الدرس : 17 - سورة النمل - تفسير الآيات 80 - 86 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 17 - سورة النمل - تفسير الآيات 80 - 86


1990-04-20

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس السابع عشر من سورة النمل.

الله تعالى شبَّهَ الكفار بالأنعام وبالكلب وكأنهم خشب مسندة:

 وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) ﴾

( سورة النمل)

 شيءٌ دقيق جداً، وهو أنَّ الإنسان قد يكون حيّاً وميتاً في وقت واحد جسمه حيّ، وقلبه ينبض، ودمهُ يَجري، رئتاه تَخْفقان، وعضلاته تتحرّك، وأعصابه صالحة لِنَقل الإحساس والحركة، ولكنّ قلبه النفسيّ ميِّتٌ، لا يعي على خير، وربّنا عز وجل في هذا الموضوع ضربَ أمثلة كثيرة، فقد شبَّهَ الكفار بالأنعام، قال تعالى:

 

﴿ إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا(44) ﴾

 

(سورة الفرقان)

 شبَّهَ الذين حملوا التوراة أيْ تلقَّوْها مِن سيّدنا موسى، ولم يفْقهوها، ولم يعرفوا أبعادها، ولم يُطَبِّقوها بالحُمُر، قال تعالى:

 

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(5)﴾

 

(سورة الجمعة)

 شبَّهَ الكفار كأنّهم خُشبٌ مسنَّدة، وشبَّههُم بالكلب، قال تعالى:

 

﴿ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(176) ﴾

 

(سورة الأعراف)

العناية بالجسد لا تنفعُ صاحِبَها شيئاً ولكنَّ البُطولة أن تعتني بالنَفس:

 الإنسان ولو كان يتمتّع بِصِحّة طيّبة، وبِجِسم قويّ، العِبرة بِقَلب النفس، لأنَّه كما قال تعالى:

﴿ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ(88) ﴾

(سورة الشعراء)

 ما الذي يعمله الناس الآن ؟ عِنايَةٌ فائقة بالجَسَد ؛ يخافُ على عَيْنَيْه، وعلى قلبه، ودائماً يُخَطِّط قلبهُ، وفُحوصات دَوْريَّة، وتحليلات مِخْبريّة لأنَّه يحرصُ على صحَته، وقلَّما نجد إنساناً يحرص على صِحَّة نفسِهِ ! وصِحَّة النَّفس هي المُعوَّلُ عليها، لأنَّ هذا الجسَد حينما ينتهي الأجل مصيرهُ إلى التراب:

 

إنَّ الطبيب لـه عِلْمٌ يُـدِلّ بـه  إن كـان للناس في الآجال تأخير
حتى إذا ما انْقضَتْ أيَّام رحلتـه  حار الطبيب وخانَتْهُ العقـاقيـر
***

 مهما بالغْت في العناية به فلا بدَّ من ساعةٍ ينتهي فيها العُمُر، وينتقل فيها الإنسان إلى دار الحق، ولكنَّ البُطولة أن تعتني بهذه النَفس، والدليل قوله تعالى:

 

 

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9)وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا(10) ﴾

 

(سورة الشمس)

 الكفار يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، يعرف من أن تؤكلُ الكتف، وكيف تقتنص الفرَص ؟ وكيف يكون الرّبح ؟ عنده حواسّ ثابتة جدّاً، في البيع والشِّراء، وفي المكاسب والمغانم، وفي المغانم، فهذه الخِبرات في الدنيا لا تنفعُ صاحِبَها شيئاً.

من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً ومن آثر آخرته على دنياه ربحَهُما معاً:

 قال تعالى:

﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ(7) ﴾

(سورة الروم)

 في الآية إشارة دقيقة وهي أنَّهم حتى في الحياة الدنيا لا يعلمونها على حقيقتها، بل يعلمون فقط ظاهرها ! والحقيقة أنَ المؤمن يسْعَدُ في حياته الدنيا سعادةً لا يعرفها أهل الدنيا، لأنّ اسْتِقامتهُ على أمر الله تعالى تجعلهُ يسْتحقّ حياةً هادئةً، وحياةً مطمئنَّةً، وحياةً متوازنةً، ولأنَّ توكّلهُ على الله تعالى يجعلُهُ في طمأنينة، واعْتِقادهُ أنَّ الأمر كلّه بيَدِ الله تعالى يجعلهُ في راحةٍ قلبيَّة ولأنَّ اعتقادهُ أنّ الله تعالى حكيم، وأنَّ أفعاله كلّها في حقه خير، هذا يجعلهُ ينفي من قلبه الغلّ والحسد، فَالمؤمن إذا صحَّت عقيدتهُ، واسْتقام على أمر ربّه، وصحَّ عملهُ ؛ حياته فيها ميزات لا يعرفها أهل الدنيا، فلذلك من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً، ومن آثر آخرته على دنياه ربحَهُما معاً، والقضيّة خطيرة جدّاً، فأحياناً الإنسان لا يربح، وأحياناً يُحقق ربْحاً كبيراً جدّاً، وبِرأس مالٍ قليل، أحياناً أرباحٌ طائلة بِجُهودٍ صغيرة، أحياناً لا يربح، وأحياناً يدْفعُ خسارةً كبيرةً جدّاً، الإنسان إذا ضل طريق الحقّ يخْسرُ نفسهُ، ونفْسُه أثْمَنُ ما يمْلِكُ، فالجود بها أعلى أنواع الجود، والضنّ بها أعلى أنواع البُخل، وخسارتها أعلى أنواع الخسارة، فربّنا عز وجل أشار في هذه الآية إلى أنَّ هذا الكافر ميّت ! قال لي بعضهم: عدَ حياته قبل أن عرف الله عز وجل فقبل معرفة الله ؛ أمواتٌ غير أحياء ! كُتلة شهوات متحرّكة، إنسان هدفُهُ ذاته، يُؤْثِرُ حظَّهُ على كلّ شيء، يُضَحّي بكلّ شيءٍ من أجل لا شيءٍ.

أعلى درجة في المؤمن خوفه من الله تعالى:

 أحدُ السُياح جال في قريةٍ فإذا مقبرتها عليها شواهد كلّها مكتوب عليها أعمار الموتى بأرقامٍ قليلة، خمس سنوات، سبع سنوات، عشرون سنة، فسأل ما القِصَّة ؟ فقالوا: نحن في هذه القرية لا نعدّ عمر الإنسان إلا بعد أن يؤْمن ! وبعد أن يعرف الله، وقبل هذا أموات غير أحياء!!

ليس مَن ماتَ فاسْتراحَ بِمَيِّتٍ  إنَّما الـمـيّت مـيّــت الأحياء
***

 أحياناً لا يجد الإنسان نبْضاً في قلبه ! يا ترى هل هناك حياة ؟! يضَعُ مرآةً على أنف هذا المريض، فإذا كان هناك تنفّس ضعيف جدّاً، لا بدّ من أن يرتسِمَ على المرآة بعض بخار الماء، ويفتحون العَين ويوجِّهون إليها ضوءاً شديداً، فإذا كانت هناك بقية حياة تضيقُ قُزَحِيّة العين، لا نبْض، ولا تنفّس، ولا ردود فِعل منْعَكِسَة إذن هو ميت، فأحياناً تلتقي بإنسان ميّت ؛ هو خبير بأُمور الدنيا، ولكن أمور الآخرة، وأمور الدِّين، وأمور ما بعد الموت، وأمور هذا الخالق العظيم، والإيمان، والطاعة لا يعرفُ عنها شيئاً ولا يريد أن يعرفَ، ويقول: هذا الموضوع لا يعنيني !! أموات غير أحياء، وأحياناً تجد إنساناً بالسِّتينات والسَّبعينات بالمقهى يلعب النَّرْد حتى ساعةٍ متأخِّرة من الليل، ولا يُصَلِّي، ماذا أبقى لآخرته ؟ وكيف سيَلْقى ربَّهُ ؟ أموات غير أحياء !
 هذا الذي يرتكبُ المعاصي جِهاراً ولا يُبالي، ويأكل مالاً حراماً، ويأكل شيئاً ليس له، ويحتجّ دونك القضاء، فهذا من الأموات غير الأحياء، والمؤمن ـ والله الذي لا إله إلا هو ـ لو دَخَلَ عليه دِرهم حرام لما نام الليل ! يخاف الله عز وجل، وأعلى درجة بالمؤمن خوفه من الله تعالى، عندهُ حساسِيَّة بالغة، فأحياناً يكون للإنسان عصَب قد ضُغِطَ في بعض الفقرات، فيأتي الطبيب إلى مكان خاصّ في الرّكبة يضْربها بِمِطْرقة خاصَّة، فإذا الرِّجل تحرّكت، فمعنى ذلك أنَّ العصب جيّد، فإذا كان ردّ الفِعل ضعيفاً فهذا دليل الْتِهاب العصب، فعدم ردّ الفِعل دليل موت العصب فأحياناً يستمع الإنسان للقرآن، يضيقُ به ذرْعاً، ويحبّ أن يسمعَ الغناء، أموات غير أحياء، وأحياناً يضيقُ بِسَماع الخطبة أو الدّرس الديني ويقف على قدَمَيْه ساعات طويلة في حديث فارغ، وفي كلامٍ لا طَعْم له أما أن يسْتمِعَ إلى درسٍ ديني، فهذا لا يحْتملُهُ !!

شيءٌ خطير أن يكون الإنسان ميّت ونعوذ بالله من موت القلب:

 إذاً أموات غير أحياء، ويقرأ القرآن فلا يقْشعرّ بدنُه، الله عز وجل وصَفَ المؤمنين فقال:

﴿ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ(23) ﴾

(سورة الزمر)

 يقرأ القرآن فلا يضطرب قلبه، ولا تنهمرُ عَيناه بالدُّموع، قلبهُ قاسٍ يُصلِّي وخواطرُهُ في تِجارته، وفي بيْتِهِ، وفي محلّه، وفي مشكلاته وحِساباته، حتى أنَّ أحدهم قال لي: حينما أجد خللاً في الصُّندوق لا أكْتشفُ الخطأ إلا في الصلاة !! أهذه صلاة ؟! فهذا شيءٌ خطير أن يكون الإنسان ميّت، قد يكون في أبْهى زينة، وقد يكون وسيم القامة، جميل الشَّكل، أنيق الملبس، أذواقهُ رفيعةٌ في بيتهِ، ومع ذلك ميِّتُ القلب، ونعوذ بالله من موت القلب، حديث:

 

(( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ))

 

[ الترمذي عن أنس بن مالك ]

 أخاف من هذه الكلمة ؛ أموات غير أحياء، أن يموت قلب الإنسان:

 

(( مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَهَاوُناً بِهَا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ ))

 

[ الترمذي عن أبي الجعد الضمري]

 كان على قلبه الران، نكتت نكتة سوداء في قلبه.

أحوال أهل الدنيا شعور بالملل والضيق والقهر:

 أن يدَعَ الإنسان مجالس العلم ما الذي يحصل ؟ ينْغمِسُ في الدنيا، في مشكلاتها، وهمومها، وأحزانها، ويشعر بالقهر والضِّيق، ويشعر بالملل، ويشعر بعَدم الانشِراح، وهذه أحوال أهل الدنيا ؛ ضيق في ضيقٍ، أما النبي عليه الصلاة والسلام ماذا يقول:

(( لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة ولزارتكم في بيوتكم.))

[مسلم والترمذي وأحمد عن أبي هريرة]

 الإنسان إذا حضَرَ مجلس العلم يشْعر بالراحة وبالانْشراح، ومن علامات المؤمن الصادق كما قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( خيار أمَّتي الذين إذا رؤوا ذُكِرَ الله ))

 

[الطبراني عن عبادة بن الصامت]

 أحياناً تلتقي بأخيك المؤمن فتقول ارْتاحَ قلبي ! كنتُ في ضيقٍ شديد فلمَّا الْتَقَيْتُهُ ارْتاحَ قلبي هذه علامة الإيمان، حدَّثني أخ دخَلَ على صديق له فإذا هو يبكي بكاء شديداً فقال له: مالَكَ يا فلان ؟ فقال: والله بقيتُ أُعاني من ضيق القلب يومين، فلمَّا دخلْتَ عليّ ورأيْتُكَ زال عني هذا الضيق، فلهذا أبكي !! أحد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام قال له:يا رسول الله، إنِّي كلَّما رأيْتك اطْمأنَّ قلبي، وارْتاحَت نفسي، دخلَ عليه فرآهُ يبكي، فقال له: مالكَ يا ثوبان تبكي ؟ فقال:أنا معك في الدنيا ولكن أيْن أنا في الآخرة ؟!! أخشى أن لا ألتقي بك، فنزل من أجله قوله تعالى:

 

﴿ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً(69)﴾

 

(سورة النساء)

الكافر كالأموات تُحدِّثه عن آيات الله الباهرة فلا يتأثَّر:

 الإنسان إذا تركَ مجالس العلم فإنَّ بطاريَّته تفرغ من الكهرباء، فإذا شحَنها في كلّ أسبوع مرة أو أكثر من مرَّة، وجد نفسه ممتلئة بالكهرباء وهكذا، فهذه مجالس الإيمان، وهذه مجالس يرضى عنها الله تعالى، والمؤمن في المسجد كالسَّمكة في الماء ؛ مرتاح، والمنافق في المسجد كالعصفور في القفص، ولا يستحقّ كلمة عصفور، لأنَه أقلّ من هذا لذلك قال تعالى:

﴿ إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى (80) ﴾

 الكافر ميت، قال تعالى:

 

﴿ وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ (80) ﴾

 تُحدِّثه عن آيات الله الباهرة فلا يتأثَّر، وتحدّثه عن أحداثٍ وقعَتْ يتَّضِحُ من خِلالها عظمة الله عز وجل فلا يتأثّر، أموات غير أحياء، قال تعالى:

 

 

﴿ إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ (80) ﴾

 لكنّ هناك أخٌ حدَثني حديثاً ـ وهو الآن مسافر غائب، ردَّهُ الله بالسَّلامة ـ كان يستمِعُ إلى هذه الآية من قارئ، وعندهُ معلومات خاصّة من أنّ الذي لا يستمع وهو الأصمّ يؤْتيه الله قدْرةً فائقةً جدّاً على فهْم الكلام، فهو يفْهمُ الكلام من حركة الشِّفاه، وهذا أكَّدهُ لي أُناسٌ، فقال لي: وأنا أسْتمعُ لهذه الآية:

 

 

﴿ إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ (80) ﴾

 نشأ في نفسي اعْتِراض، وهو أنَّ الأصمّ يفهم ! فلمَا تلا القارئ قوله تعالى:

 

 

﴿ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) ﴾

 قال لي: والله الذي لا إله إلا هو كِدْتُ أُصْعق، لأنَّ هاتين الكلمتين من إعجاز القرآن، لأنَّ الأصمّ بما أوتِيَ من قُدراتٍ فائقة يفهم الكلام من حركة الشِفاه، فإذا ولَى هو مُدْبراً أَيَفْهمُ شيئاً ؟ لأنّ الأصمّ قد يفهم بعض المعاني من حركات الشِّفاه، أما إذا أدبر فماذا بقي ؟

 

من نوَّر الله قلبهُ وفتحَ بصيرتهُ يرى الحق حقّاً فيتَّبعَه ويرى الباطل باطلاً فيجْتنبه:

 قال تعالى:

﴿ وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ (81) ﴾

 الذي فقَدَ بصرَهُ يُعطينا فِكرةً واضحةً عن عمى القلب، فالأعمى لا يرى ما في الطريق من حُفَر، ومن منزلقاتٍ، ويستطيعُ طفلٌ صغير أن يُضلِله، فلو أنَّ شخصاً كفيف البصر، قال له طفلٌ: يا عمَّاه هناك حفرة، لَوَقَفَ وبحث عن الحفرة بعصاه، لكن هناك إنسانٌ قلبه أعمى لذلك تأخذهُ بعض النَّظَريات، وتُذْهبُه بعض النَّظريات، ساعة يؤمن وساعة لا يؤمن، أما الذي نوَّر الله قلبهُ وفتحَ بصيرتهُ، رأى الحق حقّاً فاتَّبَعَه، ورأى الباطل باطلاً فاجْتنَبَه، والله لو كُشف الغِطاء ما ازْدَدْتُ يقيناً، قال تعالى:

 

﴿ إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) ﴾

 

الحق له طريقان طريق السمع وطريق الرؤية:

 قال تعالى:

﴿ وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ (81) ﴾

 معناها الكافر أصمّ أعمى ميِّت، فالحق له طريقان ؛ طريق السمع، وطريق الرؤية، فإما أن تنظر في خلق السماوات والأرض، وإما أن تنظر في بعض الحوادث فتَسْتنبط منها بعض الحقائق، وإما أن تجلس في مجلسِ علْمٍ فتسْتَمِعَ إلى الحق، منْفذُ القلب السّمعُ والبصر، وكلاهما مغْلقٌ، إذاً ماتَ القلب، يؤكِّدُ هذا قوله تعالى:

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ(6)خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(7) ﴾

 

(سورة البقرة)

 ما ذنبهم إذا ختَمَ الله على قلوبهم ؟ قال: لا، هذا خَتْمٌ حُكمي، والغَشاوةُ هي حبّ الدنيا، فهو الذي سدَّ سمعهم وبصرهم، فإذا سُدَّ السمع والبصر فالقلب خُتِمَ عليه من باب أولى، فإذا كان هناك مدْخل للبناء الخارجي وأظهرت لنا هذا الباب، فالأبواب الداخليّة حكماً مُغلقة، ولا قيمة لها، فما دام الباب الخارجي قد أُرتج فالأبواب الداخليّة مغلقةً حكماً، فحينما يقول الله عز وجل:

 

﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(7) ﴾

 

(سورة البقرة)

 هذا خَتم حكمي، جهاز تلقِّي الحق الجاهز وهو السَّمع، فتلقّي الجاهز السمع، والتأمّل والتفكّر هو العين، فالخَتم على قلبهم بسبب إغلاق سمعهم وأبصارهم وحبّ الدنيا كما قال صلى الله عليه وسلم:

 

(( حب الدنيا رأس كلّ خطيئة.))

 

[سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني عن أنس بن مالك]

المؤمن بالآيات هو المُؤهَل أن يفْهم ما جاء في كتاب الله:

 قال تعالى:

﴿ وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (81) ﴾

 المؤمن بالآيات هو المُؤهَل أن يفْهم ما جاء في كتاب الله، والمؤمن لا يمرّ على آيات الكون مرّاً سريعاً، والمؤمن إذا شرب كأس ماء يقف عنده طويلاً، كيف تحوَّل هذا الماء المالح الأُجاج إلى عذب فرات ؟ لتر الماء في بعض البلاد النَفطيّة تُكلّف تحليتُهُ أكثر من خمسة أو ستة ريالات ! من جعَلَ هذا الماء في الأمطار والينابيع والأنهار ؟ الله سبحانه وتعالى، كأس الماء له معنى، إن جاءهُ مولود فهذا له معنى كبير، يعلمُ أنَّهُ حُوَين منوِي، تلقَّحَت بُوَيْضَة، فإذا طِفلٌ كامل من جمجمة ودماغٍ وأعصاب، والأعصاب والخلايا الاستناديَّة في الدِّماغ والنخاع الشوكي والعظام والعضلات المخطَّطة والمَلساء، الرّغامى والمري والبلعوم، واللِّسان والأسنان والفم والأنف، العينان والأذنان، والمعدة والأمعاء والبنكرياس والكبد والصفراء والكليتان والكظر، معمل قائمٌ بِذاته:

 

أَتَحْســبُ أنَّك جُـرْمٌ صغير  وفيك انْطَوى العالم الأكبر
***

 

من يؤمن بآياتنا هو الذي يستمع إلى الحق وهو المؤهَّل أن يعقل وأن يسمع وأن يرى:

 المؤمن لا يمرّ هكذا ! هذا الطِّفل يجعلهُ يسجد لله عز وجل، إذا أكل بيضةً يقف عندها طويلاً، إذا شرب كأس حليب وعلم أنَ هذا الحليب يحتاج إلى أربع مئة لتر دم من أجل تصنيعه، وأنَ هذه البقرة معملٌ قائمُ بذاته، بل إنّ أعظم المعامل تعقيداً تبْدو أمام البقرة تافهة، تأكل وتحرث لك الأرض وتصنعُ لك الحليب، وقد ذلَّلها الله عز وجل، فالبقرة آية، والدجاجة آية، والخروف آية، قال تعالى:

﴿ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ(72) ﴾

(سورة يس)

 لو أنَّ الله ركَّب فيها أخلاق الضَّبع، كيف تأكل الغنم ؟ وكيف تستفيد من لحمها ؟ لو أنَّ الغنم ركِّبتْ فيه أخلاق الكلاب، هل بإمكانك أن تجمعَ مئة كلبٍ وتجعلها تسير معك ؟ كلّ واحدٍ في طرفٍ بِحَسب مهمّته، فهذا الذي يؤمن بآياتنا هو الذي يستمع إلى الحق وهو المؤهَّل أن يفهم وأن يعقل وأن يسمع وأن يرى قال تعالى:

 

﴿ وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ (82) ﴾

 هذه كلمة دقيقة جدّاً ؛ ما هو القول ؟ إذا وقع القول عليهم، ربّنا عز وجل قال:

 

 

﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(36)﴾

 

(سورة هود)

 الله عز وجل له قرار قَطعي، وهؤلاء لن يؤمنوا، أنت إذا كنتَ في الجامعة، أو بمَدرسةٍ أو معهدٍ والطالب لم يتقدَّم إلى أيّ امْتِحان والنتائج لم تصْدُر بعدُ، هل بإمكانك أن تحكمَ عليه بالرُّسوب مئة بالمئة ؟ نعم، لأنَّ نِظام الامتِحان هكذا ينصّ، لا ينجحُ الطالب إلا إذا قدَم الامتحان، ونال الدّرجات الكافيَة لنَجاحِهِ، فإذا نالَ الدرجات التي هي أقلّ من النجاح لا ينْجح فكيف إذا تغيَّبَ عن الامتِحان كلّه ؟ إذاً هناك قوانين، وفي ضوء القوانين بإمكان الإنسان أن يُصْدِر حكماً قاطعاً، فكيف الله ربّ العالمين ؟

الله تعالى له قوانين والآيات التالية تُظهر بعض هذه القوانين:

 قال تعالى:

﴿ وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ (82) ﴾

 الإنسان أحياناً يضلّ ضلالاً بعيداً إلى درجة أنَّه لا أملَ في رَجعته، والخطير في حَياته أن يوغِل، ويبتعِدُ عن الحقّ بُعْداً كبيراً، أما المؤمن:

 

(( كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ ))

 

[ الترمذي عن أنس]

 إذا كان الحِجاب بينك وبين الله رقيقاً فهذا الحِجاب سهلٌ أن تُزيلَهُ، أما إذا بالَغْت في المعاصي، وابْتَعَدْتَ عن الدِّين، وأنْكَرْت العقيدة، وأنْكرتَ الأوامر فهنا تكون قد بلغت من البُعْد ما لا يُرْجى لك عَوْدةٌ، فربّنا عز وجل قال:

 

﴿ وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ (82) ﴾

 الله له قوانين، من هذه القوانين في القرآن قوله تعالى:

 

 

﴿ فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى(123) ﴾

 

(سورة طه)

 هذا قانون وقوله تعالى:

 

﴿ وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ(6) ﴾

 

(سورة غافر)

 هذا قانون ثانٍ، وقال تعالى:

 

﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنْ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ(205) ﴾

 

(سورة الأعراف)

 أيْ لا يستجيب لهم، لأنَّه لا يُحِبّهم وهذا قانون رابع، فإذا قرأتم القرآن وأردْتم أن تستشِفُّوا منه بعض القوانين فإن هذه القوانين مهمّة جدّاً.

الله تعالى يتعامل مع عباده وفق القانون التالي: منكم الصدق ومني العدل:

 قال تعالى:

﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(115) ﴾

(سورة الأنعام)

 هذا قانون، فيا عبادي تعاملي معكم وفْق القانون التالي: منكم الصِّدْق، ومنّي العَدل، ففي ضَوء بعض القوانين الإلهيّة هؤلاء لا يُرْجى منهم شِفاء ولا أمل، أوْضَح مثلٍ هذا الطالب الذي تخلَّف عن الامتِحان كله ولمَا تصْدر بعد النتائج، فهل في ضوء النِّظام الداخلي للجامعة ونظام امْتِحاناته أن تحكُم عليه حكماً قَطْعياً أنَّه راسب ؟ نعم نحكم عليه حكماً قطعياً أنه راسب، هؤلاء الناس إذا تعلّقوا بالدنيا، وانْغَمَسُوا فيها، وأداروا ظهرهم للدِّين، بل كذَّبوا بِوُجود الإله، وكذَّبوا بكل ما تمت إليه بصِلَة، هؤلاء ضَلُّوا ضلالاً بعيداً، ففي بعض البلاد كدَولة الحِجاز اللَّوحات على عرض الطريق تماماً، فاللّوحات على عرض الطريق وعالية جدّاً وفسْفوريّة، فأنت من مكانٍ بعيد إذا كنتَ تقود المركبة في الليل ؛ مِن هنا مكّة، ومن هنا الطائف، فمَعَ هذه اللّوحة الواضحة جداً، والكبيرة جدّاً، والصارخة جدّاً، والمضيئة جدّاً، واتَّجَهْتَ إلى الطائف بدَل مكَّة، هَدَفُكَ مكّة فاتَّجَهْت إلى الطائف، نقول: هذا ضلال مبين ! لأنَّ لوحةً كبيرةً جدّاً على عرض الطريق عرضها خمسة أمتار طولها ثلاثون متر، وخطّّ كبير وفسفوري، ثمَّ تذهب إلى الطائف بدَل مكَّة فهذا ضلال مبين، فأحياناً الإنسان يكون اتِّجاهه حمص، وهناك طريق يميني دَخَل به خطأً، حتى وصل إلى تدمر، فهذا ضلّ ضلالاً بعيداً، لكن هناك من يرجع بعد أمتار، وبعد واحد كيلو متر، أو مئة كيلو متر.

الذي ضلّ ضلالاً بعيداً ولعنه الله هذا أغلب الظنّ أنَّه وقعَ القول عليه بعدم جَدْوى هِدايتِه:

 قال تعالى:

﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ (23) ﴾

(سورة محمد)

 الذي ضلّ ضلالاً بعيداً، ولعنه الله عز وجل، هذا أغلب الظنّ أنَّه وقعَ القول عليه، أيْ صدَرَ عليه أمر بعدم جَدْوى هِدايتِه، ضلّ ضلالاً بعيداً، وأوْغَلَ في الضلال، وأوْغَلَ في غَصْب أموال الناس بالباطل، وأوْغَلَ في انتِهاك الأعراض، وأوْغَلَ في إيذاء الناس، أوْغَلَ في تَكذيب الدِّين، وأوْغَلَ في إنكار الوُجود هذا ضلّ ضلالاً بعيداً، يبْدو أنَّ الله سبحانه وتعالى جمع في آخر الزمان هؤلاء الذين ضلّوا ضلالاً بعيداً، قال تعالى:

 

﴿ وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ (82) ﴾

 أيْ طُبِّقَت عليهم السُّنَن الإلهيّة، فلو أنَّ إنساناً ارْتَكَبَ جريمة قَتْل وحوكِمَ مُحاكمة عادلة، وارْتَفَعَت القضيّة من محكمة الجِنايات إلى محكمة النَقض، ومحكمة النَّقض صدَّقت هذا الحكم، ورئيس الجمهوريّة صدَّق هذا الأمر، وسيقَ إلى الزِّنزانة لِينتظر حكم الإعدام، والجريمة خطِرة، فهل بإمكانك أن تحكم عليه قَطْعاً بالموت ؟ نعم، فهذه الآية لها حالات صعبة جدّاً، فالإنسان وهو الذي أتمنَاه على الله عز وجل أن لا يوصِلَ نفسهُ إلى طريقٍ مسدود، وأن لا يوصل نفسهُ إلى ضلال بعيد وعليه أن يتصل بأهل الحق، مجالس العلم تفعل في الإنسان فِعْل الصَّحْوَة دائماً، كلَّما بدأ ينحرف يأتي هذا المجلس فيَصْحو من غفلته، نفسهُ سوَّلَت له أن يأكل مالاً حراماً، ولو تابعَها لانتهى، حضر إلى مجلس العلم، ذكر المتكلّم عواقب المال الحرام فخاف وتركه، لذلك هذه المجالس ضمانات لتَصحيح المسار الدائم، فإذا الإنسان صحح مسار مركبته تجده في بحبوحة وسلامة، أما إذا انْحرف انْحِرافاً بسيطاً واسْتمرَّ هذا الانحراف، قد ينتهي به انْحِرافه إلى القاع، من هنا النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

 

(( لاَ صَغِيَرَةَ مَعَ الإِصْرَارِ ))

 

[ رواه ابن المنذر والديلمي عن ابن عباس ]

 أوْضَح مثل أن تكون على طريقٍ مستقيم تماماً، وعلى يمينك انْحِدارٌ خطير، وتقود مركبتك، لو انحرف المِقْود سنتمتر واحد، وثبَّت يديك على هذا الانحراف، وأصْررْت عليه، فلا بدّ من أن تسقط هذه المركبة في الوادي، أما تسْمية الصغيرة صغيرة لأنّه يسْهُل تعديلها، أما الكبيرة فهي انْحِراف بِنِسبة تِسعين درجة، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

(( لاَ صَغِيَرَةَ مَعَ الإِصْرَارِ ))

 

[ رواه ابن المنذر والديلمي عن ابن عباس ]

 فما دام هناك إصرار تَغدو كبيرة.

من علامات قيام الساعة خروج دابة من الأرض:

 قال تعالى:

﴿ وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ (82) ﴾

 هذه من علامات قيام الساعة، دابة من الأرض، أحاديث كثيرة جداً أكثرها ضعيف، وبعضها غير صحيح، والأحاديث الصحيحة المتعلّقة بِدابّة الأرض ليس فيها تفصيلات، ولكن حينما تظهر نعرفها، قال تعالى:

 

﴿ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ (82) ﴾

 بعضهم قال: هذه السيارة التي تعلّق الناس بها إلى درجة أنَهم هاموا بها، وقد تُكلِّمهم ! إما بمِذْياعها أو مُسجِلتها أو بِبَعض أجهزتها، حينما قَطَعَ الناس آمالهم من الآخرة وجعلوها في الدنيا فقط أصْبحت هذه مَحْبوبةً وهذا رأيٌ من الآراء، ولكنّ الصحيح هو أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لم يذكر التَفصيلات المتعلِّقة بِهذه الدابّة، إنَّها من علامات قيام الساعة، وحينما تظهر نعرفها، هذا إن ظهرت ونحن أحياء، ولكن الدليل أنَّ الناس كانوا بآياتنا لا يقتنعون وضَعوا الدِّين وراء ظهورهم، وعَدُّوهُ خرافةً وأفْيون الشُّعوب، وعَدُّوه شيئاً غَيْبِيّاً لا يعني شيئاً، والمتديِّن إنسان ضعيف، وأُفقهُ محدود، وآمنوا بالمادّة، بالدِرهم والدّينار، كم تملك ؟ قيمتك بِقيمة رصيدك وقيمتك من متاعك ؛ ما نوع بيتك ؟ وما مساحته ؟ وفي أيّ حيّ موجود ؟ ما نوع مركبتك ؟ ما دخْلك في الشهر ؟ سيّدنا عليّ يقول: " يأتي على الناس زمان قيمة الرجل متاعه." أي يستمدّ قيمته من نوع ثيابه، وربطة عنقه، من نوع حِذائه، لا من علمه، ولا من أخلاقه، قيمته من بيته، من سيارته، وتِجارته، ورصيده، كلّ هذا من مظاهر الجاهلية الثانية.

 

الدِّين هو دين الخالق ودستور قطعي الدلالة وهو منهَج متكامِل من تعليمات الصانع:

 الله عز وجل قال:

﴿ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى(33) ﴾

(سورة الأحزاب)

 حينما قال أولى يعني أنَّ هناك ثانية، فأين الثانية ؟ قال تعالى:

 

﴿ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآَيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (82) وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (83) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (84) ﴾

 والله أيها الأخوة الأكارم يعْتصِرُ قلبي ألماً حينما أرى إنساناً يُكذّب بالدِّين ولم يسْمَح لِنَفسِه أن يقرأ عن الدِّين شيئاً، قبل أن يطَّلِع عليه، هل تقبل إذا أتَتْكَ رسالة دون أن تفتحها، ودون معرفة المرسِل، ودون النَظر إلى توقيعه، ولم تقرأ ما فيها ثمَ تكذّبها ؟! هل هذا موقف علمي ؟ فقبل أن تكذّب ادرس، واطَّلِع، واقرأ، واسْتَمِع، ثمَّ خُذْ موقفاً أما أن يأخذ الإنسان موقفاً من الدِين مُعادِياً قبل أن يعرف ما الدّين ؟ الدِّين هو دين الخالق، ودستور قطعي الثُّبوت، وقطعي الدلالة، والدِّين منهَج متكامِل، والدّين هو تعليمات الصانع، فقبل أن ترفض الدِّين اطَّلِع على الدِّين، وهذا هو الموقف الشريف والعلمي، قبل أن تكون لك اعْتراضات وملاحظات وتحفّظات جمِّد كلّ ذلك، وانْكب على فهم الدِّين، اِفْهم كتاب الله عز وجل والسنّة النبويّة، تعرَّف إلى العقيدة الصحيحة وادْرس سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، وسيرة أصحابه، ولا تحكم على الدِّين إلا بعد أن تطَّلِعَ عليه.

 

أعظم وأشرف وأخطر عمل في الدنيا أن تعرف الله عز وجل:

 الآية الكريمة:

﴿ حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (84) ﴾

 هل في الدنيا عمل أعظم وأشرف وأخطر من أن تعرف الله عز وجل ؟ ومن أن تعرفَ المهمة التي من أجلها جئت إلى الدنيا ؟ هذا عمل عظيم سبحان الله ! الذي يقول لي: لستُ فارغاً فلأيّ شيءٍ أنت فارغ ؟! من أجل أعمال تافهة، ومن أجل دريْهمات تكسبها تُضيِّعُ آخرتك ودُنياك، فكلمة لستُ فارغاً هذه الكلمة تدعو إلى الضَّحِك، مثلاً طالب له امتحانات تخرّج، وإذا تخرج ربّما سيكون طبيباً، وربما سيكون له شأن، ودخل كبير، وسيشْتري بيتاً ومركبةً ثمَّ نقول له: لِمَ لا تدرس ؟ فيقول: لسْتُ فارغاً لهذا !! فلأيّ شيءٍ أنت فارغ ؟! طبيب جاء من بلدٍ أجنبي، وفتَحَ عِيادة، ووضَعَ وقت العيادة من الخامسة إلى الثامنة، وجاءه مريضٌ الساعة السادسة، ثمَّ يقول الطبيب: نعم ماذا تريد ؟ أنا لسْتُ فارغاً ! لماذا أنت هنا ؟ من أجل أن تعالج الناس، وتأخذ من أموالهم شيئاً، فهذا الذي يقول لك: أنا لسْتُ فارغاً بِمَعرفة الله كهذا الطالب الذي يقول: أنا لسْت فارغاً للدِّراسة ! وهذا الطبيب المكلّف بِمُعالجة الناس، والذي يقول: لا وقت لِمُعالجة المرضى ! هذا خِلاف المنطق، لذلك قال تعالى:

 

﴿ أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (84) ﴾

 

السُكوت قد يكون معبّراً:

 قال تعالى:

﴿ وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (85) ﴾

 السُكوت قد يكون معبّراً، أحياناً مع ابنك، فقد يتلبَّس بِذَنب، وهناك أدلّة قاطعة، وأنت نبَهْتهُ أن لا يقعَ فيه، مَنْ فعَلَ هذا ؟ هذا السُّكوت هو سُكوت الاعتراف بالذَّنب، وسُكوت الإحْباط، يقولون: أُسْقِط في يدِهِ لذلك قال تعالى:

 

﴿ وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (85) ﴾

 ماذا يتكلَّم ؟ الحجّة عليها وقد ضيَّعَ الآخرة كلّها، والدنيا مضَتْ وكأنَها ساعة، وانظر دِقّة القرآن، قال تعالى:

 

 

﴿ وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (81) ﴾

 من آياتنا.

 

في الكون آيات كثيرة توصلنا إلى معرفة الله عز وجل:

 قال تعالى:

﴿ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً (86) ﴾

 ألم يرَوا ؟ هذه هي الآيات، وهذا هو طريق معرفة الله عز وجل، أليس الليل والنهار تحت سَمع الإنسان وبصرهِ كلّ يوم ؟ كلّ يوم مغرب، وعشاء، وصبح، وعصر، هل فكَّرْت بالشَّمس والقمر والنّجوم ؟ وبالليل والنهار ؟ قال تعالى:

 

﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(86)﴾

 على كلٍّ ضاق الوقت، ولنا عودة في الدرس القادم إلى قوله تعالى:

 

 

﴿ وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآَيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (82) ﴾

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018