الخطبة : 1022 - الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح - صلة الرحم - زكاة الفطر . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 1022 - الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح - صلة الرحم - زكاة الفطر .


2006-10-20

الخطبة الأولى
  الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق و البشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر.
 اللهم صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

ثلاثة موضوعات للخطبة الأخيرة من رمضان

 أيها الإخوة الكرام، هذه الخطبة الأخيرة من رمضان فيها موضوعات ثلاثة، الموضوع الأول يتصل بالخطبة السابقة، لأن محور الخطبة السابقة كان: الحقيقة المُرّة أفضل ألف مَرة من الوهم المريح، ولكي نتوازن ونعرف ما لنا وما علينا كان الموضوع الأول، والموضوع الثاني ونحن على مشارف العيد صلة الرحم، والموضوع الفقهي الثالث زكاة الفطر.

 

الموضوع الأول: سرّ الحملات المتزايدة عن الإسلام –انتشار الإسلام في قلب أوروبا

 أيها الإخوة الكرام، يقول الله عز وجل:

 

 

﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾

 

[ سورة التوبة ]

 يعجب بعض المتابعين لهذه الحملة المتزايدة على الإسلام من بعض الزعماء الدينيين والسياسيين في السنوات الأخيرة، ويتساءل بعضهم عن سر التوقيت والتزامن، فمن كلام بوش عن المسلمين الفاشيين إلى كلام البابا عن النبي عليه الصلاة والسلام، وقبلهما رئيس الوزراء الإيطالي عن الحضارة الإسلامية، وبعده الرسوم المسيئة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ما سر هذه الحملات المتتابعة ؟

 

1 ـ انتشار الإسلام في قلب أوربا وأمريكا:

 أيها الإخوة الكرام، الحقيقة أن ثمة سراً مُهِمًّا لا ينبغي أن نغفل عنه وراء هذه الحملات ألا وهو هذه الإيجابيات، الانتشار الواسع لدين الإسلام في معاقل الغرب الذي أقضَّ مضاجع الرؤساء الدينيين والسياسيين، مما حذا ببعضهم للكلام الصريح عن ضرورة التصدي لانتشار دين الإسلام، وهذه بعض الإحصاءات، والأخبار التي تشهد بهذا الانتشار:
 ففي قلب أوربا بدأت أعداد المساجد تنافس أعداد الكنائس في باريس ولندن ومدريد وروما ونيويورك، وصوت الأذان الذي يرفع كل يوم في تلك البلاد خمس مرات خير شاهد على أن الإسلام يكسب كل يوم أرضاً جديدة وأتباعاً جدداً، فقد أصبح للأذان مَن يلبّيه في كل أنحاء الأرض، في طوكيو، حتى نيويورك، وعند نيويورك ومساجدها نتوقف قليلاً:

 

 

نيويورك:

 ففي أوقات الأذان ينطلق الأذان في هذه المدينة من مئة مسجد، وبلغ عدد المساجد في أمريكا ما يقرب من ألفي مسجد، والحمد لله.

 

 

بريطانيا:

 وترتفع في بريطانيا مئذنة لألف مسجد.

 

 

فرنسا:

 وتعلو سماء فرنسا وحدها ألف وخمسمئة وأربعة وخمسين مسجدا، وهذه المساجد لا تتسع للمصلين.

 

 

ألمانيا:

 أما في ألمانيا فتقدر عدد المساجد فيها بألفي ومئتي مسجد.

 

 

بلجيكا:

 أما بلجيكا ففيها ثلاثمئة مسجد وفي هولندا أربعمئة مسجد.

 

 

إيطاليا:

 وفي إيطاليا مئة وثلاثين مسجداً وأما في النمسا ففيها ستة وسبعين مسجداً.
 الانتشار الواسع جداً للإسلام في معقل الغرب هذا سر الحملات المتتابعة على الإسلام، هذا فضلاً عن دول أوربا الشرقية أيها الإخوة، والإقبال على الإسلام يزداد يوماً بعد يوم، ومن هذه المساجد يتحرك الإسلام، وينطلق في أوربا، إذ ليس غريباً أن تشدد أوربا وأمريكا في أمر المساجد، وأن تراقب أهلها، وأن تضيق في إعطاء الرخص لبنائها، ومن المفارقات العجيبة أن كثيراً من هذه المساجد كانت كنائس، فاشتراها المسلمون، وحوّلوها إلى مساجد، هذا معنى قوله تعالى:

 

 

 

﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾

 

 

[ سورة التوبة ]

 الآن ماذا في الصحف الغربية ؟

 

صيحات تحذير الصحف الغربية من الإسلام

 أيها الإخوة، بدأت الصحف الغربية تطلق صيحات تحذير من انتشار واسع لدين الإسلام في الغرب:
 ـ في مقال نشر في مجلة التايمز الأمريكية يقول كاتبه: " وستشرق شمس الإسلام من جديد، ولكنها في هذه المرة تعكس كل حقائق الجغرافيا، فهي لا تشرق من المشرق كالعادة، وإنما ستشرق في هذه المرة من الغرب ".
 ـ جريدة أخرى بريطانية سندي تلغراف: يقول كاتب المقال: " إن انتشار الإسلام مع نهاية هذا القرن ـ يعني الذي مضى ـ ومطلع القرن الجديد ـ يعني الذي نحن فيه ـ ليس له من سبب مباشر إلا أن سكان العالم من غير المسلمين بدؤوا يتطلعون إلى الإسلام، وبدءوا يقرؤون عن الإسلام، فعرفوا من خلال اطلاعهم أن الإسلام هو الدين الوحيد الأسمى الذي يمكن أن يتبع، وهو الدين الوحيد القادر على حل كل مشكلات البشرية، هذه الصحيفة بريطانية.
 ـ مجلة فرنسية: يقول كاتب في هذه المجلة بعد دراسة قام بها متخصصون: " إن مستقبل نظام العالم سيكون دينياً، وسيسود النظام الإسلامي على الرغم من ضعفه الحالي، لأنه الدين الوحيد الذي يمتلك قوة شمولية هائلة ".
 أيها الإخوة الكرام، هذه أقوال الصحف الغربية، وهذه عدد المساجد في معظم بلاد الغرب، وعليها إقبال شديد، وهي الآن لا تتسع للمصلين، لماذا ؟ لأن الإنسان كفر بكل نظام أرضي، وكل نظام أرضي لم يحقق له السعادة، لم يبق على ساحة المبادئ والقيم إلا الإسلام.

 

 

2 ـ انتشار المصاحف المترجمة والكتب الإسلامية في أوربا وأمريكا:

 أيها الإخوة الكرام، وبعد الحادي عشر من أيلول التي كان لها آثار سيئة وواسعة على النشاطات الإسلامية في الغرب، وعلى دول الإسلام، إلا أنه مع ذلك ازداد في العالم الغربي الإقبال على التعرف على الإسلام بصورة غير متوقعة، وأصبحت نسخ القرآن الكريم المترجمة من أكثر الكتب مبيعاً في الأسواق الأمريكية والأوربية، حتى نفذت من المكتبات لكثرة الإقبال على اقتنائها، وتسبب ذلك في دخول الكثير منهم في الإسلام.
 وفي ألمانيا بيعَ خلال سنة واحدة أربعون ألف نسخة من كتاب ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الألمانية، كما أعدت دار نشر ( لاروس ) الفرنسية طباعة ترجمة معاني القرآن الكريم بعد نفاذ أعدادها في الأسواق، إقبالاً منقطع النظير على شراء القرآن ومعانيه باللغات المختلفة.

 

 

3 ـ تزايد عدد الداخلين في الإسلام من الأوروبيين والأمريكيين:

 الآن مع عدد تزايد الداخلين في الإسلام:

 

 

أمريكا:

 ففي عام ( 2001 ) أيها الإخوة نشرت صحيفة نيويورك تايمز مقالاً ذكرت فيه أن بعض الخبراء الأمريكيين يقدرون عدد الأمريكيين الذين يعتنقون الإسلام سنوياً بخمسة وعشرين ألف شخص، وأن عدد الذين يدخلون دين الله يومياً تضاعف أربع مرات بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، بحسب تقديرات الأوساط الدينية، والمدهش أن أحد التقارير الأمريكية الذي نشر قبل أربع سنوات ذكر أن عدد الداخلين في الإسلام بعد ضربات الحادي عشر من أيلول قد بلغ أكثر من ثلاثين ألف مسلم ومسلمة، وهذا ما أكده رئيس مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية، إذ قال: إن أكثر من أربعة وعشرين ألف أمريكي قد اعتنقوا الإسلام بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، وهو أعلى مستوى تحقق في الولايات المتحدة منذ أن دخلها الإسلام.

 

 

فرنسا:

 أما في فرنسا فهناك تقرير نشرت صحيفة الإكسبريس الفرنسية عن انتشار الإسلام بين الفرنسيين جاء فيه: على الرغم من كافة الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الفرنسية مؤخراً ضد الحجاب الإسلامي، وضد كل رمز ديني في البلاد أشارت الأرقام الرسمية الفرنسية إلى أن أعداد الفرنسيين الذين يدخلون في دين الله بلغ عشرات الآلاف مؤخراً، وهو ما يعادل إسلام عشرة أشخاص يومياً.
 كنت في أستراليا، وقد بلغني أن عدد المسلمين الذين أسلموا من أبناء السكان الأصليين عددهم قسم على أيام السنة، فكان عدد الذين يسلمون كل يوم ستة أشخاص، في فرنسا عشرة يومياً.
 وفي تقرير أن عدد المعتنقين الجدد للإسلام من الفرنسيين يصل إلى ستين ألف مؤخراً، سواء الذين أسلموا بدافع حبهم وإعجابهم بهذا الدين، أو بدافع البحث عن الهوية، والبحث عن الذات، والكثيرون منهم شباب من هذه المدن، ويتراوحون ما بين الأصولية والاعتدال، منهم مهندسون وجامعيون، ورؤساء شركات ومدربون، ومدرسون وطلاب، كل هؤلاء الأشخاص يشكلون لبنة جديدة في المجتمع الإسلامي الجديد، وهم بمثابة الأسرة الكبيرة في مختلف مجالات الحياة بالمجتمع الفرنسي.
 أيها الإخوة الكرام، هنا حديث عن أشخاص مشهورين جداً في العالم الغربي في كل المجالات اعتنقوا الإسلام، لذلك كان لإقبال الغربيين على الإسلام خطر يحذر منه بعض الأساقفة، ففي بولونيا الإيطالية حذر أسقف آخر من أن الإسلام سينتصر على أوربا إذا لم تغدو أوربا مسيحية مجدداً.
 أيها الإخوة الكرام، مع أن الأوضاع الحاضرة ليست في مصلحة الإسلام والمسلمين، والمسلمون ضعاف ومحاربون ومتخلفون، شاع بينهم الجهل والفقر، ومع كل ذلك هذه قوة الإسلام، لذلك أيها الإخوة، شبه بعضهم أن المسلمين نائمون في ضوء الشمس، وهو الإسلام، وأن غير المسلمين يعملون عملاً مذهلاً في الظلام، هم في الظلام يعملون، ونحن في الشمس نائمون، وقوة الإسلام في أنه قدم للبشرية تفسيراً دقيقاً عميقاً متناسقاً لحقيقة الكون والحياة والإنسان.
 أيها الإخوة الكرام، ما ذكرت هذا الموضوع إلا كي أطمئنكم أن كل شيء وقع أراده الله، وأن كل شيء أراده الله وقع، وأن إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق.

 

 

ينبغي أن نفهم سر الهجمات الغربية العنيفة على الإسلام

 إذاً: ينبغي أن نفهم سر الهجمة المتتالية، كل شهرين هناك مشكلة، بدءاً من أن تؤم امرأة في أمريكا في كنيسة خمسين إنساناً تصلي بهم الجمعة، وتخطب فيهم، متحدين قواعد الشرع الأساسية، ثم بتدنيس المصحف في أمريكا، ثم بتشويه صور النبي عليه الصلاة والسلام، ثم بتصريح البابا مؤخراً، وكل شهرين، أو أقلّ، هناك هجمة من أجل أن يخف إقبال الناس على هذا الدين، ومن أجل أن يكثر اعتناق الأديان الأخرى.
 على كل أيها الإخوة الكرام، هذا الذي وقع بعد الحادي عشر من أيلول أراده الله ولحكمة بالغة، والدليل أن الله عز وجل حينما قال:

 

 

 

﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾

 

 

[ سورة التوبة ]

الموضوع الثاني: صلة الرحم:

 الموضوع الثاني أيها الإخوة الكرام: صلة الرحم، هذا وقتها، وهذه مناسبتها في العيد.

 

1 – صلة الرحم محبة للأهل، بسط للرزق، بركة في العمر:

 صلة الرحم محبة للأهل، بسط للرزق، بركة في العمر، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

 

(( تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ، فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ فِي الْأَهْلِ، مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ، مَنْسَأَةٌ فِي أَثَرِهِ ))

 

[ أحمد ]

 عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ))

 

[ متفق عليه ]

 اتساع في الرزق وطول في العمر، بالمعاني الذي شرحها الفقهاء العمر يطول ويقصر بالأعمال الصالحة.

 

2 – صلة الرحم أمارة على كرم النفس وسعة الأفق وطيب المنبت وحسن الوفاء:

 أيها الإخوة الكرام، صلة الرحم أمارة على كرم النفس وسعة الأفق وطيب المنبت وحسن الوفاء، ولهذا قيل: من لم يصلح لأهله لم يصلح لك، ومن لم يذب عنهم لم يذب عنك، يقدم عليها أولو التذكرة وأصحاب البصيرة.
 من شرف النفس، ومن كرمها، ومن سعة الأفق، ومن طيب المنبت، ومن حسن الوفاء أن تصل رحمك.

 

 

3 – صلة الرحم مدعاة لرفعة الواصل وسبب لذكر الجميل وموجبة للمحبة:

 أيها الإخوة الكرام، صلة الرحم مدعاة لرفعة الواصل، وسبب لذكر الجميل، وموجبة لشيوع المحبة، وعزة المتواصلين.

 

 

4 – صلة الرحم تزيد المحبة وتزيل العداوة:

  صلة الرحم تقوي المودة وتزيد المحبة وتوثق عرى القرابة وتزول العداوة والشحناء، فيها التعارف والتواصل والشعور بالسعادة.

 

 

كيف هي صلة الرحم بواقع المسلمين ؟

 لكن واقع المسلمين اليوم أن كثيراً من الناس مضيعون لهذا الحق، مفرطون فيه، فمِن الناس من لا يعرف قرابته لا بصلة، ولا بمال، ولا بجاه، ولا بحال، ولا بخُلق، ولا بود، تمضي الشهور، وربما الأعوام ولا يقوم بزيارتهم، ولا يتودد إليهم لا بصلة ولا بهدية، ولا يدفع عنهم مضرة ولا أذية، بل ربما أساء إليهم، وأغلظ القول لهم.
 ومن الناس من لا يشارك أقاربهم في أفراحهم، ولا يواسيهم في أتراحهم، ولا يتصدق على فقرائهم، بل تجده يقدّم عليهم الأباعد في الصلات والهبات.
 ومن الناس من يصل أقاربه إن وصلوه، ويقطعهم إن قطعوه، وهذا في الحقيقة ليس بواصل، وإنما هو مكافئ للمعروف بمثله، وهو حاصل للقريب وغيره، والواصل حقيقة هو الذي يتقي الله في أقاربه، فيصلهم لله، سواء وصلوه أو قطعوه، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

 

(( لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنْ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا ))

 

[ البخاري ]

الرسول قدوة في صلة الرحم

 النبي عليه الصلاة والسلام قدوة في هذا، تأتيه أخته من الرضاعة صلى الله عليه وسلم، وقد ابتعدت عنه عقوداً عديدة، فتأتيه وهو لا يعرفها، وهي لا تعرفه، وتسمع وهي في بادية بني سعد في الطائف بانتصاره، فتأتي كي تسلّم على أخيها من الرضاعة، وهو تحت سدرة عليه الصلاة والسلام، والناس بسيوفهم بين يديه، وهو يوزع الغنائم بين العرب، فتستأذن، فيقول لها الصحابة: من أنت ؟ تقول: أنا أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، أنا الشيماء بنت الحارث، أرضعتني أنا وإياه حليمة السعدية، فيخبرون الرسول عليه الصلاة والسلام، فيتذكر القربة، فيتذكر صلة الرحم، ويقوم لها ليلقاها في الطريق، يرحب بها ترحيب الأخ بأخته بعد طول غياب، وبعد الوحشة والغربة، ويأتي بها، ويجلسها مكانها، ويظللها بيديه من الشمس.
 تصوروا رسول البشرية، ومعلم الإنسانية، ومزعزع كيان الوثنية يظلل هذه العجوز أخته من الرضاع من الشمس، ويترك الناس وشؤون الناس، ويقبل عليها يسألها، ويقول: يا أختاه، كيف حالكم ؟ يا أختاه، اختاري الحياة عندي أم تريدين أهلك ؟ تقول: أريد أهلي، فيمدّها بالمال، ويعطيها مئة ناقة ليعلم الناس صلة الرحم.
 أيها الإخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

 

* * *

الخطبة الثانية
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل و سلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله و صحبه أجمعين.

الموضوع الثالث: زكاة الفطر:

1 – لماذا فرض الله علينا زكاة الفطر ؟

 أيها الإخوة، إن صيامنا وقيامنا لا يرفع إلى الله تعالى إلا بتأدية هذه الزكاة، فلقد فرض الله علينا زكاة الفطر طهرة للصائم مما بدر منه من لغو أو رفث، وطعمة للمسكين، ولإغنائه عن السؤال.

 

2 – على مَن تجب زكاة الفطر ؟

 صدقة الفطر تجب على كل مسلم يملك قوت يومه، حرا كان أو عبدا، ذكرا أو أنثى، صغيرا أو كبيرا، غنيا أو فقيرا.

 

 

3 – مَن يُخرِج زكاة الفطر:

 يخرجها الرجل عن نفسه أولاً، وعن كل من يمونه، ويلي عليه، كزوجته وأولاده، وعن أمه وأبيه، وإخوته وأخواته، إن كان ينفق عليهم.

 

 

4 – ما هو مقدارُ زكاة الفطر ؟

 مقدراها في الحد الأدنى ثمن نصف صاع من القمح، ونصف الصاع يعدل اثنين كيلو من القمح عن كل فرد، أو ثمن اثنين كيلو من القمح، ولا حد لأكثرها، لقول الله عز وجل:

 

 

﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ﴾

 

[ سورة الطلاق: 7]

 قدّروها اليوم بخمس وسبعين ليرة سورية، لكن الذي يلفت النظر أنه قد يأتي غني كبير يقول لك: كم هي صدقة الفطر ؟ تقول له: خمس وسبعون ليرة سورية، يضرب عدد أفراد أسرته بخمسة وسبعين، هذا الحد الأدنى، هذا للفقير الذي لا يجد ما يأكل، إذا وجد في بيت الفقير وجبة طعام واحدة فعليه زكاة الفطر، أما الغني فقال تعالى:

 

﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ﴾

 

[ سورة الطلاق: 7]

 ادفع عن كل شخص ألف ليرة، أو ألفين، أو خمسة آلاف، لا ضير في ذلك، هذا من حق الفقير.
 أيها الإخوة الكرام، لا إسراف في الخير، ولا خير في الإسراف.

 

5 – ما حِكمةُ زكاة الفطر ؟

 حكمتها أن يذوق المسلم طعم الإنفاق حتى الفقراء، ولكي يتدرب الإنسان على الإنفاق بالعسر واليسر، ولكي تكون يده هي العليا.

 

 

6 – ما وقتُ أداء زكاة الفطر ؟

 ووقت أدائها من أول رمضان وحتى قبيل الخروج لصلاة العيد.

 

 

7 – لمَن تُعطَى زكاة الفطر ؟

 ويفضل أن تعطى للأقارب عدا الأصول والفروع، الآباء مهما علوا والأبناء مهما دنوا وعدا الزوج والزوجة، أما عند الإمام الشافعي فللزوجة أن تعطي زوجها زكاة مالها أو صدقة فطرها.

 

 

***

الدعاء

 أيها الإخوة الكرام، إني داع فأمّنوا:
 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.
 اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت.
 اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت.
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.
 اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، خذ بيد ولاة المسلمين لما تحب وترضى يا رب العالمين، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018