الخطبة : 1023 - الجانب الروحي والمعرفي والأخلاقي في حياة الإنسان . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 1023 - الجانب الروحي والمعرفي والأخلاقي في حياة الإنسان .


2006-11-17

الخطبة الأولى

  الحمد لله نحمده، ونستعين به، و نسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق و البشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الملتقى الفكري في المشترك في الرسالات السماوية

 أيها الإخوة الكرام، عقد في دمشق في المركز الثقافي العربي ملتقىً فكرياً بحث في المشترك في الرسالات الإلهية وتفعيلها، وذلك بمشاركة جامعة الأزهر الشريف، ورابطة الجامعات الإسلامية، وجامعة هارد فورد الأمريكية، وجامعة القاهرة، وجامعة عين شمس، ونخبة من رجال الدين الإسلامي، ورجال الدين المسيحي في دمشق، ورجال الفكر والثقافة، وكانت البحوث في عشرة محاور، وكانت كلمتي في محور الجانب الروحي والعرفاني، والدعوة إلى النبل الأخلاقي، ونظراً لأن الموضوع موضوع كلمتي في الملتقى يتصل اتصالاً شديداً بالموضوع الذي وعدت في الخطبة الإذاعية أن أعالجه: لماذا حل بالمسلمين ما حل بهم من منظور إسلامي وقرآني ؟ لذلك سأكتفي بمعالجة الموضوع الذي عالجته في كلمتي في الملتقى الفكري، وسأضع النقاط على الحروف إن شاء الله تعالى في الخطبة القادمة.

 

عدم التطابق بين الأقوال والاعتقاد والأفعال ظاهرة المجتمع المعاصر

 أيها الإخوة، إن صناعة الإنسان الكامل، وبناء الأسرة المتماسكة، وإقامة المجتمع الفاضل هي من أسمى أهداف بعثة الأنبياء والرسل عليهم السلام، لكن طوفان الفساد في آخر الزمان حمل من الأوبئة الخلقية الشيء الكثير، حمل الكذب، فالمجتمع يكذب كلما تنفس، جماعات وأفراداً، حمل الكذب والدجل، والحسد والنفاق، والفسق والفجور، والظلم والخيانة، والحمية والعصبية، والغش والتدليس، والطمع والجشع، والمكر والحيلة، والفحش والخلاعة، والحرص والبخل، والترف والتبذير، وسوء الظن بالله تعالى والرياء، وعقوق الوالدين وإهمال الأولاد، وأكل السحت والمال الحرام، وأكل مال اليتيم ظلماً، إن ظاهرة النفاق التي تحدث عنها القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة بشكل مطول تعني خللاً في مطابقة الأقوال للمعتقدات، وهذا هو النفاق الاعتقادي الذي يخرج صاحبه من الملة، أما التباين بين الأقوال والأفعال فيعبر عنه بالنفاق العملي، وهذا شاع كثيراً في المجتمع، ومهمة التنمية الأخلاقية تطهير حياة المسلمين من كل هذا.

 

 

من مصادر السعادة: الانسجام بين القول والمعتقد

 أيها الإخوة الكرام، السعادة هي أهم مصدرٍ نبحث عنه جميعاً، فما من واحد على وجه الأرض من الستة آلاف مليون إلا ويتمنى السلامة والسعادة، لذلك إن أهم مصدر للسعادة والهناء انسجام واقع المرء مع ما يعتقد، هذا الشرخ بين ما تعتقد وبين واقعك، بين ما تقول وبين ما تفعل، بين ما أنت فيه في جلوتك وما أنت فيه في خلوتك، بين أن تؤدي شيئاً أمام الناس، وبين أن تتركه وحدك في البيت، انسجام المرء مع ما يعتقد أحد مصادر السعادة، عندئذ يشعر المرء بتيار يجتاحه من البهجة والارتياح والأمن كلما تخطى عقبة من العقبات التي تحول بينه وبين التناقض مع مثُله وقيمه العليا.

 

 

لهذا السبب ينتحر مثل هؤلاء

 أيها الإخوة الكرام، إن الملذات الحسية لا تخترق غشاء القلب، ففي موقع معلوماتي دراسة مستفيضة لعدد كبير جداً من أعلام الأرض انتحروا لأنهم بلغوا أعلى درجة من الدخل والسمعة والشهرة، لكنهم ما عرفوا ربهم، وما عرفوا سر وجودهم، ولا غاية وجودهم، فانتحروا مللاً وسئماً وضياعاً.

 

 

السعادة الحقيقة

 أيها الإخوة الكرام، إن الملذات الحسية لا تخترق غشاء القلب، بل ولا تحوم حوله، لكن الذي يملأ كيان المرء بالسعادة والطمأنينة هي نشوة الانتصار على الأهواء والمغريات، وضغوطات الشهوات والمصالح، لماذا كان سيدنا يوسف النبي الكريم قمة في العفة ؟ لأنه انتصر على شهوته، ولولا أن الأنبياء تجري عليهم كل خصائص البشر لما كانوا سادة للبشر، لقد انتصروا على أنفسهم، وأي مؤمن ينتصر على نفسه، وينتصر للحق وعلى نفسه يتألق، ويذيقه الله حلاوة الإيمان التي إنْ فقَدها الإنسان شقي ولو ملك كل شيء، وإن نالها الإنسان سعد بها ولو فقد كل شيء.

 

 

من أين تُجلب السعادة الحقيقية ؟

 إن السعادة الحقّة، دققوا في هذه الكلمة، لا تجلب أبداً من الخارج، إنما هي شعاع من نور يولد، ويكبر في داخل الإنسان، ويضيء جوانب الحياة كلها، ويجعلها أكثر قيمة ومنطقية، وأكثر تهيؤاً للنمو والتقدم والاستمرار، كل ذلك مرهون بأوضاع تسود فيها الأحكام الأخلاقية، ويعلو فيها صوت الالتزام والاستقامة، وترفرف في أرجائها إشراقات النفس.
 دققوا في هذا المثَل: في بيت مئة جهاز كهربائي، أي جهاز يخطر في بالك تجده في البيت، لكن ليس هناك كهرباء، فما قيمة هذه الأجهزة ؟ لا شيء، إنها كتل معدنية عبء على صاحب البيت، أما إذا سَرَت الكهرباء، أي سرى الإيمان في النفس أصبح للزواج معنى، ولتربية الأولاد معنى، وللعمل معنى، وللحرفة معنى، وللنزهة معنى، ولكل شيء معنى.

 

 

دور القاعدة النفسية الأخلاقية في المجتمع

 أيها الإخوة الكرام:
 إن القاعدة النفسية الأخلاقية في أي مجتمع هي التي تتحمل الأثقال التي تنتج عن طبيعة الحياة المادية والاجتماعية، وعن الانتكاسات التي تصاب بها الأمة في ميادين الحياة المختلفة.
 إن هذه القاعدة هي التي تمكن الناس من تحمل الظروف الصعبة، ونحن في ظروف صعبة، من دون أن يتحللوا، أو ينحرفوا، فحينما يصاب الناس بضائقة اقتصادية شديدة فإن القاعدة الأخلاقية تدفعهم إلى إغاثة الملهوف، وإطعام الجائع، والصبر على المدين المعسر، إلى جانب التماسك الشخصي، وعدم الرضوخ لمقتضيات الظروف الصعبة، فتجد المسلم الحق يمتنع عن كل أنواع الكسب الحرام، وهو في أمس الحاجة إلى ليرة واحدة مع فاقته الشديدة، وذلك اتكاءً على ما لديه من قيم، ومن مقاومة إيمانية لدواعي التحلل.
 إن هذه القاعدة الأخلاقية هي الرصيد الاحتياطي الضخم الذي تعتمد عليه الأمم في ترميم العديد من أنواع الخلل في حياتها، ومن هنا ندرك حجم الجريمة التي ارتكبت في حق هذه الأمة حينما دفعت دفعاً من قبل أعدائها على مستوى التنظير، وعلى مستوى العمل إلى أن تجعل القيم الأخلاقية والنفسية في المرتبة الدنيا من اهتماماتها، فلما واجه الناس ما واجهوه من ضائقات العيش، ومن شح في المتطلبات لم يجدوا لديهم سنداً خلقياً كريماً يعتمدون عليه في الصمود أمام المغريات، وأمام أسباب الانحدار المختلفة.

 

 

العقوبات الصارمة لا تنشئ مجتمعا بل تحميه

 أيها الإخوة الكرام، لا بد من أن نكون على يقين في أن أفضل النظم الاجتماعية أقصى العقوبات الصارمة لا تستطيع أن تُقوم الاعوجاج، وهذا ما تفعله بعض الدول النامية، تسن قوانين في منتهى القسوة من أجل تقويم الاعوجاج، ولعل النية طيبة، ولكن لن يكون في إمكان أفضل النظم الاجتماعية، ولا في إمكان أقصى العقوبات الصارمة أن تقوّم الاعوجاج، ولا أن تملأ الفراغ الناشئ عن ذبول النفس، وضعف الإيمان، وانحطاط القيم، فالعقوبات الصارمة لا تنشئ مجتمعاً، لكنها تحميه، والنظم مهما كانت محكمة ومتقنة لن تحول دون تجاوز الإنسان لها، لا بد من أن نكون على يقين أن تيار الشهوات، وهو الآن في أعلى درجة، والنزوات الجارف لا يمكن أن يقابل إلا بتيار إيماني متدفق من المشاعر والأحاسيس الإنسانية، فوظيفة الفكر الدلالة على الطريق، وعلى الأساليب، والأدوات المناسبة للعمل، ولكن الذي نستمد منه الطاقة الفكر والتنظير، والتحليل والتأمل دلالة على الطريق، أما الذي يجعلك تتحرك، وتمشي، وتأتمر، وتنتهي، وتلتزم فهو شيء آخر، لكن الذي نستمد منه الطاقة على الاندفاع في طريق الخير والقوة على كبح جماع الشهوات هو الإيمان العميق، ورصيدنا من المشاعر الحميمة التي هي ثمرة الاتصال بالله، وإن كثيراً من الشباب الذين جرفهم تيار الجنس والمجون والخلاعة لم يكونوا بحاجة إلى أدلة على فضل العفة والاستقامة، إنما كانوا بحاجة إلى شيء من المعاني التي تفيض على القلب بسبب تذوق طعم العبودية الحقة لله تعالى والإحساس الصادق بمعية الله تعالى لهم وإطلاعه عليهم.

 

 

الماديات لا توفر مجتمع السعادة

 حين يبلغ التقدم التقني أقصى مداه ويشعر المرء بالتخمة من أدوات التحكم عن بُعد، وكل ما يجعل الحياة خالية من التحديات حينها تنبعث في النفس أشواق قديمة جديدة هي أشواق النفس إلى ما وراء المادة.
 ذكرت مرة ومراراً أنه في أثناء افتتاح الجسر الأول في استنبول الذي يربط آسيا بأوربا، والذي يعبره في اليوم أكثر من أربعمئة ألف سيارة، في أثناء افتتاح الجسر، المهندس الذي يعد أحد خمسة مهندسين في العالم ألقى بنفسه في البوسفور وانتحر، فلما ذهبوا إلى غرفته في الفندق قرءوا ورقة كتب عليها: "
 ذقت كل شيء في الحياة فلم أجد لها طعماً أردت أن أذوق طعم الموت "، لو أنه عرف الله، واتصل به، وجعل من عمله عبادة، وابتغى الدار الآخرة لكان أسعد الناس.
 أيها الإخوة الكرام، هناك فراغ في النفس لا يملؤه المال، ولا السلطة، ولا المكانة، ولا الوجاهة، ولا المتعة، ولا الشهوات، هذا المكان الفارغ لا يملؤه إلا الإيمان بالله عز وجل.
 أيها الأخوة، الآن نحن نتطلع إلى خيمة، لكن فيها رحمة، ما فيها قتل، كل يوم مئة قتيل، الناس لا يتحملون منظر الدماء والاعتقال والقهر والتعذيب والظلم، نتمنى خيمة فيها رحمة، نتمنى بيتاً من اللبن فيه صدق، كل ما نسمعه كذب في كذب.

 

 

بماذا يشعر الإنسان عند التخمة الحضارية ؟!!!

 أيها الإخوة الكرام، حينما يشعر المرء بالتخمة من أدوات التحكم عن بعد، وكل ما يجعل الحياة خالية من التحديات حينئذ تنبعث في النفس أشواق قديمة جديدة هي أشواق النفس إلى ما وراء المادة، غير البيت الفخم، غير المركبة الفارهة، غير الزوجة الجميلة، غير الحفلات، غير الفنادق، غير السفر، غير السياحة، يريد اتصالاً بالله، يريد سكينة تلقى في قلبه، يريد طاعة لله، يريد إنابة له، يريد إقبالاً، يريد أن يشعر أن الله يحبه، يريد أن يشعر أن خطه البياني صاعد، يريد أن يرى الموت نقطة تحول من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، من الحيرة إلى الوجدان، من متاعب الدنيا إلى نعيم أهل الجنة.
 أيها الإخوة الكرام، نحن في أمسّ الحاجة إلى عالم التعاطف، إلى عالم التضحية لبعض المكاسب من أجل استمرار حياة الجميع، وشهد الله أنني في هذه البلدة أعتز بها، لأن العطاء فيها كبير، والبذل سخي، والناس يبحثون عن عمل صالح، وهذا من فضل الله علينا في هذه البلدة.

 

 

ما هي الجهة الحاكمة على الخلق تحسينا وتقبيحا

 إن الأخلاقيين اليوم هم القادة غداً، إن الإسلام يعلمنا ـ دققوا في هذه الكلمة ـ أنه بالإمكان تصحيح المسار قبل أن نرتطم بقاع الهاوية، كما يعلمنا أنه بالإمكان أن نتحول من الخسارة إلى الربح قبل أن يصبح الرصيد صفراً، وذلك إذا أصغينا إلى نداء الفطرة في أعماقنا، وضغطنا على بعض حاجات الجسد من أجل إنعاش النفس، وفكرنا ملياً بما هو آت، لا بد من القول: إن المسألة الحاسمة في مجال الأخلاق هي إطارها المرجعي، بمعنى: ما الجهة التي نستمد منها الحكم على حسن الخلق أو على قبحه ؟ وما الجهة التي ستتولى الإثابة أو المعاقبة على ذلك الخلق ؟ الجهة التي نستمد منها تقييم الخلق والجهة التي تعاقب، أو تثيب في العالم الغربي، ونحن تبعناه، ولو دخلوا جحر صب لدخلتموه.

 

 

من نتائج تحكيم العقول في تقييم الأخلاقيات

 في العالم الغربي تحول الإطار المرجعي للأخلاق من الوحي إلى العقل، وهذا العقل بعيداً عن الوحي يقود إلى مبدأ خطير جداً، هو مبدأ النسبية في الأخلاق، حيث أصبح الطريق ممهداً لتحويل الرذائل إلى فضائل بالعقل، الآن في كل فترة زمنية دولة تسن قانونًا بأن العلاقة المثلية شرعية، لذلك سفراء دول حينما يحضرون حفل بعثتهم إلى الخارج كسفراء معهم شريكهم الجنسي محترم جداً، وزراء يقولون: نحن شاذون جنسياً، لذلك العقل يحوّل الشيء الشائع إلى تشريع.
 أيها الإخوة الكرام، أصبح مثلاً النمو الاقتصادي صنماً يعبد من دون الله، وتقدم له كل القرابين، لا شك أن علينا أن نبذل جهوداً ضخمة لإحياء أخلاق جديدة تلبي شروط العيش في عصر معقد، وتستند في الوقت نفسه إلى المبادئ الإسلامية، والقيم الإسلامية، إلا أن التقدم الحاسم في المجال الأخلاقي ربما كان بحاجة إلى إحراز تقدم في المجالات السياسية والحضارية، حيث إن التخلف نفسه يحول دون إبداعات أخلاقية أصيلة.

 

 

خطورة الثقافة العلمانية

 مما لا يخفى أيها الإخوة أن الثقافة العلمانية، وكثيراً من الثقافات التي فرضت علينا أهملت الجانب الأخلاقي إهمالاً شبه تام، وذلك نتيجة للتأثر بفلسفة وضعية جعلت العلم المادي هدف كل تقدم، وصار هذا العلم المادي علماً وأخلاقاً وأدباً وقيماً، وصارت الأخلاق الأصيلة الإسلامية، تصور على أنها قيود مفروضة بسبب الجهل، وعطالة التقاليد، وأنك ضعيف لأنك أخلاقي، أو أنك أخلاقي لأنك ضعيف، وأن أخلاق المسلمين أفقدتهم المقدرة على استيعاب الحضارة الحديثة، وصارت الأخلاق كما تصورها التيارات العلمانية تعني سذاجة في الشخص، وبساطة في تركيبه، وتثير الشك في صدق موقفه، بل ربما دفعت إلى اتهامه بشتى التهم.

 

بعض الأمراض الأخلاقية الشائعة

 أيها الإخوة الكرام، نتيجة لتهميش كثير من كتابنا القضايا الأخلاقية، ونتيجة لسوء التخطيط، وسوء الظروف المعيشية لكثير من الناس سادت لدينا أمراض أخلاقية عديدة وخطيرة، نذكر بعضاً منها على سبيل المثال لا الحصر:

 

1 – العيش البهيمي:

 إن كثيراً من الناس اليوم يعيش دون أهداف سامية، فتأمين حاجاته الضرورية هو شغل الناس الشاغل، وامتلاك بيت صغير يعد نصراً كبيراً في معركة شرسة، البيت الشعري الذي دخل فيه صاحبه السجن في عهد عمر هو شعار كل إنسان اليوم.

 

 

دَعِ المَكارِمَ لا تَرحَل لِبُغيَتِهــــا  وَاِقعُد فَإِنَّكَ أَنتَ الطاعِمُ الكَاسِي
***

 تأمين بيت وزوجة تروق له، ودخل، وشهوات، وانغماس في الملذات، هذه كل أهدافه، هذا مبلغ علمه، ومحط رحاله.
 أيها الإخوة الكرام، صار الواحد من الناس أشبه بالحيوان البري الذي يقضي حياته في حديقة الحيوانات، فهو ليس معزولاً عن بيئته الطبيعية فحسب، بل هو معزول عن أعماق ذاته، عن هويته، عن سر وجوده، عن غاية وجوده، طعام وشراب، وسهر إلى ما بعد منتصف الليل في متابعة مسلسلات، ماذا تبث هذه المسلسلات ؟ تدعى فتاة إلى بيت لا تعرفه، تخاف على نفسها، وعلى عفتها، تطمئنها رفيقتها، هذا الغشاء يرقع، لا تخافي، مثلاً، هذا بثّ في مسلسل، ماذا تفعل بنا هذه المسلسلات ؟ تطرح قيماً جديدة، قيماً إباحية، وقيماً إلحادية بشكل مبطن.

 

 

2 – ضعف الإحساس بالواجب:

 أيها الإخوة الكرام، يعاني السواد الأعظم من الناس من ضعف الإحساس بالواجب، وهو المبدأ الذي يتجاوز المصلحة المباشرة والفردية، ليعكس تسامي الإنسان أو قدرته على الالتزام تجاه غيره، والتضحية من أجل غيره، هناك انتماء فردي، وقلما تجد انتماء اجتماعياً، انتماء للمجموع، قلما تجد إنساناً يحمل همَّ المسلمين، يرى على الشاشة ما يجري في العراق وفي فلسطين وفي أفغانستان وفي لبنان في أثناء الحرب، وتقام الحفلات في الفنادق، وفي المزارع، وكأن شيئاً لا علاقة لنا به إطلاقاً، لقد انتهى شعور الانتماء للجماعة، وجاء الشعور الفردي، هذه حقيقة مرة ينبغي أن تدفعنا إلى التفوق لا إلى اليأس.

 

 

3 – ذبول الروح الجماعية:

 أيها الإخوة الكرام، هناك فريق من المسلمين من نوع آخر يعاني على الصعيد الحضاري من ذبول الروح الجماعية لديه، ينزع باستمرار إلى نوع من الانطواء على الذات، انعزالي، منسحب، متقوقع، يقول: لا دخل لنا، لا علاقة لنا، كله ترتيب سيدك، هذا أيضاً مرض، الانسحاب مرض السلبية، مرض التنظير من دون عمل مرض، الإعجاب السلبي بالإسلام مرض، هذه كلها أمراض.

 

 

4 – نظرة الازدراء للعمل الإبداعي:

 أيها الإخوة الكرام، إلى جانب ذلك هناك عادات سيئة عديدة تتعلق بالعمل والاستهلاك، إن كثيراً من الناس ينظرون نظرة ازدراء للعمل الإبداعي، كما أن هناك رغبة قوية لشراء العقارات، وشراء السيارات، والإنفاق الترفي والبذخي الذي لا تتحمله موارد الأمة، فكل نشاطاتنا الاقتصادية سياحية، مطاعم، فنادق، منتجعات سياحية، هكذا، أما صناعة استراتيجية تقوي شأننا، وتعطينا حرية في اتخاذ القرار فهذا نحن بعيدون جداً عنه.
 هناك أمراض خلقية كثيرة على صعيد العلاقات بين الناس قطع الرحم الجفاء بين الأهل والجيران، الحسد الكبر، حب الاستئثار، الانفراد بالخيرات العامة والمشتركة، مشكلات الازدحام، شح الموارد، تراجع التربية الخلقية، ضعف الإحساس بالأهداف الكبرى، سوف يولد المزيد من التأزم النفسي والمزيد من الأمراض الخلقية.

 

 

5 – رض انفصام الشخصية:

 أيها الإخوة الكرام، يكاد يصل نصف الناس إلى أمراض نفسية إلى انفصام شخصية، نصف نساء هذا البلد بلا أزواج نصفهم، كان الطلاق في بلدنا خمسة عشر بالألف، فصار خمسة عشر بالمئة، وأحدث رقم خمسون بالمئة، فكل مئة زواج خمسون بالمئة منها تنتهي إلى الطلاق، من التفلت، والرغبة المادية، وطلب اللذة العاجلة، وإغفال الآخرة كلياً.

 

 

ضرورة معالجة أسباب الانحدار الأخلاقي

 إن الانحدار الأخلاقي كثيراً ما يكون صدًى لأزمات يمر بها المجتمع، فقد تنتشر الجريمة بسبب ضائقة اقتصادية، أو كبت شديد، أو وجود نماذج اجتماعية مغرقة في البذخ والترف، هذا كله يوصلنا إلى قناعة بضرورة ألا نعزل أنفسنا عن معالجة القضايا الأخلاقية إلى القضايا الأخرى، ينبغي أن نصرف انتباهنا إلى حقيقة أخرى تتصل بالمسألة الأخلاقية وهي أن لكل أمة سُلّماً قيمياً ترتب فيه أخلاقها في ضوء أمرين، في ضوء مبادئها وحاجاتها، فظروف الصحراء والبداوة حملت العرب في الجاهلية على وضع الشجاعة والكرم في أعلى السلم القيمي، وحينما جاء الإسلام لم يخرج هاتين الخصلتين من سلم الفضائل، لكنه غيّر موقعهما في التشكيل الجديد، حيث صارت التقوى المعيار الأهم في الدلالة على الفضل والسبق وفي المجتمعات الصناعية الحديثة، هناك ميل قوي إلى جعل الدقة والإتقان والفاعلية والإنجاز والمهارة والنجاح في أعلى السلم القيمي.

 

 

لا بد من مدخل جديد للتنمية الأخلاقية

 والذي نريده، أننا اليوم في أمسّ الحاجة إلى إيجاد مدخل جديد للتنمية الأخلاقية، يقوم على منح بعض الثوابت القيمية والأخلاقية معاني جديدة، أو اهتمامات خاصة لبعض مدلولاتها بغية التخفيف من حدة وطأة التخلف الذي يجتاح حياة المسلم، فالتقوى في حياتنا المعاصرة بحاجة إلى إثراء مفرداتها كي تتناول بعض الفروض الحضارية، الإسراع إلى العمل، إتقان العمل، تطوير العمل، المحافظة على الوقت، حسن إدارته، العمل المؤسساتي، ترسيخ مفهوم فريق العمل، الالتزام بالمواعيد، حسن التصرف بالإمكانات المتاحة، ترشيد الاستهلاك، هذه قيم في أصل ديننا يجب أن نفعلها، وأن ندخلها في إطار التقوى.

 

 

دور التربية والموعظة في المنظومة الأخلاقية

 ويمكن أيها الإخوة الكرام، من خلال التربية والموعظة الحسنة أن نجعل المسلم يشعر بحلاوة الإيمان وحلاوة الالتزام من خلال القيام بهذه الأعمال التي تقضيها طبيعة العصر، كما يشعر تماماً عندما يضع صدقة في يد فقير، أو عندما يقوم الليل والناس نيام، فالتجديد النفسي والأخلاقي ليس نسخ أخلاقٍ، وإحلالَ أخلاق أخرى في موضعها، إنما هو توسيع في مدلولات بعض المفهومات الأخلاقية، ومنحها أهمية أكبر في النسق الأخلاقي العام.
 أيها الإخوة الكرام، لا توجد أمة ليس لها مبادئ محددة تعوّل عليها في الضبط الاجتماعي، وفي ترجيح ممكن على ممكن آخر، كما أنه ليس هناك أمة تخطط لجعل واقعها حرباً على مبادئها، وقد ضربت أمة الإسلام أروع الأمثلة في هذا السبيل مما ليس له نظير، ومع الإدراك العميق للصعوبات الكثيرة التي تواجه من يريد إحداث تقدم أخلاقي ممتاز في وسط متأزم لابد من ذكر بعض المبادئ والشروط والأساليب التي نظن أنها ذات تأثير في تحسين المستوى النفسي والخلقي لأمتنا والرقي به.
 أيها الإخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

 

 

* * *

الخطبة الثانية
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل و سلم وبارك على سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين.

معالم تجديد الانطلاقة الأولى

 أيها الإخوة، أمة الإسلام اليوم تحاول أن تنطلق نحو آفاق واسعة المدى، إن أرادت كذلك فعليها أن تجدد مضامين الانطلاقة الأولى التي أشعل شرارتها النبي عليه الصلاة والسلام وأهل القرون الخيرة من بعده، وهذا في الحقيقة يحتاج إلى رواد، وإلى دعاة، وإلى علماء من نوعية خاصة، ومع أن كثرة عددهم أمر مهم جداً، إلا أن نوعية المواصفات والأخلاق التي يجب أن يتحلوا بها تظل أهم من كثرة عددهم، فالصحابة الكرام الذين تلقوا تربية مكثفة ومتميزة عن النبي عليه الصلاة والسلام قد لا يتجاوزون بضعة ألوف، ولكن خصوصية سماتهم وأخلاقهم جعلت منهم قدوة فريدة أمكنها أن تحمل بناءً ضخماً متطاولاً، وما زلنا إلى اليوم نقتبس من بركات تلك القدوة وهديها.

 

1 – العودة إلى الينابيع الأصلية:

 من سمات هذا الذي يريد أن يصلح من شأن الأمة لا بد من عودة إلى الينابيع الأصيلة، لا بد من أن توقد فينا شرارة أوقدها النبي في أصحابه.

 

 

2 – الصلة القوية بالله عزوجل:

 ملامح ورقة العمل التي تنتظرنا صلة قوية بالله جل وعلا تغمر كيان المسلم تنقل إيمانه من حيز الدائرة العقلية والتصديق القلبي إلى حيز الشعور، والمعبر عنه في حديث مسلم في الإحسان:

 

(( أن تعبد الله كأنك تراه ))

[ مسلم عن عمر ]

 وهذا لن يتأتى إلا من خلال العبادات المكثفة، حيث إن الإيمان أشبه شيء بشجرة وارفة الظلال، كلما أردنا لهذه الشجرة أن تكبر، وأن تمتد أغصانها في كل اتجاه كان علينا أن نسقيها أكثر، وماؤها هو العبادات والنوافل والأذكار، وهذه السمة كانت واضحة جداً في حياة الصحابة رضوان الله عليهم، وسمة واضحة جداً في السلف الصالح عامة، إن الإيمان الحي المتدفق هو الطاقة العظمى التي نحتاجها في مرحلة الإقلاع، وليس سمة بديل آخر.

 

3 – الصبر و طول النفس:

 الصبر و طول النفس، حيث إن الواقع الرديء الذي نعيشه ما هو إلا خلاصة لتراكمات أخطاء قرون عديدة، وحتى يتحسن ذلك الواقع بصورة جيدة، فإنه يحتاج إلى زمن وجهد، وقد صرح القرآن الكريم به حينما قال:

 

﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ﴾

[ سورة السجدة: 24]

 وأحياناً يسيطر على الناس اليأس بسبب طول الطريق ومشاقه، وبسبب شعورهم بأن التحسن ضعيف أو معدوم، أما الرواد، أما الدعاة الصادقون، أما العلماء الربانيون فإنهم لا ينظرون أبداً إلى ما قطعوه من الطريق، ولا إلى ما تبقى منه، إنما يستغرقهم، ويسيطر عليهم الانشغال بواجب الوقت، والانشغال بتصحيح المسيرة، وهم بعد ذلك يشعرون أنهم لم يقدموا سوى جزءاً يسيراً من المطلوب، ولكنه جهدهم الذي يملكونه، وينتظرون من الله عز وجل أن يتقبله.

 

4 – الإعراض عن متاع الدنيا وشهواتها:

 الإعراض عن متاع الدنيا وشهواتها، ومع أن قدرًا من ذلك مطلوب من كل مسلم إلا أن للرواد شيء آخر، فهم أحقّ الناس بالتقلّل قدر الإمكان من متاع الحياة الدنيا، بما لا يصل إلى حد الحرمان، ويظل المهم هو شعور الناس بتميز هذه الفئة المباركة في أسلوب عيشها وفي مقاييسها للرقي الاجتماعي.
 إن الأمة في هذه المرحلة بحاجة ماسة إلى المال كي تشيد المرافق العامة، والمدارس، والجامعات، وهي بحاجة إلى من يوضح لها بطريقة علمية منهجية جديدة في العيش بعيدة عما اعتاده كثير من الناس من البذخ والترف، وإنفاق المال بغير حساب، ولا أدنى شعور بالمسؤولية.

 

 

5 – التضحية والعطاء السخي والكرم الذاتي:

 التضحية والعطاء السخي والكرم الذاتي سمات مهمة فيمن يتصدى للنهوض بهذه الأمة، فعلى الرغم من أن هذه المعاني عميقة في ثقافة المسلم، ومتغلغلة في وجدانه إلا أن الناس يبحثون دائماً عن القدوة والنموذج المحسوس، ولو أن المبادئ تغير حياة الناس لما بعث الله عز وجل الرسل، ولا أنزل الكتب، لكن مضت سنته في خلقه بأن لسان الحال أبلغ من لسان المقال، وأن المحسوس أسهل في الإدراك وأعظم في التأثير من المجرد، فحال موصول بالله في ألف أبلغ من مقال ألفٍ في واحد.

 

 

المشكلة: نكون أو لا نكون

 أيها الإخوة الكرام، مشكلتنا نكون أو لا نكون، أعداؤنا يريدون إفقارنا وإضلالنا، وإفسادنا وإذلالنا وإبادتنا، وكل ما يجري حولنا يؤكد هذه الحقيقة، لا بد من صحوة، لا بد من يقظة، لا بد من توبة، لا بد من صلح مع الله، لا بد من عودة إلى أصول هذا الدين، إلى الكتاب والسنة، لابد من أن تلزم الجماعة، لا بد من أن تبذل شيئاً من وقتك، من علمك، من مالك، لا بد من أن تتألق عند الله، حينما تشعر أن الله يحبك، وأنك في خدمة عباده، فهذا الشعور وحده يسعدك في الدنيا والآخرة.

 

 

الدعاء

 أيها الإخوة الكرام، إني داع فأمنوا، اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك، ونتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، خذ بيد ولاة المسلمين لما تحب وترضى يا رب العالمين، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018