الدرس : 11 - سورة الصافات - تفسير الآيات 123 - 132 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 11 - سورة الصافات - تفسير الآيات 123 - 132


1992-11-06

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الحادي عشر من سورة الصَّافَّات، ومع الآية الثانية والعشرين بعد المائة من السورة نفسها.

﴿ وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ ﴾

وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ

1 ـ إلياس رسول نبيّ:

قال العلماء: إلياس إنه إليا، أرسله الله إلى قومٍ في بلادنا ـ في سوريا ـ وكانوا يعبدون صنماً اسمه بَعْل، وبعلبك فيها هذا الصنم، هؤلاء عبدوا من دون الله صنماً لا يسمع، ولا ينطق، ولا يتحرَّك، ولا ينفع، ولا يضُر.

﴿ وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ ﴾

و من هنا للتبعيض، فإرسال المرسلين يدلُّ على رحمة الله عزَّ وجل.

 

2 ـ مع مقومات التكليف إنزال الكتب وإرسال الرسل:

أتمنَّى أن أوضِّح لكم هذه الحقيقة قبل أن نتابع الحديث عن هذا النبي الكريم: الله عزَّ وجل حينما خلق الإنسان أعطاه عقلاً يهديه إلى الله عزَّ وجل، وفطره فطرةً تكشف له خطأه، وسخَّر له كوناً معجزاً يدلُّه عليه، أعطاه حريَّةً كي يتحرَّك ليكون عمله ثميناً، أودع فيه شهوات ليرقى بها إلى ربِّ الأرض والسماوات، هذه المقوِّمات، بعقله، وبفطرته، وبالكون، وبالشهوة، وبالحريَّة، وبالقدرة التي تبدو أنه يمتلكها بإمكانه أن يصل إلى الله جلَّ جلاله، وفوق هذا وذاك أنزل الكُتُبَ، وبعث الأنبياء، الكتب والأنبياء رحمةٌ من الله عزَّ وجل..

﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾

( سورة آل عمران: من الآية 164)

أضرب مثلاً أقرب الفكرة وأبسطها: أب وضع ابنه في أرقى مدرسة، ودفع له أعلى قسط، وأعطاه كل الحاجات، وأمدَّه بكلِّ النفقات، وهيَّأ له جواً دراسياً كاملاً، وفوق وهذا وذاك كلَّف أستاذاً ليعطيه درساً خصوصياً، هذا معنى الآية ؛ العقل يكفي، الفطرة تكفي، الكون يكفي، أفعال الله التي نراه رأي العين تكفي، كلُّ شيء يكفي، وفوق كل هذا وذاك أرسل الله الأنبياء، وأنزل الكُتب، ليكون الكتاب ميزاناً على ميزاني العقل والفطرة.
وشيءٌ آخر، كل الأنبياء الذين قصَّ الله علينا قصصهم ليسوا جميع الأنبياء، هم بعض الأنبياء..

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ﴾

( سورة غافر: من الآية 78 )

فما من بلدٍ، ما من قومٍ، ما من أهل قريةٍ، ما من قارةٍ، ما من عصرٍ، ما من مصرٍ إلا وله نبيٌّ مُرْسَل، فهؤلاء الذين عاشوا في سوريَّا، وأنشؤوا هذه الآثار في بعلبك، وعبدوا صنماً من دون الله اسمه بَعْل، هؤلاء مَنَّ الله عليهم إذ بعث فيهم نبياً اسمه إلياس، باللغة العِبرانيَّة إليا..

﴿ وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ ﴾

3 ـ مع كلِّ نبيٍّ منهج ومعجزة:

لكن دائماً النبي حينما يُرْسَل يأتي بمنهج، هذا المنهج من شأنه أن يَحُدَّ من شهوات الإنسان، هؤلاء الذين عبدوا شهواتهم من دون الله، هؤلاء الذين حقَّقوا مكاسب من تفلُّتهم من منهج الله، هم أعداءٌ طبيعيون لهؤلاء الأنبياء، فأول كلمةٍ يتكلَّمون بها حينما يدعون إلى الله ورسوله يقولون: هذا ليس رسولاً، إنه كذَّاب، فكيف يواجه النبيُّ دعوى قومه بكذبه ؟ لابدَّ من معجزة.
لكن هناك شيءٌ دقيقٌ جداً في المعجزة، أن الله جلَّ جلاله جعل هذه المعجزات الحسيَّة لمن عطَّل فكره، فالذي يؤمن بالمعجزة الحسيَّة هو إنسان أدنى مرتبةً ممن يؤمن بالكون كمعجزة ثابتة ودائمة، فلذلك المعجزات الحسيَّة تأتي حينما يُعَطِّل الإنسان عقله ولا يفكِّر، أما إذا فكَّر فيكون الكون أقوى معجزة، وأكبر دليل.
فنحن أيها الإخوة محاطون بملايين ملايين المعجزات، لكن الكون بعظمته هو المعجزة، وقد قيل :

(( حسبكم الكون معجزة ))

[ ورد في الأثر ]

الإنسانُ نفسُه معجزة !!!

الطفل كيف يولد ؟ هذا الماء المَهين، ثلاثمائة مليون حوين في اللقاء الزوجي، الحوين الواحد ؛ غشاء، هيولى، نويَّة عليها مورِّثات، هذه المورِّثات فيها ـ دقِّقوا في الرقم ـ خمسة آلاف مليون معلومة مبرمجة، هذه المورِّثات حتَّى الآن اكتُشِفَ من هذه المورِّثات ثمانمائة مورِّث، ما من صفةٍ في جسم الإنسان إلا وقد خَطَّطَ لها مورِّث، بالوقت المناسب، فخلق الإنسان معجزة، عينه معجزة.
البارحة رأيت شيئاً يوضع عليه الثياب له اسم خاص ـ المانيكان ـ له قاعدة استناد كبيرة جداً، الإنسان كيف يستقر ؟ كيف يقف على قدمين صغيرتين دقيقتين ؟ لابدَّ من توازن، لابدَّ من جهاز بالغ التعقيد في الأذن، ثلاث قنوات فيها أهداب، وفيها أشعار، وفيها سائل، فإذا مال قليلاً ارتفع السائل، بحسب استواء السائل، وعدم تأثُّره بالميلان، ونبَّه بعض الأشعار، فشعر الإنسان بالميل نحو جهةٍ، فيصحَّح استقامته، جهاز معقَّد جداً، فأنت محاط بآلاف آلاف الأجهزة، والمجال لا يتسع..
أنت الآن تتكلَّم، كل حرفٍ من حروف الكلمة يسهم في تشكيله، أو النطق به سبع عشرَة عضلة، فالكلمة خمسة حروف، وكل حرف تساهم فيه سبع عشرة عضلة، في إلقاء خطبة كم من الجهد، وكم من التعقيد ؟
الأعصاب، لا شك أن الإنسان إذا فكَّر في جسمه يُدْهَش، وفي جسم الإنسان آياتٌ بيِّنات دالَّةٌ على عظمة الله عزَّ وجل.
إذاً:

﴿ وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ(123)إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ ﴾

إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ

1 ـ معنى: تتقون:

تتقون فعل مضارع ماضيه اتَّقى، واتقى فعل مزيد مجرَّده وقى، فالإنسان كيف يقي نفسه المخاطر ؟ الحياة كلُّها مخاطر، وأكبر خطرٍ فيها انتهاء الحياة، الإنسان حينما يغفل عن الموت يتحرَّك بلا وعي، لكن حينما يقع في قبضة الله عزَّ وجل في ساعةٍ عصيبة..

﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ(8)فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ(9) ﴾

( سورة المدثر )

هذه الساعة، الأذكياء والعقلاء يعملون لهذه الساعة، يجعلون من هذه الساعة عُرْسِاً وفرحةً، وبداية لحياةٍ سعيدة، والأغبياء يعتنون بدنياهم، ويهملون آخرتهم..

﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ(8) ﴾

كانت الخسارة كبيرة جداً، فلذلك:

﴿ أَلَا تَتَّقُونَ ﴾

2 ـ اتقوا غضب الله وسخطَه:

ألا تتقون الشقاء بطاعة الله ؟ ألا تتقون المصائب بالاستقامة على أمر الله ؟ ألا تتقون الدمار ؟ ألا تتقوا المرض ؟ ألا تتقون الفقر، هناك علاجاتٌ في الدنيا وعلاجاتٌ في الآخرة، بشكلٍ أو بآخر عذابات الدنيا أهون بكثير من عذاب يوم القيامة، لذلك قال الله عزَّ وجل:

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(21) ﴾

( سورة السجدة )

كلُّ العذابات في الدنيا عذاباتٌ دُنيا، عذاباتٌ صغرى، لكن العذاب الأكبر حينما يشعر الإنسان أنه خَسِرَ نفسه، الإنسان يخسر ماله، يخسر أولاده أحياناً، يخسر زوجته، يخسر مكانته، تخدش كرامته، يخسر حقوقه المدنيَّة أحياناً ؛ لكن هناك أمل أن يقف مرَّةً ثانية، لكن الخسارة الحقيقيَّة حينما يخسر الإنسان نفسه يوم القيامة، هذه أشدُّ أنواع الخسارة، وقالوا: أشدُّ خسارةٍ هي الخسارة التي ليس بعدها ربحٌ ولا فوز، خسارة مطلقة، خسارة حتميَّة، خسارة نهائيَّة..

﴿ أَلَا تَتَّقُونَ ﴾

ألا نرى أن الله جلَّ جلاله يعالج الناس معالجات ؟ أحياناً يبثُّ الرعب في قلوب الناس، ثلاثة هزَّات في يوم واحد، من دون تهديم، ولكن ماذا فعلت في النفوس ؟ فعلت فعلاً مخيفاً، دفع الناس إلى أن يتجهوا نحو الطُرُقات والشوارع، الله عزَّ وجل قال:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ(1)يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ ﴾

( سورة الحج )

ما مِن شيء أغلى على الأم من ابنها إطلاقاً، ومع ذلك لشدَّة هول هذه الزلزلة تذهل المرضعة عما أرضعت، تُلقي ابنها، وقد سمعت قصصاً كثيرة عن الفزع والرُعب الذي أصاب من ابتلاهم الله بالزلازل، خوفٌ ما بعده خوف، تنطلق المرأة خارج المنزل من دون ثياب، بثياب النوم، وهي لا تدري من شدَّة الفزع..

﴿ وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ(2) ﴾

( سورة الحج )

3 ـ النجاة من المصائب من فضل الله على المؤمنين:

الله يحمينا، فهل هناك شيءٌ أثبت من الأرض، الإنسان يخاف من الجو، يخاف من البحر، يخاف من المرض، يخاف من فقر، يخاف من سجن، يخاف من المسؤوليَّة، من ورطة، أما أنه جالس في بيت مستقر، بيت من إسمنت مسلَّح، ومرتاح، ومرتب ومزين ومؤثّث، في تسع وخمسين ثانية يصبح هذا البيت أنقاضاً من الإسمنت المطحون ؟! فذلكم الله رب العالمين.
لا ضمانة إلا ضمانة واحدة: أن يشاء الله لك السلامة، ولن يشاء الله لك السلامة إلا إذا كنت على منهجه، لقوله تعالى:

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88) ﴾

( سورة الأنبياء )

هذا كلام واضح كالشمس، دقِّق في هذه الآيات، ما من مصيبةٌ أعظم من أن يجد الإنسان نفسه فجأةً في بطن حوت، ظلمة بطن الحوت، مع ظلمة الليل، مع ظلمة البحر..

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88) ﴾

( سورة الأنبياء )

سمعت في الأخبار أن رجلاً بقي تحت الأنقاض ثلاثاً وثمانين ساعة ونجَّاه الله عزَّ وجل، ثلاثاً وثمانين ساعة بقي تحت الأنقاض، وإلى جانبه امرأته وقد ماتت، وأمه وقد ماتت.
إذاً: الله عزَّ وجل الله قادر أن ينجي الإنسان، لذلك النجاة في نصِّ القرآن الكريم من فضل الله على المؤمن..

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88) ﴾

﴿ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمْ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(61) ﴾

( سورة الزمر )

الحياة كلُّها أخطار، أخطار اجتماعيَّة، أخطار اقتصاديَّة، أخطار صحيَّة، أمراض معدية وسارية، أوبئة، تضخُّم نقدي، كساد تجارة، إفلاس، أما أرض مستقرَّة تهتزُّ من تحت أقدامنا، فإذا كل شيءٍ كالأنقاض ؟! هذا شيءٌ مخيف، كيف نتقي الزلازل ؟ كيف نتقي الصواعق ؟ كيف نتقي الفيضانات ؟ كيف نتقي الحروب الأهليَّة ؟ كيف نتقي الأمراض المُخيفة المُرعبة ؟
قد يكون الإنسان في أعلى درجة من الصحة فيصيبه مرضٌ مخيف، ماذا يفعل ؟ وقد يكون ملكاً، إنه في قبضة الله عزَّ وجل، فالإنسان معرَّض إلى معالجات، لا ينجيه من عذاب الله إلا أن يكون على أمر الله، لا ينجيه من عذاب الله إلا أن يكون مستقيماً على أمر الله، لذلك قال تعالى:

﴿ وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ(123)إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ ﴾

أنا أقول لكم كلاماً واضحاً كالشمس: والله ما منَّا واحد، وأهل هذه البلدة، وأهل كل البلاد، وكل من يدبُّ على وجه الأرض يحب وجوده، ويحب سلامة وجوده، ويحب كمال وجوده، ويحب استمرار وجوده، يحب ذاته، يحب أن يكون صحيحاً، غنياً، سعيداً، يحب الرفاه، يحب أن يعمر طويلاً، هكذا الإنسان، هذه الأشياء التي فُطِرْتَ عليها لا تكون إلا بطاعة الله.
هناك قصَّة أذكرها كثيراً: عالِم من علماء دمشق الذين اختاروا تربية الأجيال، عاش ستاً وتسعين سنة، وكان منتصب القامة، حادَّ البصر، مُرهف السمع، أسنانه في فمه، وقد أمدَّ الله بعمر زوجته فعاشت معه، ولم يفتقدها ولا ساعة، وكان إذا قيل له: يا سيدي، ما هذه الصحَّة التي أكرمك الله بها ؟ يقول: " يا بني، حفظناها في الصِغَر فحفظها الله علينا في الكِبَر، من عاش تقياً عاش قوياً ".
أنتم أيها الشباب، أيها الكهول اتقوا الله، قبل أن تتحرَّك ما الذي يرضي الله عزَّ وجل ؟ ما أمر الله عزَّ وجل ؟ الذي يسعدني أن أكون في طاعة الله، فإذا حفظت الله يحفظك الله عزَّ وجل..

(( يَا غُلامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ ))

[ سنن الترمذي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ]

لذلك كلمة..

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ(19) ﴾

( سورة الأنفال )

﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ(36) ﴾

( سورة التوبة )

هذه كلمات يذوب القلب لتفسيرها، أي إن الله معك بالحفظ، والتأييد، والنصر، والتوفيق، ولا طعم أطيب من التوفيق، التوفيق في عملك، لا طعم أطيب من الحفظ..

﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾

( سورة الطور: من الآية 48)

ألا تحب أن تقطف كل هذه الثمار ؟ كل إنسان يتمنى أن يوفِّقه الله عزَّ وجل، الخسارة صعبة جداً، مؤلمة جداً، مدمِّرة، الإحباط، أن تسعى سعياً حثيثاً، ثمَّ تبوءُ بالإخفاق، أن تسير في طريقٍ مسدود، في منعطفٍ مدمِّر، في منزلق، لكن المؤمن في عين الله عزَّ وجل، لذلك المؤمنون الله عزَّ وجل قال على لسانهم:

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا ﴾

( سورة التوبة: من الآية 51)

هل من سعادةٍ أعظم من أن تشعر بالطمأنينة ؟ إن الله يعطي الذكاء والجمال والمال والقوَّة للكثيرين من عباده، ولكنَّه يعطي السكينة بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين..

﴿ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ ﴾

التقوى أي أن تطيع الله عزَّ وجل، أن تتقي غضبه بطاعته، أن تتقي الشِرك بالتوحيد، أن تتقي الكفر بالإيمان، أن تتقي المرض بطاعة الله، أن تتقي قلَّة الرزق بالاستقامة على أمر الله.

هل هناك من أسباب تنمي الأرزاق ؟

هل هناك من أسباب تنمي الأرزاق ؟ نعم، في القرآن الكريم:

الاستقامة:

﴿ وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا(16)لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾

( سورة الجن )

الإيمان والتقوى:

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ﴾

( سورة الأعراف: من الآية 96)

فالاستقامة تنمي الأرزاق.

الصدقة:

والصدقة تنمِّي الأرزاق..

(( استنزلوا الرزق بالصدقة ))

[ الجامع الصغير، وفي سنده ضعف ]

الأمانة:

والأمانة تنمِّي الأرزاق، الأمانة غنىً، أثمن شيءٍ تملكه أن يثق الناس بك، الأمانة غنى.

الإتقان:

والإتقان، إتقان صنعتك تنمي الرزق، فحينما يتقن الإنسان عمله، وإذا فترت الأسواق وبارت فالمتقنون لا يتعطَّلون، عليهم طلب شديد، أما الدرجة الثانية والثالثة والرابعة فيصبحون بلا عمل، فالإتقان أحد أسباب تنمية الأرزاق.

بر الوالدين:

برُّ الوالدين أحد أسباب الرزق.
برُّ الوالدين، الإتقان، الأمانة، الاستقامة، الصدقة، هذه كلُّها تنمي الأرزاق، وقوانين.

القرآن قوانين ثابتة:

فأنت حينما تتعامل مع الدين لا على أنه تبريكات، وتهويمات، وطقوس، وكهنوت، لا، إذا تعاملت مع الدين على أنه قوانين، على أنه مقدِّمات ونتائج، على أنه قواعد ثابتة، على أنه سُنَن محكمة، فالقضيَّة سهلة جداً، التعامل مع القانون مريح جداً، هذه المقدَّمة تؤدي إلى هذه النتيجة.
والله أنا أتمنى على كل أخ منكم إذا قرأ القرآن أن يكشف القوانين.

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

( سورة النحل: من الآية 97)

كلام خالق الكون، من يمنعه من تحقيق وعده ؟ خالق الكون وعدك، قال لك: اعمل عملاً صالحاً، استقم، تعرَّف عليَّ أولاً، استقم على منهجي، واعمل أعمالاً صالحة، وأنا سأحييك حياةً طيِّبة بأي ظرف، بأي مجتمع، ظروف معقَّدة، غير معقَّدة، قبل الحرب، بعد الحرب، أزمان اقتصاديَّة خانقة، فالوعد فوق كل هذه الظروف، لك عنده حياةٌ طيِّبة..

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا ﴾

( سورة طه: من الآية 124 )

جرِّب، لا أحد يسعد على وجه الأرض وهو معرضٌ عن ذكر الله، هذا شيء مستحيل..

﴿ فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى(123) ﴾

( سورة طه )

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) ﴾

( سورة البقرة )

اقرأ القرآن على أنه قوانين، وسُنن، وقواعد، المقدِّمات تؤدي إلى هذه النتائج، وكل إنسان يحب ذاته، وربما تنجح بعملك، تنجح بزواجك، تنجح بصحَّتك، تنجح في علاقاتك الاجتماعيَّة، تنجح في معرفة الله عزَّ وجل، ممكن تشعر أنك تتحرَّك وفق المراد الإلهي.

﴿ أَلَا تَتَّقُونَ ﴾

قيل: " قِوام المرء عقله "، فكلَّما نما العقل، الإنسان عقلٌ يدرك وقلبٌ يحب، وأرجحكم عقلاً أشدُّكم لله حبَّاً.

﴿ أَتَدْعُونَ بَعْلًا ﴾

أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ

1 ـ أَتَدْعُونَ بَعْلًا

بعلاً أي صنما ؛ لا يتكلَّم، ولا يسمع، ولا يُبصر، ولا يتحرَّك، ولا يقوى على شيء، فهذه الأصنام الآن ليست موجودة، لكن أنت عندما تعتمد على إنسان تراه قوياً فهذا نوع من الشرك..

2 ـ وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ

﴿ أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ ﴾

﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى(2)وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى(3) ﴾

( سورة الأعلى )

الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم.

هل هناك خالقٌ غير الله ؟ فلماذا قال: أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ ؟

أيها الإخوة، ليس هناك إلا خالقٌ واحد، لكن أحياناً يسمَّى الشيء بحسب مفهوم الناس، الله عزَّ وجل قال:

﴿ وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا ﴾

( سورة النساء: من الآية 5 )

فالله عزَّ وجل عزا الرزق إلى الإنسان، مع أن الله جلَّ جلاله هو الرزَّاق ذو القوَّة المتين، ولا رازق سواه، فكيف يقول:

﴿ وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا ﴾

أحياناً الله عزَّ وجل بحسب مفهوم الناس، بحسب تصوُّراتهم أن فلان ينفق على فلان، فلان يطعم فلاناً، والناس أحياناً يقولون: هذا صمَّم هذه الآلة، هذا صمَّم هذا البناء، هندسته، تصميمه على الورق، فهذا يسمَّى تجوّزاً خالق، يقول لك: الخَلق والإبداع.
بالمناسبة الله عزَّ وجل لكرامة الإنسان عليه ـ دقِّقوا ـ لكرامة الإنسان عليه أعطاه من أسمائه الشيء الكثير، فالإنسان فرد لا ثاني له، حسب البحوث الحديثة الإنسان له قُزحيَّةٌ لا يشترك بها إنسان آخر في العالَم، إذا في خمسة مليارات إنسان في العالَم، كل قزحيَّةٍ لها شكلٌ متميِّز، هذا يؤكِّد فرديَّته، الإنسان له رائحة خاصَّة لا يشركه فيها إنسان في العالَم، الإنسان له تركيب دم خاص، الإنسان له بصمة خاصَّة، الإنسان له نبرة صوت خاصَّة، هذا من فرديَّته ومن تكريم الله له.
والله عزَّ وجل أعطى الإنسان حريَّة الاختيار، الله عزَّ وجل مُريد، وجعل عبده تكريماً له مريداً، أنت مُنِحْت حريَّة الاختيار، شاءت مشيئة الله أن تكون ذا مشيئة، هذا تكريم ثانٍ، أنت فردٌ لا ثاني لك، ومريدٌ، ولست مقهوراً.

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾

( سورة الكهف: من الآية 29)

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا(3) ﴾

( سورة الإنسان )

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾

( سورة البقرة: من الآية 148 )

وشاءت حكمة الله أن يصمِّم الكون تصميماً يتيح لك فيه أن تُبْدِع، أبدعوا بالنباتات الهجين، أبدعوا بتهجين الحيوانات، أبدعوا أشياء كثيرة، هذا بإذن الله عزَّ وجل، ربنا عزَّ وجل تكريماً للإنسان صمَّم الكون تصميماً يتيح للإنسان أن يبدع.
ومن باب التكريم أيضاً أنه سمح لك أن تشرِّع، الله عزَّ وجل كان كلامه في بعضه احتمالياً، ظني الدلالة، فالعلماء اجتهدوا واستنبطوا من هذه الأحكام الظنيَّة أحكاماً فقهيَّة، فصار الإنسان مشرِّعاً، لأن الأحكام الإلهيَّة بعضها ظني، لذلك قَبِلَ الله أن يتعبَّدنا باجتهاد العلماء، الإنسان فرد لا ثاني له، والإنسان مريد، والإنسان مشرِّع، والإنسان مبدع.
والإنسان بهذه الآية الكريمة يرزق، يعطي الله الرزق للأب الأب فينفق على أولاده، فيما يبدو لهذه العين الأب رازق، يكسب المال وينفقه على ؛ أولاده، وزوجته، وأخواته العوانس.. وإلخ، فالإنسان فرد، ومريد، ومشرِّع، ومبدع، ورازق، هذه صفات الله عزَّ وجل:

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ﴾

( سورة الإسراء: من الآية 70 )

هذا التكريم.
إذاً:

﴿ أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ ﴾

مثلاً: هل طرأ على الإنسان تعديل منذ أن خُلِق ؟ فهذا يعني أن خبرة الله عزَّ وجل خبرة قديمة، الإنسان خبرته متجدِّدة، خبرته حديثة، تتكامل، تتنامى، والدليل: ضع أمامك سيَّارة مصنوعة سنة ألف وتسعمائة، كانوا يشعلون المصابيح بالزيت، ويشغِّلونها من أمام بالمنويل، والدواليب مصبوبة صباً من دون نفخ، وكانت التنقيلة واحدة فقط، ومكشوفة، ضع أمامها سيارة من الماركات الحديثة جداً، فما هذا ؟ الفرق من الأرض إلى السماء، ماذا نفهم من ذلك ؟ نفهم أن خبرة الإنسان حديثة، وتتنامى، الإنسان شيء، والخالق شيء، أما الإنسان فما فيه نقطة ضعف الله تلافاها بالخلق التالي.
الإنسان يحمل ابنه من يده، فمدروس دراسة دقيقة، الأربطة في الكتف مصمَّمة لتحمل الجسم بأكمله، وأحياناً يشدَّ بعنف، هذه الشدَّة تضاعف المقاومة، المعنى، أن الأربطة تتحمَّل هذا الجسم، فالإنسان مصمَّم تصميماً رائعاً، هل طرأ شيء عليه ؟
لي مأخذ على ما يقال: أن في الإنسان زائدة دوديَّة، الأصح أن نسميها ذائدة، أي مدافعة، الذائدة الدوديَّة، لأنه حاشا في خلق الله عزَّ وجل أن يكون في جسم الإنسان عضوٌ زائد، كمال مطلق، مبرمج.

﴿ أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ(125)اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمْ الْأَوَّلِينَ ﴾

فهو الرب، المُمِد بكل شيء..

﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾

فَكَذَّبُوهُ

لماذا كذَّب الناسُ الأنبياءَ ؟

لماذا كذَّبوه ؟ لأن منهج الرسل منهجٌ يقيِّد الإنسان في حركته، الإنسان بلا منهج رباني كالدابَّة، أما المؤمن فمُقيَّد، القرآن يقيِّده، والقيَم تقيِّده، وإيمانه يقيّده، وخوفه من الله يقيِّده، وتصوُّر الآخرة يقيِّده، فالإنسان كلَّما ارتقى تقيَّد، هذا الذي يقول ما يشاء، ويفعل ما يشاء، ويأكل ما يشاء، ويذهب إلى حيث يشاء، وينام مع من يشاء، هذا إنسان متفلت، أما الإنسان المؤمن فمقيَّد، قيَّده الشرع عن كثيرٍ من هوى نفسه..

﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾

لأن منهج الأنبياء تعارض مع شهوات الكفَّار، لذلك الإنسان قد يستغرب الإقبال الشديد على المذاهب الوضعيَّة، لماذا ؟ لأنه ليس هناك منهج يحدُّ من حركتهم، افعل ما تشاء، وكل ما تشاء، وخذ من الأموال ما تشاء، ومتِّع شهواتك بمن تشاء، وتكلَّم ما تشاء ؛ أعلن ولاءك لهذه الجهَّة فأنت منها، القضيَّة سهلة جداً، أما النبي عليه الصلاة والسلام فيقول:

(( والله لا أمثِّل بهم فيمثِّل الله بي ولو كنت نبيَّاً ))

[ ورد في الأثر ]

والله عزَّ وجل قال:

﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ(44)لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ(45)ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ(46)فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ(47)﴾

( سورة الحاقَّة )

موالاة الله عزَّ وجل تحتاج إلى انضباط، أما موالاة غير الله عزَّ وجل فتحتاج إلى صُراخ.

﴿ فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ﴾

فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ

1 ـ قضية الإيمان قضية وقت فقط:

المشكلة أقولها لكم كثيراً: المشكلة ليست أن تؤمن أو أن لا تؤمن، لابدَّ من أن تؤمن، ولكن المشكلة أن تؤمن بعد فوات الأوان، فأنت دائماً مُحْضَر، بأي لحظة في قبضة الله عزَّ وجل، كلَّما توفي أحد، فأتمنَّى على الإنسان أن يسأل: كيف توفَّى ؟ الذين جلسوا معه قبل يوم من وفاته كانوا يسمعونه وهو يخطط لعشرين سنة قادمة، سيفتح محلاً، يؤسِّس شركة، يسافر لأوروبا، يعمل، يتزوَّج، كيف اختُطِف ؟ كيف صار في قبضة الله فجأةً ؟ مهما كان الإنسان عظيما، بمرض صغير في جسمه يجعله يستسلم، ويجعله يبكي.

2 ـ كل إنسانٍ في قبضة الله:

إذاً: نحن جميعاً في قبضة الله عزَّ وجل، نحن نشبه كائنًا حيًّا مربوطا بحبل متين، الحبل مرخًى، هذا الكائن عندما وجد أن الحبل مرخى ظنَّ أنه لا يوجد حبل، ظنَّ نفسه حراً، فتحرَّك حركات عشوائيَّة، تطاول، وتجاوز الحدود، لكن الحبل مرخى، وفي أي ثانية يُشَدُّ الحبل فهو في قبضة الله عزَّ وجل، ما دام المصير في قبضة الله، كيف نعصيه ؟ كيف ننسى ؟ كيف نتجاوز الحدود ؟

﴿ فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ﴾

فالإنسان ضمن بلده أين سيهرب ؟ يريد السفر، فليمر من المطار يحتاج إلى ترخيص، يحتاج إلى تأشيرة، يحتاج إلى جواز سفر، وعن طريق البر كذلك يوجد مركز هجرة وجوازات، أين سيذهب ؟ وإن ذهب من طريق غير نظامي يلتقطونه، أين جواز سفرك ؟ لا يستطيع، هكذا الأنظمة والقوانين في الدولة، وبين الدول اتفاقيات وأنظمة متعارف عليها، وإذا خالف القوانين كان مسؤولاً، فكيف مع خالق الكون ؟ بأي لحظة أنت في قبضته.
أنت تعال باختيارك، تعال وأنت محب، لا تأتِ وأنت ملقى القبض عليك، يا إمام كيف القدوم على الله ؟ قال: " أما العبد المؤمن فكالغائب رُدَّ إلى أهله، وأما العبد الفاجر فكالعبد الآبق رُدَّ إلى مولاه "، فهذه الحركة العشوائيَّة، وتجاوز الحدود، وإيذاء الناس، والعدوان على الناس، وانتهاك أعراض الناس، واغتصاب أموال الناس، لكن الحبل موجود، ولكنه مرخى، فإذا شُدَّ الحبل وقع الإنسان في قبضة الله عزَّ وجل.

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26) ﴾

( سورة الغاشية )

﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ﴾

( سورة فصلت: من الآية 40)

هذا تهديد، اعمل وأكثر، افعل ما شئت..

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26) ﴾

( سورة الغاشية )

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93) ﴾

( سورة الحجر )

هذه قصَّة رمزيَّة: رجل في بعض البلاد كان ثرياً جداً، وقد جاءه الموت فخاف أولاده عليه من وحشة القبر، ومن سؤال منكر ونكير ـ كما يقال ـ رأوا إنساناً فقيراً، وأغروه بمالٍ كثير على أن ينام معه أول ليلة فقط، رجل فقير، وقل له: خذ عشرة آلاف جنية مثلاً، مبلغ ضخم، والله لا يتردد، ليلة واحدة فقط وقت السؤال، فهذا وضعوه معه، جاء الملكان، وجدوا أن هناك اثنين في القبر، شيء غير مألوف أن يجدوا اثنين، ارتعب، حرَّك رجله، فقالا: هذا حي وليس بميت، إذاً نبدأ به، قم، ماذا تلبس ؟ لبس كيسا من الخيش مربوطاً بحبل، من أين جئت بهذا الحبل ؟ من البستان، كيف دخلت إلى البستان ؟ هل أخذت إذنًا من صاحبه ؟ ونزلوا فيه بالضرب، بسبب حبل، وكيف دخلت إلى البستان، ولم تستأذن صاحب البستان ؟ كيف أخذتها من دون إذنه ؟ خرج من القبر في اليوم التالي، وقال لهم: الله يعين أباكم.
فلذلك الإنسان:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93) ﴾

( سورة الحجر )

دائماً بطولتك في تهيئة جواب لله عزَّ وجل، افعل ما تشاء، قد تكون رب أسرة ؛ اظلم زوجتك، اظلم أولادك، قد تكون في عملك ذا شأن، وعندك موظَّفون ضعاف، تستطيع أن تستغلَّهم، تستطيع أن تقهرهم، تستطيع إعطاءهم نصف حقِّهم، لا يستطيعون الكلام خوفاً منك، فالله عزَّ وجل يراقبك، افعل ما تشاء..

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26) ﴾

( سورة الغاشية )

فلذلك: " حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا، وسيتخطَّى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا "
قال تعالى:

﴿ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ﴾

إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ

هؤلاء ليسوا محضرين، ولكنَّهم مدعوون، إذا دُعيت إلى حفل، أولاً الهديَّة تصلك إلى البيت، بعدها بطاقة أنيقة، فيها تخطيط من الداخل، تدخل إلى الحفل فيه الشراب، والمقبِّلات، والطعام النفيس، والترحيب، والبشاشة، والمقاعد والوثيرة، هذه الدعوة، الكفَّار ألقي القبض عليهم، وسيقوا ليلقوا مصيرهم ؛ والمؤمنون يُدعون إلى الله وفدا، المؤمنون وفد، الوفد معزَّز، مبجَّل، مكرَّم، محترم، مرفَّه، قال:

﴿ فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ(127)إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ﴾

هذا مخلَص بعد أن أخلص، أخلص فصار مخلَص، فأقبل على الله بإخلاصه الشديد، فنقَّاه الله من كل درن، من كل شائبة، من كل شرك، من كل شُبُهة، من كل انحراف، من كل ضغينة، من كل حَسَد، أخلص فأصبح مخلصاً..

﴿ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ(128)وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ﴾

وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ

والله شيء جميل جداً أن يموت الإنسان، ويمضى على وفاته سنة، وسنتان، وخمس، وعشر، ومائة، وألف، وذكره عطر، العالَم الإسلامي فيه ألف ومئتا مليون، سيدنا عمر، سيدنا الصديق، سيدنا عثمان، سيدنا علي، الصحابة الكرام، سيدنا سعد، سيدنا سعيد، ابن الزبير، أبو عبيدة بن الجرَّاح، سيدنا صلاح الدين، عمر بن عبد العزيز، أقول: سيدنا، لا أجرؤ أن أقول: فلان، هذا الذكر الحسن، فشيء رائع جداً أن يموت الإنسان والناس يلهجون بالثناء عليه دوماً، هذا عطاء عظيم.
إذاً: الكافر يلقى القبض عليه، ويُساق ليلقى مصيره المحتوم، والإنسان في الدنيا إذا ارتكب جرماً يستحق أن يُعْتَقل، كيف يؤخَذ ؟ يؤخذ مع اللكم، والضرب، والسُباب، والشتائم، والرَكل، أما إذا دعي فإنه يُعزَّز، ويُكرَّم، فشتَّان بين من يُحضر ومن يُكرَّم، لذلك يقول الله عزَّ وجل:

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُو لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(61) ﴾

( سورة القصص )

إذا أُلقي القبض عليه، وسيق ليُعَذَّب، وليلقى جزاء عمله، ينسى كل متع الحياة، والإنسان غير المؤمن مهما انغمس في النعيم، مهما تناول من الطعام، مهما فعل من المَلذَّات، حينما يأتيه ملك الموت ينسى كل شيء، يصيح صيحةً لو سمعها أهل الأرض لصُعِقوا، يقول: " لمْ أرَ خيراً قط "، والمؤمن حينما يرى مقامه في الجنَّة ينسى كل متاعب الدنيا فيقول: " لمْ أرَ شرَّاً قط ".
يقول الإمام علي كرَّم الله وجهه: " يا بني من خيرٌ بعده النار بخير، وما شرٌّ بعده الجنَّة بشر، وكل نعيمٍ دون الجنَّة محقور، وكل بلاءٍ دون النار عافية "
سيدنا عمر كان إذا أصابته مصيبةٌ قال: << الحمد لله ثلاثاً ؛ الحمد لله إذ لم تكن في ديني، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها، والحمد لله إذ أُلْهِمْتُ الصبر عليها >>.
أيّة مصيبةٍ ليست في الدين مصيبةٌ تهون، لكن مصيبة الدين أن يعصي الإنسان الله عزَّ وجل، أن يرتكب الكبائر، أن يستحقَّ غضب الله عزَّ وجل.
إذاً:

﴿ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ﴾

هؤلاء يذهبون إلى الآخرة وكأنَّهم وفود..

﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ﴾

الذكر الحسن، الذكر الحسن عمر آخر للإنسان، الإنسان أحياناً يكون له والد حسن السيرة، أينما تحرَّك: الله يرحم الوالد..

﴿ سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ ﴾

سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ

هذا السلام من أسماء الله السلام، أي سلامٌ، وراحةٌ، وسعادةً، وطمأنينةٌ، الآخرة فيها سلام، الله سمَّاها دار السلام، والله الدنيا دار القلق، الإنسان دائماً يخاف، يخاف إذا امتدَّ به العمر، يا ترى ماء زرقاء ؟ هناك أمراض كثيرة، أمراض الشيخوخة معروفة، دائماً في قلق ؛ قلق على بصره، قلق على سمعه، على قلبه، على شرايينه، على الدسَّام، على الضغط، على الكلى، يا ترى البول خف ماذا أفعل ؟ هل هناك مشكلة ؟ هل هناك بحصة ؟ دائماً هناك مشاكل في الحياة، وقلق، يا ترى هل ستظل التجارة رائجة ؟ أم في كساد، سمحوا، أم منعوا ؟ ربنا عزَّ وجل في الآخرة ؛ لا خوف، ولا هم، ولا حزن، ولا قلق، ولا ضيق، ولا شيخوخة، ولا متاعب، ولا مرض، لهذا يقول الله عزَّ وجل:

﴿ سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ ﴾

سلام، هذه دار السلام، اللهمَّ أدخلنا دار السلام بسلام.

﴿ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾

إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ

هذا هو الثمن، الثمن الإحسان، الإحسان في العمل، الإحسان في الاستقامة، الإحسان في أداء ما عليك، الإحسان مطلق، حتَّى لو قتلت حيواناً، الإحسان ضربة واحدة، حتَّى لو ذبحت حيواناً..

(( وَلْيُحِدَّ أحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ ))

[ أخرجه مسلم ]

كن محسناً، دائماً المؤمن محسن، والكافر مسيء، المؤمن منضبط، والكافر متفلِّت، المؤمن موصول، والكافر مقطوع، موصول منضبط محسن، مقطوع متفلِّت مسيء..

﴿ إِنَّا كَذَلِكَ ﴾

يا الله !! هذه الكلمة الله قلبها إلى قانون، ألم أقل لكم سابقاً: القصص في القرآن الكريم ليست مقصودةً لذاتها، مقصودةً للقوانين التي تحكُمها، ليست مقصودةً لذاتها، بل مقصودةٌ للقوانين التي تستنبط منها..

﴿ إِنَّا كَذَلِكَ ﴾

الكلام لنا الآن، نحن نعيش في عام ألف وتسعمائة واثنين وتسعين بعد نزول هذه الآيات بألفٍ وأربعمائة سنة.
الكلام لنا الآن..

﴿ إِنَّا كَذَلِكَ ﴾

السلام في جنَّةٍ عرضها السماوات والأرض..

﴿ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(131)إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ﴾

إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ

أي أنه آمن بالله عزَّ وجل فأحسن، كفر فأساء، آمن فأحسن، كفر فأساء، خاف فاتقى، عطَّل فكره فتفلَّت.
وفي درسٍ قادمٍ إن شاء الله ننتقل إلى قصَّة سيدنا لوط، وقصَّة سيدنا يونس، وبعدها تأتي الآيات لتُجْمِل المعاني التي وردت في ثنيَّات هذه القصص.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018