الدرس : 03 - سورة الصافات - تفسير الآيات 11 - 25 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 03 - سورة الصافات - تفسير الآيات 11 - 25


1992-09-11

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الأكارم، مع الدرس الثالث من سورة الصَّافات، ومع الآية الحادية عشرة، وهي قوله تعالى:

﴿ فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ ﴾

فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ

هذه الآية دليل على إمكان البعث:

 هذه الآية فيها دليلٌ عقليٌ على إمكان البعث، فإذا وجدوا أنه يصعُب أن يعادوا خلقاً آخر، فربنا عزَّ وجل وجَّه نظرهم إلى خلق السماوات والأرض ؛ فهذه المخلوقات والمجرَّات والكواكب والكازارات، المذنَّبات والشمس والقمر والنجوم والجبال والأنهار، هذه المخلوقات التي خلقها قادرٌ على أن يعيد خلق الإنسان مرةً ثانية..

 

﴿ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ ﴾

 أي طينٍ ليِّن.
 مركز الاهتمام في الآية التالية:

 

 

﴿ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ﴾

 

بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونًَ

1 ـ كلما نما علم الإنسان نما خوفه وقلقه:

 أيها الإخوة... الإنسان أحياناً يستمع إلى خبر، إن استمع إلى خبر، وكان هذا الخبر خطيراً يعجب، ويتأَّمل، ويقلق ؛ وأما الجاهل إذا استمع إلى خبرٍ خطير فإنه يسخر، فالفرق بين العالم والجاهل فرقٌ كبير، فكلما نما إدراك الإنسان نما خوفه، وكلما قلّ إدراكه قلّ خوفه، فإذا كان مؤشِّر الخوف يتحرك فمؤشر الإدراك يتحرك، وتحرك الإدراك موافقٌ لتحرك الخوف، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام:

(( رأس الحكمة مخافة الله تعالى ))

[ الجامع الصغير عن ابن مسعود ]

 من الذي لا يبالي بالجراثيم ؟ الجاهل، أما الإنسان المثقف فيبالي، ويغسل الخضراوات مرة أو مرتين، أما الطبيب الذي يرى تحت المجهر مئات ألوف الكائنات الحية الدقيقة التي تؤذي الإنسان، فإنه يبالغ بغسل الخضار والفواكه.
 النقطة الدقيقة: أنه كلما نما علم الإنسان نما خوفه وقلقه، وإذا خاف الإنسان ربه في الدنيا أمَّنه يوم القيامة، ولا يجتمع أمنان وخوفان، إن خفته في الدنيا أمَّنك يوم القيامة، وإن أمنته بسذاجةٍ في الدنيا أخافك يوم القيامة.

2 ـ إن وسَّعت الصراط عليك في الدنيا ضاق عليك يوم القيامة:ٌ

 إن وسَّعت الصراط عليك في الدنيا ضاق عليك يوم القيامة، إذا كل قضية قلت: لا تؤثر، والله غفور رحيم، ولا تدقق، والقضية فيها مرونة، وهذه قضية خلافية، وهناك مذهب يغطيها، وقرأت في مجلة عن وجود فتوى لها !!! إذا وسَّعتَ الصراط في الدنيا ضاق عليك يوم القيامة، وإذا ضيقته في الدنيا، وقلت: هذا حرام، وهذه شبهة، وهذه لا أفعلها، وهذه لا أفعلها تأثُّماً، وهذه لا أفعلها ترفُّعاً، وهذه أخرج من الخلاف ولا أفعلها، فكلما ضيَّقت عليك الصراط في الدنيا اتسع عليك يوم القيامة، القضيةٌ دقيقةٌ جداً، البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت.
 فأنا أنصح الأخ الكريم أن لا يتسع، وأن لا يوسع صراطه، وأن لا يتعلق بفتوى ضعيفة، وبرأي ضعيف، وألا يتعلق بفتوى من إنسان غير ملتزم، ولا ورِع، فإذا خرجت من الخلاف، وبقيت في الذي سمح الله لك به، إذا تركت ما لا بأس به حذراً مما به بأس، فأنت من الورعين.

 

(( ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط ))

 

[ ورد في الأثر ]

﴿ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ﴾

3 ـ السخرية دليل الجهل:

 السخرية دليل الجهل، فطفل صغير دون سن الوعي، طفل عمره سنتان، أو عمره سنة واحدة، لو رأى ثعباناً أرقم ثخيناً وطويلاً لا يخافه إطلاقاً ؛ بل يضع يده عليه، يلمسه برفقٍ، لكن رجلاً واعياً راشداً كبيراً إن رأى ثعباناً يقفز قفزةً، ويصيح صيحةً يكاد يخرج من جلده خوفاً، فهذا الكبير خاف، وهذا الصغير لم يخف ؟! نقول: الصغير لا إدراك عنده، لأن الخوف يتناسب مع الإدراك، وكلما نما عقلك نما خوفك.

 

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله  وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
***

 إذا قرأ الإنسان القرآن فلا ينبغي أن يقرأه تبركاً، فهذا كلام رب العالمين، وموقفك يجب أن يكون واضحاً، فهل أنت مصدِّقٌ هذا الكلام ؟ أم أنت في مخالفة، وهل أنت مصدق أن الله عزَّ وجل سيحاسبك حساباً دقيقاً ؟ كيف تنام الليل ؟ وسيدنا عمر يقول: << عجبت لثلاث: لمؤملٍ والموت يطلبه، وغافلٍ وليس بمغفولٍ عنه، وضاحكٍ ملء فيه، ولا يدري أساخطٌ عنه الله أو راضٍ >>.
 ومن غرائب المصادفات أني التقيت مع شخص ـ قبل أسبوعين أو ثلاثة ـ في حفل عقد قران، وكان من ألمع شخصيَّات الحفل، حركة، ونشاطا، وابتسامة، وحيوية، وأناقة، وبعد يومين كان من أصحاب القبور، قلت في نفسي: لو علم هذا الإنسان أنه قد بقي له يومان في حياته ماذا يفعل ؟ فقضية الموت قضيةٌ خطيرة.

 

 

﴿ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ﴾

 لا يسخر إلا الغبي، ولا يسخر إلا محدود التفكير، والأعمى، والأحمق، والغافل، وغرق بشهواته إلى درجة العمى، لذلك قال النبي الكريم:

 

 

(( حبك الشيء يعمي ويصم ))

 

[ الجامع الصغير ]

(( حب الدنيا رأس كل خطيئة ))

[ الجامع الصغير عن الحسن مرسلا ]

 " ما أحب عبدٌ الدنيا إلا التاط منها بثلاثٍ: بشغلٍ عناه، وفقرٍ لا يبلغ غناه، وأمل لا يدرك منتهاه "، أمل هوائي، وشعور بالفقر مستمر، وشغل يسحقه..
 لقد استوقفتني هذه الآية:

 

﴿ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ﴾

 خبر واحد يجعل العالِمَ ترتعد فرائصه منه، وخبر واحد يدل على جهل الجاهل، يتلقَّاه بالسخرية، والسذاجة، وعدم المبالاة، والنبي الكريم يقول:

 

 

(( لو تعلمون ما أنتم لاقون بعد الموت ما أكلتم طعاما على شهوة أبدا، ولا شربتم شرابا على شهوة أبدا، ولا دخلتم بيتا تستظلون به، ولمررتم إلى الصعدات تلدمون صدوركم، وتبكون على أنفسكم ))

 

( الجامع الصغير عن أبي الدراداء )

 مثل من واقع الحياة: لو أن إنساناً توعدك وهو يفعل ما يقول، بعد أسبوع أو بعد شهر، لا تنام الليل، إذا كان قوياً، وإذا قال فعل، وتوعدك بمشكلةٍ يحدثها لك، فالقرآن الكريم كلام رب العالمين، تقرأه صباح مساء، وينبئك أنه لابد من وقفةٍ بين يدي الله عزَّ وجل، لابدَّ من سؤالٍ دقيق..

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93) ﴾

( سورة الحجر )

إياكم والظلم:

 لي صديق حدثني عن قصةٍ أرويها لكم لشدة وضوحها: له قريبةٌ يحبها حباً جماً، توفيت، فرآها في المنام مراتٍ عديدة بحالةٍ تعيسة، وبقي يراها بهذه الحالة ثماني سنوات، إلى أن رآها مرةً بحالةٍ طيبة، قال: يا فلانة ما فعل الله بك ؟ قالت: كأس الحليب، فلما سأل، وبحث عن كأس الحليب، كان لهذه المرأة أولادٌ من زوجها ليسوا منها، وكان لها أولادٌ منها، فكانت إذا أرادت أن تطعمهم سقتهم حليباً، لأولاد زوجها نصفه ماء ونصفه حليب، وأما أولادها فحليبٌ كامل الدسم، هذا موقف فيه ظلم..

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93) ﴾

( سورة الحجر )

 فالذي عنده أيتام، الذي عنده صانع يأكل حقه، الذي عنده زوجة لا يعرف حقوقها، هؤلاء الذين أكلوا أموال الناس بالباطل، هؤلاء الذين اعتدوا على حُرُمات الله، هؤلاء الذين بنوا مجدهم على أنقاض الناس، وبنوا غناهم على فقر الناس، وأمنهم على خوف الناس، سيحاسبون حساباً عسيراً.
 لذلك أيها الإخوة الأكارم، من حاسب نفسه في الدنيا حساباً يسيراً، كان حسابه يوم القيامة عسيراً، ومن حاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً، هذا:

﴿ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ﴾

 خبر واحد.

﴿ وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ ﴾

وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ

1 ـ الكفر مانع من التذكّر:

 لأنه:

﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ﴾

( سورة البقرة: من الآية 88 )

 الكفر غلَّفَ قلوبهم..

 

﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾

 

( سورة الصف: من الآية 5 )

 إذا عزي الإضلال إلى الله عزَّ وجل، فهو الإضلال الجزائي المبني على ضلال اختياري..

﴿ وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ ﴾

2 ـ المؤمن إذا ذُكِّرَ يَذْكُر:

 أقول لكم هذه الكلمة: المؤمن إذا ذُكِّرَ يَذْكُر.

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَا ﴾

( سورة الأنفال: من الآية 2 )

 فالمؤمن سريع الاستجابة، عنده حساسة إيجابية، يصغي للحق، ويقبل النصيحة، إذا ذُكِّرَ يَذْكُر، فهو قريب المأخذ، ولكن الكافر كلما غرق في المعاصي اشتد الحجاب بينه وبين الله عزَّ وجل، إلى أن يعلم الله عزَّ وجل أنه لن يستجيب، وعندئذٍ يعطيه الدنيا كما يريد.
 يا أيها الإخوة الأكارم... إن جاءتك الدنيا كما تريد، ولست مستقيماً فهذه علامةٌ خطيرةٌ جداً، لأن الله عزَّ وجل يقول:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

( سورة الأنعام: من الآية 44 )

 لم يفتح باباً واحداً بل فتح أبواباً، ولم يفتح باب شيءٍ، أو أبواب شيءٍ، بل أبواب كل شيءٍ..

﴿ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ﴾

( سورة الأنعام: من الآية 44 )

 فكل واحد منا يعرف كيف يعامله الله عزَّ وجل، فإذا عامله بالشدة، أي تابعه، وعاقبه على انحرافٍ، أو تقصيرٍ، أو ذنبٍ، أو معصيةٍ، أو مخالفةٍ، فهذه علامةٌ طيبةٌ، ومعنى ذلك أنه ضمن العناية المشددة، وأنه في رعاية الله، وأنه مطلوب، وأن الله يحبُّه، لأن الله إذا أحب عبداً عَجَّلَ له العقوبة، أما إذا أبغض عبداً تركه هملاً، ثم تأتيه عقوبةً واحدة تقصمه وتنهيه، فالكافر دائماً خطه البياني يصعد صعوداً حاداً، وكلما علا خطه البياني السقوط مريع، بينما المؤمن يصعد صعوداً بطيئاً معتدلاً ثابتاً مستمراً إلى أبد الآبدين، وما الموت إلا نقطةٌ على هذا الخط، لا تفرح بالدنيا إذا أقبلت عليك، ولست مستقيماً على أمر الله فهو استدراج، والنبي عليه الصلاة والسلام قال:

 

(( ما ينتظر أحدكم من الدنيا إلا غِنَىً مُطْغِياً، أو فَقْراً مُنْسِياً، أو مَرَضاً مُفْسِداً ))

 

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

 الشاهد:

(( إلا غِنَىً مُطْغِياً ))

  فمن المصائب الكبيرة أن يأتيك المال الوفير وأنت على جهل، فيكون هذا المال سبب انحرافك، وسبب طغيانك، وسبب معصيتك، إذاً: قليلٌ تؤدِّي شكره خيرٌ من كثيرٍ لا تؤدي شكره، وقليلٌ يكفيك خيرٌ من كثير يُطغيك.

 

(( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ))

 

[ سنن الترمذي عن سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ ]

 هذا معنى قوله تعالى:

﴿ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ(12)وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ ﴾

 قرأت في الأثر أن الإنسان إذا جاءه ملك الموت، وكان يملك الدنيا بما فيها، يتمنى أن يعطي الدنيا كلها نظير أن يؤخَّرَ في أجله ساعة، لعله في هذه الساعة يُصلي ركعتين، ولعله في هذه الساعة يستغفر الله، ويؤدِّي حقوق الخلق، لذلك ما دام القلب يخفق، وما دام النَفَسُ يخرج ويدخل، فإننا في بحبوحة، وفي فُسحة، فهذا الوقت ينبغي أن نستغله، وهذا الوقت يمرُّ علينا ونحن محاسبون عليه، وما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: يا ابن آدم، أنا خلقٌ جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة، فلابد أن يشعر كل واحدٌ منكم أنه حينما يفتح عينيه صباحاً، أتمنى أن يتصور أن الله جلَّ وعلا سمح له أن يعيش يوماً جديداً، فالنبي كان يدعو ويقول:

 

(( إنْ أمْسَكْتَ نَفْسِي فارْحَمْها، وَإِنْ أرْسَلْتَها فاحْفَظْها بما تَحْفَظُ بِهِ عِبادَكَ الصَّالِحينَ ))

 

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

﴿ وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ ﴾

وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ

الكافر يسخر من آيات الله الدالة على عظمته:

 أي أن آيات الله الدالة على عظمته يسخرون منها، بعوضة، فالله عزَّ وجل قال:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾

( سورة البقرة )

 هذه البعوضة يمكن أن تتعرف إلى الله من خلالها، إنك تحتقرها، وتقتلها فوراً، وكأنك لم تفعل شيئاً، هذه البعوضة فيها من آيات الله الدالة على عظمته الشيء الكثير، فلها ثلاثة قلوب، ولديها جهاز رادار، وجهاز تحليل دم، وجهاز تمييع دم، وجهاز تخدير، وأجنحة البعوضة في الثانية الواحدة ترفُّ أربعة آلاف رفة، ولأرجلها محاجم ومخالب، وربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾

 فالبعوضة آية، والخروف آية، وكأس الحليب آية، والرياح آية، والأمطار آية..

 

وفي كل شيء له آية  تدل على أنه واحد
***

 

﴿ وَإِذَا رَأَوْا آيَةً ﴾

أنواع الآيات:

 

1 ـ الآيات الكونية:

 أية أي علامة، ذكرت اليوم في الخطبة: أن الآيات أنواع ثلاث، فهناك آياتٌ كونية، وآياتٌ تكوينية، وآياتٌ قرآنية، وكلها دالةٌ على عظمة الله، فالآية الكونية ؛ الشمس والقمر، والليل والنهار والنجوم، والطعام والشراب، والخضراوات والفواكه، والنبات والأشجار، والأطيار والأسماك، وكل شيء حولك.

2 ـ الآيات التكوينية:

 أما الآيات التكوينية فهي أفعال الله..

﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾

( سورة الأنعام: من الآية 65 )

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(112) ﴾

( سورة النحل )

 فربنا له آياتٌ كونية، وله آيات تكوينية أي أفعاله ؛ الزلازل، والبراكين، والرياح العاتية، والأعاصير التي كلَّفت ثلاثين مليار من عملتهم ـ ثلاثين مليارًا، وهو مبلغٌ كبير جداً ـ فالأعاصير، والزلازل، والبراكين، والفيضانات، والسيول، والحروب، والأوبئة، والأمراض والإيدز، هذه كلها آيات تكوينية، الشمس والقمر والنجوم والرياح والليل والنهار آيات كونية.

 

3 ـ الآيات القرآنية:

 وهذا القرآن الكريم آيات قرآنية، ثلاث آياتٌ في حياة المؤمن، آيةٌ كونية، وآيةٌ تكوينية، وآية قرآنية، الكون قرآن صامت، والقرآن كونٌ ناطق، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآنٌ يمشي.

﴿ وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ(14)وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾

تهمة قديمة متجددة: وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبينٌ

 التعبيرات الحديثة ؛ هذه غيبيَّات، هذا يتعلق بما وراء الطبيعة، وهذه لا تعنينا، فهي أمور خاصة، وليست عامة، وهذه قضايا ليس لها علاقة بالعلم، ونحن أهل علم، وكأن العالم يجب أن يكون لا دينياً، فربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾

 معنى سحر أي له تأثير، ولكن هذا سحر وليس حقيقة.

﴿ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ(16)أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ(17)قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ ﴾

البعث: أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ(16)أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ

 وأنتم مرغمون، ومقهورون، وخاضعون، فالمشكلة أن إيمانك بالله عزَّ وجل لا يصح إلا إذا آمنت مع الإيمان بالله باليوم الآخر، لأن الإيمان بالله من دون يوم آخر، تظن أن الدنيا هي كل شيء، مع أنها شيء، والآخرة هي كل شيء ؛ حيث هناك يوم الفصل، وهناك يوم الدين، والبَعث، والجزاء، ويوم الدينونة، والواقعة، والحاقة، والقارعة، هذه كلها أسماء يوم القيامة.
 فالقارعة تقرع النفس، والحاقة تحق، والواقعة تقع، والفصل يُفْصَلُ بين الخلائق، ويوم الجزاء، ويوم الدينونة، فالمشكلة أن الإنسان إذا آمن بالله ولم يؤمن باليوم الآخرة لا يستقيم على أمر الله، إنك لن تستقيم إلا إذا آمنت بالله خالقاً ومربياً ومسيراً، وآمنت باليوم الآخر، وآمنت بأنه سيحاسبك، إذا أيقنت أنه خلقك، ويعلم، وسيحاسب، استقمت، وأي إنسان، من دون استثناء إذا أيقن أن الله موجود، ويعلم، وسيحاسب، استقام.
 وأبلغ من ذلك: إذا اعتقدت أن إنساناً من جنسك، ومن طبيعتك، يملك عليك سلطةً، ويعلم ما تفعل، وسيحاسب، تستقيم على أوامره، إنك تستقيم على أوامر إنسان من جنسك، ومن طبيعتك، ومن ضعفك، ومن افتقارك، وإذا أيقنت أنه يعلم وسيحاسب، ويفعل ما يقول، أي أنه قوي، والقوي الذي يعلم، والذي يحاسب لابدَّ من أن تستقيم على أمره، فكيف برب السماوات والأرض ؟ فكيف بالذي لا يغفل ولا ينام، ويعلم سر السماوات والأرض، هذا من عند من ؟

﴿ قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا(6) ﴾

( سورة الفرقان )

﴿ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ(12)وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ(13)وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ ﴾

مَن سخر من الدين في الدنيا سخر منه في الآخرة:

 وعلى كلٍ عندما يتورط الإنسان، ويسخر من آية كونية، أو من آية تكوينية، أو من آية قرآنية، أو يسخر من عقيدة جاء بها القرآن، أو يسخر من إنسان مستقيم على أمر الله، ومن إنسان خائف من يوم القيامة، حينما يسخر هذا الإنسان، ليعلم علم اليقين أنه سيقف في يومٍ ما ليُسْخَرَ منه..

﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ(104)أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ(105)قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ(106)رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ(107)قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ(108)إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ(109)فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ(110) ﴾

( سورة المؤمنون )

 وربنا عز وجل يقول في آية أخرى:

﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ(34) ﴾

( سورة المطففين )

 هل لكم أن تعلموا من هو البطل ؟ هو الذي يضحك أخيراً لا أولاً، فالذي يضحك أولاً قد يبكي بعد ذلك، لكن البطولة أن تضحك آخر الناس، أما إذا ضحكت في الدنيا، وبكى الإنسان يوم القيامة فهو من الخاسرين.
 قال تعالى:

 

﴿ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ ﴾

 

فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ

 أي أن الله عزَّ وجل قدرته ليس لها حدود، زجرة واحدة، صيحة واحدة، وكلكم يعلم من خلال ما نسمع من أخبار، زلزال دام أربع ثوانٍ، أو خمس ثوانٍ، إذا كانت درجته خمساً بمقياس الزلازل، أصبح كل شيءٍ قاعاً صفصفاً، ربنا عزَّ وجل هزَّة واحدة ينهي كل شيء..

﴿ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ﴾

 ماذا تعني كلمة واحدة ؟ فعندما تكون قويا جداً تقول: فلان يحتاج ضربة واحدة، كلمة واحدة تعني أنك قويٌ جداً، وأنه ضعيفٌ جداً، إذا كان الإنسان يصارع وحشا كاسرا أو سبعا فهذا شيء صعب، يقول لك: جلت معه جولات، أما حشرة صغيرة تمشي على الأرض فبإمكانك أن تدوسها، إذا كان مسموحا لك أن تقتلها ـ إنما هي ضَغْطَةٌ واحدة وانتهى الأمر، فربنا عزَّ وجل يبين عظمة قدرته وضعف الإنسان، فقال:

 

﴿ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ ﴾

 عندئذٍ يقولون:

 

 

﴿ يَا وَيْلَنَا ﴾

 

يَا وَيْلَنَا

1 ـ ولات ساعة مندم:

 فالبطل الذي لا يفاجأ بالمستقبل، والغبي دائماً يفاجأ بالمستقبل، فالأغبياء، والأشقياء، والضعفاء، والمغموسون في الدنيا، وفي حب الدنيا، والغافلون، والفاجرون، هؤلاء يعطون أنفسهم كل شهواتها، فإذا جاء العقاب، أو جاء الموت، أو جاء يوم الدين صعقوا ؛ أما الأذكياء، والعقلاء، والموفقون، والمستقيمون، فهؤلاء من الذكاء والكياسة والعقل حيث أدركوا ما في المستقبل، فتكيفوا معه من الحاضر، وهذه هي القصة كلها.
 وكما قلت لكم من قبل إن قضية الإيمان ليس أن تؤمن أو لا تؤمن، لابد من أن تؤمن، القضية: متى تؤمن ؟ إما أن تؤمن في الوقت المناسب ؛ وإما أن تؤمن بعد فوات الأوان، هذه هي القضية كلها، فالإنسان العاقل إذا أيقن بالموت، وأيقن مع الموت حساباً دقيقاً، وأن الإنسان..

(( لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ ؟ وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَ أَبْلاهُ ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ ؟ وَفِيمَ وَضَعَهُ ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ ؟ ))

[ من سنن الدارمي عن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ]

2 ـ الموت هو القضية الكبرى:

 إذا أيقنا بالموت، وأيقنا بالسؤال بعد الموت، عندئذٍ لابد من أن نستقيم على أمر الله، لكن الإنسان إذا لم يوقن يفاجأ، وقد قرأت مرة كلمة: العاقل هو الذي لا يندم.
 متى لا يندم الإنسان ؟ إذا أعد لكل شيء عدته، فهل هناك شيءٌ أكثر واقعيةٌ من الموت ؟ تعالوا نتكيَّف مع الموت، لابد من أن يأتي عاجلاً أو آجلاً، ولابد من أن يقرأ الناس في أحد الأيام نعينا على الجدران، وأن نخرج من بيوتنا بشكلٍ أفقي، وأن نخرج دون أن نعود، فهل هناك أحد يشك في الموت ؟ ولو بعد مائة عام، ولو بعد خمسين عاماً، لكن إذا أيقنت أن هذا كلام رب العالمين، وأن الله سبحانه وتعالى سيسألك عند الموت، وفي القبر، وفي البرزخ، وبعد الموت، ويوم يقوم الأشهاد عن كل شيءٍ فعلته، أليس من العقل التكيُّف مع هذا الحدث الضخم، الذي هو أخطر حدثٍ في حياتنا ؟ ربما كان الموت أخطر من الحياة، لقول الله عزَّ وجل:

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

( سورة الملك: من الآية 2 )

 قدَّمَ الموت على الحياة لأنه أخطر من الحياة، ففي الحياة عندك خياراتٌ كثيرة حينما تولد، ولكن إذا جاء الموت..

 

(( فو الذي نفسي بيده ما بعد الموت من مستعتب، ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار ))

 

[ تخريج أحاديث الإحياء ]

 الإنسان أول العام الدراسي تجد عنده أملا، وتفاؤلا، يقرأ، ويتحقق، ويتأكَّد، ويتابع جهوده في مادة معيَّنة، لكن إذا جاء الامتحان، وكتب فعنده أحد احتمالين: ناجح أو راسب، فإذا وقف على لائحة الإعلانات يضطرب قلبه اضطراباً شديداً، إما أن يرى اسمه، وإما أنه يبقى للعام القادم، فهذه هي القضية، فربنا قال:

 

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا ﴾

 

( سورة الملك: من الآية 2)

﴿ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ(19)وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ ﴾

وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ

 الإنسان أحياناً باللغة الدارجة: "يولول "، فمتى يولول ؟ حينما يفاجأ بخبر لا يحتمل، فالمؤمن يستعد لهذا اليوم، لهذا ورد في بعض الأحاديث أن الله عزَّ وجل يخاطب الإنسان الذي وضع في قبره أول ليلة، يقول الله عزَّ وجل:

(( عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبقَ لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت ))

 ليس لك غيري الآن ؟ فإذا لم يكن لنا غيره فيجب أن نحسن العلاقة به منذ الآن.

﴿ وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ ﴾

 من أسماء الله الحسنى الحق، وهذا الاسم يتحقق يوم الدين، يوم يرى كل إنسان عمله، ويجازى عليه جزاءاً وفاقاً، لا ظلم اليوم..

﴿ إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ(1)لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ(2)خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ(3) ﴾

( سورة الواقعة )

﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيه(19)إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيه(20)فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ(21)فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ(22)قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ(23)كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ(24)وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيه(25)وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيه(26)يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ(27)مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيه(28)هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيه(29)خُذُوهُ فَغُلُّوهُ(30)ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ(31)ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ(32)إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ(33) ﴾

( سورة الحاقة )

إياكم أن تخسروا الآخرة:

 الإنسان أحياناً إذا خسر في الدنيا خسارةً فادحة، أو ضاع منه بيتٌ ثمين، أو خسر محلاً تجارياً رائجاً، أو خسر شركةً أرباحها ضخمة، أو ضيَّع أرضاً أصبحت بمئات الملايين، ألا يتألم ألماً يكاد يقول: إني قلبي ينعصر من شدة الألم، هذه دنيا، فكيف إذا خسرت الآخرة كلها دفعةً واحدة ؟ لذلك المشرك والكافر ماذا خسر ؟ خسر نفسه، فقد تخسر بعض المال، وقد تخسر كل المال، وقد تفقد ابناً، أما الكافر خسر نفسه.

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا(103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(104) ﴾

( سورة الكهف )

﴿ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾

هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ

 فهذه الكلمة: "حط في الخرج "، و "متى يفرجها الله "، ولا تدقق، فالآن القضية لها معنى آخر، فقد تجد أن الواحد منهم واجم، خائف، قلق..

﴿ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾

 كانوا يقولون: وهذه غيبيات، وهذه ما وراء الطبيعة ـ ميتافيزيك ـ هذه فلسفة، فالآن كل هذه الكلمات التي كانوا يلقونها جزافاً، هم الآن محاسبون عليها.

 

﴿ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ﴾

 

احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ

 أيها الإخوة... يقول الله عز وجل:

﴿ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ ﴾

معنى: أزواجهم:

 وأزواجهم من كان على شاكلتهم، أي أن شاربي الخمر مجموعة، والمرابين مجموعة، والزناة مجموعة، والمفسدين للعقائد مجموعة، والمرجفين في المدينة مجموعة، والكذَّابين مدينة، والمُغتابين مجموعة، هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم..

﴿ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ(22)مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ ﴾

مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (23)وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ

1 ـ هذا مصير من لم يهتد في الدنيا:

 الإنسان في الدنيا حينما كان يرفض الهدى في الآخرة سيهتدي ـ ولكن لا إلى الجنة ؛ ولكن إلى الجحيم، في تهكُّم، الذي يرفض الهدى في الدنيا، سوف يهتدي يوم القيامة لا إلى الجنة ونعيمها ؛ بل إلى الجحيم وعذابه.

﴿ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ ﴾

2 ـ موقف السؤال:

 لذلك ورد أن الأغنياء يحشرون أربع فرق يوم القيامة ؛ فريقٌ جمع المال من حلال أنفقه في حرام، يقال: خذوه إلى النار، وفريقٌ جمع المال من حرام أنفقه في حلال، يقال: خذوه إلى النار، وفريقٌ جمع المال من حرام، وأنفقه في حرام يقال: خذوه إلى النار، وفريقٌ جمع المال من حلالٍ وأنفقه في حلال، هذا يقال: قفوه فاسألوه.. هل تاه بماله على عباد الله، وهل ضيَّعَ فرض صلاة، وهل قال جيرانه: يا رب لقد أغنيته بين أظهرنا فقَصَّرَ في حقنا.

كلمة ومدلولها:

 كلمة مسؤول، سبحان الله ! الإنسان يترنم بها، يقول: أنا مسؤول كبير، مع أن هذه الكلمة تخوف.

 

﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ﴾

 هذه الكلمة ليست مدعاة للفخر، بل مدعاة للخوف، أنت مسؤول، نعم أنا مسؤول كبير، فما معنى مسؤول كبير ؟ سوف تُسأل، فكلمة مسؤول لا تعني الفخر، ولا تعني الشعور بأنك فوق الناس، لا، بل تعني أنك سوف تحاسب، سيدنا عمر قال: << لست خيراً من أحدكم، ولكنني أثقلكم حملاً >>، فهذا الشعور الدقيق، << لست خيراً من أحدكم، ولكنني أثقلكم حملاً >>، وكل إنسان أعطاه الله ميزة ؛ الأب مسؤول لأنه قدوة، والأم مسؤولة، والمعلم مسؤول، ومدير الثانوية مسؤول، ومدير المستشفى مسؤول، فكل إنسان له مكانة، وله منصب قيادي فهو مسؤول.

 

﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ(24)مَا لَكُمْ لَا يَتَنَاصَرُونَ ﴾

مَا لَكُمْ لَا يَتَنَاصَرُونَ

لا تناصُرَ يوم القيامة:

 الناس في الدنيا تجمُّعات، وهذه التجمُّعات أساسها مصالح، فأنت مع من يلوذُ بك في المصلحة على حقٍ أو على باطل، وترون بأعينكم كيف أن بعض الدول تجتمع على باطل لقهر شعبٍ أعزل أحياناً، تجتمع كلها على باطل من أجل مصالحها، وهناك تناصر في الدنيا، فالإنسان في الدنيا يتعامل مع الآخرين على أساس المصلحة، فإذا وقع خطر ينصره، أما في الآخرة فلا تناصر.

﴿ مَا لَكُمْ لَا يَتَنَاصَرُونَ(25)بَلْ هُمْ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ﴾

 التناصر من لوازم الدنيا، وقد يكون الإنسان على باطل، لكن مصلحته مع فلان، فهو يتفق معه، فإذا داهمهم خطر وقفوا جميعاً ضده بحق أو بباطل، هذا التناصر يوم القيامة مرفوض..

 

﴿ مَا لَكُمْ لَا يَتَنَاصَرُونَ(25)بَلْ هُمْ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ(26)وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ(27)قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنْ الْيَمِينِ(28)قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ(29)وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ(30)فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ(31)فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ(32)فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ(33)إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ(34) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ(35)وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ(36)بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ ﴾

 هذا الحوار الدقيق والعميق، والذي سيكون يوم القيامة بين أهل النار، نرجئ شرحه إن شاء الله تعالى إلى درسٍ قادم.

 

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018