الدرس : 16 - سورة النمل - تفسير الآيات 74 - 79 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 16 - سورة النمل - تفسير الآيات 74 - 79


1990-04-13

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس السادس عشر من سورة النمل.

عِلَّة تسخير السماوات والأرض من أجل أن تعلم أنَّ الله يعلم:

 وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (73) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (74) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ(75)﴾

( سورة النمل)

 الآيتان الثانية والثالثة مررْنا بهما سريعاً، ونقف عندها قليلاً قال تعالى:

 

﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (74) ﴾

 الإنسان حينما يشعر أنَّ الله يعلم ينضبط، بل إنَّك إذا علمْت أنّ الله يعلم تستقيم على أمر الله، المشكلة هي هذا العلم ؛ قال تعالى:

 

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا(12) ﴾

 

(سورة الطلاق)

 لو أردْت أن تفهَمَ الآية فهماً دقيقاً لغوِياً، لوجَدْت أنَّ هذه اللام هي لام التَّعليل، وأنَّ عِلَّة تسخير السماوات والأرض من أجل أن تعلم أنَّ الله يعلم.

هذه الآية هي قانون الاسْتِقامة:

 قال تعالى:

﴿ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً(12) ﴾

(سورة الطلاق)

 هذه الآية دقيقة جدّاً، وكأنَّها قانون الاستقامة، وأنت لن تستقيم إلا إذا شَعَرْت أن معك من يراقبك، لو أنَّ وزيراً نظَّمَ تنظيماً أو أصْدر قانوناً أو قراراً المواطن متى ينفّذ هذا القانون تنفيذاً حرفيّاً ؟ هناك حالتان ؛ ولا بدّ من شرطَين إذا توافرا نفّذ هذا الأمر، الشَّرْط الأوّل: أنَّ هذا الوزير الذي أصْدر هذا الأمر يطولهُ عِلْمهُ، فقانون السَّيْر مثلا يمكن أن تكون الساعة الثالثة ليلاً، ولا يوجد شرطي، فهذا الذي أصْدرَ قانون السَّيْر لن يطولكَ علمهُ الآن، ولك أن تخالف، أما إذا كان بهذا المكان آلة تصوير تصوّر وتسجِّل ليلاً نهاراً، فلن تخالف، أما إن لم يطُولك فإنَك سَتُخالف، فلاحِظ أنت أنَّ أكثر الناس إذا شعَرَ بهذا المكان لا يوجد موظف، ولا تموين، ولا شرطي، حينها يُخالف، ومتى ينفّذ ؟ مادام هناك مندوب لهذا الوزير، أو مندوب لهذا الذي أصْدر هذا القانون، مادام له عَين، قد تكون عيناً بشَرِيَّة، وقد تكون عَيْناً آليّة، ولكن هناك حالة ثانية: لن تستقيم على أمر الله إلا إذا أيْقَنتَ أنَّ هذا الذي يطولك علمهُ تَطولكَ قُدْرتُهُ أيضاً، يَعْلمُ وبإمكانه أن يوقِعَ بك أذًى كبيراً، مِن أرْوَع الآيات هذه الآية، هي قانون الاسْتِقامة، أنت لن تستقيم إلا بِشَرطَين ؛ يجب أن توقِنَ أنَّ الذي أمرَكَ بالاستقامة عِلْمهُ يَطُولك، وأنَّ قدرتهُ تطولك، فلو طالكَ عِلْمُه، ولم تَطُلْك قدْرتُهُ، مثلاً شرطيّ سيْر، والمُخالف رتبة عالِيَة جداً في الشرطة، فلا يتأتَى للشرطي أن يكتب المخالفة، أو أنَّه لو كتَبَ لا تنفَّذ، إذاً إذا شعَرَ هذا السائق أنّ قُدرة هذا الشرطي لا تطولهُ هنا يُخالف.

معرفة الآمر والأمر شيئان متلازمان:

 الله تعالى ماذا قال ؟ قال تعالى:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا (12) ﴾

(سورة الطلاق)

 لِتَعلموا شيْئَين ؛ أنّ الله على كل شيء قدير، وأنه قد أحاط بِكُلّ شيءٍ عِلْماً، عِلْمُهُ يَطُولنا، وقدرتُهُ تَطولنا، وأنا متأكِّد أنَّ إنساناً عاقلاً فيه ذرَّة عَقل لو قال: كلّ مخالفة لله سأدْفَعُ ثمنها باهظاً لأنّ الله يعلم وهو قدير، يعلمُ مخالفتي وقدير على معاقبتي، فلا بدّ من أن يستقيم على أمر الله، فلكل سيّئة عقاب، ولكلّ حسنةٍ ثواب، والنبي عليه الصلاة والسلام لمَّا دخل على بعض أصحابه وكان مريضاً، فقال: يا رسول الله، اُدْعُ الله أن يرْحمني، فقال الله عز وجل:

 

(( وعزتي وجلالي ـ كما ورد في الأثر القدسي ـ لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحب أن أرحمه، إلا ابتليته بكل سيئة كان عملها سقماً في جسده، أو إقتاراً في رزقه، أو مصيبة في ماله أو ولده، حتى أبلغ منه مثل الذر، فإذا بقي عليه شيء شددت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أمه ))

 

[ورد في الأثر ]

 يا أيّها الأخوة الإنسان بِدافع الحِرْص على سلامته، ولا أحد إلا ويحْرصُ على وُجوده، وعلى سلامة وُجوده، وعلى كمال وُجوده، وعلى اسْتِمرار وجوده، عليه بالاستقامة، وإذا اسْتَقَمْتَ على أمر الله فلِمَصْلحتك، ماذا تحتاج الاستقامة ؟ تحتاج معرفة الأمر والنَّهي، إذاً تعلّم الفقْه واجب على كلّ مسلم، أن تعرف في هذا الموضوع ماذا يريد الله عز وجل ؟ أيَجُوز أن أفعَلَ هذا ؟ هل هذا الشيء مُباحٌ أو واجب أو فرض أو مكروه أو محرَم ؟ إذاً كيف تستقيم على أمر الله وأنت لا تعرف أمر الله، إذاً معرفة أمر الله لا يعْلو عليه شيء، إذا عرفْت الله لا بدّ من أن تعرف أمره.
 أما إذا عرفت أمره قبل أن تعرفهُ تحتال على هذا الأمر، تحتال في دَفْع الزكاة، وتحتال في النَّظر للنِّساء، فإذا عرفت الأمر قبل الآمر، وإذا عرفت الآمر قبل أن تعرف الأمر كيف تُطيعُه ؟ إذاً معرفة الآمر والأمر شيئان متلازمان، وبعض العلماء اصطلحوا على تسْمِيَّة معرفة الآمر معرفة علم الحقيقة، ومعرفة الأمر علم الشِّريعة، ولا بدّ من معرفة علم الحقيقة وعلم الشريعة.

حَجْمُ خَشْيَتِكَ من الله بِحَجم عِلْمِكَ وكلَّما ازْدَدْتَ عِلْماً ازْدَدْتَ خشيَةً:

 إذا تعلَمنا شيئاً وأهْمَلنا الطَّرف الثاني وقَعنا في خلل، إذا عرفْت الله من خلال الكون ولم تعرف أمرهُ كيف تستقيم على أمره ؟ وإذا عرفْتَ أمره، ولم تعرفه تحتال على أمره، والنبي عليه الصلاة والسلام عرَّف أصحابه بِذات الله في ثلاث عشرة سنة في مكَة، ثمّ جاء التَّشريع، ونحن مُلْزمون بِمَعرفة الله، ومعرفة أمره، ويجب أن تُعمِّق عِلمَكَ على خطَّيْن في آن واحد، إذا تفكَرْت في خلق السماوات والأرض كلّ يوم ؛ هذا التَّفَكّر يزيدك معرفةً بالله، ويزيدك معرفة بِعَظَمِتِه، وبأسمائه الحسنى، وبقُدرته، وكلَّما كان حجم معرفتك بالله أكبر كان حجم خَشْيَتِكَ أكبر، والدليل قوله تعالى:

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ(28) ﴾

(سورة فاطر)

 َحَجْمُ خَشْيَتِكَ بِحَجم عِلْمِكَ، وكلَّما ازْدَدْتَ عِلْماً ازْدَدْتَ خشيَةً، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( لا بورك لي بطلوع شمس يوم لم أزدد فيه علماً يقربني إلى الله.))

 

[ ورد في الأثر]

 اِزْدَدْ علماً تَزْدَدْ حُبّاً، اِزْدَدْ علماً تَزْدَدْ قُرْباً، اِزْدَدْ علماً تَزْدَدْ ورعاً، فالعِلْم هو الأساس، وحركة دون عِلم هي حركة عَشْوائِيَة، وحركة غير مُجدِيَة، فالعِلم هو مركز الثِّقل لذلك جعَلهُ الله قيمةً وحيدةً مُرَجِّحةً بين خلقِهِ، قال تعالى:

 

﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ(9) ﴾

 

(سورة الزمر)

 قال تعالى:

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً(12) ﴾

 

(سورة الطلاق)

 عليم وقدير، وهذا هو قانون الاستقامة، إذا خالفْتَ أمر الله، أقول لكم وأنا متأكِّد مِن كلامي: لا بدّ من أنَّ هناك خللاً في عِلمك بالله، ولا بدَّ من أن يكون هناك خللاً في عِلمك بِعِلْمِهِ وقُدرتِهِ معاً، أو خللاً في علمه أو قدرته، إذا قال لك أحدهم: لا تدَقِق، فهذه عقيدة زائغة، وإذا قال: الله غفور رحيم، اختلت الاستقامة، يأكل المال الحرام بِحُجَة له أولاد ومضْطرّ، والناس كلّهم هكذا، ولا بدّ أن يغش، والناس يستأهلون الغشّ ! هكذا يقول هو، فأيُّ خلل في استقامتك أساس خلل في عقيدتك، لو صحَتْ عقيدتك لصحَّت اسْتِقامتك.

كلّما تحقَّقْت بِعِلم الله بِنَواياك انْضبَطَتْ أُمورك واسْتقامَت سريرتُكَ وعلانيَّتُك:

 يا أيّها الأخوة الأكارم أنت تطلب من الله الكرامة، وهو يطلب منك الاستقامة لأنَّ الاستقامة عَين الكرامة، لما يكون الإنسان مستقيماً على أمر فهو في ظلّ الله عز وجل، وفي حِفظه ورِعايَتِهِ، فإذا شذَّ عن الاستقامة، كأنَّه خرج من ظلّ الله وصار معرَّضاً لحجارة وأمطار وبرد وحر ومضايَقات، لذلك قال تعالى:

﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (73) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (74) ﴾

 الله يعلمُ كلّ شيء، فإذا بالَغْتَ في معرفة أنَ الله يعلم، فقد نَجَوْت بِنَفْسِك، وقبل أن تقول كلمةً يعلم نواياك منها، وقبل أن تدعو إلى الله فالله يعلم النوايا، وقبل أن تأمر بالمعروف أو تنْهَ عن المنكر فالله يعلم النوايا، قبل أن تدعو أحداً إلى بيتِك أو تزوره يعلمُ النوايا، وقبل أن تعطي أو تمْنع يعلم النوايا، فكلّما تحقَّقْت بِعِلم الله بِنَواياك انْضبَطَتْ أُمورك واسْتقامَت سريرتُكَ وعلانيَّتُك.
 الحركة الإيمانية أو نُسمِّيها النمو الإيماني، هناك نموّ اقتِصادي، هذه السنة مئة، السنة التي بعدها مئة وثلاثون، ثمّ مئتان، يقول لك هناك نموّ بالأرباح والدَّخل، فنحن نحرصُ على نموّ دَخلنا وأرباحِنا، ألا ينبغي أن نحرصَ على نموّ إيماننا ؟ ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام جدِّدوا إيمانكم ؟ ومن لم يكن في زيادة فهو في نقصان، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام المغبون من تساوى يوماه ؟ ضربتُ مثلا من مدة، رصيف متحرّك وأنت على الرصيف، فإذا نزلْت من على هذا الرصيف ووقفْت في مكانك فأنت واقف أم مقصّر، بالقياس إلى هذا المتحرّك ؟ فإذا كان مجموعة مؤمنين إلى الله طريقهم، وأنت وقفتَ فما ازْداد علمك، ولا عملَكَ، ولا ورعَكَ، ولا شوقكَ، ولا اسْتِقامَتَك فأنت في تقصير، وهذا معنى الحديث من لم يكن في زِيادة فهو في نقصان.

تكلّم أو اسْكُت فالله تعالى يعلم سرك وعلانيتك:

 قال تعالى:

﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (73) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (74) ﴾

 تكلّم أو اسْكُت فهو يعلم الحالين، إذا كانت علانِيَتَكَ مُطابقةً لِسَريرتِكَ فهو يعلم، وإن جاءَتْ علانيتَكَ مخالفة فهو يعلم، إن كانت السريرة أطْهر من العلانيَة يعلم، وإن كانت العلانية أطْهر من السريرة يعلم، قال تعالى:

 

﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (73) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (74) ﴾

 حال المراقبة شعور لا يعلمه إلا من مارسهُ، قال تعالى:

 

 

﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ(14) ﴾

 

(سورة الفجر)

 وقال تعالى:

 

﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً(52) ﴾

 

(سورة الأحزاب)

أيّ شيءٍ غابَ عن عِلمك هو في علم الله وفي كتاب مُسجَّل:

 قال تعالى:

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ(46) ﴾

(سورة إبراهيم)

 إنسانٌ خطَّطَ، له مدير بالمدرسة أراد أن يشكوه للتَّضْييق عليه، ورتَّبَ له ترتيبات كي يُزيحَهُ من منصِبِه، وكتب ورقة وقال: أريد أن أبعث تقريراً للمفتش، التَّقرير صور، وعند المدير نسْخة منه فالمدير يعلم ما في التقرير وكذا الحال عند الله ! فالله عز وجل يعلم، يمكرون ومكرهم يعلمه الله، وله نسخة منه، فالله يعلمُ مَكْر الماكرين، ويعلم تَدبير المدَبِّرين، ويعلمُ خداع المخادعين، وتَدْجيل المُدَجِّلين، وكذب الكاذبين، ويعلم صِدْق الصادقين، وإخلاص المخلصين، فكلَّما بالغْت في الحركة يجب أن ينْمُوَ إيمانك في خطَّين في خطّ معرفة الله، وفي خطّ معرفة أمره، معرفة الله كأسمائه الحسنى ؛ علمه وقدرته وسمعه وبصرهُ وغير ذلك، ومعرفة أمره الحلال والحرام في كلّ شيءٍ تقريباً، فإذا نَمَتْ معرفتك بالله تعالى، ونمت معرفتك بأمر الله وعرفْت أنَّ الله يعلم وقدير، تجد أنَّك تستقيم على أمره بشَكل طبيعي ودون جهد، ودون مُصارعة، دون مُشادَة مع نفسك، قال تعالى:

 

﴿ وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (75) ﴾

 أيّ شيءٍ غابَ عن عِلمك هو في علم الله، وفي كتاب مُسجَّل والمُسجّل بِحَسب تفكير البشر أشدّ ثباتاً وأشدُّ قوَّةً كله مسجل.

 

هناك فرق بين الرادع والوازع فالوازع داخلي لكن الرادع خارجي:

 الذين قالوا إنّ الله فقير ونحن أغنياء، الله تعالى قال:

﴿ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمْ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ(181) ﴾

(سورة آل عمران)

 الإنسان إذا تكلَّمَ كلاماً فيه تَجاوُز لِعُبوديَّته، وتجاوز في الأدب مع الله عز وجل، وتجاوز لِقَوانين الله، فهذه الكلمة سوفَ تُكْتب، وسوف يدْفعُ ثمنها باهظاً، لذلك عليه الصلاة والسلام قال:

 

((لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ))

 

[ أحمد عن أنس بن مالك]

 وقال:

 

((وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً))

 

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

 قال تعالى:

 

﴿ وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (75) ﴾

 حكى لي شخص أنَّه تحرك حركة خالف فيها النِّظام بِبَلدٍ أجنبي، اسْتَدعوه وعرضوا عليهِ شريطاً بِصُورة ملوّنة على شاشة كبيرة، كلّه مُسجّل، لون سيارته ورقمها، والحقيقة أنَّ انْضِباط العالم الغربي، انْضِباط خارجي لا ذاتي، فوسائل الضَّبط راقِيَة جدّاً، وهذا ما سَنُسمِّيه رادِع، وفي الإيمان وازع، وشتَّان بين الرادع والوازع، فالوازع داخلي، والرادع خارجي شَخصٌ حدَّثني أنَّ بعض المسابح ذات المِياه المعْدَنِيَّة، هناك مادَّة كيماوِيَّة تتفاعَل مع البول وتطلع مادَة بنفْسجِيَّة اللَّون لِمَن فعَلَ هذه الفعلة ! وهناك رجل معه جِهاز ضَوئي كشَّاف يُسلَّط عليه، هذا هو الرادِع، أما المؤمن فلا يفعل هذا إلا بِدافِع خوفه من الله عز وجل، شتَان بين النِّظام الرَّدعي والنِّظام الدَّفعي الداخلي.

 

لا تستقيم حياتنا إلا بالخوف من الله عز وجل:

 الله ماذا قال ؟ قال تعالى:

﴿ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ(45) ﴾

(سورة العنكبوت)

 تنهى الإنسان نهْياً ذاتيّاً، أما لمَا قُطِعَت الكهرباء في نيويورْك ارْتُكِبَت مئتا ألف سرقة، الصالة مراقبة تلفزْيونيّاً، أيْ الواحد إذا استقام لا فضل له، وأغلب محلاَّت البيع فيها مع التَسعيرة مادَة دُفع ثمن البِضاعة تُلغى، أما إن لم يُدْفع يخرج صوت من باب المخرج ! أي هذا سارق لا بدّ أن ينضبط، فهل هو هذا الذي أراده الله عز وجل ؟ هذا الضَّبط الخارجي لا قيمة له إطلاقاً، فلو تعطّل هذا الضَّبط لِسَبب أو لآخر تجد انْحِطاط ما بعدهُ انْحِطاط، أما الدِّين فَيُنَمِّي الإحساس الأخلاقي، والوازِع الداخلي، وينمِي الانضِباط الذاتي، وتجد الإنسان يخاف من الله، قال له: بعني هذه الشاة وخُذْ ثمنَها ؟ فقال له: هي ليْست لي ! والقصَة معروفة، ثم قال له: ولكن أين الله ؟! هذا الإيمان كلّه ؛ أن تقول: إنِّي أخاف الله ربّ العالمين، هناك كثير من المِهَن صاحب المهنة ثقة، فإذا لم يَخَفْ من ربّه يُؤذي إيذاءً كبيراً جدّاً، فلا تستقيم حياتنا إلا بالخوف من الله عز وجل، والحديث القدسي: يا موسى خَفْني، ويا موسى خف ثلاثاً ؛ خفني، وخِفْ نفْسَك، وخَف من لا يخافني ! هذه المعاني التي توضِّح معنى قوله تعالى:

 

﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (73) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (74) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ(75)﴾

 

الله عز وجل وضَّحَ في القرآن الكريم كلّ الموضوعات الخِلافيّة في الكتب السابقة:

 يقول تعالى:

﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) ﴾

 بنو إسرائيل اختلفوا في شأن المسيح عليه السلام، وفي شأن طبيعته أهُوَ من بني البشر ؟ أم هو إله ؟ واختلفوا أيضاً في الروح القدس، واختلفوا في السيّد المسيح أَهُوَ ابن الله عز وجل أم نبي كريم ؟ واختلفوا في طريقة موتِهِ ؛ أَصَلَبُوهُ أم شُبِه لهم، اختلفوا في قصص كثيرة عن الأنبياء وجاء القرآن مُهَيْمِناً قال تعالى:

 

﴿ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ(148) ﴾

 

(سورة المائدة)

 مُهَيْمِناً على كلّ الكتب السابقة بِمَعنى أنّ الله عز وجل وضَّحَ في القرآن الكريم كلّ الموضوعات الخِلافيّة في الكتب السابقة، قال تعالى:

 

﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً(30) ﴾

 

(سورة مريم)

 وقال تعالى:

 

﴿ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْراً لَكُمْ (171)﴾

 

(سورة النساء)

في كلّ موضوع خِلافي جاءت الآية حَسْماً وفَيْصَلاً للموضوع:

 إذاً كما قال تعالى:

﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) ﴾

 قال تعالى:

 

﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً(157) ﴾

 

(سورة النساء)

 في كلّ موضوع خِلافي جاءت الآية حَسْماً وفَيْصَلاً للموضوع، بنو إسرائيل تقوَّلوا على أنبيائهم تقوُّلاتٍ ما أنزل الله بها من سلطان، سيّدنا إبراهيم أبو الأنبياء هذا النبي العظيم قال: عرضَ زوجته على ملكِ مِصْر على أنَّها أخته ! أَيَفْعلُ هذا نبيّ ؟‍‍ هكذا قال بنو إسرائيل على سيّدنا إبراهيم، وبنو إسرائيل قالوا عن سيّدنا لوط أنّه شرب الخمر وزنى بابْنَتَيْه أهذا كلام ؟!! قال تعالى:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ(33) ﴾

 

(سورة آل عمران)

 الأنبياء نخْبة مُصْطَفَون أخيار، وعِبادٌ مُكْرَمون، ولا يسْبِقونه بالأمر وهم بأمرِهِ يعملون، وبنو إسرائيل قالوا عن سيدنا داود أنّه رأى امرأةً رائعة الجمال، فسأل عن زوْجها فإذا هو أحدُ جنودِهِ، فأرْسَلهُ إلى معركةٍ وقال: قدِّموهُ لعلّهُ يقتل، وعندهُ تِسْعٌ وتسْعون امرأة، هذا نبيّ أم زير نساء ؟!!

القرآن الكريم هدى يُبيِّن لك طريق سعادتك في الدنيا والآخرة:

 قال تعالى:

﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) ﴾

 سيّدنا لوط قالوا زنى بابْنَتَيْه، وإبراهيم كذب، وعرَض زوجته على ملِك مصر على أنَّها أخته، وسيّدنا داود أحبّ هذه المرأة، وسيّدنا سليمان قطَعَ رؤوس الخيول وقوائِمَها لأنّها ألْهَتْهُ عن الصلاة !! ما ذنبها ؟! لذا هناك بنْد اسْمُهُ الإسرائيليات في كتب التفسير ما أنزل الله بها من سلطان، تقولات على الأنبياء، والتي لا ترضي الله عز وجل، وتتناقض مع عِصْمَتِهم، فالأنبياء معصومون، وإن لم يكونوا معصومين، فمن المعْصوم ؟ إذا كان هذا النبي المرْسَل الذي يوحَى إليه غير معصوم أَيَكون أحدُ الناس معصوماً ؟ وكيف يأمر الله سبحانه وتعالى باتِّباع أنبيائه وهم غير معصومين، فكأنَ الله يأمرنا بالمعصِيَة، إذاً هذه القصص كلّها باطلة، ولا أصْل لها، والقرآن الكريم وضَّحَها تماماً فقال تعالى:

﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) ﴾

 ثمَّ يقول تعالى:

 

﴿ وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77) ﴾

 حقيقة الهدى من أجل التوضيح ؛ لو أنَّكَ سلَّطْتَ مِصْباحاً كاشفاً على طريق وعِرَة لعرفْتَ الحفرة من الأكمة، والحيوان المؤذي وغير المؤذي، ومن الحيوان النافع، فالضَّوء كشَّاف، فالقرآن الكريم هدى يُبيِّن لك طريق سعادتك في الدنيا والآخرة، وفي الزَّواج افْعَل ولا تفْعَل، وفي البيع والشِّراء، وفي كلّ حركة من حركاتك، وفي كلّ نشاط من نشاطاتك، هناك توجيهات إلهيّة من الهع عز وجل في كتابه الكريم أخبرنا عن حقائق ووجَّهَ توجيهات، فإذا علمت الحقائق، واتبعت التَّوجيهات فكأنَّك على نور، وربّنا عز وجل في بعض آيات كتاب الله سمَاهُ نوراً مُبيناً.

 

أمرك أن تصلِّي وأن تستقيم فلما اسْتَقمْت واتَّقَيْت شَعَرْت بالسعادة الحاصلة من اتِّصالك بالله:

 قال تعالى:

﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً(174) ﴾

(سورة النساء)

 هو كلام الله عز وجل، أما رحمة فلها معنى آخر، أنت إذا اتبعت هدى الله في شأن الزَّواج، هناك تعليمات، أوَّل بنْد وعاشِروهنّ بالمعروف ؛ كأن تكون رحيماً وحليماً، حلمك ورحمتك وكرمك ومكانتك العلِيّة في البيت، هذا يجعل الزَّوجة تحترمك وتُوَقِّرك وتتفانى في خِدمتك، فينشأ ما يُسمَّى السعادة الزَّوْجِيَّة، هذه السّعادة رحمة من الله عز وجل تنْعم بها أنت، حينما اهْتَدَيْتَ بِهُدى الله سَعِدْتَ بهذه الرحمة، فأيّ توجيهٍ إلهي، كأن يقول لك فلان: في البضاعة الفلانية تربح كثيراً، وينصحك أن تشتري منها، فأنت تشتري وتبيع وتربح، هذا المال تنعَّمْتَ فيه، واشْتريْت بيتاً واسعاً، أطْعمْتَ أهلك طعاماً جيداً، وارْتَدَيْت كساءً جيّداً، فهذه النِعَم التي أنت تسْتمتعُ بها بفضل هذا الموجّه، فالقرآن الكريم هُدًى ورحمة إذا أعطاك التَّوجيهات ونفَّذْتها تحسّ أنَّ الله عز وجل أكْرمَكَ بهذا الزَّواج، وأنت في التِّجارة اسْتَقَمْت على أمر الناس، وما كذبت عليهم، وما ماْطَلْتهم، وما عسَّرْت عليهم، وما أثْنَيْت على بِضاعتك، وهي ليْسَت كذلك، وما ذَممتَ بِضاعة الآخرين، وطبَقْتَ السنَّة في البيع والشِّراء دون كذب أو احْتِيال أو تدليس، فالناس يثقون بك، ويُقْبِلون عليك، زبائنك كثيرون أحبُّوك وآثروك على أيّ بائعٍ آخر، وربحت منهم ربْحاً جيِّداً، فهذه رحمة تنعم بها بعد أن طبَّقْت هُداه طبعاً هذا في الزواج، وفي التِّجارة، وفي علاقتك بالله عز وجل، أمرك أن تصلِّي وأمركَ أن تستقيم، فلما اسْتَقمْت واتَّقَيْت شَعَرْت بهذه السعادة الحاصلة من اتِّصالك بالله عز وجل.

الحياة الدنيا مليئة بالاتِّجاهات وكلٌّ يدَّعِي أنَّه على حقّ:

 قال تعالى:

﴿ وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77) ﴾

 أيُّ توْجيهٍ تُنَفِذُهُ يعْقِبُه رحمة، تغضّ بصرك عن محارم الله هذا توجيه واضح، وإذا طبَّقْت الأمر بحزم يجب أن تشعر أنَّ الله سيُكافِئك، تتمتَّع بِسَعادة زوْجِيَّة يفتقر لها أُناسٌ كثيرون، لأنّه حينما يعْصي الزَّوج أو الزَّوجة يتولَّى الشيطان التفريق بينهما، فإذا غضَضْت بصرك عن محارم الله يتولّى الرحمن التوفيق بينكما، وتجد مودَّة بالغة، وعلى هذا فقِسْ مع شريكك، إذا كنتَ مستقيماً على أمر الله يحبّك شريكك، وإذا كانت هناك أشياء من وراء ظهره ينْفُرُ منك وتصبح هناك مشاحنات وتنفكّ الشراكة بعدها، قال تعالى:

 

﴿ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(46) ﴾

(سورة الأنفال)
 آية دقيقة جداً ؛ قال تعالى:

 

 

﴿ وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77) ﴾

 تهتدي بِهَدْي القرآن، ويرحمك الله إذا طبَقْت هذا الهدي، قال تعالى:

 

 

﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (78) ﴾

 الحياة الدنيا مليئة بالاتِّجاهات، وكلٌّ يدَّعِي أنَّه على حقّ، وما من فئة، وما من مجموعة، وما من طائفةٍ، وما من مذهبٍ إلا وهو على حقّ والناس على باطل:

 

 

﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) ﴾

 

(سورة الروم)

 كلّ إنسان يظن نفسهُ مِحْوَر العالم وأنَّه الوحيد، فهذه المشاحنات والخِلافات، والأخذ والعطاء، والاتِّهامات السَّريعة، وكلّ إنسان يتَّهِم الآخرين لأَتْفَه الأسباب، وتنشأ عداوات لا مُبرِّرَ لها، ويعْتدّ بِنَفْسِه، ويحتقر الآخرين، ويُعظِّم قدراته إلى أقصى درجة، إذا كان بالعلم فهو العالم والناس كلّهم جهلة، وإذا كان بالاختراع فهو المخترع، وإذا كان بالتِجارة فهو التاجر، وإذا كان بالصِّناعة هو الصانع، دائماً يحتقر الآخرين، فهذه الخلافات والصِّراعات والمشكلات سَيَضَعُ الله لها حدّاً يوم القيامة.

على الإنسان أن يعتدل ولا يتطرف بأحكامه:

 قال تعالى:

﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (78) ﴾

 أحياناً يتكلّم المحامي محاضرة بليغة وعظيمة، عريضة مع الأدلّة، والاستنباطات، والتبريرات، والتخفيفات، فإذا توقّف يتكلّم المحامي الآخر، والقاضي عنده بصيرة، وعنده أدلّة، يُنْهي هذا النِزاع بأن يقول: حَكَمْنا على فلان بالسِّجْن، وهو المذْنب، وينتهي الأمر، قال تعالى:

 

﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (78) ﴾

 قد تكون هذه الفئة الضالة، وهذه المحقّة، قد يكون العكس، فأهل التَّصوف هم الدِّين وحده، وأهل العقيدة هم الدِّين وحده، وأهل الفقه هم الدِين وحده، فهذه مبالغة، ولكنّ الدّين فيه جانب عقائدي، وجانب عبادي، وجانب معاملات، وجانب خلقي، فالدِّين كلّ هذه الأشياء، ولا ينصر هذا الدِّين إلا مَنْ أحاطهُ مِن كلّ جوانبه، فإذا كنتَ من علماء الأصول ليس إلا أنت، وإذا كنت من علماء الشريعة ليس إلا أنت ! لا كلّ هؤلاء يُشَكُّلون محطَّات في الطريق إلى الله عز وجل، وكلّ هؤلاء يشكِّلون أجزاء في الدين يكمل بعضهم بعضاً، إذاً كما قال تعالى:

 

 

﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (78) ﴾

 الإنسان لمَّا يتطرّف بأحكامه لا بدَّ له من أن يتراجع في يوم ما، فما عليك إلا أن تكون معْتدلاً.

 

الله عز وجل لا يقْبل للإنسان أن يتوكَّل عليه وهو على باطل:

 قال تعالى:

﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ (79) ﴾

 هذا التَوكّل شيءٌ عظيم، والتَّوَكُّل ليس كلمة تقال، أن تقول: توكَّلْت على الله، هذه قد يقولها أيّ إنسان، هذا كأن تقول: ألف مليون ! هذه كلمة، وهذه يقولها أفْقر واحد، فبَيْن أن تلفظها وبين أن تملكها فرْقُ كبير، وبين أن تقول: توكَّلْتُ على الله وقلبك مع زيْد وعُبَيد على مالك وصحّتك ومكانتك، وعلى ابن عمّك وابن خالتك، أَيُّ توكّلٍ هذا ؟ هذا كلُّه شِرْكٌ ! الله عز وجل ليس عند القول، ولكن عند الشُّعور وعند الحقيقة، ولن تتوكَّل عليه إلا إذا عرفْتهُ، فأنت لن تُكَلِّفَ إنساناً عملاً خطيراً إلا إذا كان في مستوى هذا العمل، لن تكلّف إنساناً يشتري لك ذهَباً، وأنت تعرف وجود ذهب مزيّف، وأسعار باهظة، وبائعي أسعار غير معقولة، وهناك احتيال، لن تُكلّف من هو ضعيف الخِبْرة في هذا الموضوع، لن تعتمد إلا على الخبير والقويّ ولن تعتمد إلا على العالم والقدير، فالتَّوكّل يحتاج إلى معرفة ثابتة اِعْرف الله ثمَّ تَوَكَّل عليه، هذا إذا علِمْت أنَّ بيَدِهِ كلّ شيء ؛ عليم خبير قدير حكيم محبّ رؤوف رحيم، كيف أنَّ الطفل الصغير وهو في حِجْر أُمِّه مرتاح لا مشكلة عنده، لا يخشى عَدُوّاً، ولا يخشَى مرضاً، ولا يخشى جوعاً، هذا الاسْتِسلام هو حال المؤمن، إلهي أنت مقصودي ورِضاك مطلوبي، حديث ـ ناصيتي بيدك ـ هذا هو التَّوَكّل، ولم لا، قال تعالى:

 

﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79) ﴾

 الله عز وجل لا يقْبل للإنسان أن يتوكَّل عليه وهو على باطل، قال تعالى:

 

 

﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ(55) ﴾

 

(سورة الأعراف)

 كأنَّه يقول لنا إن اعْتَدَيْتُم أنتم فأنا لا أستجيب لكم لأنّي لا أُحبكم، أنا لا أستجيب إلا للمُنصفين، وللمقسِطين، وأنا لا أستجيب إلا للمحسنين، والطائعين، والطاهرين، والمستقيمين، فإذا كنت من المعتدين فلا أستجيب لكم، لأنِّي لا أُحبّكم، إنَّ الله لا يحبّ الكافرين، ولا يحبّ الفاسقين، ولا يحبّ الظالمين.

المؤمن يسْتمدّ قوَّته من حُسْن ظنِّه بالله عز وجل:

 قال تعالى:

﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79) ﴾

 إذا كنت على الحق المبين توكَّل على الله عز وجل، فلذلك المؤمن يسْتمدّ قوَّته من حُسْن ظنِّه بالله عز وجل، ويعلمُ عِلْمَ اليقين أنَ الله معه وأنَّ الله لن يتخلَّى عنه، ولن يتْركهُ، وأنَّ الله بِرَحمته وحِكمته يحفظ عبده المؤمن، وإنَ الله يحبّ المتوكِّلين، هناك أشخاص إذا طمأنهُ شخص يطمئنّ ويرتاح أما إذا كانت هناك آية تطمْئِن يبقى قلقاً، وهذه مشكلة وهي ضعف في الإيمان خطير، ألا يكفيك تطمين الواحد الدَيان حتى يطمئنك إنسان ؟! قال تعالى:

 

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً(97) ﴾

 

(سورة النحل)

 ألا يكفيك قوله تعالى:

 

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21) ﴾

 

(سورة الجاثية)

الله بِرَحمته وحِكمته يحفظ عبده المؤمن لأن الله يحبّ المتوكِّلين:

 ألا يكفيك قوله تعالى:

﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا(48) ﴾

(سورة الطور)

 وقوله تعالى:

 

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(51) ﴾

 

(سورة التوبة)

 وقوله تعالى:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ(38) ﴾

 

(سورة الحج)

 هذه الآيات:

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَانُ وُدّاً(96) ﴾

 

(سورة مريم)

 ألا يكفيك تطمين الواحد الدَيان حتى يطمئنك إنسان ؟! قال تعالى:

 

﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (81) ﴾

 هذه الآيات تحتاج إلى درس آخر إن شاء الله تعالى.

 

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018