآية الأولى: القضيَّة ليست إثبات نعمة أو عدم إثباتها، النعمة ثابتة عند أهل الأرض كُلِّهِم، ولكن القضيَّة لمن تعزو هذه النعمة ؟

 

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾

 يجب أن تعزوها إلى الله، وفي أية لحظةٍ تعزو بها هذه النعم إلى غير الله فقد وقعت في الكفر والشرك معاً، في الكفر لأنك جحدتها، وفي الشرك لأنك اتخذت من دون الله نِدًّا، وهذا الشيء الذي اتخذته من دون الله لا وجود له ولا أصل له..

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾

الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ

 الذي اسم موصول، في محل جر صفة لله..

﴿ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾

1 ـ الكون بيد الله:

 أضرب مثلاً: لو فرضنا مديرية ذات شأن، والناس تتعلَّق كل مصالحهم بها، وقد تسلَّمها رجل صالح، حازم، تقي، مستقيم، عادل، رحيم، تشعر براحة لا حدود لها، الأمور بيد فلان، فلان رائع، صاحب مروءة، ورِع، يخاف الله عزَّ وجل، لا تأخذه في الله لومة لائم، يحب أن يعطي كل ذي حقٍّ حقَّه، لا تنفع معه الشفاعة، ولا أي شيء آخر، ألا تشعر بالراحة إذا علمت أن هذه المدرسة مديرها فلان، وابنك فيها ؟ إذا علمت أن هذه المستشفى مديرها فلان، وفلان تقي، ونقي، وورع، وصالح، ومستقيم، والأمور منضبطة، وحازم.
 ولكن..

﴿ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى ﴾

( سورة النحل: من الآية 60 )

﴿ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾

 مرَّة قال لي صديق ـ أعجبتني هذه الكلمة ـ قال لي: الحمد لله على وجود الله، والله شيء جميل، لأن الله يعلم، لا تحتاج لوصل معه، لا تحتاج ليمين، لا تحتاج لإيضاح، لا تحتاج لبيان، لا تخاف أن العمل لم ينجز بعد، فعلاقتك ليست مع شخص، قال لي موظَّف: أداوم ست ساعات، ثماني ساعات دواماً متقناً دؤوباً، مرَّة رآني المدير خارج دائرة الطاولة وبَّخني، فتركت الدوام المتقن، صعب أن تربط نفسك مع إنسان، الإنسان لا يعلم، لأنه بشر، أما الله عزَّ وجل فيعلم كم دفعت ؟ ولمن دفعت، وحجم المبلغ، والتضحية، وكون المبلغ من مال حلال، كله يعرفه، فقال لي: الحمد لله على وجود الله، نعم والله، حتَّى في خصومتك مع الناس الله هو الحق، فإذا كنت مع الله لا تخف، واطمئن، هو الحق، وهو الذي يحقُّ الحق، وهو الذي يظهر الحق، وهو الذي يدافع عن الذين آمنوا، وهو الذي يدحض الباطل، الله هو الحق، هو الرحيم، هو العادل، الحمد لله على وجود الله.
 فهذه السماوات والأرض أي الكون، الحمد لله الذي له، لو أنها لغيره ؟ والله هذه مشكلة، وما لك طريق له، قرَّب أناساً دون أناس، الله عزَّ وجل عنده ميزان:

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾

( سورة الحجرات: من الآية 13 )

 كلُّنا لآدم، وآدم من تراب، الناس كلُّهم سواسية كأسنان المشط، الخلق كلُّهم عيال الله، وأحبُّهم إلى الله أنفعهم لعياله، لا أبيض ولا أسود، لا كبير ولا صغير، لا ذكي ولا غبي، لا متعلم ولا جاهل، كلُّنا عند الله سواسية نتفاضل بالتقوى..

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾

 إذا كان هذا الكون تابعاً لغير الله عزَّ وجل، فلان له جماعته مثلاً، قرَّب أناساً، وأبعد أناساً، له مقاييس أخرى لكانت الطامة الكبرى، لكن ربنا عزَّ وجل كلُّنا عباده، أنت اعمل عملاً صالحاً فقط، وعلى الله الباقي، يسمع دعاءك، يسمع ابتهالك، يسمع رجاءك، يرى عملك، يرى إخلاصك، يرى حبَّك، يرى طاعتك له، يرى إحسانك للخلق، يرى إتقان عملك، أحياناً إنسان يكلِّفك بعمل تتقنه ابتغاء مرضاة الله عزَّ وجل، فهو يرى، أما صاحب العمل فتقول له، هنا في قطعة وضعناها زيادة تقوية، هنا عملنا لك هذا زيادة، لأن فيه فائدة كبرى، هنا عملنا لك الخشب الفلاني، لأن الشخص العادي لا يعرف قيمتها فيجب أن تبيِّن له، أما ربنا فيعرف كل شيء، إذا أتقنت عملك يعرف كل شيء، يعرف نصحك للمسلمين، يعرف إخلاصك لهم، يعرف حبَّك لهم، كلُّه يعرفه..

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴾

 

2 ـ الكون ملكٌ لله خَلقاً وتصرّفاً ومصيراً:

 قال بعض المفسِّرين: هذا الكون ـ فكلمة الكون أو العالَم ـ التعبير القرآني لها السماوات والأرض، حيثما وردت كلمة السماوات والأرض في القرآن تعني في المصطلح الحديث العالَم، أو الكون:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾

 أما كلمة ( له ) فله خلقاً وتصرّفاً ومصيراً.
 للتوضيح: أحياناً تملك بيتاً، ولست منتفعاً به، تملكه، ولكن لا تستطيع الانتفاع به، والتصرف فيه، فأنت مستأجر البيت، وأحياناً تنتفع بالبيت، ولا تملكه، لأنك مهدَّد بأي قرار يخرجك منه، تملك ولا تنتفع، أو تنتفع ولا تملك، تملك، وليس لك حقُّ التصرُّف، أو تتصرَّف، وليس لك الملك، أحياناً تملك وتتصرَّف، وقرار تنظيم يلغي لك البيت كله، ليس لك المصير، المصير بيد آخرين، جئت بهذا المثال للتوضيح، فأكمل أنواع المُلْكِيَّة ؛ الخلق، والتصرُّف، والمصير..

﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ(1)الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2)الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ(3)مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ(4) ﴾

( سورة الفاتحة )

 وفي قراءة: مَالِك يوم الدين.
 والحقيقة أنّ المالك هو الذي يملك، ولا يحكم، والمَلِك هو الذي يحكم ولا يملك، والمَلك والمالك يملك ويحكم، فلذلك:

 

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ﴾

 

 

3 ـ معرفة أن الكون ملكٌ لله يبعث بالراحة:

 إذا كانت علاقتك بمديرية علاقة متينة، ويمكن أن يوقع بك موظَّفوها إيذاء كبيراً، ثمَّ بلغك أن هذه الدائرة تسلَّمها فلان، وفلان في أعلى درجات النزاهة، والورع، والاستقامة، والرحمة، ترتاح راحة لا حدود لها، هذا المثل المُقَرِّب للفكرة، فهذا الكون بيد الله عزَّ وجل، هو الذي خلقه، وهو الذي يتصرَّف فيه وإليه مصيره، الخلق، والتصرُّف، والمصير، ثلاث صفات مجتمعه تمثِّل أعلى درجات المُلْكِيَّة..

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾

 لكن يجوز أن ترى في الدنيا قوياً وضعيفاً، فقيراً وغنياً، حاكماً ومحكوماً، ظالماً ومظلوماً، مقتدراً وضعيفاً، ذكياً وغبياً، وسيماً وقبيحاً، صحيحاً ومريضاً، قد تجد في الدنيا أن هذه الحظوظ موزَّعة توزيعاً متفاوتاً جداً، لكن في الآخرة تُسَوَّى كل الحسابات، ويجزى كل إنسانٍ بعمله، فالله عزَّ وجل كما أن:

﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ ﴾

القوة البلاغية في القرآن الكريم:

 هذه الآية فيها احتباك، ظاهرة بلاغيَّة رائعة، هناك غي أول قسم شيء محذوف، وفي آخر قسم شيء محذوف، لكن إذا اجتمع القِسمان يكون المعنى كما يلي: الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض في الدنيا، والحمد لله في الآخرة الذي له ما في السماوات وما في الأرض في الآخرة، ففي الدنيا الأمور كلُّها إليه، وفي الآخرة الأمور كلُّها إليه، وله الحمد في الأولى والآخرة، لكن الحمد في الأولى لا يعرفه إلا المؤمن، لأن المؤمن مُتَفَتِّح البصيرة، إيمانه دلَّه على عظمة الله، وعلى أسمائه الحسنى، وعلى صفاته الفضلى، المؤمن يرى في الدنيا أن يدَ الله فوق أيدي الناس، أنه هو المتصرِّف، هو المنعم، هو المانع، هو المُعطي، هو النافع، هو الضار، هو الخافض، هو الرافع، هو المعز، هو المُذل، هو القابض، هو الباسط، هذا يراه في الدنيا.

لا تنقِم على عصا الضاربِ:

 لكن غير المؤمن يرى الشركاء، يرى زيداً وعُبيداً، هذه كلها عصي بيد الله عزَّ وجل، المؤمن لا يرى العصا، ولكن يرى من بيده العصا، أما الكافر فيرى العصا.
 تصوَّر طالبا ضربه معلِّمه، فصبَّ كل نقمته على هذه العصا التي آلمته، أليس هو بهذا الغضب والحِنق ضيِّق الفكر ؟ كل نقمته صبَّها على العصا هو، مع أنها عصا لا تقدِّم ولا تؤخِّر، ولا تنفع ولا تضر، لكنها آلمت هذا الطفل، لأن الأستاذ سخَّرها لإيلام هذا الطفل، الطفل الأذكى لا يتألَّم من العصا، بل يتألَّم من الأستاذ الذي ضربه بها، والأذكى من الاثنين يرى الأستاذ رجلاً رحيماً، ورجلاً عالِماً، لا مصلحة له في إيقاع الأذى به، لابدَّ أنه ارتكب شيئاً يستحقُّ هذا العقاب، إما عقاباً، أو تأديباً، أو وقايةً، أو ردعاً، إذاً ينقم على نفسه.
 أول طفل صبَّ غضبه على هذه العصا، أحياناً الطفل الصغير إذا وقع على الأرض وتألَّم، تأتي الأم وتضرب الأرض فتشفيه من غيظه، وتنزل إلى مستواه، فعندما يتألَّم إنسان من إنسان معنى هذا أنه مشرك، لا يوجد إلا الله عزَّ وجل، هو سمح له أن يفعل كذا، هو أطلقه، أطلق لسانه أن يقول عنك كذا وكذا، أطلق يده أن يفعل بك كذا وكذا، فحينما تَصُبُّ نقمتك على إنسان فأنت لا تعرف الله، وحينما ترى أن هذا الإنسان بيد الله عزَّ وجل، هذا مستوى أرقى، أما أرقى من هذا وذاك أن الله عزَّ وجل..

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ﴾

( سورة النساء: من الآية 147 )

 أي أنا الذنب مني..

 

(( مَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ ))

 

[ صحيح مسلم عن أبي ذر ]

 انتهى الأمر، لهذا قال عليه الصلاة والسلام في أحد أحاديثه الجامعة المانعة:

 

(( لا يخافنَّ العبد إلا ذنبه، ولا يرجونَّ إلا ربَّه ))

 

[ ورد في الأثر ]

 مشكلتك مع نفسك

(( مَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ ))

 فلذلك المؤمن يقول:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾

4 ـ الحمد لله على كل شيء:

 ما في السماوات وما في الأرض في الدنيا له، ويُحْمَد على كل تصرُّفاته، والآخرة له ويُحمد فيها على كل أفعاله بها، والدليل: قضيَّتك مع الله منذ أن خُلِقت وحتَّى دخول الجنَّة، ملخَّصة بكلمة واحدة، وهي قوله تعالى:

﴿ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

( سورة يونس )

 والله أحياناً أرى بعض الإخوة الأكارم، ويكون مصاباً بمشكلة، والله أقول له: هذه الكلمات من أعماق قلبي، أقول له: والله لو كُشِفَ الغطاء عن حكمة هذه المصيبة، وعما فيها من الرحمة، والعدل، واللطف، والإحسان، والعلم، والخبرة، إن لم تذب كالشمعة يوم القيامة حبَّاً لله، وخجلاً منه، وامتناناً على هذه النعمة فهذا الدين باطل، لأنه إله، ولا إله غيره، هو الوحيد في الكون، بيده كل شيء، اللهُ ما عنده غلط، أنت تغلط، أما الله عزَّ وجل فمطلق..

 

(( ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يغفر الله أكثر ))

 

[ الجامع الصغير عن ابن عساكر عن البراء ]

 هذا الإيمان، لذلك لكل شيءٍ حقيقة، وما بلغ عبدٌ حقيقة الإيمان حتَّى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، تجد المؤمن من داخله مثل البحر، كل شيء إلى خير..

 

(( عَجِبْتُ لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، لَيْسَ ذَلِكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، وَكَانَ خَيْرًا، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، وَكَانَ خَيْرًا ))

 

[ مسند أحمد عن صهيب ]

 يرى يد الله فوق كل يد، يرى نعمته الظاهرة في العطاء، والباطنة في السَلْب، وأكاد أقول: إن تسعين بالمئة من المؤمنين عرفوا الله، وتابوا إليه، واستقاموا على أمره، وسعدوا بقربه، بسبب مصيبةٍ أنزلها بهم، فألجأتهم إلى بابه، وله الحمد في الأولى والآخرة، فكم من رجلٍ شاردٍ تائهٍ عاد إلى الله عزَّ وجل إثر شبح مصيبة، عاد إليه إثر مرضٍ شديد، عاد إليه إثر افتقارٍ مدقع، عاد إليه إثر فقد حريَّةٍ، آلمه فقط، وله الحمد في الأولى والآخرة، حتى إنه قيل: الحمد لله الذي لا يُحْمَد على مكروه سواه.
 المؤمن لا مشكلة عنده، لا عقدة نفسيَّة يعاني منها، لا حقد في قلبه، يرى أن كل البشر عصياً بيد الله، الذي أحسن إليه منهم، الله ألهمه وسمح له، وجمعه معهم، والذي أساء إليه منهم، الله سخَّره تأديباً له، حتَّى إن الإمام الشعراني رحمه الله تعالى قال: " أعرف مقامي عند ربي من أخلاق زوجتي "، هذه التي عندك في البيت، إما أن تُلْهَم أن تكون مطواعة، وإما أن تُلهم عكس ذلك، فإذا آلمتك يوماً، وأرضتك يوماً، فأنت المُتَقَلِّب وليست هي، هي ملهمة، دعوها فإنها مأمورة.
 القضيَّة قضية أن تعرف المنعم، إذا عرفته، وعرفت المسيِّر، وعرفت الرب، وعرفت الإله، واستسلمت إليه، دخلت فيما يسمى بالسعادة النفسيَّة، دخلت فيما يسمى بالوحدة، لا بالتبعثر، دخلت فيما يسمى بالانسجام، لا في التناقض.
 الحياة فيها متناقضات، فيها تبعثُر، فيها تشتُّت، لكن المؤمن مجموع، اعمل لوجهٍ واحدٍ يكفك الوجوه كلها، من أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه، وأرضى عنه الناس، من آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً..
 من أحبَّنا أحببناه ومن طلب منا أعطيناه، ومن اكتفى بنا عما لنا كنا له، من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين، عبدي كن لي كما أريد، ولا تعلمني بما يصلحك، أعرف ماذا تريد، كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك.. أنت تريد، وأنا أريد، فإذا سلَّمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلِّم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد.

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴾

 أفعاله كلُّها حكيمة، كل شيءٍ أراده الله وَقَعَ، كل ما أراده الله وقع، كل ما وقع أراده الله، إرادته متعلِّقةٌ بالحكمة المطلقة، حكمته متعلِّقةٌ بالخير المطلق..

﴿ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِير ﴾

وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِير

المؤمن دائم الحمد، لعلمه أن الله حكيمٌ خبير:

 أيها الإخوة الأكارم... صفة الحمد في المؤمن صفةٌ ثابتة، بل إنها من سماته العميقة، فمعنى مؤمن أي أنه إنسان حامد لله، أروع كلمةٍ أسمعها من أخ كريم: كيف الحال ؟ الحمد لله، أنا أعلم أنه قد يكون في ضيق مادي، قد يكون فيه مرض، قد يكون له مشكلة في البيت، لكن كلمة الحمد لله يقصد منها أن الله هو المتصرِّف، وهو الحكيم، وهو الخبير، وهو العادل، وهو الرحمن الرحيم، خلقنا ليسعدنا في الآخرة، والدنيا مدرسة، فنحن في مدرسة، ونحن في طور المعالجة، ونحن في العناية المشدَّدة، فإذا قال لك أخ مبتلى: الحمد لله، إنه عرف الله عزَّ وجل، عرف أن الإنسان خُلِقَ للآخرة، خُلِق لجنَّةٍ عرضها السماوات والأرض، عرف أن هذه الدنيا دار عمل، وليست دار نعيمٍ مقيم، عرف أن هذه الدنيا دار ابتلاء، وليست دار جزاء، عرف أن هذه الدنيا دار تكليف لا دار تشريف، عرف أن هذه الدنيا لا قيمة للحظوظ فيها، القيمة لطاعة الله عزَّ وجل، لقوله تعالى:

﴿ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾

( سورة الأحزاب )

 شعوره أنه على الخط الصحيح، شعوره أن الله راضٍ عنه، شعوره أنه في الاتجاه الصحيح، شعوره أنه في الطريق إلى هدفٍ كبير، هذا شعور مسعد، لذلك:

 

(( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ ))

 

[ سنن الترمذي عن أنس بن مالك ]

 قد تجد إنساناً عظيم الهيئة ـ والقصَّة المعروفة لديكم ـ دخل رجل على أحد العلماء، وكان في رجله ألمٌ شديد، فمدَّها، وقد اعتذر من تلامذته، دخل عليه رجل طويل القامة، عريض المنكبين، ذا هيئةٍ حسنة، يرتدي عِمامة على رأسه، وجُبَّة على ظهره، فهذا الرجل العالِم ظنَّه رجلاً عظيماً، فرفع رجليه، واستحيا منه، جلس عنده، فالموضوع كان عن صلاة الفجر، تحدَّث عن الفجر الصادق والكاذب، وأحكام الصلاة، والسُنَّة القبليَّة، وما إلى ذلك، فهذا الرجل الذي دخل المجلس نظر مليَّاً، ثمَّ سأل، قال: " يا سيدي، كيف نصلي الفجر إذا طلعت الشمس قبل الفجرِ ؟ "، قال له: " عندئذٍ أمدُّ رجلي ".
 نعمة العقل نعمة كبيرة، المؤمن قد يكون في ضيق مادي، قد يكون عنده مشكلة في البيت، ولد عاق مثلاً، أو عنده زوجة متعبة، في عمله متاعب مثلاً، تجارة بائرة، عنده مشكلات كثيرة، لكن يرى أن الله سبحانه وتعالى خلقه لجنَّةٍ عرضها السماوات والأرض، ما دُمْتَ على الطريق الصحيح فلا تخف، ما دمت في رضوان الله فلا تخف، فالعاقبة لك..

﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

( سورة الأعراف )

 الأيام تدور، ولا تستقر إلا على إكرام المؤمن، فتأتي ساعة للمؤمن عند فِراق الدنيا لو جُمِعَت لذّات الحياة كلّها، لو جُمعَت نعم الحياة كلّها لا تعدل هذه الساعة، حينما يشعر أنه نجا من عذاب الآخرة، وأنه استحقَّ الجنَّة وما فيها من نعمٍ عظيمة، لذلك: " يا بني، ما خيرٌ بعده النار بخير، وما شرٌ بعده الجنَّة بشر، وكل نعيمٍ دون الجنَّة محقور، وكل بلاءٍ دون النار عافية ".
 إن المؤمن إذا قلت له: كيف حالك ؟ يقول لك: الحمد لله، والله حدَّثني طبيب، قال لي: جاءنا رجل تبدو عليه ملامح الإيمان، مصاب بمرض خبيث في أمعائه، قال لي: والله يا أستاذ كلَّما دخلنا عليه رأينا وجهه يطفح بالبِشْر، والثقة بالله، والصبر، وكلَّما دخل عليه زائر يقول له: اشهدْ أنني راضٍ عن الله، يا رب لك الحمد، قال لي: ما صرخ، ولا رفع صوته، ولا تأفَّف منه أحد، بل أقسم لي إن أمعاءه فُتِحت خارج مكانها الطبيعي، أي هناك كيس فيه غائط دائماً، أقسم لي وقال: والله رائحة الغرفة تفوح بالعطر، وإذا قرع الجرس يتهافت عليه الممرِّضون ليخدموه، والأطبَّاء يكثرون زيارته، انجذبوا لهذه الغرفة، شيءٌ عجيب، إنسان مصاب بسرطان بالأمعاء، وآلام السرطان بالأمعاء لا تُحْتَمَل أبداً، طبيب صديق لي في المستشفى نفسه، قال لي: شيء عجيب، لا صياح، لا ألم، هدوء، وبشر، نور بوجهه، رضى بقضاء الله وقدره، قال لي: ما هي إلا أيَّام حتَّى توفَّاه الله عزَّ وجل على أحسن حال.
 قال لي: من غرائب الصُدَف، ومن حكم الله عزَّ وجل أنه جاء الغرفة مريضٌ آخر بالمرض نفسه، قال لي: ما ترك نبيَّاً إلا وسبَّه، رائحة الغائط تملأ الغرفة، لا أحد يُلَبِّيه، أمام الممرضين والممرضات رأوا المرض واحد، الآلام واحدة، الخطر واحد، الموت قريب، رأوا من هو المؤمن، ومن هو الكافر، المؤمن راض بقضاء الله، فحينما يأتيك شيءٌ لا يعجبك وتقول: الحمد لله، مئة على مئة نجحت، لأن سيدنا علي يقول: << الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين >>.
 فالإيمان شيء عظيم، شيء لا يقدَّر بثمن، أنت مؤمن، أي أنك ترى أن الفعل فعل الله عزَّ وجل، وأن الله رحيم، يده رحيمة، يده قويَّة، عادلة، لطيفة، هذا الإيمان.
 هذا الدرس للتطبيق، يجب أن يكون حالك حال الحمد دائماً، فإن لم تكن كذلك فبينك وبين الإيمان مراحل فسيحة، جدِّد إيمانك، ما دام هناك نقمة، وألم، وعتاب على الله عزَّ وجل، لماذا لم يعطني وأعطى فلاناً ؟ ما دمت بهذا الحال فبينك وبين الإيمان المُنجي مراحل طويلة، أما الحد الأدنى لإيمانك فأن تحمد الله على كل شيء، على كل حال، النبي الكريم كان إذا جاءت الأمور كما يشتهي قال:

 

(( الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحاتُ ))

 

[ ابن ماجه عن عائشة ]

 وإذا جاءت الأمور على غير ما يريد كان يقول:

 

(( الحَمْدُ لِلَّهِ على كلّ حال ))

 

[ الجامع الصغير عن عائشة ]

 المؤمن كلمة الحمد لا تفارق فمه، بل إنها أول آية بالفاتحة، الفاتحة تقرأها في كل ركعة، أكثر من خمسين مرَّة، بين الصبح والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وإذا كان هناك نوافل، في كل ركعةٍ تقول: الحمد لله رب العالمين، فلذلك الحمد سمة أساسيَّة من سمات المؤمن، على السراء والضراء، والمنشط والمكرم، والزواج وعدم الزواج، والغنى والفقر، والإنجاب والعقم، وصلاح الأولاد وفسادهم، وزوجة جيِّدة ووسط وسيئة، والدخل كبير وقليل، والتجارة رابحة وخاسرة، على كل حال، في المنشط والمكره، هذا المؤمن..

﴿ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا ﴾

( سورة الأحزاب )

 فهذه الآية دقيقة جداً، وبعد ذلك ما دام الله بيده ما في السماوات وما في الأرض، الأمور كلها بيده، الناس كلهم بيده، من حولك كلهم بيده، من فوقك كلهم بيده، من دونك كلهم بيده، من هم أقرب الناس إليك كلهم بيده، هكذا، والله يعلم كل شيء، أجمل آية ما قاله سيدنا هود في قوله تعالى:

﴿ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي(55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

( سورة هود )

 كل ما في الأرض من دواب الله آخذٌ بناصيتها:

 

﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

 فهذه الآية قصيرة لكن مفعولها كبير، قصيرة، وهي أحد أركان الإيمان، قصيرة إلا أن تمثُّلها سمةٌ ثابتة من سمات المؤمن، فلا تجد مؤمنًا ناقما، ولا مؤمنا حاقدا، ولا مؤمنًا ساخطا على الله، ولا مؤمنا شاكًّا في رحمة الله، مؤمنًا شاكًّا في عدالة الله، فهو سبحانه عادل، ورحيم، ولطيف، وحكيم، وعليم، والأمر كله بيده، وما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك..

 

 

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

 

( سورة هود من الآية 123)

البطل الذكي مَن يحسِّن علاقته مع الله قبل الموت:

 وأمرك كله مع واحد، أحسن علاقتك بالله وانتهى الأمر ـ عبدي رجعوا وتركوك ـ أول ليلة في القبر، هذه صعبة، من بيت فخمٍ، رجعوا وتركوك، لا بلاط، ولا دهان، لا تبريد، ولا تدفئة ـ رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك ـ الخروج من البيت ليس سهلاً، إلا إذا كان للجنة، إذا كان للجنَّة فلا شيء إطلاقاً ـ رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبقَ معك إلا أنا ـ أتعلمون من البطل ؟ هو الذي يحسن علاقته بالله قبل أن يموت، لأنه عند الموت مع الله إلى الأبد، موظَّف في مديرية، وآخر معه أمامه ـ مثلاً ـ وبينهما علاقات طيِّبة إلى أقصى درجة، وصار وزيره، يدخل بلا إذن، ويكون من ذوي الشأن عنده، ما دامت العلاقات طيِّبة قبل أن يغدو وزيراً.

خاتمة:

 وأنت في الدنيا إذا كانت معك علاقة مع الله عزَّ وجل، جاء ملك الموت فأنت مع الله إلى الأبد، وانحسر عنك كل شيء، فأنت في سعادة، اقرءوا سير الصحابة فإنكم تجدون هذا القاسم المشترك، إنَّ أصحاب رسول الله أسعد لحظات حياتهم حينما يلقون ربَّهم، فبين أن يكون الموت عُرْسَ المؤمن ؛ وبين أن يكون الموت نهاية كل شيء، وبداية جحيم لا يحتمل، لذلك الكافر..

﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي(24)فَيَوْمَئذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ(25)وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ﴾

( سورة الفجر )

 المؤمن.

﴿ قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ(26)بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ ﴾

( سورة يس )

﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابي(19)إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِي(20)فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ(21)فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ(22)قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ(23)كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾

( سورة الحاقَّة )

 هنيئاً لكم ، هذه البطولة :

ليس من يقطع طرقاً بطلاً   إنما من يتقي الله البطل
***

 كن من شئت ، الكون موجود ، والإله موجود ، والعقل موجود ، والشهوات قِوى دافعه ، والاختيار مثمَّن ، والفطرة ناصحة ، والشرع ميزان ، ماذا تفعل ؟ تعبد الله في عملك بإتقان عملك ، وبالنصيحة للمسلمين ، تعبد الله في بيتك ، في أولادك ، في جيرانك ، في من فوقك ، أبداً ، فالباب مفتوح .
 لكن تصور مؤمناً كامل الإيمان ، وعالي الإيمان ، ويستحق دخول الجنَّة ، وهو في الجنَّة يتحسَّر على ساعة مضت لم يذكر الله فيها ، هذه تسريب للدنيا ، أحياناً يسرِّبون الأسئلة ، فالمؤمن الذي نجا من عذاب النار ، والذي استحقَّ دخول الجنان ، والذي رضي الله عنه يتحسَّر إلا على ساعةٍ مرَّت دون أن يذكر الله فيها ، فانتبهوا ..

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾

( سورة الأحزاب )

 في البيت ، وفي العمل ، وفي الطريق ، وفي خلواتك ، وفي جلواتك ، ومع أهلك ، ومع أولادك لأن الله عزّ وجل هو كل شيء ، وما دونه لا شيء .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018