الدرس : 13 - سورة الصافات - تفسير الآيات 149 - 163 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 13 - سورة الصافات - تفسير الآيات 149 - 163


1992-11-20

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الأكارم، مع الدرس الثالث عشر من سورة الصَّافَّات، ومع الآية الثامنة والأربعين بعد المائة، يقول الله جلَّ جلاله:

﴿ فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمْ الْبَنُونَ(149)أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ(150)أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (152) أَاصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ(153) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(154)أَفَلَا تَذَكَّرُونَ(155) ﴾

مقدمة:

1 ـ العقل قوام الإنسان:

 بعد أن بيَّن الله جلَّ جلاله في الآيات السابقة قِصَصَ عددٍ من الأنبياء والمُرسلين، وكيف وقفوا موقف الدعاة إلى الله عزَّ وجل، وكيف تلقَّوا من أقوامهم التكذيب والسخرية، وكيف أن الله جلَّ جلاله نصرهم على أعدائهم، وكان الفوز في النهاية لهم، ينهي ربنا هذه السورة بهذه المناقشة المنطقيَّة.
 وقبل أن نمضي في تفسير هذه الآيات بفضل الله جلَّ جلاله، لابدَّ من كلمةٍ حول قِوام الإنسان، وهو عقله، ومن لا عقل له لا دين له، ومن لا دين له لا عقل له، و..

(( إن الرجلين ليستوي عملهما وبرهما وصومهما وصلاتهما، ولكنهما يتفاوتان في العقل كالذرة في جنب أحد، وما قسم الله لخلقه حظا هو أفضل من العقل واليقين ))

[ من كنز العمَّال عن طاووس مرسلا ]

 وما خلق الله خلقاً أحبَّ إليه من العقل، لأن العقل كما قال الإمام عليّ رضي الله عنه: << العقل أصل الدين >>، لأنك إذا عقلت استسلمت، وإن استسلمت سعدت، دائماً أحبُّ أن أُلخِّص الدين بكلماتٍ ثلاث: إدراكٌ، سلوكٌ، سعادة، لن تستطيع أن تستسلم، لن تنصاع لأمر الله عزَّ وجل، لن تستسلم له، لن تطيعه، لن تحبَّه إلا إذا عرفته، وطريق المعرفة العلم، لذلك:

 

(( طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ))

 

[ من سنن ابن ماجة عن أنس بن مالك ]

2 ـ العلم طريق إلى الله:

 الله جلَّ جلاله هو المقصد النهائي، إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي، وما دام الله جلَّ جلاله هو المَقْصِدُ والمَطْلَب، إذاً أخطر شيءٍ في هذا الموضوع الطريق إليه، ما دام هو المقصد، هو المطلَب، هو الهدف، هو المراد، إذاً أخطر شيءٍ بعد هذا المَطْلَب الطريق إليه، الطريق إليه هو العلم، قال تعالى:

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ﴾

( سورة محمد: من الآية 19)

﴿ يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾

( سورة المجادلة: من الآية 11 )

 والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلَّك.
 في الكون حقيقةٌ، هي كل شيءٍ في الكون، هذه الحقيقة هي الله عزَّ وجل، فأخطر شيءٍ بعد هذه الحقيقة الطريق إليه، الطريق إليه هو العلم، فحجمك عند الله بحجم عملك.

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

( سورة الأحقاف: من الآية 19)

 وحجم عملك بحجم علمك.

﴿ يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾

( سورة المجادلة: من الآية 11)

 تتعلَّم، تعمل، تسعد، إذاً: فيما يبدو أن أول خطوةٍ في طريق الإيمان خطوة العلم بالله عزَّ وجل، بعد العلم بالله تأتي الطاعة، تأتي الاستقامة، يأتي العمل الصالح، بعد الطاعة والاستقامة والعمل الصالح تأتي السعادة في الدنيا والآخرة، وأداة العلم العقل، العقل أداة معرفة الله ومناط التكليف، وإذا أخذ الله ما أوهب أسقط ما أوجب، والنبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة جداً حدَّثنا عن قيمة العقل، وقد لا تصدِّقون أن في القرآن الكريم ما يقرُب من ألف آية تتحدَّث عن العقل، وعن الفكر، وعن المحاكمة، لذلك ربنا عزَّ وجل حينما قال:

﴿ فَاسْتَفْتِهِمْ ﴾

فَاسْتَفْتِهِمْ

1 ـ لابد من المحاكمة العقلية:

 أي أين عقلك ؟ أين محاكمتك ؟ أين هذه الجوهرة الثمينة التي وهبك الله إيَّاها ؟ لماذا تعطِّلها ؟ لماذا تحقرها حينما تعملها في أهدافٍ سخيفة ؟
 الإنسان أيها الإخوة حتى لا تستهلكه الحياة، حتى لا يكون من عمل إلى عمل، من لقاء إلى لقاء، من صفقة إلى صفقة، من طَور إلى طور، ثم يُفاجأ أن ملك الموت يطرق عليه الباب، ويقول له: تفضَّل معنا، لئلا يكون الموت حدثاً صاعقاً، يجب أن يكون للإنسان مع نفسه جلسات تأمُّل، فلو فرضنا أن الإنسان كان في غيبوبة، كان مخدَّراً، كان في حالة إغماء، فاستيقظ ورأى نفسه في قطار، والقطار متحرِّك، أليس هناك سؤالٌ خطيرٌ جداً: لماذا أنا في هذا القطار ؟ وإلى أين يسير القطار؟ وأين محطَّته الأخيرة ؟ ومن أيَّة محطَّةٍ انطلق ؟ ما هذا القطار ؟ قطار من؟ ومن أنا ؟
 و حينما خُلِقَ الإنسان في هذه الدنيا، وحينما أدرك، وجد نفسه كائناً متحرِّكاً، في مدينة، له أب، له أم، ألا ينبغي أن يسأل: مَن خلقني ؟ ولماذا خلقني الذي خلقني ؟ ولماذا جعلني في الدنيا ؟ وماذا بعد الدنيا ؟ هذا الذي يعطِّل فكره تستهلكه الحياة، وينتهي أجله عندئذٍ يَقْدمُ على الآخرة صفر اليدين، عندئذٍ ينطبق عليه قوله تعالى:

﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذ لاَ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ(25)وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ(26) ﴾

( سورة الفجر )

 فلا يوجد إنسان بحكم أنه نشأ في بلاد إسلاميَّة، واستمع إلى خطبٍ كثيرة، وإلى دروس، وقرأ، والتقى، وجلس، وسافر، هناك في مخيلته مجموعة تصوُّرات عن الدين، بعد أن أدرك هذا الإنسان سنَّ الرُشد، بعد أن أكرمه الله بالمعرفة ينبغي أن يراجع كل هذه التصوُّرات، بعضها صحيح، وبعضها غير صحيح.
 الشيء الذي يَلفت النظر أن هناك أناساً على درجة عالية من الثقافة، أو على درجة عالية من الذكاء، ومع ذلك يعتقدون اعتقاداتٍ فاسدة، عندهم تصوُّرات غير صحيحة.
 هذا كلام الله بين أيدينا، هذا هو المقياس، هذا هو الحق المبين، هذا هو الصراط المستقيم، هذا هو حبلُ الله المتين، هذا الكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلذلك ينبغي أن نتمسَّك به، وأن نجعله مقياساً لكلِّ ما نعتقد، أن نجعله مقياساً لكل ما نتصوُّر، تصوُّراتنا، اعتقاداتنا، فلسفتنا، قيمنا، يجب أن نَزنها بهذا الكتاب، فهناك في الجاهليَّة من يعتقد أن الله سبحانه وتعالى اصطفى البنات على البنين، هناك من يعتقد أن الله ولَدَ البنات..

 

﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ﴾

 

( سورة النحل )

 هو يكره البنات، ويقول: الملائكة بنات الله، عزا إلى الله شيئاً يكرهه هو، هذه..

﴿ قِسْمَةٌ ضِيزَى(22) ﴾

( سورة النجم )

 ربنا عزَّ وجل في هذه الآية يدعونا إلى التفكُّر، يدعونا إلى المُحاكمة، الإنسان من حينٍ لآخر ينبغي أن يجلس مع نفسه ليتأمَّل، هذا الكون معجِز، هذا الكون لابدَّ له من خالق، لابدَّ له من مربٍ، لابدَّ له من مسيِّر، لابدَّ من هدفٍ كبير خُلقت من أجله، لابدَّ من مهمَّةٍ خطيرة أرسلك الله إليها، لابدَّ من أن تنتهي الحياة، لابدَّ من أن تعرف من الذي خلقك، من الذي أوجدك، فكأن هذه الآيات تدعونا إلى التفكُّر..

 

﴿ فَاسْتَفْتِهِمْ ﴾

 اسألهم، الله عزَّ وجل زوَّد الإنسان بقوَّةٍ إدراكيَّة، زوَّده بعقل، هذا العقل في أدقِّ تفاسيره أنه لا يفهم شيئاً حوله إلا بسبب، ولا يفهم شيئاً حوله إلا بغاية، وهناك أمثلة كثيرة، أيعقل أن يخرج إنسان من بيته لنزهة طويلة، وقد قَطَعَ الكهرباء عن البيت، يعود إلى البيت فيرى مصباحاً متألِّقاً، ويبقى ساكتاً ؟ لا يضطرب ؟ لأن عقله يقول له: لا يمكن أن يتألَّق المصباح إلا بفاعل، وبسبب، إذاً: هناك من دخل البيت، هذا هو العقل، فأنت لا تقبل أن يتألَّق المصباح في غيبتك، أتقبل أن كوناً عظيماً بسماواته، بأرضه، بما في الأرض من نباتات، بما فيها من حيوانات، بما فيها من مخلوقات لا تُرى ـ كالجراثيم والفيروسات ـ بما في تحت الأرض، بما في فوق الأرض، كل هذا من غير شيءٍ ؟

 

 

﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ(35) ﴾

 

( سورة الطور )

2 ـ لا تكن آلةً متحركة:

 أخطر شيء في الحياة أن يصبح الإنسان آلة متحرِّكة، والمدنيَّة الغربيَّة من مشكلاتها الخطيرة أنها تجعل الإنسان آلة، ولا سيما حينما تُبْنى المصانع على خطوط عمل، كل عامل له حركة بسيطة يقوم بها، فالإنسان حينما يُخْتَصَر عمله إلى حركةٍ بسيطة يصبح كالآلة، ويُعْطَّل فكره، فالإنسان لابدَّ له من ساعات تأمُّل..

﴿ قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾

( سورة يونس: من الآية 101 )

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ﴾

( سورة سبأ: من الآية 46)

 إذاً: لابدَّ من جلسة تفكُّر، لابدَّ من جلسة تأمُّل، لابدَّ من سؤال، لابدَّ من جواب، لابدَّ من محاكمة، لابدَّ من حوار، وحينما يعتقد الإنسان اعتقاداً صحيحاً يتحرَّك حركة صحيحة، وحينما يعتقد اعتقاداً صحيحاً يوقع سلوكه وَفْقَ اعتقاده، وهنا تكمن ميزة الإنسان.
 إذا قرأ الإنسان هذه الآية يشعر أن الله يدعونا إلى أن نحاكم، إلى أن نفكِّر، يدعونا إلى استعمال العقل.

﴿ أَفَلا تَعْقِلُونَ(138) ﴾

( سورة الصافات )

﴿ أَفَلا يَنْظُرُونَ ﴾

( سورة الغاشية: من الآية 17)

﴿ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ(50) ﴾

( سورة الأنعام )

﴿ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ(3) ﴾

( سورة الأعراف )

﴿ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ(6) ﴾

( سورة الزمر )

﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(154) ﴾

( سورة الصافات )

﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ(6) ﴾

( سورة الجاثية )

 الآيات التي تتحدَّث عن العلم والعقل والتفكُّر والمحاكمة تقترب من ألف آية في القرآن الكريم، وكما قلت قبل قليل: قوام المرء عقله، وسيدنا عمر بن عبد العزيز كان إذا دخل مجلس الخلافة يتلو قوله تعالى:

 

﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ(205)ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ(206)مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207) ﴾

 

( سورة الشعراء )

 الإمام الغزالي ناقش نفسه ذات مرَّة، قال: " يا نفس، لو أن طبيباً منعكِ عن أكلةٍ تحبينها، لا شكَّ أنك تمتنعين، يقول لنفسه: يا نفس أيكون الطبيب أصدق عندكِ من الله ؟! ".
الله عزَّ وجل منعك عن أكلات، منعك عن شهوات معيَّنة، منعك عن معاصٍ كثيرة، ألا تستحي من الله تتبع نصيحة الطبيب بحذافيرها، ولا تتَّبع توجيه الله عزَّ وجل في قرآنه ؟
 قال: " يا نفس لو أن طبيباً منعكِ عن أكلةٍ تحبينها، لا شكَّ أنكِ تمتنعين، أيكون الطبيب أصدق عندكِ من الله ؟! إذاً ما أكفركِ، أيكون المرض أشدَّ عندكِ من النار ؟ إذاً ما أجهلكِ ".
هذه المناقشة التي أجراها الإمام الغزالي تُبَيِّن أن الإنسان إن لم يطع الله عزَّ وجل فهو مدموغٌ إما بالكفر، أو بالجهل، إما جاهل أو كافر، وإذا كان الطبيب أصدق عندك من الله فهذا هو الكفر بعينه، وإذا كانت جهنَّم أهون عندك من المرض فهذا هو الجهل بعينه.
 إذاً يدعونا ربنا إلى إجراء محاكمةٍ عقليَّة، الصحابة الكرام حينما آمنوا بالنبي عليه الصلاة والسلام أجروا محاكمةً عقليَّة، سيدنا خالد عندما أسلم ـ أسلم متأخِّراً ـ النبي عليه الصلاة والسلام قال له كلمةًٍ دقيقةً جداً، ولها مدلول خطير، قال: " يا خالد عجبت لك، أرى لك فكراً "، أي لماذا تأخَّرت حتَّى الآن ؟ مثلك ينبغي أن يكون سَبَّاقاً إلى الإيمان، وكأن النبي عليه الصلاة والسلام رَبَطَ الإيمان بالعقل، ولذلك ورد عنه صلَّى الله عليه وسلَّم:

 

(( أن أرجحكم عقلاً أشدُّكم لله حبَّاً ))

 

[ ورد في الأثر ]

﴿ فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمْ الْبَنُونَ ﴾

أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمْ الْبَنُونَ

 هكذا على مزاجهم، هكذا وفق أخيلَتهم، وفق أوهامهم، البنات لله عزَّ وجل وهم يكرهونها، والذكور لهم وهم يحبُّونهم..

﴿ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمْ الْبَنُونَ(149)أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ ﴾

أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ

1 ـ ما أشهدَ اللهُ على خَلقه أحدا:

 هل كانوا معي حينما خلقت السماوات والأرض ؟ الله جلَّ جلاله يقول:

﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾

( سورة الكهف: من الآية 51 )

 ما كانوا معي.
 وضَّحت هذه الآية سابقاً بمثل: إنسان في السبعين من عمره يجلس مع أصدقائه، كان قد استلم محلاً، استلم محل بسوق الحميديَّة سنة الأربعين، سنة الخمسين تزوَّج، جاءه ولد، قال لأصحابه: أنا استلمت المحل بثلاثين ألفا منذ أربعين سنة، فقال الابن، وهو يجلس معه: لا، هذا غلط يا أبي، فنظر إليه الأب وقال: أنت هل كنت في ذلك الوقت ؟ أنت لم تكن، انتهى الأمر، هل كنت معي وقتها ؟ لم تكن مولوداً ؟ الله عزَّ وجل قال:

﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾

( سورة الكهف: من الآية 51 )

 أوهامهم، تصوُّراتهم عند بدء الخليقة، عن آدم، عن الملائكة، عن الجن، ما كانوا وقتها ـ و

﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ ﴾

2 ـ الغيبيات أساسها النصُّ:

 أنا أخبرتكم، هذه الموضوعات المتعلِّقة بالماضي السحيق، أو الموضوعات المتعلِّقة بالمستقبل البعيد، أو الموضوعات المتعلِّقة بما غاب عنَّا كعالَم الجِنِّ والملائكة، أو الموضوعات المتعلِّقة بذات الله عزَّ وجل، هذه موضوعات ما كان للإنسان أن يُحَكِّمَ بها عقله، أنت لم تكن في وقتها، إما أنك لم تكن، أو إنَّك لا تملك المؤهِّلات كي تحكم بهذا الموضوع، هذه موضوعات إخباريَّة، موضوعات سمعيَّة، فأن تقول: الملائكة إناث، والله عزَّ وجل ولَدَ الملائكة، فمن أمُّهم ؟ قال سيدنا الصديق: " من أمُّهم ؟ " هذا كلام سيدنا الصديق وقد ورد في بعض التفاسير، فهذه كلُّها أوهام، وأباطيل.
 هذا كلام دقيق جداً، الإنسان بعقله الذي أكرمه به الله عزَّ وجل، وأودع فيه هذا الجهاز العظيم، بهذا العقل يصل إلى الله وجوداً، ووحدانيَّةً، وكمالاً، وبهذا العقل يصل إلى الإيمان بالقرآن الكريم، كلام الله عزَّ وجل، وبهذا العقل يصل إلى الإيمان بمن جاء بهذا القرآن ـ بالنبيِّ عليه الصلاة والسلام ـ والقرآن أخبرنا عن أشياء كثيرة لا يستطيع العقل أن يدركها ؛ أخبرنا عن الماضي، أخبرنا عن المستقبل، أخبرنا عن ذاته، أخبرنا عما غاب عنَّا، فذات الله، وما غاب عنا، وما سبقنا، وما سيأتي، فهذه موضوعات لا يمكن أن تخضع للعقل، لأن العقل لا يملك وسائل التحقُّق منها، إلا أن الله جلَّ جلاله أخبرنا بكلامه المُنَزَّل على النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا الأمر كذا، وهذا الأمر كذا، فربنا يقول:

﴿ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ ﴾

 أكانوا مع الله حينما خلق الملائكة ؟

﴿ أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ ﴾

أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ

 من كذبهم، وافترائهم..

﴿ أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ(151)وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾

﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1)اللَّهُ الصَّمَدُ(2)لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(3)وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ(4) ﴾

( سورة الإخلاص )

 الله عزَّ وجل واجب الوجود، وهناك أشياء مستحيلة الوجود، وأشياء ممكنة الوجود، وما سوى الله ممكن الوجود، الله جلَّ جلاله واجب الوجود، نقيض أسمائه وصفاته مستحيلة الوجود..

﴿ أصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ(153) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾

أصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (153) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ

 سؤال: كيف يتوازن الإنسان ؟ كيف يستطيع أن ينام ؟ يستطيع أن يطمئن ؟ كيف يُحس بالراحة والطمأنينة وهو مقيم على معصية ؟ أو هو لا يدري من هو ؟ لا يدري كيف خُلِق، ولماذا خُلِق ؟ وإلى أين المصير ؟ هذه أسئلة خطيرة جداً، إن لم تجب عنها كيف ترتاح ؟ كيف تطمئن ؟ كيف تتوازن ؟

﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾

مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ

 فأنت ماذا فعلت بعقلك ؟ أفمن المعقول لإنسان يكون معه جهاز من أدق الأجهزة لكشف العملة المزيَّفة، ويقبض عملة مزيَّفة بمئات الألوف أو بالملايين، والجهاز في جيبه ولا يستخدمه ؟ وحينما يكتشف في ساعةٍ حرجة أن كل هذا النقد الذي بين يديه نقدٌ مزيَّف ولا قيمة له، عندئذٍ يُصْعَق، ماذا يقال له ؟ يقال له: معك جهاز، فلمَ لمْ تستخدمه ؟ أين جهازك ؟ أين الجهاز الذي أودع معك من أجل كشف النقد المُزَيَّف ؟

دعوة الإسلام متوافقة مع العقل السليم والفطرة السليمة:

 والإنسان عنده موازين عدة ؛ ميزان الفطرة، وميزان العقل، وميزان النقل، وميزان الواقع فهو لا يقبل فكرةً قبولاً ساذجاً، دون أن يمحصها، دون أن يزنها بميزان الشرع، دون أن يزنها بميزان المَنطق، بميزان الواقع، بميزان الفطرة، وكل فكرة فاسدة، أو اعتقاد فاسد، أو وهم فاسد يرده، ولا يرضى به.
 يقول أحد العلماء: " الشريعة عدلٌ كلُّها، مصلحةٌ كلُّها، رحمةٌ كلُّها، فأية قضيِّةٍ خرجت من العدل إلى الجَوْرِ، من المصلحة إلى المفسدة، من الرحمة إلى ضدِّها، هذه القضيَّة ليست من الشريعة، ولو أُدخِلَت عليها بألف تأويلٍِ وتأويل ".
 أحدهم مرَّةً قال: " ما قال النبي شيئاً وقال العقل: لا، وما نهى عن شيءٍ والعقل قال: نعم "، أبداً، فدعوة النبي متوافقةٌ توافقاً تاماً مع العقل، ودعوة النبي متوافقةً توافقاً تاماً مع الفطرة، ودعوة النبي عليه الصلاة والسلام متوافقةٌ توافقاً تاماً مع الواقع، ودعوة النبي نابعةٌ من خطاب الله لهذا الإنسان، والله شيء واضح كالشمس.
 الله عزَّ وجل خاطب الإنسان من خلال النبي بالقرآن، وكلَّف النبي أن يوضِّح القرآن بالسُنَّة، أودع فينا عقلاً، وجبلنا جبلَّة هي الفطرة، والواقع أمامنا، فليس من العجيب إن رأيت الواقع يؤيد الفطرة، يؤيِّد العقل، يؤيِّد النقل، ومع ذلك تتردَّد، ومع ذلك تُحْجِم، ومع ذلك تسوِّف، ومع ذلك تتكاسل، هذا شيء مستحيل..

﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾

 أين عقلكم ؟ أين فطرتكم ؟ أين الدراسات الواقعيَّة.

 

دعوة الإسلام متوافقة مع الواقع الموضوعي:

 

 النبي عليه الصلاة والسلام دعانا إلى صيام الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر من كل شهر، وكأن النبي عليه الصلاة والسلام أشار إلى علاقة دورة القمر بفورة الدم في الجسد، هناك علاقة، وهذه الأيام البيضاء الثلاثة النبي ندب إلى صيامها، ولا سيما للشباب، قرأت مرَّة مقالة: أن عالِماً اجتماعياً طلب من مخافر الشرطة في بلدٍ غربي التقارير اليوميَّة، فجاء بهذه التقارير، وقلَبها إلى التاريخ الهجري، ورأى نسبة الحوادث ـ حوادث العنف ـ في اليوم الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، فوجدها تزداد ستين بالمائة على بقيَّة الأيَّام، فالنبي عليه الصلاة والسلام أشار من خلال أحاديثه إلى علاقة فورة الدم بدورة القمر..

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى(4) ﴾

( سورة النجم )

 أخٌ كريم قبل أيَّام زارني، وقد استمع إلى محاضرةٍ من أستاذٍ في كليَّة الطب، يقول هذا المحاضر: إن أخطر سرطانٍ في الإنسان سرطان الرئة، وسببه التدخين ـ طبعاً السبب الأول ـ وسرطان الثدي، ومن أسبابه تأخُّر زواج البنت ـ طبعاً لطبيعة الحياة المعقَّدة، والمطالب الكبيرة، والأزمات الخانقة هذه تساهم في تأخير الزواج، لكن الذي لفت نظري في كلام الأخ الكريم، أن أخطر سرطانٍ بعد سرطان الرئة والثدي هو سرطان المستقيم، هذا تُرَجَّح أسبابه في الدرجة الأولى إلى نَخْل الدقيق، وإلى الطعام النقي، فعندما خلق ربنا عزَّ وجل حبة القمح، وخلق لها قشرتها، وأودع في القشرة الفيتامينات، والمعادن، ست فيتامينات، وسبعة معادن كلُّها في قشور القمح، ماذا نفعل نحن ؟ كما قال الله عزَّ وجل في آيةٍ أخرى:

﴿ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ﴾

( سورة النساء: من الآية 119)

 ننزع قشور القمح ونرميها للدواب، ونأكل النشاء الصرْف، الخبز أبيض، لكن قوامه نشاءٌ فقط، أما الفيتامينات، المواد التي تعين على حركة الأمعاء في القشور، والمعادن في القشور، فكلَّما تقدَّم العلم كشف أن العقل الأول الذي صمَّم الكون صمَّمه في أبدع صورة، ونحن نشوِّه حياتنا بتغيير خلق الله عزَّ وجل.
 مرَّة ثانية: قِوام الرجل عقله، عندما خلق الله العقل قال له:

 

(( أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، ثم قال الله عز وجل: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم علي منك، بك آخذ وبك أعطي ))

 

[ من أحاديث الإحياء عن السيدة عائشة ]

 أي أن الذي استعملك يستحقُّ عطائي، والذي عطَّلك يستحق عقوبتي، بك أعطي، وبك آخذ، هناك عقل، وميزان الشرع أمامك ؛ قرآنٌ كريم وسُنَّةٌ نبويَّةٌ مطهَّرة، وهناك ميزان الواقع.
 النبي الكريم أمرنا حينما نذبح ذبيحةً أن نذبحها من أوداجها دون أن نقطع الرقبة، بعد مضي ألفٍ وخمسمائة عامٍ على هذا التوجيه النبوي، جاء علماء الطب، وبيَّنوا حكمة هذا الأمر، قالوا: القلب له نبض، وهذا النبض يتلقى الأمر فيه من مراكز كهربائيَّة في القلب نفسه، لكن مراكز القلب التي تنبِّه القلب تنبِّهه تنبيهاً ثابتاً، ثمانين ضربة في الدقيقة، الإنسان أحياناً يواجه صعوبات، يواجه جهدا، يواجه أزمات، يأتيه أمرٌ من الدماغ فيرفع ضربات القلب، فضربات القلب، القلب نفسه يعطيها الأمر الراتب أي الثابت، بينما الضربات الاستثنائيَّة تحتاج إلى أمر من الدماغ، فإذا قُطِعَ رأس الذبيحة بقي القلب ينبض ثمانين نبضة في الدقيقة، لا يكفي هذا النبض المُعتدل لإخراج الدم كلِّه من الذبيحة، أما حينما نذبح أوداجها فقط، ويبقى اتصالٌ عصبيٌ بين الدماغ وبين القلب في الذبيحة، الدماغ يعطي أمرًا برفع الضربات إلى مائة وثمانين ضربة، لذلك كل ما في الدابَّة من دم يخرج إلى خارجها، هذا توجيه النبي عليه الصلاة والسلام.
 صديقٌ لي في بلد أجنبي قال لي مرَّةً، أسعار اللحوم المذبوحة وفق الشريعة الإسلاميَّة أغلى بكثير، لأن هذا الدم له وزن، فإذا خرج هذا الدم من الذبيحة أصبح لون اللحم ورديَّاً، أما إذا بقي فيها أصبح لون الذبيحة أزرق تَمُجُّهُ النفس وتعافه، وأمراض الدابَّة كلُّها في دمها.
هذا النبي في هذه التوجيهات العظيمة في ميزان الواقع، كلَّما تقدَّم العلم اكتشف أن أكمل شيءٍ هو تطبيق الشريعة، طبعاً الإنسان يتلقَّى الأمر الإلهي على أساس أن هذا أمر الله عزَّ وجل، ويطبِّقه إيماناً بالله عزَّ وجل، ويكتشف العلم أن هذه الأوامر ليس في الإمكان أبدع منها، هي أكمل شيءٍ، طبعاً قِسْ على هذا كل شيء.
 في أنظمة الزواج والطلاق، مثلاً الله عزَّ وجل قال:

 

﴿ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ ﴾

 

( سورة الطلاق: من الآية 1 )

 هذا توجيه، إذا خرجت المرأة من بيتها إلى بيت أهلها فإن أصغر قضيَّةٍ بين الزوجين تغدو أكبر قضيَّة، وقد تنتهي بالطلاق، وإذا بقيت في بيت زوجها، أكبر قضيَّةٍ مع مضي الأيام تغدو أصغر قضيَّة، هذا توجيه، فإذا كان الإنسان من السعداء الذين يقرؤون كلام الله عزَّ وجل، ويطبِّقونه في حياتهم، يهتدون بهديه، في شؤون العلاقات الاجتماعيَّة، في شؤون الزواج، في شؤون البيع والشراء، في شؤون علاقة الإنسان بربِّه، بمن حوله فإنه لا يقع في مثل هذا.

﴿ أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ(151)وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (152) أَاصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ(153)مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(154)أَفَلَا تَذَكَّرُونَ(155)أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ(156) ﴾

أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ

 هل معكم حجَّةٌ قاطعة ؟ معكم برهانٌ ساطع ؟ معكم دليل ؟ كأن الله عزَّ وجل يدعونا، معك الدليل ؟ أين عقلك ؟ أين حجَّتك ؟ أين برهانك ؟

﴿ وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾

( سورة المؤمنون: من الآية 117 )

﴿ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا ﴾

 أي أنهم قالوا: إنَّ الملائكة بنات الله، وأن الجن لهم قرابةٌ بالله عزَّ وجل، قرابة نسب..

﴿ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا ﴾

وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتْ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ

 أي تخرُّصات، وإفكا، ووَهْما، وكلامًا من نوع الزور غير حقيقي..

﴿ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتْ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ﴾

 

كلُّ ما في الكون خاضع لمشيئة الله:

 كن فيكون، زُل فيزول، الجن مُحضر، تحت الضرب دائماً، كل من في الكون هو خاضعٌ لمشيئة الله عزَّ وجل، فالإنسان أحياناً في عمله إذ كان مُسَيْطِراً، كل من في دائرة عمله ينفِّذ أمره، ولكن طبيعة النَسَب، طبيعة القرابة تجعل الإنسان يقصر قليلاً، أحياناً الابن لا يستجيب لوالده، أو يتماطل في تنفيذ الأمر، أما هؤلاء فليسوا أولاد الله عزَّ وجل، هؤلاء مُحْضَرون، هم عبيدٌ لله عزَّ وجل، ومعنى عبيد لله أنهم في قبضته..

﴿ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتْ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ﴾

 أي أن هؤلاء الذين تزعمون أنهم بنات الله، أو أن بينهم وبين الله نسباً، هؤلاء ليسوا أولاده، هم محضرون، هم تحت مشيئته وإرادته..

﴿ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾

سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ

 سبحان الله: أي تنزَّهت أسماء الله عزَّ وجل، تنزَّهت صفات الله عزَّ وجل، تنزَّهت ذات الله عزَّ وجل عن أن يكون كذلك..
 هؤلاء الجن الذين عرفوا الله عزَّ وجل، واستجابوا له، هؤلاء مستثنون مما يقوله فيهم البشر..

فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (161) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ

﴿ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ(160)فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ(161)مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ(162)إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ ﴾

 هذه آية دقيقة جداً، أي أن البشر جميعاً، والجن جميعاً، وما يُعبد من دون الله من آلهة مزعومة، من أصنام، من أشخاص..

 

﴿ فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ(161)مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ ﴾

 أي كلُّكم مع من تعبدونه من دون الله لا تستطيعون أن تغيِّروا خطَّ إنسانٍ، ولا سيره، ولا أن تضلِّونه إطلاقاً، الإنسان مخيَّر، لا يستجيب لكم إلا من هو راغبٌ فيكم، فالإنسان بكل ما أوتي من قوَّة، بكل ما أوتي من حيلة، لا يستطيع أن يسيِّر إنساناً تسييراً غير صحيح، إلا أن يشاء الإنسان ذلك.

 

 

الإنسان مخير:

 

 

 فملخَّص هذه الآية: أن لا أحد في كون الله يستطيع أن يضلَّ أحداً، الذي فيما يبدو لنا أنه قد أضلَّ زيداً أو عُبيداً، المضل والضال كلاهما توافقا على الضلالة، لولا أن الذي ضل كان عنده استعدادٌ للضلال ورغبةٌ فيه لما استطاع المضلُّ أن يفعل فيه ذلك، لولا أن الضال كان عنده رغبةٌ في الضلال وقبول له ما استطاع المضلُّ أن يضلَّه.
 إذاً: في الحقيقة ليس هناك مُضِل، وليس هناك مُضَل، كل الناس مخيَّرون، فالذي يقع في الضلال وقع فيه باختياره، والذي أضلَّه فيما يبدو كان سبباً ظاهراً، والحقيقة أنه استجاب لاختياره.
 إذاً:

﴿ فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ(161)مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ(162)إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ ﴾

 إلا من اختار الضلالة، واستحقَّها، وكان مصيره إلى الجحيم في علم الله عزَّ وجل، هذا الذي يستجيب لكم..

 

﴿ وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ ﴾

 كأن الملائكة استعاذوا بالله عزَّ وجل، ونزَّهوا ذات الله عزَّ وجل عن أن يكون الذنب، فقالوا:

 

﴿ وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ(164)وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ(165)وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ﴾

 هؤلاء الذين عرفنا من سلوكهم أنهم يجهدون في إضلال البشر، هؤلاء الجن مهما اجتمعوا فهم والإنس، وما يعبدونهم من دون الله كل هؤلاء مجتمعين لا يستطيعون إضلال إنسانٍ واحد، إلا أن يشاء الإنسان الضلال، فإذا شاء الضلال يبدو للإنسان الساذج أنهم أضلُّوه، لا، لم يضلوه، هو ضالٌ، فتوافقت رغبته مع مسعاهم إذاً ضل.
 قال:

 

﴿ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ﴾

 من الجن الذين آمنوا، واتبعوا الحق، وهم يسبِّحون..

 

﴿ فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ(161)مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ(162)إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ ﴾

وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ

 أما الملائكة قالوا:

﴿ وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ ﴾

 مقامنا مقام العبوديِّة لله عزَّ وجل، لسنا بنات الله، مقامنا مقام العبوديِّة لله عزَّ وجل..

 

﴿ وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ ﴾

 رحم الله عبداً عرف حدَّه فوقف عنده، أنت إنسان مقامك معلوم، المَلَك له مقام معلوم، الجِن له مقام معلوم..

 

﴿ وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ(164)وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ(165)وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ﴾

عبادة الملائكة ومقامهم:

 أي أن مقامنا التسبيح، والدعاء، والذِكْرُ، والصلاة، مقام الملائكة، رُكِّب المَلك من عقلٍ بلا شهوة، وركِّب الحيوان من شهوةٍ بلا عقل، ورُكِّب الإنسان من كليهما، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان..

﴿ وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ(164)وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ(165)وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ﴾

 أي نصطفًّ للصلاة.

﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ﴾

 في أكثر التفاسير التسبيح هنا هي الصلاة.
 وفي درسٍ آخر إن شاء الله تعالى نتابع الآيات، والتي ربَّما كانت هي الدرس الأخير من سورة الصَّافَّات.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018