الخطبة : 1032 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 1032 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .


2007-02-09

الخطبة الأولى
 الحمد لله نحمده، ونستعين به، و نسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق و البشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِ وسلم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته، ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم علمنا ما ينفعنا، و انفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

علة خيرية الأمة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

 أيها الإخوة الكرام، كثيراً ما يتغنى المسلمون، ويقولون: إنهم خير أمة، استناداً إلى قوله تعالى:

 

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾

[ سورة آل عمران: 110]

 لكن هذه الخيرية لها علة في الآية الكريمة:

 

﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾

[ سورة آل عمران: 110]

 والخيرية تدور مع العلة وجوداً وعدماً، يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( كيف بكم إذا لم تأمروا بالمعروف، ولم تنهوا عن المنكر ؟ قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله ؟ قال: وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه ؟ قال: كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر، ونهيتم عن المعروف، قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله ؟ قال: وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه ؟ قال: كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً المنكر معروفاً ؟ ))

 

[ ابن أبي الدنيا في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]

 فإذا أصبح في أمة سيدنا محمد المعروف منكراً والمنكر معروفاً فليست خير أمة أخرجت للناس، إنا أمة كأية أمة في الأرض، والذين قالوا:

 

﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾

[ سورة المائدة: 18]

 ردّ الله عليهم فقال:

 

﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾

[ سورة المائدة: 18]

 الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح.

 

منزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

 

1 – الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصلُ الدين وربع النجاة:

 أيها الإخوة الكرام، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل في الدين، بل هو الفريضة السادسة، بل إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ربع النجاة، لقوله تعالى:

 

﴿ وَالْعَصْرِ *إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾

[ سورة العصر ]

 أن تؤمن، وأن تعمل، وأن تدعو، وأن تصبر، هذه أركان النجاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ربع النجاة.

 

2 – تقديم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله:

 أيها الإخوة الكرام، الذي يلفت النظر في قوله تعالى:

 

 

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾

[ سورة آل عمران: 110]

 قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله لأن الإيمان لا يستقيم، ولا يبقى إن لم نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نحافظ به على وجودنا، ويمكن أن تتسع به دوائر الحق، بينما إن لم نأمر الأمر بالمعروف ولم ننهَ عن المنكر فنحن غثاء كغثاء السيل، الغثاء قش على سطح السيل خفيف الوزن متفرق لا اتجاه له، يسير من حيث يريد أو لا يريد، وحينما يفقد الإنسان اتجاهه يفقد وجوده، حينما يفقد اتجاهه أو يفقد حق تقرير مصيره، أو يفقد إرادته يفقد وجوده، فلذلك قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله كما قدم الله في الآية الشهيرة:

 

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ* عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[ سورة الرحمن]

 لا يعقل أن يعلم الإنسان البيان قبل أن يخلق:

 

﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ *عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾

 قال علماء التفسير: هذا ترتيب رتبي لا ترتيب زمني، بمعنى أنه لا معنى من وجود الإنسان من دون منهج يسير عليه، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قدم في هذه الآية على الإيمان بالله ـ دققوا ـ كنتم خير أمة أي أصبحتم بهذه الرسالة:

 

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾

 

[ سورة آل عمران: 110]

3 – تقديم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الزكاة:

 شيء آخر أيها الإخوة الكرام، وقدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الصلاة والزكاة في قوله تعالى:

 

﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ﴾

 

[ سورة التوبة: 71]

 لأنهم إن لم يأمروا بالمعروف، ولم ينهوا عن المنكر لن يستطيعوا أن يقيموا الصلاة، بل يمنعوا من إقامة الصلاة، بل تصبح الصلاة تهمة توجه إليه.

 

4 – الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فحوى دعوة الأنبياء:

 أيها الإخوة الكرام، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مهمات الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه قال تعالى:

 

 

﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ ﴾

 

[ سورة النحل: 36]

 أمر بالمعروف:

 

﴿ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾

 

[ سورة النحل: 36]

 نهي عن المنكر فحوى دعوة الأنبياء.

 

5 – الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من سمات المؤمنين:

 أيها الإخوة الكرام، من خصائص المؤمنين، ومن سماتهم الأساسية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى:

 

 

﴿ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ ﴾

 

[ سورة التوبة: 112]

 أيها الإخوة الكرام، بينما المنافقون، فقال تعالى عنهم:

 

﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67) ﴾

 

[ سورة التوبة: 67]

6 – الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من سمات العقلاء مِن غير المسلمين:

 أيها الإخوة الكرام، بل إن الصالحين من غير المسلمين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، قال تعالى:

 

﴿ لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) ﴾

 

[ سورة آل عمران ]

7 – الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصائص الممَكَّنين في الأرض:

 أيها الإخوة الكرام، من خصائص المؤمنين الذين إذا مكنوا في الأرض، قال تعالى:

 

﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41) ﴾

 

[ سورة الحج: 41]

 بل إن النصر الذي يطمح إليه المسلمون في كل بقاع الأرض، وقد فقدوه اليوم، ثمنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
 أيها الإخوة الكرام، يقول الله عز وجل:

 

﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41) ﴾

 

[ سورة الحج]

8 – الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم الكلام:

 نشاط الإنسان في التكلم في الحديث، قال تعالى:

 

﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) ﴾

 

[ سورة الرحمن]

 هذا النشاط يقول الله عز وجل عنه:

 

﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ﴾

 

[ سورة النساء: 114]

 فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثلث النجوى التي أثنى الله عليها.
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا... ))

 

[ مسلم ]

9 – الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب تكفير الذنوب:

 بل إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب تكفير الذنوب، فعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفِتْنَةِ ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: أَنَا، قَالَ: إِنَّكَ لَجَرِيءٌ، وَكَيْفَ قَالَ ؟ قَالَ: قُلْتُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

 

(( فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ يُكَفِّرُهَا الصِّيَامُ وَالصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ... ))

 

[ مسلم ]

 أيها الإخوة الكرام، الضرورات الخمس، الحفاظ على الدين والنفس والعقل والنسل والمال، قوام هذه المقاصد الكبرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

من نتائج عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

 أيها الإخوة الكرام، ماذا لو لم نأمر بالمعروف ولم ننهَ عن المنكر ؟

 

 

1 – وقوعُ الهلاك والعذاب:

 قال تعالى:

 

 

﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾

 

[ سورة الأنفال: 25]

﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117) ﴾

[ سورة هود: 117]

 لكنهم إذا كانوا صالحين يهلكهم الله عز وجل، فقد أرسل الله الملائكة لإهلاك قرية، فقالوا: يا رب، إن فيها صالحاً ؟ قال: به فابدؤوا، قالوا: ولمَ يا رب ؟ قال: لأن وجهه لم يتمعر إذا رأى منكراً.
 أليست هذه أخلاق المسلمين، تأتي ابنة أخيك، وترتدي ثياباً فاضحة، فيثني عليها، ويسأل عن صحتها ودراستها، وعن أبيها وأمها، ولا يخطر في باله ثانية واحدة أن ينصحها على هذه الثياب الفاضحة.
 أيها الإخوة الكرام:

 

﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾

 

[ سورة الأنفال: 25]

 أما الحديث الشريف، فعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ ))

 

[ الترمذي ]

 أليس هذا واقع المسلمين ؟ قبل حرب العراق ما مِن مسجد إلا ودعا في أنحاء الأرض، ولم يستجب اللهُ لنا.

 

2 – عدم استجابة الدعاء:

 أيها الإخوة الكرام، من نتائج عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه لا يستجاب لنا، فلا يستجاب لكم، فقَدْنا إجابة الدعاء، والدعاءُ سلاح المؤمن.

 

 

3 – تسلُّطُ الفسّاق والفجار والكفار على المؤمنين:

 ومن نتائج عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تسلط الفسّاق والفجار والكفار، وتزين المعاصي، وشيوع المنكر واستمرائه، أينما تحركت في الطريق، في الأسواق، في الجامعة، في المتنزهات، في الفضائيات، في الإنترنت، في الصحف، في المجلات، أينما تطلعت المعصية أمامك، والانحلال أمامك، هذه من نتائج عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وظهور الجهل واندثار العلم وتخبط الأمة في ظلام حالك لا فجر له.

 

 

وقفة متأنية عند كلمة المعروف:

 أيها الإخوة الكرام، لا بد من وقفة متأنية حول كلمة المعروف، المعروف تسمية رائعة، لأن الفطر السليمة من دون تعلم، من دون توجيه تعرفه ابتداءً، معروف بالفطرة من دون تعليم، من دون دراسة، من دون طلب علم، لأن منهج الله متوافق تماماً مع فطرة الإنسان، قال تعالى:

 

 

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه ﴾

 

[ سورة الروم: 30]

 أيها الإخوة الكرام، يقول بعض العلماء: " من لم يكن في قلبه بغضٌ لما يبغضه الله ورسوله من المنكر الذي حرمه من الكفر والفسوق والعصيان لم يكن في قلبه إيمان أصلاً ".
 من لوازم الإيمان أن تنكر المنكر، وأن تأمر بالمعروف، فإن لم تتألم لِما يغضب الله عز وجل فليس في القلب إيمان أصلاً.
 أيها الإخوة الكرام، المعروف ما حسنه الشرع، وعرفته الفطر السليمة ابتداءً، وتطابق الشرع مع العقل، وتطابق الشرع مع الفطرة يؤكد أن المعروف يعرفه الإنسان ابتداء، وأن المنكر ينكره الإنسان ابتداء، بل إن الحيوان يعرف المنكر حينما يخطف قطعة لحم فيأكلها بعيداً عنك، تأكلها القطة بعيدة عنك، لأنها عرفت أن هذا منكراً، أما إذا أعطيتها قطعة لحم بيدك فتأكلها أمامك، ولا تخشى منك.
 الفطر السليمة في الإنسان وفي غير الإنسان.
 لكن أيها الإخوة الكرام، نخاف إن اعتمدنا الفطر فقط، لأن الفطر قد تنطمس، ما الذي يضبطها ؟ الشرع، الحسن ما حسنه الشرع المعروف ما أقره الشرط القبيح ما قبحه الشرع المنكر ما أنكره الشرع.

 

مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

 أيها الأخوة الكرام، الحكم الشرعي، وهذا يعنينا في هذه الخطبة:
 قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الخُدريّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

 

 

(( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ ))

 

[ مسلم ]

1 – الإنكار باليد من اختصاص الأمراء والحكّام:

 لكن بعض العلماء قال: " الأمراء واجبهم الأول إنكار المنكر باليد، لأن الله مكّنهم في الأرض بيدهم، بقلم يوقّعون، فينفذ أمرهم، بقلمهم يحقون حقاً، ويبطلون باطلاً، ويقرون معروفاً، ويزيلون منكراً "، فلذلك الجهة الأولى في إزالة المنكر الذين مكنهم الله في الأرض، لذلك مهمة الأمراء إنكار المنكر باليد.

 

2 – الإنكار باللسان من مهمة العلماء:

 والذين أوتوا العلم، وأوتوا البيان مهمتهم إنكار المنكر باللسان.

 

 

3 – الإنكار بالقلب للمستضعفين:

 أما المستضعفون في الأرض، فإذا أنكروا بقلوبهم معصية يرونها كانوا كمن غاب عنها، وإذا أقروا معصية بعيدة سمعوا عنها، ولم ينكروها بقلوبهم كانوا كمن شهدَها.

 

 

(( الذنب شؤم على غير صاحبه، إن ذكره فقد اغتابه، وإن عيره ابتلي به، وإن أقره شاركه بالإثم ))

 

[ كنز العمال عن أنس ]

 لكن بعض العلماء يقول: لا يقبل من إنسان أن ينكر بقلبه إذا كان بإمكانه أن ينكر بلسانه، كما لا يقبل من إنسان أن ينكر بلسانه إذا كان من الممكن أن ينكر بيده، هناك تسلسل، الإنكار باليد أولاً، ثم الإنكار باللسان ثانياً، ثم الإنكار بالقلب ثالثاً، على كل:

 

(( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ... ))

 هذه اللامُ لامُ الأمر، وكل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك، وهذا أمر يقتضي الوجوب.

 

 

4 – من نتائج عمد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر العذاب العام:

 أيها الإخوة الكرام، نتائج عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر العذابُ العام، قال تعالى:

 

 

﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾

 

[ سورة الأنفال: 25]

 عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يَقُولُ:

 

(( لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدْ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ، وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ ))

 

[ متفق عليه ]

 إنْ لم تأمروا بالمعروف، ولم تنهوا عن المنكر، فتوسعت دوائر الباطل، فكثر الخبث، فعندئذ يستحق هؤلاء الهلاك.

 

5 – البأس الشديد بين المسلمين:

 شيء آخر، يجعل الله بأس المسلمين بينهم إذا لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر كما ترون وتسمعون:

 

 

(( يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ ـ وذكر منها ـ وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ ))

 

[ ابن ماجه عن ابن عمر ]

 عن اليمين وعن الشمال، وبعيداً وقريباً، هناك حروب أهلية، وقد جعل اللهُ بأسهم بينهم، قال تعالى:

 

﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾

 

[ سورة الأنعام: 65]

6 – استحقاق اللعنة من الله:

 أيها الإخوة الكرام، ومن نتائج عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر استحقاق اللعنة من الله، قال تعالى:

 

﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾

 

[ سورة المائدة ]

7 – العذاب والاستئصال المعنوي:

 أيها الإخوة الكرام، والوعيد الكبير الاستئصال المعنوي، أو الهلاك المعنوي، أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم معافاة من أن تستأصل استئصال هلاك، لكنها تستأصل استئصال ضعف، أمرهم ليس بيدهم، للكفار عليهم ألف سبيل وسبيل، ثرواتهم ليست لهم، بلادهم ليست لهم، معظم بلادهم فيها جيوش من شتى بقاع الأرض، في أفغانستان، وفي العراق، وفي الصومال، وفي طريقها إلى السودان، وفي فلسطين، وفي لبنان.

 

شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وآدابه

 

1 – الإخلاص:

 أيها الإخوة الكرام، من شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الإخلاصُ، ينفعك مع الإخلاص قليل العمل وكثيرُه، ولا ينفعك من دون إخلاص قليله ولا كثيرُه.

 

2 – العلمُ:

 شيء آخر، العلم، يجب أن تأمر، وأن تنهى وأنت تعلم ماذا تأمر، وماذا تنهى، لا بد من أن تكون مخلصاً، ولا بد من حد أدنى من العلم.

 

 

3 – الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المتفق عليه:

 ينبغي أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فيما كان متفق عليه، الآن بعض المتحمسين ينكرون على بعض المسلمين ما هو موضوع خلافي، لا يجوز أن تنكر المنكر إلا إذا كان متفقاً عليه.

 

 

4 – الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الظاهر لا بالتجسس:

 وأن يكون ترك المعروف وفعل المنكر ظاهراً تراه عينك، لا تحتاج معه إلى تجسس، كإنسانٍ ظاهره صالح، وتقول له: ماذا تفعل مساءً في الليل ؟ ليست هذه مهمتك، رأيته لا يصوم في رمضان، يشرب أمامك، وهو صحيح معافى، المعروف الذي يجب أن تأمر به، والمنكر الذي ينبغي أن تنهى عنه ما تراه بعينك، لا ما تصل إليه بالتجسس، هذا ليس من صفات المؤمنين.

 

 

5 – عدمُ تفويت معروف وحصولِ منكر:

 شيء آخر، أيها الأخوة، ألا يترتب على الأمر بالمعروف تفويت معروف أعظم أو على النهي عن المنكر تحصيل منكر أشد، فليس بخيركم من عرف الخير، و لا من عرف الشر، و لكن من عرف الشرين، و فرق بينهما و اختار أهونهما.

 

 

6 – الرفق ومراعاة التدرج:

 وفي الحديث عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

 

(( إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ ))

 

[ مسلم ]

7 – الورعُ:

 ثم من آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الورع، لأنّ الورع يقوّي مركزك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذا الرفق واللين كما قلت قبل قليل،

(( إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ ))

8 – التواضعُ:

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) ﴾

[ سورة الشعراء]

 أنا على حق، و قد أكون مخطئاً، والطرف الآخر على باطل، وقد يكون مصيباً:

 

﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) ﴾

 

[ سورة سبأ: 24]

8 – الصبر والحِلم:

 أي اُدْعُه مرة وثانية وثالثة ورابعة بتلطف، وتهذيب ورفق، ومودة، وبينك و بينه على انفراد.

 

9 – كونُ الآمرِ بالمعروف والناهي عن المنكر في المستوى:

 أيها الإخوة الكرام، أما الشيء الأول فإنك لن تستطيع أن تأمر بالمعروف، ولا أن تنهى عن المنكر إلا إذا كنت في مستوى المعروف والمنكر، أما حينما يرى فيك المدعو مسافة بين أقوالك وأفعالك فإنه تنطبق عليك الآية الكريمة:

 

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3) ﴾

 

[ سورة الصف ]

10 – اللين ولو مع أكفرِ مخلوق:

 شيء آخر: أكفر كفار الأرض فرعون الذي قال:

 

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) ﴾

 

[ سورة النازعات: 24]

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

[ سورة القصص: 38]

 قال الله لنبيه الكريم موسى عليه السلام و لأخيه:

 

﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا ﴾

 

[ سورة طه ]

 إخواننا الكرام: رجاء دققوا في هذا المثل: سيدنا محمد عليه الصلاة و السلام سيد الخلق، و حبيب الحق، و سيد ولد آدم، و هو الذي وصل إلى سدرة المنتهى، سيد الأولين و الآخرين يوحى إليه، أوتي القرآن، أوتي المعجزات، فصيح اللسان، واضح البيان، جميل الصورة، رحيم، حيي، كل هذه الكمالات يخاطبه الله بالذات: و لو كنت أنت يا محمد:

 

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

 

[ سورة آل عمران: 159]

 أنت أنتَ بالذات مع كل هذه الكمالات، مع كل هذه الإمكانات، مع كل هذه الخصائص، وحي، و قرآن، و معجزات، و فصاحة، و بيان، و أدب، و رحمة، فكيف بالذي ليس عنده وحي و لا بيان، و لا جمال، ولا نسب، و هو غليظ في دعوته، متشدد فيها، لا يستخدم إلا أقسى الكلمات، و لا ينطق إلا بأصعب العبارات ؟ من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف، و من نهى عن منكر فلينه عن المنكر من دون منكر.

 

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الجميع بحس المستوى والطاقة

 أيها الإخوة الكرام، هناك مستويات، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات أفراد المسلمين:

 

 

﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ ﴾

 

[ سورة لقمان: 17]

 أي فرد منا مكلف أن يأمر بالمعروف، وأن ينهى عن المنكر، والجماعات مكلفة:

 

﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾

 

[ سورة آل عمران: 104]

 والدولة مكلفة:

 

﴿ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ ﴾

 

[سورة الحج: 41]

 إذاً: هذا الفرض يتوجه إلى الأفراد والجماعات و الممكنين في الأرض.

 

نصيحة

 أيها الإخوة الكرام، لنعتقد جميعاً اعتقاداً جازماً أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الفريضة السادسة، وهو الأصل الكبير في الإسلام، وهو علة خيرية المسلمين، فإن لم نأمر بالمعروف، ولم ننه عن المنكر فنحن كأية أمة خلقها الله، لا شأن لنا عند الله، ولا ميزة لنا عند الله، و لا نستحق إلا غضب الله عز وجل ونعوذ بالله أن نكون كذلك.
 ولنأمر بالمعروف، ولننه عن المنكر بحكمة و بلطف، وبمعروف و بدقة، وبتواضع من أجل أن تتسع دوائر الحق، و أن تضيق دوائر الباطل.
 أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المستغفرين.

 

 

* * *

الخطبة الثانية
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل و سلم وبارك على سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين.

قصة وعبرة

 قصة معبرة ذكرتها كثيراً، أن سائق سيارة على خط دولي وقف ينتظر الركاب، فجاءه شاب وشابة ليركبا معه، و طلبا منه أن يتأخر قليلاً ريثما تأتي حاجة، بعد مدة من الزمن جاء رجل تزيد سنه على سبعين عاماً، ويحمل على رأسه محفظة، وقدّمها للشاب، فوكزه الشاب على رأسه، وعنفه على تأخيره، وأُخذت المحفظة، وضعت، وانطلقت السيارة، في نصف الطريق تقول هذه الشابة لزوجها: لمَ ضربت والدَك ؟ يقف السائق على يمين الطريق، و يطرد الراكبين مع الأجرة، خذوا الأجرة، يقول: أنا أخاف إن تابعتما معي أن نرتكب حادثاً، لأنه عاق لوالديه.
 هذا السائق على بساطته، لكن لم يتحمل أن يركب معه إنسان يؤذي والده، لقنه درساً لا ينسى، و أعطاه الأجرة، وقال: لست بحاجتك، مادام هذا الذي وكزته هو أبوك فأنا أخاف أن نتدهور في هذه الرحلة.
 أحياناً يكون للإنسان شخص يلوذ به، يرتكب خطأ كبيراً فلا يتكلم و لا كلمة.

 

المجاملات سبيلها الانسلاخ من الدين

 يا أيها الإخوة الكرام، عودوا أنفسكم أن مجتمعنا فيه تفلت كبير، ومجتمعنا يحتاج إلى أن ننطق بالحق، أن لا نأخذ المجاملة على إطلاقها، نجاملهم، نجاملهم، نجاملهم حتى نستحي بديننا، حتى نستحي أن نصلي، حتى ترتكب المخالفات في كل مكان، كيف يقبل إنسان أن يجلس في مكان فيه غناء و فيه خمر، و النساء محجبات، هذا منكر، هذا المكان ليس لك أيها الأخ.

 

 

واقع المسلمين وسلوكهم سبب كراهية الناس للإسلام

 ما لم نقلب إيماننا إلى سلوك، إلى موقف، إلى التزام، إلى أن تتحرك وفق منهج الله، إلى أن تكون متميزاً أمام الخلق، هذا مسلم في ورعه من إنصافه، من صدقه، من إتقان عمله، فلن نكون مسلمين حقيقة.
 أما إذا ارتبط الإسلام بإهمال العمل، وعدم الدقة في بالمواعيد، وعدم إتقان العمل،، بتصريح كاذب، الذي أمامك ممن شرد عن الله لن يعرف الإسلام من كتب المسلمين، بل يعرفه منك، حتى هذا الذي صور النبي الكريم عليه أتم الصلاة و التسليم بصور فاضحة في الدانمرك لما عوتب، و شَرح له المعاتِب أخلاق النبي العظيمة قال: أنا آسف، كنت أظنه كأتباعه، لو أن المسلمين طبقوا دينهم في بقاع الأرض لكان موقف العالم الغربي من الإسلام غير هذا الموقف.
 أيها الإخوة الكرام، المسلم أحياناً يحجب الناس عن دينه بسلوكه، والآن ما لم تكن استقامتك صارخة، صدق، و أدب، و إتقان عمل، و وعد صحيح، و إنجاز عمل، و إنصاف لم يُحترم دينك.
 الآن لن يُحترم ديننا إذا ألفنا المؤلفات، و ألقينا الخطب، و أقمنا الندوات، لن يُحترم ديننا إلا إذا طبقنا هذا الدين العظيم، ورأى الطرف الآخر مجتمعاً مثالياً، هو لا يعتقد أن هناك شيئاً لا يطبق، نحن نعتز بهذا الدين، ومن حقنا أن نفعل ذلك، و لكن على الأرض، على الواقع، في الميدان لا تجد أثراً لهذا الدين إطلاقاً، تجد كل الأخطاء، فلذلك المؤمن وحده داعية إلى الله، استقامته دعوة، و صدقه دعوة، و إخلاصه دعوة، و إنصافه دعوة، إتقان عمله دعوة، إنجاز ما وعد دعوة، دعوتك الآن لا تحتاج إلى كلام تحتاج إلى عمل، وقد قال عليه الصلاة و السلام:

 

 

(( استقيموا يُستقم بكم ))

 

[ الطبراني عن سمرة]

الدعاء

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، خذ بيد ولاة المسلمين لما تحب وترضى يا رب العالمين، إنك على ما تشاء قدير، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، لا تأخذنا بالسنين، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين، اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، دمر أعداءك أعداء الدين اجعل تدميرهم في تدبيرهم، اجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين، انصر عبادك المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها، وفي شمالها وجنوبها، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018