الدرس : 04 - سورة النمل - تفسير الآيات 20 - 31 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 04 - سورة النمل - تفسير الآيات 20 - 31


1989-12-29

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

مغزى القصة القرآنية:

 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الرابع من سورة النمل، دائماً وأبداً نكرر هذه الحقيقة، وهي أن القصة في القرآن الكريم ليس المقصود منها حوادثها، ولا شخصيَّاتها، ولا حوارها، ولا بدايتها، ولا نهايتها، ولا عقدتها، ولا خِتامها، ولكنّ شيئاً واحداً هو المقصود من القصة في القرآن الكريم إنه مغزاها، أحداثٌ وقعت وانتهت، ومضى عليها آلاف السنين، وأصبحت قرآناً يُتلى إلى نهاية الدوران، هذا كلام الله، كلام الله القديم، فماذا نستفيد نحن من هذه القصة ؟ لا تعنينا هذه المواقف، ولا تلك الحوادث، ولا هذه الحركات، ولا تلك السَكَنات، ولا تصوير الأحداث، يعنينا شيءٌ واحد، هو المغزى الذي أراده الله سبحانه وتعالى حين قصَّ علينا هذه القصة، تعنينا العبرة التي ذكرها الله عزَّ وجل فقال:

﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ ﴾

( سورة يوسف: من الآية 111 )

 أين هي العبرة ؟ أين هو الدرس ؟ أين هو الاستنباط ؟ أين هو المغزى ؟ هذا الذي يعنينا في قصة سيدنا سليمان مع النمل تارةً، ومع الهُدْهُدِ تارةً، ومع الملكة بلقيس تارة ثالثة.
 فيا أيها الإخوة الأكارم، هذا النبي العظيم التي أوتي المُلك، وفي درسٍ سابق بيَّنت لكم أن الله سبحانه وتعالى حينما قال:

 

﴿ وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا (15) ﴾

 

( سورة النمل )

وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ

1 – فضلُ العلم على المُلك:

 لم يقل الله عزَّ وجل: إنه آتاه مع العلم المُلك لماذا ؟ لأنك إذا وازنت بين العلم وبين الملك لا يعدُّ الملك شيئاً ذا قيمةٍ أمام العلم، الملك شيءٌ زائل، والإنسان أحياناً في غضون أيامٍ يفقد ملكه، فالملك شيءٌ زائل ؛ ولكن العلم شيءٌ باقٍ، من هنا لم يشأ الله عزَّ وجل أن يضيف إلى العلم شيئاً إلا أن يكون في مستواه، فالملك مع أن الله سبحانه وتعالى آتاه لسيدنا سليمان، ولكنه لم يُذْكَر حينما تكلم الله عن العلم الذي آتاه سيدنا سليمان، هذه واحدة.

 

2 – الأصلُ في القوة والملك أنهما في خدمة الحق:

 الشيء الثاني، هو أن هذا الملك العظيم نستفيد من قصَّته بشكلٍ مجمل، كيف أن القوة والمُلك يمكن أن توظَّفَ في سبيل الحق، من قال لك: إن القوة طائشة ؟ أحياناً تكون هادفة، أحياناً توظَّف القوة في سبيل نشر الحق، في سبيل إذاعة الهدى، في سبيل أن يحل الفضل والكرم والخُلُقُ في العالم، إذاً فالله سبحانه وتعالى جعل هذه القصة بين أيدينا لتكون الحقيقة الأولى فيها أن المُلك، وأن القوة، وأن السلطان يمكن أن يكون صاحبها في أعلى درجات الإيمان، يمكن أن يكون نبياً وهو في أعلى درجة من درجات الملك والقوة والسلطان، وكيف يمكن للملك والقوة والسلطان أن توظَّف كلها في خدمة الحق، وفي نشر الحق، وفي نُصْرَة الحق، هذا هو محور القصة.
 إذاً: محور القصة أن الملك ليس بشيءٍ إذا قيس مع العلم، لأن العلم يمتد أثره إلى الأبد ؛ بينما الملك ينتهي أثره عند الموت، يكفي أن يقف القلب ينتهي الملك، لمجرد أن يتوقَف القلب يُسْلَب الملك، لكن العلم يستمر مع الإنسان إلى أبد الآبدين، مِن هنا فقد أراد الله سبحانه وتعالى من هذه القصة أن إنساناً ما، إذا آتاه الله قوةً، إذا آتاه الله جاهاً، أو إذا آتاه الله شأناً، أو آتاه الله منصباً، أن يجعل قوَّته في سبيل الحق، وفي خدمة الحق، وفي نُصْرَةِ الحق، كما أن المال وهو قوة في الأرض يوظَّف في سبيل الله، وكما أن العلم وهو قوةٌ أخرى يوظَّف في سبيل الله، كذلك القوة والسلطان يمكن أن توظفا في سبيل الحق.

 

 

﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ (20) ﴾

 

وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ

1 – من لوازم الراعي تفقُّدُ رعيّتِه:

 سيدنا سليمان كان حازماً إلى جانب اليقظة فقام يتفقَّد جنده، وتَفَقُّدَ الشيء من لوازم الحزمِ في الملك، يقابل التفقدَ التسيُّبُ، إما أن تتفقد، وإما أن تُسيب، والتسيب ليس من صفات الأمير الناجح، ولا الملك الحازم، ولا القائد الكفء..

 

﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ (20) ﴾

 

 بادئَ ذي بَدء حينما قال الله عزَّ وجل:

﴿ وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ (17) ﴾

ليس الجن والإنس والطير كلها مسخرة لسليمان عليه السلام:

 ليس معنى هذه الآية أن كل الإنس الذين عاصروا هذا النبي الكريم سخروا له، وليس معنى الآية أن كل الجن سُخِّروا له، وليس معنى الآية أن كل الطير سُخر له، سَخَّر له بعض الإنس وبعض الجن وبعض الطير، شيءٌ ثالث: ليس معنى ذلك أن الطير التي سخرها الله له هي كغيرها من الطيور، طيورٌ خاصة عندها قوة إدراكٍ خاصة، عندها تميُّز، عندها حالاتٌ استثنائية لا توجد عند بقيَّةِ الطيور، وسوف ترون معي بعد قليل معنى هذا الكلام..

﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ (20) ﴾

فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ

 لو أن الهداهِد كُلَّها سُخِّرَت له لما أمكنه أن يعرف واحداً من واحد، ولكن هدهداً بعينه، وذاته، وهدهداً خاصاً سُخِّرَ له، وهو ذو إمكاناتٍ رفيعة، تفقَّدَهُ فلم يجده، وهذا من شأن القادة أن يتفقَّدوا من معهم..

﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) ﴾

دروس في القيادة:

1 – سؤالُ سليمان عن سبب غياب الهدهد:

 كلمة الهُدْهُد، هذه الألف واللام، أي الهدهد المعروف، المعهود، الذي أعرفه، الهدهد الخاص، المُعَيَّن، فحينما سأل عن الهدهد.. هنا نقطة مهمة جداً، أنت في مستوى القيادة إذا تساهلت مع أحدِ المرؤوسين، تساهلت معه، ولم تأخذه بالحزم، إذا شاع عنك أنَّك لست حازماً، ولست محاسباً، ولست ضابطاً لأمورك، إذا شاع عنك ذلك هذا التسيُّب عند هذا الهُدهد ينتقل بالعدوى سريعاً، خلال أيام، خلال أسابيع، خلال أشهر، وعندئذٍ جميع الهداهد لا تحضر، ولا تقوم بالأعمال الموكلة إليها.. لذلك حينما تفقد الهدهد ولم يجده، عرف كلّ من حول هذا النبي العظيم أن الهدهد غائب، وغائب بلا إذن، ولو أنه غائب بإذنٍ شرعي لما سأل عنه هذا النبي الكريم، إذا أرسلت أنت إنساناً بمهمةٍ وغاب عنك أياماً لن تسأل عنه لأنك أنت الذي أرسلته، إذاً: استنبط من هنا أن غياب هذا الهدهد، كان غياباً من دون إذنٍ، كان غياباً غير مشروع، وعرف.. حينما تفقَّد سيدنا سليمان الهُدهد.. منْ حولَه من الجن والإنس والطير أنه غائب بلا إذن، هم يرقبون موقفه، ماذا سيفعل ؟ سيسكت ؟ لا يحاسبه، لا يأخذ على يده، لا يضبط أموره، عندئذٍ هذا التسيب وهذا الخلل، وهذا التقصير يمتد إلى بقية الهداهد، وإلى بقية أنواع الطيور، وإلى الإنس، وإلى الجن، هذا درسٌ في القيادة.

 

2 – تعلَّموا تسييرَ المسؤولية من سليمان عليه السلام:

 إذا كنت أنت معلم مدرسة، وكلفت الطلاب بوظيفة، وطالب لم يكتب الوظيفة، جميع الطُلاَّب قد كتبوا هذه الوظيفة باستثناء واحد منهم، فالطلاب عندها ينظرون إليك ماذا ستفعل ؟ لكنك لم تفعل شيئاً، وقلت له: أنت لمْ تكتب وظيفتك، فأنت حر، من جراء هذه الكلمة فسيأتيك في اليوم التالي نصف الطلاب من دون وظيفة، بالضبط، وبعد يومين لن تجد من الطلاب كلهم إلا واحداً أو اثنين كتبا الوظيفة، الطلاب راقبوك، ورأوا أنك لم تفعل شيئاً، لم تأخذ موقفاً حازماً، لم تضرب على يد أحدٍ، لم تتوعده، لم تهدده، لم تفعل شيئاً، قَصَّرَ وترك واجبه وأهمل وأنت ساكت.
 وكذلك على مستوى الأب، إذا كنت أباً وعندك أولادٌ عِدَّة، وتجاوز أحد أولادك الحدود ولم تفعل شيئاً لا سلباً ولا إيجاباً، هذا التجاوز يسري بالعدوى بعد أيامٍ إلى الآخرين، إذا كنت مدير معمل، إذا كنت مدير مستشفى، إذا كنت مدير مدرسة، إذا كنت في منصبٍ قيادي، ووقع أحدٌ ممَّن حولك بخللٍ، بتقصيرٍ، بذنبٍ، بمخالفةٍ، بتجاوزٍ، ولم تفعل شيئاً، فهذا التقصير فأسرى إلى بقية المرؤوسين.
 فهذا الموقف إذاً موقف يعلِّمُنا كيف نكون آباء ناجحين، وكيف نكون معلِّمين ناجحين، وكيف نتصرف بشكلٍ صحيح مما يوصل إلى النتيجة المرجوَّة، بعض أصحاب سيدنا عمر رضي الله عنه، قال له: << إن الناس خافوا شدتك، فبكى هذا الخليفة الرحيم، وقال: والله يا أبا ذر، لو يعلم الناس ما في قلبي من الرحمة لأخذوا عباءتي هذه، ولكن هذا الأمر لا يناسبه إلا كما ترى >>.
 كان يمشي هذا الخليفة العظيم يوماً ما في طرقات المدينة، رأى رجلاً قاعداً لم يأبه له، ولم يَقُم له، ولم يُبَجِّل سلطان الله فعلاه بالدرة، وقال: << ألا تهاب سلطان الله ؟ فإن سلطان الله لا يهابك >>، لو تركه وشأنه لتفاقم الأمر ولتجاوز الناس، هذا درسٌ في القيادة..

 

 

﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) ﴾

 

 غاب من دون إذن..

لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً

﴿ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا (21) ﴾

 النبي عليه الصلاة والسلام يقول في بعض الأحاديث الشريفة:

 

(( ضعِ السوط حيث يراه أهل البيت ))

 

[ ورد في الأثر ]

 يجب أن يعلم مَن حولك أنك في الوقت المناسب قد توقِعُ فيهم العقاب الأليم، والله سبحانه وتعالى حينما قال:

 

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ ﴾

 

( سورة الأنفال: من الآية 60)

 أي أن هذه القوة ليست للاستهلاك ولا للاستخدام، ولكن أحياناً لكي ترهب عدوك، لذلك الدول الكبرى التي تملك أسلحةً فَتَّاكة تكون مرهوبة الجانب، قد لا تستخدم هذا السلاح، ولكنها تبقى مرهوبة الجانب، وكذلك الله سبحانه وتعالى أمرنا كمسلمين أن نُعِدَّ لأعدائنا القوة التي توقفهم عند حدهم، وتحجزهم عن أن يعتدوا علينـا، وعلى أراضينا.

 

﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ (21) ﴾

 لكن العدالة التي ينطق بها هذا النبيُ الكريم، والحقَ الذي رفع لواءَه هذا النبيُ الكريم، يجعله يُذعن للسلطان المبين إذا جاء به الهدهد، قال:

 

 

﴿ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (21) ﴾

 

وْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ

طلب العذر قبل اللوم والعتاب:

 إمّا أن يقدِّم الدليل المُقْنِع الواضح البيِّن على سبب غيابه، عندئذٍ يكون غيابه مشروعاً وبإذنٍ شرعي، أو..

 

﴿ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ (21) ﴾

 من هنا قال بعضهم: " وكان لا يلوم أحداً فيما لا يكون العذر في مثله حتى يعلم ما اعتذاره "، فقَبْلَ أن تَصُبَّ جام غضبك على أخيك، قبل أن تقول: سأفعل كذا وكذا، انتظر وقل: إما أن يأتيني بعذرٍ مقنع بينٍ ظاهر، وإما لأفعلنّ كذا وكذا، أمّا أن تحكم عليه غيابياً، وهذا ليس من شأن المؤمن الذي ينضبط بالحق، ويذعن له، مع أنه نبيٌ عظيم، ومع أنه غضب غضباً شديداً، ومع أن غياب الهدهد كان غير مشروع، ولكن الله سبحانه وتعالى يعلمنا كيف تكون الأمور، إذ لابدَّ من أن يأتي بالسلطان المبين، أي بالعذر الشرعي، بالحجة المقنعة، بالدليل الواضح..

 

 

﴿ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ (22) ﴾

 

فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ

 لم يطل انتظاره، فما هو إلا وقتٍ قصير حتى جاء الهدهد.

تعلَّمْ حُسنَ الاعتذار من الهدهد:

 الآن الهدهد يقف موقفاً في منتهى الذكاء، ألم أقل لكم قبل قليل: ليس هذا هدهداً عادياً، لا يمكن لهدهدٍ من عامَّة الهداهد أن يكون بهذا الذكاء، وهذه الحكمة، وذاك الإدراك، وهذا العمق، فحينما تكون مُخالفاً وتواجه الذي خالفته وتراه في أشد حالات الغضب لابدَّ من أن تسكب على غضبه الماء البارد حتى يَسْكُنَ غضبه، ما الذي يجعل هذا الملك العظيم المَرهوب الجانب يسكت، ويحجم عن إيقاع العذاب، ويحجم عن صب غضبه على الهدهد، وما الذي يجعله يتصرف بحكمة ؟ أن تأتيه بشيءٍ غريب، بنبأٍ خطير، بحادثةٍ فريدة، لابدَّ من أن تنجو منه وذلك بأن تصرفه عنك إلى شيءٍ آخر، لا بدَّ من أن تصرفه عنك إلى شيءٍ آخر، ماذا قال:

 

﴿ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ (22) ﴾

 

فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ

 أحياناً يكون الابن متأخراً تأخراً شديداً، يدخل فيجد نفسه في جوٍ من الغضب سينصبُّ عليه، يأتيهم بخبر غريب: رأيت حادثاً مروعاً، فالأب والأم بدل أن يصبّا غضبهما عليه ينتقلان إلى موضوعٍ غريب، ما الحادث ؟ ماذا وقع ؟ تبدَّد الغضب وهدأت العاصفة، والهدهد هكذا فعل، قال:

﴿ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ (22) ﴾

 أنت سليمان أيها الملك العظيم، يا من سُخِّرَت لك الطير، سُخر لك الجن والإنس، يا من سخرت لك الرياح، لكني

﴿ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ ﴾

﴿ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) ﴾

وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ

 كان الهدهد في سبأ، وسيدنا سليمان كان في القدس، ذهب إلى سبأ، وعاد من سبأ بنبأٍ يقين، يبدو أن سيدنا سليمان أراد أن يسمع ما النبأ ؟ ما هذا النبأ اليقين ؟ ما هذا الخبر الصادق ؟ ما هذه المشكلة الخطيرة ؟

استنباطات من قوله: إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ

 قال:

﴿ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ (23) ﴾

1 – الرجل والمرأة سواء في التكليف والتشريف:

 والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً ))

[ البخاري عن أبي بكرة ]

 دائماً وأبداً أقول لكم: المرأة كالرجل في شيئين ؛ في التكليف وفي التشريف، إنها مكلَّفَةٌ كالرجل تماماً بأركان الإيمان، وأركان الإسلام، عليها أن تعرف ما يجب أن يعلم بالضرورة، عليها أن تصلي، وأن تصوم، وأن تحج، وأن تفعل كذا وكذا، وأن تلزم الشرع، مكلفةٌ بالإسلام والإيمان، إذاً هي مساويةٌ للرجل في التكليف، ومساويةٌ له في التشريف، مكلفةٌ مثله، ومُشَرَّفَةٌ مثله، والدليل:

 

﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا(35)﴾

 

( سورة الأحزاب )

2 – ليس الذكر كالأنثى:

 إذاً: المرأة كالرجل تماماً في التكليف وفي التشريف، لكن المرأة امرأة، والرجل رجل، والله سبحانه وتعالى أودع فيها من الصفات النفسية، ومن الصفات العقلية، ومن البُنْيَة الجسدية، ومن العواطف الاجتماعية ما يليق بأنوثتها، فالمرأة امرأة بكل ما في هذه الكلمة من معنى، إن كل شيءٍ فيها في خدمة وظيفتها الخطيرة، إن تفكيرها، إن بُنيتها، إن نفسيتها، إن عقليتها، إن أي شيءٍ فيها موظفٌ لخدمة هذا الدور الخطير الذي تقوم به في الأسرة.
 والرجل عقله، وبنيته، وعضلاته، وتفكيره، وغَلَبَةُ عقله على عاطفته هذه كلها بعض مقومات الرجولة، وإن الرجل قد رُكِّبَ هذا التركيب لينجح في دوره خارج البيت.
 إذاً: فمِنْ أين تأتي المشكلة ؟ من تبديل الأدوار، فهذا الجهاز كل شيٍ فيه من أجل أن يعطيك البردَ في الصيف الحار.. مكيِّف.. وهذا الجهاز كل شيءٍ فيه مُسَخَرٌ من أجل أن يشع لك بالدفْء في الشتاء، فإذا وضعت المكيِّف في الشتاء والمدفأة في الصيف، تكون قد فعلت شيئاً غير مقبول، فمن أين يأتي الفساد ؟ من تبديل الأدوار، المرأة أكرمها الله بالجمال لتكون مُسْعِدَةً لزوجها، فإذا عَرَضَتْ هذا الجمال لكل إنسان، ولكل من يطلبه، عَمَّ الفساد في الأرض، الرجل آتاه الله العقل، والحكمة، والعضلات المفتولة، ليكون دوره خارج البيت دوراً قيادياً فَعَّالاً، فإذا تخلَّى عن دوره وصار مقوداً فقد بدَّلنا المواقع، وبدلنا المواقف، من هنا قال عليه الصلاة والسلام وهو في أعلى درجة من درجات تكريم المرأة:

 

(( ما أكرمهن إلا كريم، ما أهانهن إلا لئيم، يغلبن كل كريم، يغلبهن لئيم ))

 

[ ورد في الأثر ]

(( لَا تُكْرِهُوا الْبَنَاتِ فَإِنَّهُنَّ الْمُؤْنِسَاتُ الْغَالِيَاتُ ))

[ أحمد عن عقبة بن عامر ]

(( أَلَا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا ))

[ الترمذي عن عمرو بن الأحوص ]

 فأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام التي تتعَلَّق بإكرام المرأة لا تعدُّ ولا تُحصى، ولكن أن تسلِّمها وظيفةً لا تتناسب مع فطرتها فلا بدَّ من أن يرجح عندئذٍ عقلها على عاطفتها، ولن يكون ذلك.
 مثلاً يصعب على امرأةٍ أن تحكم بالقتل على إنسانٍ مجرم، فطبيعة بنيتها، عاطفتها، أمومتها، حبُّها لأولادها لا تمكنها من أن تنهي حياة مجرم، مع أن الله عزَّ وجل يقول:

 

﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ ﴾

 

( سورة البقرة: من الآية 179 )

 القتل أنفى للقتل، حياة المجتمع بقتل المجرم، لهذا فالمرأة قد لا تستطيع أن تفعل ما يوكل للرجل، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً ))

 

[ البخاري عن أبي بكرة ]

 لكن هذا الهدهد جاء بخبرٍ غريب..

 

﴿ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ (23)﴾

 

إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ

 هذه الكلمة تُذَكِّرُني بآية..

﴿ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

( سورة الأنعام: من الآية 44 )

 كل شيء، أنواع الأموال، أنواع البيوت، أنواع المركبات، أوتيت كل شيء،

﴿ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾

 يبدو أن الهدهد نظر إلى أمرها، وإلى عرشها، وإلى قصرها، وإلى جنودها، وإلى خدمها، وإلى حشمها، وإلى جيشها، وإلى إمكاناتها، وإلى طاقاتها..

 

﴿ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23)﴾

 

 إلى الآن الموقف معقول، امرأةٌ تملك أمةً، لها عرشٌ عظيمٌ، أوتيت من كل شيء، أيّ شيءٍ يخطر في بالك، ففيه أنواعٌ منوَّعة، أي شيءٍ يراود خاطرك فمِن مثلِه أعدادُ لا تحصى..

﴿ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) ﴾

 لكن المشكلة الخطيرة، لكنَّ مصيبةً المصائب، لكن الطَّامة الكبرى..

﴿ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ (24) ﴾

وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ

 أين عقلهم ؟ أين تفكيرهم ؟ كيف حكموا على الشمس أنها ربُّهم ؟ أيعبدونها من دون الله ؟! ألا تغيب الشمس ؟

﴿ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ(78)﴾

( سورة الأنعام )

 مَن يدير الكون في غياب الشمس ؟

 

﴿ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ (24) ﴾

 

وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ

 وأنكى من ذلك أن الشيطان زَيَّنَ لهم أعمالهم، فالمشكلة الخطيرة أن الضال حينما يظن أنه على حق فأنت تحارُ كيف تهديه ؟ من الناس من يدري ويدري أنه يدري فهذا عالمٌ فاتبعوه، ومنهم من لا يدري ويدري أنه لا يدري فهذا جاهلٌ فعلِّموه، ومنهم من لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فهذا شيطانٌ فاحذروه..

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ الأَخْسَرِينَ أَعْمالا(103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(104)﴾

( سورة الكهف )

 فمن البليَّة أن يعصي الإنسان ربه، ومن البلية الأشد والأنكى أن يعصي ربه، ويظن أنه بهذا مُفْلِح ومحقٌّ، هذا هو الخطر، هذا أخطر ما في الانحراف، إذا كنت منحرفاً.. ولا سمح الله.. وتعلم أنك منحرف فالقضية سهلةً جداً، فسرعان ما تعود إلى الصواب، ولكن أخطر ما في الانحراف أن تظن أنك على صواب، وأن الناس كلهم على ضلال، وأنت بهذه الطريقة قطعت عليك طريق الهدى، قطعت عليك طريق الرجوع.

 

﴿ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ(24)﴾

 

فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ

 السبيل إلى الله مسدودة، فالطريق إلى الله غير سالكة، شهواتهم كانت حجاباً بينهم وبين ربِّهم، شِرْكهم كان عقبةً كؤوداً بينهم وبين التوحيد، معاصيهم أخجلتهم، الشرك أقعدهم، عمى بصيرتهم أربكهم، أَيُّ هدهدٍ هذا ؟! ما هذا الهدهد الذي استطاع أن يصرف النبي العظيم عن أن يَصُبَّ عليه غضبه وحوَّله إلى خبرٍ مثير، وكيف أن هذا الهدهد تَلَمَّسَ أن هذه المرأة التي..

﴿ تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) ﴾

 وهي تسجد وقومها للشمس من دون الله، وأن الشيطان زين لهم الأعمال، فصدهم عن سبيل الله فهم لا يهتدون ؟

 

أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ

 

 والهدهد الآن يتساءل:

﴿ أَلَّا يَسْجُدُوا (25) ﴾

 ما الذي يمنعهم أن يكون سجودهم لله عزَّ وجل، خالق الشمس والقمر، خالق الأرض والجبال، خالق الهواء والماء، خالق الطعام والشراب، خالق الإنسان، خالق كل شيء ؟ ما الذي يحول بينهم وبين السجود لله عزَّ وجل ؟

 

﴿ أَلَّا يَسْجُدُوا (25) ﴾

 

الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ

 مَن هو الله ؟ الذي.

﴿ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (25) ﴾

1 – مخبوءُ السماوات:

 أيْ أن هذه السماء ما مخبوءٌ فيها ؟ المطر، بينما هي صافيةٌ، وبينما هي زرقاء صافية، وبينما اليأس قد انعقد على النفوس، بينما الناس يبتهلون إلى الله عزَّ وجل بالغيث، ما هي إلا ساعاتٌ قصيرة حتى تتلبَّد السماء بالغيوم وينهمر المطر انهماراً كأنها أفواه القَرَب، فإذا هذا المطر يُحْيي الأرض بعد موتها، فإذا الأرض تهتزُّ بهذه السقيا، فإذا بها تصبح ذات لونٍ بهيج..

 

﴿ فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ﴾

 

( سورة فصلت: من الآية 39)

 إذاً:

 

﴿ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (25) ﴾

 

2 – مخبوءُ الأرض:

 الأرض ماذا تُخْبئ ؟ النبات، تزرع بذرةً صغيرةً جداً قد لا ترى بالعين، فإذا هي نبتةٌ شامخة، تحمل لك الفواكه الطيِّبة والخضراوات التي أنت بحاجة إليها، هذا الغذاء الأساسي الذي نقتات به، كيف أكلته ؟ كيف جنيته ؟ كيف نبت ؟ فهذا شيء عجيب جداً، ابذر بذوراً معينة، البذور كلها في نصف دنم تقريباً لا يزيد حجمها على خمسة غرامات، بعد تسعين يوما تقريباً ترى أن نصف الدنم هذا مليٌء بالنبات إلى ارتفاع مترين ونصف تقريباً، أو متر ونصف، وهو يحمل أنواع الخضراوات، أين كان هذا الحجم ؟ هذه النباتات كيف نَمَت وفق برنامجٍ خاص ؟ كيف أعطت ثمارها ؟ هذا هو الله عزَّ وجل، اسجد لله شكراً وعرفاناً.
 ولدينا أسئلة بسيطة جداً، فأنت ترى بأم عينك هذه البقرة التي تأكل الحشيش، ثم تُعطي الحليب، يا رب ما هذا المعمل الصامت ؟ يعمل بلا ضجيج، بلا وقود، أربعمائة حجم من الدم يحتاجها حجمٌ من الحليب، فالغدة الثديية للبقرة على شكل نصف كرة كأنها قربة، حول هذه القبة من الأعلى مجموعةٌ كبيرةٌ جداً من الأوعية الدموية، يجول في هذه الأوعية الدموية أربعمئة لتر من الدم، إلى أن يُستنبط من هذه الأربعمئة لتر لترٌ من الحليب في أسفل القُبَّة، هذه البقرة تعطي في اليوم أربعين كيلواً، وهناك بقر هجين يعطي في اليوم ستين كيلواً حليباً، والحشيش نراه جميعاً بأم أعيننا، هل في الأرض كلها جهةٌ صناعيةٌ متفوقةٌ تستطيع تحويل هذا الحشيش الأخضر إلى حليبٍ، تصنع منه الجبن واللبن والسمن وما شاكل ذلك ؟ هذا من آيات الله، هذه الدجاجة تعطيك البيضة، هذا الخروف يعطيك الصوف، يعطيك الجلد، يعطيك اللحم، يعطيك الدهن..

 

﴿ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ (25) ﴾

 

3 – مخبوءُ الأرحام:

 هذا الابن الذي أمامك كان نقطةً من ماءٍ مهين، في اللقاء الزوجي ثلاثمائة مليون حوين منوي، يتخلَّق هذا الجنين من حوينٍ واحد لَقَّحَ بويضة، وهذه البويضة تنقسم، وتنقسم، وتنقسم إلى أن تصبح علقةً فمضغةً، إلى أن تصبح جنيناً، بعد تسعة أشهر إذا هي طفلٌ صغير له عين، وله أذن، وله أنف، وله فم، وله لسان، وله لسان مزمار، وله مري، وله معدة، وأمعاء، وبنكرياس، وصفراء، وكبد، وأمعاء دقيقة وغليظة، وله أوردة وشرايين وقلب، ورئتان، وله عضلات وعظام، وله أظافر، وله شعر، وله كظر، وله بنكرياس، وله دماغ، وفص جبهي، وفص قفوي، وفص جانبي، وبصلة سيسيائية، ومخيخ، وأعصاب حس وأعصاب حركة، ولكل شعرةٍ وريد وشريان وعضلة وغدة دهنية وغدة صبغية، كل هذا ِمن حوين واحد، يد من ؟ اسجد لله عزَّ وجل، للذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، للذي خلق الأنعام من أجلك..

 

﴿ وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾

 

( سورة النحل: من الآية 5 )

 الآية الواضحة الصريحة، للطير:

 

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ﴾

 

(سورة الملك: من الآية 19)

4 – الطيرُ:

 قوام الطيران الريشة، الريشة في الوقت نفسه عديمة الوزن متينة القوة، وذا أراد الإنسان أن يمتِّن شيئاً زاد وزنه، على الريشة الواحدة ما يزيد على مئة ألف شارب، ولكل شاربٍ شويربات، الشويربات يزيد عددها على بضعة ملايين، ولكل شويربٍ كلاليب تجعل هذه الشويرِبات والشوراب سطحاً أملس يقاوم الهواء، وفي جسم الطائر ما يزيد على خمسةٍ وعشرين ألف ريشة.

 

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلا الرَّحْمَانُ﴾

 

(سورة الملك: من الآية 19 )

 اسجد لهذا الإله العظيم الذي خلق الطائر، والله قرأت كلمة منذ أيام: عن أعظم طائرةٍ صنعها الإنسان..
 اركب طائرة مثلاً، فالطائرة ملخص علم البشرية، وهي تَقِلَّ اليوم أربعمئة راكب ؛ يركبون، ويأكلون، ويشربون، وينامون، ويستريحون وهم في الجو، على أي شيءٍ محمولون ؟ ما هذا النظام البديع ؟ هكذا قال الله عزَّ وجل:

 

﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ(8) ﴾

 

( سورة النحل )

 إن أعظم طائرةٍ صنعها الإنسان لا تقترب من مستوى الطائر، وهناك كتبٌ بآلاف الصفحات عن الطائر تقرؤها، لا تملك إلا أن تسجد لله عزَّ وجل، يا رب، ما هذا الخلق العظيم ؟ هكذا الطائر، وهكذا الأنعام، وهكذا الأسماك، مليون نوع من السمك في البحار، كلها طعامٌ للإنسان..

 

﴿ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا ﴾

 

(سورة النحل: من الآية 14 )

 لتأكلوا أنتم أيها البشر منه..

 

﴿ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(14)﴾

 

( سورة النحل )

5 – من أجهزة الإنسان:

الكبد:

 لهذا الإله العظيم اسجد، للذي خلق الكبد، خمسة آلاف وظيفة.

 

المعدة:

 للذي خلق المعدة، وفيها خمسة وثلاثين مليون عصارة هاضمة، للذي خلق الأمعاء الدقيقة، تتجدد تجدداً كاملاً كلَّ ثمانٍ وأربعين ساعة، وأنت لا تدري.

 

 

الدماغ:

 اسجد لمن خلق هذا الدماغ، لمن خلق مئة وأربعين مليار خلية سمراء استنادية لم تعرف وظيفتها بعد حتى الآن.

 

 

العينً:

 من العصب البصري يخرج عصبٌ فيه تسعمائة ألف عصب، من أجل تحقيق الرؤية الدقيقة، ادرس عن العين، وابحت عن العين، واقرأ عن الأنف.

 

 

الأذن:

 واقرأ عن الأذن، وابحت ثم ابحث.
 ما هذه الأذن ؟ الأذن الوسطى جهازٌ لتكبير الصوت إذا كان الصوت ضعيفاً، وجهازٌ لتخميده إذا كان قوياً، هل عندك جهاز كهربائي يكبِّر، ويخَفِّض في آن واحد وأنت لا تدري ؟ ما قيمة هذا الصيوان، هذه القناة، غشاء الطبل، العظيمات الأربع، الأذن الداخلية، كيف تميّز الأذن نغماً تطربُ له ؟ كيف تعرف أن هذا الصوت على الهاتف صوت فلان ؟ اسجد لهذا الإله العظيم، الذي شَقَّ لك هذا السمع، الذي شق لك هذا البصر، الذي علَّمَكَ البيان، جعلك تنطق، إن كل حرفٍ من الحرف التي تلفظها يحتاج إلى سبع عشرة عضلة، فإذا ألقيت محاضرة في ساعة، كم من كلمة، وحرف، وكم عضلة اشتركت في الإخراج، وأنت لا تدري ؟

 

 

﴿ الرَّحْمَانُ(1)عَلَّمَ الْقُرْآنَ(2)خَلَقَ الإِنسَانَ(3)عَلَّمَهُ الْبَيَانَ(4) ﴾

 

( سورة الرحمن )

﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ(30) ﴾

( سورة الملك )

6 – الماء:

 ما هذا الخَزَّان الذي يعطينا لهذه المدينة كل ثانية ستة عشر متراً مكعباً ؟ حينما تقل المياه يذعر الناس، يجأر الناس بالدعاء إلى الله عزَّ وجل، ماذا نفعل إذا امتنعت السماء عن أن تمطر ؟

 

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10)يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا(11)وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا(12)مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا(13)﴾

 

( سورة نوح )

 لماذا لا تخشونه ؟

 

﴿ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا(14) ﴾

 

( سورة نوح )

 من طور إلى طور إلى طور.
 والله إن الآيات التي بثَّها الله في الكون، التي بثها الله في جسم الإنسان، التي بثها الله في النبات، التي بثها الله في الحيوان، في الطيور، في الأسماك، في الجبال، في البحار، في الأنهار، شيءٌ لا يصدق، ولا تعدُّ ولا تُحصى، ولكن كما قال الإمام علي كرم الله وجهه: << ما أكثر العِبَر وما أقل المُعْتَبِرين >>.
 فهذا الهدهد، أيكون الهدهد أعلم منك، وأنت إنسان تملك كل القدرات والطاقات التي تعين على المعرفة ؟ أيكون هذا الهدهد وهو الطائر أعلم من كثيرٍ ممن خلق الله عزَّ وجل ؟

 

﴿ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) ﴾

 

َيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ

 يعلم، يعلم خائنة الأعين، إذا امتد بصرك إلى نظرةٍ لا ترضي الله يعلمها، قد تنظر إلى امرأةٍ ولا يستطيع أحدٌ في الأرض أن يكشف هذه النظرة، وقد تكون طبيباً، وقد تعالج امرأةً، وقد تلقي نظرةً لا تباحُ لك إلى جهةٍ لا تشكو منها، من يعلم هذا إلا الله عزَّ وجل ؟

﴿ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) ﴾

 تكلَّم ما شئت، لكنه يعلم ماذا تُخفي، يعلم خواطرك الداخلية، يعلم نياتك، يعلم صراعاتك، يعلم طموحاتك، يعلم ماذا ترسم للمستقبل..

 

﴿ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26) ﴾

 

اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ

مِن ذكاء الهدهد:

 الهدهد خاف أن ينتقم منه، فقال: أيها الملك العظيم:

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26) ﴾

 قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ:

(( كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي بِالسَّوْطِ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ خَلْفِي: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، فَلَمْ أَفْهَمْ الصَّوْتَ مِنْ الْغَضَبِ، قَالَ: فَلَمَّا دَنَا مِنِّي إِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا هُوَ يَقُولُ: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، قَالَ: فَأَلْقَيْتُ السَّوْطَ مِنْ يَدِي، فَقَالَ: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ، قَالَ: فَقُلْتُ: لَا أَضْرِبُ مَمْلُوكًا بَعْدَهُ أَبَدًا ))

[ مسلم ]

 ومرة أحد المذنبين وقف أمام الحجَّاج، وقال له: " أسألك بالذي أنت بين يديه أذل مني بين يديك، وهو على عقابك أقدر منك على عقابي ".
 قال بعض المفسرين: إن استخدام الهدهد لكلمة..

 

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26) ﴾

 

 أي وفوق الملك العظيم ملك الملوك، لذلك جاء في الحديث القدسي:

(( أنا ملك الملوك ومالك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فإنِ العباد أطاعوني حوَّلت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن العباد عصوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالسُخْط والنِقْمَة، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك وادعوا لهم بالصلاح، فإن صلاحهم بصلاحكم ))

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26) ﴾

درسان بليغان من قصة سليمان مع الهدهد:

الدرس الأول: التروِّي:

 نحن عندنا في هذه القصة درسان بليغان، من دروس الذين يتولَّون أمر بعض الناس ؛ معلم مدرسة، مدير مستشفى، مدير معمل، مهندس عندك في الورشة عشرة عمال، أول موقف لك من هؤلاء الذين ذكرتهم ألا تتعجَّل، بل عليك أن تتروَّى وتتبصَّر، ثم تُصدر حكمك أو أمرك أو رأيك..

 

﴿ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ(21)﴾

 

 الموقف الثاني:

﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) ﴾

الدرس الثاني: عدمُ التسرُّع في الأحكام:

 أيها الأخ الكريم... إذا كنت أباً، أو معلماً، أو مديراً، أو في موقعٍ قيادي، لا تصدر أحكامك بسرعة، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة.
قال تعالى:

﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) ﴾

قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ

 قل: نحن سوف نحقق الآن.. لا تحكم قبل أن تحقق، لا تصدر حكماً قبل أن تستقصي المعلومات، لأن المظلوم ليس بينه وبين الله حجاب، "اتقوا دعوة المظلوم ولو كان كافراً، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب " تحقق، لا تعجل، لا تتخذ موقفاً ارتجالياً، لا تحكم حكماً سطحياً، لا تقل: فلان كاذب، قبل أن تتحقق..

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(6)﴾

( سورة الحجرات )

 لا تصدر أحكاماً، لا تأخذ موقفاً، لا تباشر إجراءً ما، لا تقل: كذا وكذا، قبل أن تجمع المعلومات الصحيحة، قبل أن تستقصي الحقائق، الأُناس الموفَّقون في حياتهم هم الذين لا يصدرون أحكاماً إلا بعد بحثٍ ودرسٍ طويلين، قال:

 

﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) ﴾

 

امتحان سليمان للهدهد: اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ

 الآن.. بَدَأ الامتحان، كيف سيمتحنه هذا النبي العظيم ؟ قال:

﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28) ﴾

 أعطاه كتاباً، نحن حتى الآن لا نعلم مضمون الكتاب، أعطاه رسالة، حمَّلَهُ رسالة إلى ملكة سبأ، وقال: أيها الهدهد من أجل امتحان صدقك من كذبك ألق إليهم هذا الكتاب..

ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ

﴿ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28) ﴾

 بحسب جوابهم أعرف صدقك من كذبك، الآن أصبح عندنا في القصة ما يسمَّى قفزة فنية، يبدو أن هذا الهدهد ذهب إلى ملكة سبأ، وألقى إليها الكتاب من دون أن تعلم مَن ألقاه، أُلقِيَ إليَّ، ألقاه عليها وعاد، الآن المنظر ينثقل إلى سبأ، ننتقل معكم إلى سبأ، إلى اليمن، الملكة تقول لمن حولها:

تسلُّم ملكة سبأ كتاب سليمان: قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ

﴿ قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ ﴾

 يا أيها القوم، عِلية القوم، المستشارون، الوزراء، كبار أركان الدولة جمعتهم و..

 

﴿ قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ ﴾

 لم تعرف من هو الذي ألقى ؟ هذا الفعل مبني للمجهول، فاعله مجهول.

 

 

﴿ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) ﴾

 يبدو أنها قرأت الكتاب، وعرفت أنه كريم، قالت:

 

 

﴿ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) ﴾

 لماذا هو كريم ؟ قال:

 

 

إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:

 

﴿ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ ﴾

 ومَن سليمان ؟.

 

﴿ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) ﴾

 أيْ أن سليمان لا يتكلم عن شخصه، لا يتكلم باسمه، ولا باسم شعبه، ولا باسم دولته، يتكلم باسم الله الرحمن الرحيم، لماذا هو كريم ؟ لأنه من إنسانٍ يتحدَّثُ عن الله عزَّ وجل.

 

 

﴿ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) ﴾

 خير الكلام ما قَلَّ ودَل.

 

 

﴿ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31) ﴾

 

مضمون الكتاب: أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ

1 – خيرُ الكلام ما قلَّ ودلّ:

 انتهى الكتاب، في الأدب العربي إجاباتٌ تسمَّى توقيعات، جواب مختصر، أناسٌ شكَوْا إلى أحد الخلفاء واليهم، فأرسل له كتاباً على شكل توقيع، " أما بعد، فقد كثر شاكوك، وقلَّ شاكروك، فإما عدلت وإما اعتزلت "، انتهى الكتاب.
 أحد الولاة وكان والياً للبصرة، طلب من الخليفة عشرة آلاف جذع لبناء دار له، فقال: أنبئني أدارك في البصرة أم البصرة في دارك ؟ انتهى الجواب، فهذا جواب بليغ، قال:

 

﴿ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ(31)﴾

 يجب أن تأتيني أنت أيتها الملكة معَ قومك خاضعةً مذعنةً إلي.

 

 

﴿ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31) ﴾

 ورد حديثٌ قدسي عن الله عزَّ وجل فيما يرويه النبي عليه الصلاة والسلام، يقول:

 

 

((ما من مخلوقٍ يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيَّته فتكيده أهل السماوات والأرض إلا وجعلت له من بين ذلك مخرجاً، وما من مخلوقٍ يعصتم بمخلوقٍ دوني أعرف ذلك من نيَّته إلا جعلت الأرض هَوْيَّاً تحت قدميه وقَطَّعْتُ أسباب السماء بين يديه))

 فاعتصم بمن شئت، لن يجديك نفعاً إلا أن تعتصم بالله، اعتصم بنصف أهل الأرض بل بأهل الأرض كلهم، فلن يجديك نفعاً إلا إذا اعتصمت بالله، فسيدنا سليمان اعتصم بالله عزَّ وجل، فحينما أرسل هذا الكتاب إلى ملكة اليمن، ملكة سبأ: بلقيس أذعنت، وسارعت إليه، وسوف نرى في الدرس القادم كيف أنها أذعنت، وكيف أنها خضعت، وكيف أنها سارت إليه، وكيف أنها أسلمت معه.

 

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018