الدرس : 11 - سورة النمل - تفسيرالأية 61 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 11 - سورة النمل - تفسيرالأية 61


1990-02-16

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الحادي عشر من سورة النمل.

القرار لها معانٍ عِدَّة من معانيها هناك معنىً مادي وهناك معنىً معنوي:

 وقفنا في الدرس الماضي عند قوله تعالى:

﴿ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) ﴾

(سورة النمل)

 الآية الثانية دقيقةٌ جداً:

 

﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا (61) ﴾

 القرار لها معانٍ عِدَّة، من معانيها أنَّها مستقرَّة بالمعنى المادي، ومن معانيها أيضاً أنها مكانٌ يستقرُّ فيه الإنسان، هناك معنىً مادي ومعنىً معنوي، مكانٌ لاستقراره، مكانٌ لسُكْناه، وهذه الأرض في الأصل مستقرَّة، فربنا سبحانه وتعالى يسألنا:

 

 

﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا (61) ﴾

 كأنَّ هذا الكون الذي سخَّره الله لنا، سخَّره تسخير تعريف، وكأن الإنسان مُطالَبٌ بل واجبٌ عليه أن يُعْمِلَ فكره في هذا الكون حتَّى يتعرَّف إلى الله عزَّ وجل، لأن العلم أصل كل حركة، أيَّةُ حركةٍ تنطلق إليها لا بدَّ من أن يسبقها العِلم، حتى تحرُّكك في طريق الإيمان يجب أن يسبقه العلم، فحينما يذكر الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم هذه الآيات الدالَّة على عظمته، إنما يذكرها كي يلفت النظر إليها، وكي نُعْمِلَ عقولنا وأفكارنا في التأمُّل فيها:

 

 

﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا (61) ﴾

 

هذا الإله العظيم خلق الأرض بطريقةٍ يرتاح الإنسان فيها:

 هذه الأرض لو أنها ذات تضاريس حادَّة، نتوءات، وربنا سبحانه وتعالى خلق في بعض المناطق من الأرض أماكن بركانيَّة تستحيل الحياة عليها، تضاريس حادَّة، صارخة، ناتئة، مُدَبَّبة، صُلْبَة، من جعلها مستوية ؟

﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا (61) ﴾

 جعلها مستوية ولم يجعلها مسنَّنة، ولم يجعلها مدبَّبة، ولم يجعلها حادَّة، هذا الإله العظيم الذي خلقها بطريقةٍ يرتاح الإنسان فيها، ألا نشكره ؟ ألا نعرفه ؟ ألا نذكره ؟

 

﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا (61) ﴾

 هذا المعنى الأول، المعنى الآخر: من جعلها أفقيَّة الشكل ولم يجعلها مائلة ؟ لو أن الأرض مائلة لانجرفت تربتها بالأمطار، لو أن الأرض مائلة لاستحالت زراعتها، جعلها مستوية وجعلها أفقيَّة في وقتٍ واحد، وهذا من معاني:

 

 

﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا (61) ﴾

 من جعلها بين الصلابة والليونة ؟ لو أنها صخرٌ بازلتيٌّ قاسٍ كيف نزرعها ؟ كيف نستفيد منها ؟ كيف نحفر الآبار ؟ كيف نحفر الأساسات ؟ كيف نبني البيوت ؟ لم يجعلها صخريَّةَ قاسيةً صُلبةً صلْدَةً، ولم يجعلها مائعةً سَيَّالةً يغوص فيها كل شيء.

 

للأرض اثنتا عشرة دورة ومع ذلك هي مستقرَّة وساكنة سكوناً مطلقاً:

 قال تعالى:

﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا (61) ﴾

 لم يجعلها مسنَّنةً ولا حادَّة التضاريس، ولم يجعلها مائلةً بل جعلها أفقيَّةً، جعلها مستويةً وجعلها أفقيَّةً، وفوق هذا وذاك جعلها بين الليونة والصلابة، وجعل فيها معايش ؛ يمكن أن تبني عليها الأبنية، يمكن أن تحفر الآبار، يمكن أن تأخذ التربة، يمكن أن تحرث التربة:

 

﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا (61) ﴾

 الله سبحانه وتعالى ـ شيءٌ آخر ـ هذا السكون العجيب، الأرض تدور حول نفسها، سرعة دورانها حول نفسها في خطِّ الاستواء ما يزيد عن مائتي كيلو في الساعة، لأن الأربعين ألف كيلو متر تُقسَّم على أربعٍ وعشرين ساعة فتقريباً الرقم كبير جداً، هذا الدوران حول نفسها، ودورانها حول الشمس في كل ثانية ثلاثون كيلو متراً، إذاً هي تدور حول ذاتها وتدور حول الشمس، ومحورها المائل يدور دورةً أيضاً، ومستوي دورانها يدور دورةً أيضاً، وميلان محورها تأرجح بين الدرجة الثالثة والثلاثين والسابعة والعشرين، المحور يتأرجح، والمحور يدور، ومستوي الدوران حول الشمس يدور، وحركتها مع القمر هناك حركةٌ جَيْبِيَّة، تدور حول نفسها وحول الشمس ولها اثنتا عشرة دورة، قد لا يصلح هذا المكان لتفصيل هذه الدورات، لها اثنتا عشرة دورة غير دورتها حول نفسها وحول الشمس ومع ذلك هي مستقرَّة، سكون مطلق.

 

 

﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا (61) ﴾

 

السكون والاستقرار نِعَمٌ يجب أن يعرفها الإنسان:

 أيستطيع الإنسان أن يصنع مركبةً متحركةً من دون اهتزاز ؟ اركب الطائرة، مع أن الطائرة فيها أعلى ما عند الإنسان من خبرات، ومع ذلك لا بدَّ من بعض الاهتزاز، اركب سيَّارة لا بدَّ من بعض الاهتزاز، اركب مركبةً فضائيَّة لا بدَّ من بعض الاهتزاز، أما هذه الأرض لو أن اهتزازاً طفيفاً جداً حصل لتداعت الأبنية، أو تشقَّقت الجدران، وكأن الله سبحانه وتعالى جعل الزلازل في بعض الأماكن ليلفِتَ النظر إلى أن نعمة السكون ونعمة الاستقرار هذه نعمةٌ يجب أن تعرفها أيُّها الإنسان، اضطرابٌ بسيط في قشرة الأرض يصبح عالي الأرض سافلها، تتداعى الأبنية، تنهار الجسور، وكل شيءٍ يقع، فلذلك عندما يقول ربنا عزَّ وجل:

﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا (61) ﴾

 من جعلها ساكنةً مع أنها تمرُّ مرَّ السحاب ؟

 

﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ﴾

 

(سورة النمل: من آية " 88 ")

 دورةٌ حول نفسها، دورةٌ حول الشمس، تأرجحٌ في محورها، دورةٌ لمحورها، دورةٌ لمستوي دورانها، هذا كلُّه والأرض مستقرَّة، هذا البناء أُنْشِئ قبل أربعمائة عام وهو كما هو، لو أن هناك اهتزازاً لم تكن مستقرَّة، من جعلها مستقرَّة ؟
 في دورانها حول الشمس تزداد سرعتها وتنقُص، تزداد حينما تصل إلى البُعد الأصغر بينها وبين الشمس لئلا تزيد جاذبيَّة الشمس لها، تزيد من سرعتها حتَّى ينشأ من هذه السرعة قوَّةٌ نابذةٌ تكافئ القوة الجاذبة، من جعل هذه السرعة تزيد ؟ من جعلها تنقص ؟ من جعلها تزيد تدريجياً بلطفٍ شديد ؟ من جعل هذه الأرض على مسارها الصحيح منذ آلاف آلافِ آَلاف آلاف الأعوام ؟

من نعم الله تعالى علينا أنه جعل الأرض تلزم خطَّاً دقيقاً لا تحيد عنه:

 قال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا ﴾

(سورة فاطر: من آية " 41 ")

 القطار أحياناً يخرج عن خطِّ سيره، فيحتاج إلى رافعات كي تعيده إلى خطِّ سيره إلى هذه القضبان الحديديَّة، الأرض لم تخرج ولا مرَّة عن مسارها حول الشمس، بل إنَّنا جميعاً حينما نُمْسِكُ بالتقويم، نعلم أن الشمس تشرق في يوم الجمعة السادس عشر من شباط في الساعة السادسة واثنتين وعشرين دقيقة، هذه متى طُبِعَت ؟ طُبِعَت من أول العام، وهذه الأرقام معروفة قبل عشرات السنين وقبل مئات السنين، ما معنى ذلك ؟ أن حركة الأرض في دورتها حول نفسها وحول الشمس محسوبةٌ بأجزاء الدقيقة، إذاً من جعل هذه الأرض تلزم خطَّاً دقيقاً لا تحيد عنه ؟

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ ﴾

 

(سورة فاطر: من آية " 41 ")

 من هي القوة الكبيرة التي تحافظ على سير الأرض على هذا المسار ؟

 

﴿ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ (61) ﴾

 أمن جعلها مستقرَّة في هذا المسار، من جعلها مستويةً أفقيَّةً تربتها زراعيَّةً ؟ من جعلها ساكنةً ودليل سكونها الزلازل في بعض الأماكن، هذا البناء الذي كَلَّفَ عشرات الملايين بل مئات الملايين يُهْدَم في ثوانٍ عدَّة إذا اضطربت الأرض.

 

الجبال الرواسي من وظائفها الأساسيَّة أنها تبقي الأرض في حالة سكونٍ أثناء حركتها:

 يشتري بيتاً في الطابق العاشر وهو مطمئن، ولو أن هذه القشرة الأرضيَّة اهتزَّت لأصبح هذا البيت في باطن الأرض، حينما تسكن في بيت مرتفع نعمة الأمن هذه من أين أتت ؟ من أن الله سبحانه وتعالى جعل الأرض مستقرَّة، لو لم تكن مستقرَّة لا يمكن أن تبني بيتاً فوق بيت، وكيف جعلها مستقرَّة ؟

﴿ إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾

(سورة فاطر: من آية " 41 ")

 وقال:

 

﴿ وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾

 

(سورة النحل: من آية " 15 ")

 هذه الجبال الرواسي من وظائفها الأساسيَّة أنها تبقي الأرض في حالة سكونٍ في أثناء حركتها، حركةٌ ساكنة هذا أرقى شيء، الإنسان لم يتوصّل بعد إلى تحريك شيء مع السكون التام، مع الحركة يوجد اهتزاز.

معنى الاستواء والأفقيَّة والليونة والسكون هذا كلُّه مأخوذٌ من الآية التالية:

 معنى الاستواء، ومعنى الأفقيَّة، ومعنى الليونة، ومعنى السكون هذا كلُّه مأخوذٌ من قوله تعالى:

﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا (61) ﴾

 شيءٌ آخر: هذه الحاجات نضعُها على الطاولة فتبقى في محلِّها بفعل الجاذبية، لو أنّك ركبت مركبةً فضائيَّة واجتزت المنطقة التي تنتهي فيها جاذبية الأرض، واقتربت من منطقةٍ تنعدم فيها الجاذبيَّة، لعرفت هذه النعمة الكبيرة، رواد الفضاء حينما وصلوا إلى القمر الجاذبيَّة هناك أقل بستة أمثال، فالرجل الذي وزنه على سطح الأرض ستون كيلو غراماً في القمر وزنه عشرة كيلو، فالحركة تبدو سهلة جداً، أي جهدٍ تبذله تقفز من على سطح القمر عشرات الأمتار، من جعل هذه الجاذبيَّة بهذا الميزان الدقيق ؟
 لو أننا على سطح كوكبٍ آخر يزيد حجمه عن حجم الأرض بمرَّاتٍ عديدة، لكان وزن الإنسان يزيد عن آلاف الكيلو غرامات، شيءٌ لا يطاق أن يكون وزن الإنسان ألف كيلو غرام، ولا يطاق أيضاً أن يكون وزنه عشرة كيلو، ولكن حجم الأرض يقرِّر نوع الجاذبيَّة.

الأرض تجذب الأشياء نحو مركزها:

 روَّاد الفضاء وهم في مركبتهم، في منطقة انعدام الجاذبية حياتهم في المركبة لا تُطاق، إذا أمسك بالقلم طار منه القلم إلى سقف المركبة، الأشياء تتحرَّك وحدها من دون سبب، ليس لها وزن، فحياة الإنسان بلا وزن لا تطاق لا تحتمل، تضع قطع الأثاث في هذه الغرفة وتأتي بعد ساعة تجد أنها صارت في مكانٍ آخر مبعثرة لأنه ليس لها وزن، نسمة ريحٍ تنقلها من غرفةٍ إلى غرفة.

﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا (61) ﴾

 من جعل هذه الأشياء تستقرُّ عليها ؟ من جعل هذه الحاجات تنجذب إليها ؟

 

﴿ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ (61) ﴾

 شيءٌ آخر: هذا البحر المسجور من ربطه في الأرض ؟ ألا تعرف أن الأرض كرة ؟ ألا تعرف أن البحر في جنوبها مُلتصقٌ بها ؟ من جذبه إليها ؟
 شيءٌ آخر: هذا الهواء المُحيط بالأرض مرتبط بها، لو أن الهواء مستقلٌّ عن الأرض، والأرض تدور بسرعة ألف وستمائة كيلو في الساعة والهواء ثابت، لنشأت أعاصير سرعتها ألف وستمائة كيلو في الساعة، البارحة كانت السرعة تسعين فحصلت أضرار شديدة، في أوروبا قبل أسابيع هَبَّت عاصفة سرعتها مائة وثمانين كيلو متر، اقتلعت المزارع كلَّها، اقتلعت الأبنية، فكيف إذا كانت الرياح تزيد عن ألفٍ وستمائة كيلو متر في الساعة ؟
 إذاً هذا الهواء ربطه الله بالأرض، هذا الماء مرتبط بالأرض، هذه الجبال راسيات، هذه الحاجات ثابتة، أنت إذا ركبت مركبتك وانطلقت بها في طريق هابطة، تشعر أنها تنطلق وحدها من دون محرِّك، أية قوَّةٍ هذه ؟ إنَّها قوة الجاذبيَّة، الأرض تجذبها نحو مركزها:

 

 

﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا (61) ﴾

 

تنظيم الكون بقدرة الله عز وجل بطريقة التجاذب:

 الله سبحانه وتعالى يقول كلمةً واحدة، ولكن ينطوي في هذه الكلمة معانٍ لا تُعَدُّ ولا تحصى:

﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا (61) ﴾

 شيءٌ آخر: جعل الله سبحانه وتعالى الكون منظماً بطريقة التجاذب، هذا شيءٌ دقيقٌ جداً، أضرب مثلاً: أنت أحياناً بإمكانك أن تضع قطعتين من الصُلبِ والحديد على الطاولة، وقد تأتي بكرة، يجب أن تضعها في مكانٍ دقيقٍ جداً حتَّى تبقى مستقرَّةً لا تنجذب إلى هذه الكتلة ولا تنجذب إلى هذه الكتلة، وأعتقد أن هذه الكرة لو انحرفت عشر الميليمتر إلى أحد الطرفين لانجذبت إلى إحدى الكتلتين، أما أن تبقى هذه الكرة مستقرَّةً في هذا المكان هذا يعني أن هناك حسابات دقيقة جداً بمعشار الميليمتر حتَّى بقيت، هذا إذا كانت هاتان الكتلتان بحجمٍ واحد فلا بدَّ من حسابٍ دقيقٍ في المسافات، فإذا اختلفت أحجام هذه الكتل يجب أن تضع هذه الكرة لا بالوسط بل في مكانٍ يتناسب مع حجم كل كتلة، هذا يحتاج إلى حسابات دقيقة جداً من أجل أن تستقرَّ هذه الكرة بين كتلتين مغناطيسيَّتين متباعدتين مختلفتين في الحجم، فإذا كان هناك كتل عديدة ومختلفة في الحجم، هناك حسابات معقَّدة جداً، فإذا كانت هذه الكتل في الفراغ، واحدة هنا وأخرى هناك وهي متفاوتة في الحجم، وعليك أن تضع هذه الكرة الواحدة في مكانٍ تستقرُّ فيه، لا تنجذب لا إلى هذه ولا إلى تلك، فهذا شيء مستحيل.

انجذاب و جذب كل كتلةٍ في الكون بحسب كتلتها وبحسب المسافة:

 أما الكون فهو أعقد من ذلك، كل كتلةٍ في الكون تجذب وتنجذب بحسب كتلتها وبحسب المسافة، وهذه الكتل متحرِّكة والكون مستقر، الأرض مستقرَّة، انجذابها إلى الشمس بمقدار، انجذاب القمر إليها بمقدار، انجذابها إلى أية كتلةٍ أخرى بمقدار:

﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا (61) ﴾

 من جعل هذه الأرض وهي في الفضاء وحولها نجوم، وحولها كواكب، وحولها مجرَّات، مجرَّات كبيرة وصغيرة، مسافات بعيدة وقريبة، كلها متحرِّكة في مساراتٍ دقيقة لا تحيد عن مساراتها ولا قيد أنملة ؟ من منكم يصدِّق أن أعظم ساعة في العالَم، ساعة بيج بن، تُضْبَط على مرور نجم، هذه الساعة التي نضبط عليها ساعاتنا، نعرف أنها تقدَّمت عُشر الثانية، لأن هناك نجماً إذا رُصِدَ لا يتأخَّر في حركته ولا يتقدَّم ولا واحد من ألف بالثانية:

 

﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا (61) ﴾

 من جعلها مستقرَّة هكذا ؟ مستقرَّة في حركتها، مستقرَّة في انجذابها، لو أنها اقتربت من الشمس لانجذبت إليها، تزداد سرعتها حتَّى لا تنجذب إليها، هذه السرعة تزداد بشكلٍ تدريجي، من جعلها على مسارها ؟ من جعلها سابحةً في الفضاء ؟ لولا حركات النجوم لأصبح الكون كلُّه كتلةً واحدة، ينجذب بعضه إلى بعض ؛ الصُغرى نحو الكُبرى، خلال مدَّةٍ وجيزة يصبح الكون كلُّه كتلةً واحدة.
 ما الذي يجعل هذا الكون بهذه الكيانات المتفرِّقة، هذه درب التبَّانة مجرَّتنا، وهذه أرض، وهذا قمر، وهذا المريخ، وهذا المُشتري، وهذا بلوتو، وهذه المرأة المسلسلة، وهذا برج العقرب، وهذا برج الجوزاء، متحرِّك، من هذه الحركة تنشأ قوى نبذ، وقوى الجذب متكافئة مع قوى النبذ، إذاً الله سبحانه وتعالى يقول:

 

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾

 

(سورة الرعد: من آية " 2 ")

 لا تنفي العمد، هناك عمد لا ترونها، قوى التجاذب.

الشمس بطاقتها ونورها وحرارتها داخلة في قوله تعالى أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا:

 قال تعالى:

﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا (61) ﴾

 من جعلها مستقرَّة هكذا ؟ هذه كلُّها المعاني الماديَّة، الأرض مستوية، والأرض أفقيَّة، والأرض ذات تربة ليِّنة، والأرض ساكنة، والأرض تبقى على مسارها من دون أن تنجذب، والأرض فيها جاذبيَّة تشدُّ الأشياء إليه، هذه كلُّها معاني ماديَّة لكلمة ( قرار ):

 

﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا (61) ﴾

 لكن هناك معانٍ أخرى، الإنسان كيف يستقرُّ عليها ؟ لولا الشمس لما استقرَّ الإنسان في الأرض، الشمس مصدر الطاقة، مصدر النور، مصدر الحرارة، مصدر التعقيم، لولا الشمس لما استقرَّ الإنسان على الأرض، فهذه الشمس:

 

 

﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ(49) ﴾

 

(سورة القمر )

 لو أنها أقرب إلى الأرض لاحترق ما على الأرض، لو أنها أبعد لتجمد ما على الأرض، إذاً الشمس بطاقتها ونورها وحرارتها وتعقيمها بقدر، إذاً الشمس داخلةٌ في هذه الآية:

 

﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا (61) ﴾

 هذه الأرض وهذه الشمس، لو أن الأرض لا تدور حول نفسها، لكان أحد وجوه الأرض مقابلاً للشمس، والوجه الآخر مخالفاً لأشعَّة الشمس، على وجهٍ ترتفع الحرارة إلى ثلاثمئة وخمسين درجة، الإنسان هل يستقرُّ في الأرض ؟ لا يستقر، وفي الوجه الآخر تهبط الحرارة إلى مئتين وخمسين درجة تحت الصفر، انتهت الحياة، لو أن الأرض لا تدور، وإذا كانت هذه الأرض لا تدور ليس هناك ليل ولا نهار، ليس هناك زمن، ليس هناك أسبوع، ولا شهر، ولا سنة، ولا عام، لو أنها دارت هكذا على محورٍ موازٍ لمستوي دورانها حول الشمس كأنَّها واقفة، إذا دارت هكذا الشمس تغطِّي نصف الكرة المقابل لها ونصف الكرة الآخر بعيدٌ عن الشمس، أيضاً الإنسان لا يستقرُّ على الأرض.

 

الأرض وحجمها والشمس والهواء والماء والنبات هذا كلُّه نجده في الآية التالية:

 الآن محور دوران الأرض عمودي مع مستوى دورانها حول الشمس، لا يوجد فصول، الأشعَّة عموديَّة هنا صيفٌ إلى الأبد، ومائلةٌ هنا شتاء إلى الأبد، كيف تنبت المزروعات ؟ كيف يتبدَّل الطقس ؟ كيف يتقلَّب الجو ؟ كيف تأتي الأمطار ؟ الأرض لو أنها واقفة لا تدور ليست قراراً، لو أنها تدور على محور عمودي مع مستوي دورانها ليست قراراً، لا بدَّ من أن يكون دورانها بمحور يميل على مستوي دورانها، لذلك تأتي أشعَّة الشمس هنا مائلة، فإذا اختلف الأمر انعكست الآية، جاءت الفصول فكان الصيف والشتاء، والخريف والربيع، والليل والنهار.

﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا (61) ﴾

 شدة أشعة الشمس، القدر الدقيق لهذه الأشعَّة، الله عزَّ وجل غلَّف الأرض بطبقة أوزون، الآن في هذه الأيَّام الحديث عنها يكثُر، غاز الفحم الناتج عن احتراق الأكسجين في المركبات والمعامل يسهم في خلخلة هذه الطبقة من الأوزون لذلك جو الأرض اختلف، وهناك ارتفاع في درجات الحرارة بسبب خلخلة هذه الطبقة، هذه الطبقة من الأوزون سمكها لا يزيد عن ميليمترات تغلِّف الأرض كلها، هذه داخلة أيضاً:

 

﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا (61) ﴾

 المعاني التالية، الأرض وحجمها، والشمس، والهواء، والماء، والنبات، والكِساء، هذا كلُّه يدخل أيضاً في قوله تعالى:

 

 

﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا (61) ﴾

 

تسخير الكون للإنسان لمعرفة الله عز وجل من خلاله:

 مرَّةً أخرى أيُّها الأخوة، الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) ﴾

( سورة آل عمران )

 معظم العلماء أجمعوا على أن التفكر عبادة من أرقى العبادات، إنها أقرب عبادةٍ توصل إلى الله عزَّ وجل، لذلك هذا الكون سخَّره الله عزَّ وجل لنعرفه من خلاله، فهذا الذي يُعْرِضُ عن التفكُّر في خلق السماوات والأرض كأنَّه يُعَطِّل الهدف الذي من أجله خلق الله الكون، والحد الأدنى إذا مرّت بكَ في القرآن الكريم آية تشير إلى عظيم قدرته أو دقَّة صنعته يجب أن تقف عندها.

إذا قرأنا القرآن فلنقف عند هذه الآيات حتَّى نعرف الله عزَّ وجل:

 درسنا اليوم كان كلمة قرار، هذه الأرض جعلها الله قراراً، هناك خمس معاني ماديَّة لهذا القرار، وهناك معانٍ كثيرة جداً تدعو الإنسان إلى أن يستقرّ عليها، أن يعيش عليها، الحرارة، والبرودة، والماء، والهواء، والطعام، والشراب، وغير ذلك، فالإنسان إذا قرأ القرآن ربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(24) ﴾

(سورة محمد )

 القضيَّة قضية تَدَبُّر، وهذا القرآن بين أيدينا والله سبحانه وتعالى يسَّره لنا، فإذا قرأنا القرآن فلنقف عند هذه الآيات حتَّى نعرف الله عزَّ وجل، والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ(28) ﴾

(سورة فاطر )

 أي أن العلماء وحدهم ولا أحد سواهم يخشى الله.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018