الدرس : 15 - سورة البقرة - تفسيرالآية 27، صفات الفاسقين - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 15 - سورة البقرة - تفسيرالآية 27، صفات الفاسقين


1998-10-02

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الخامس عشر من سورة البقرة.

كلَّما دقَّ الشيء في حجمه كلما عَظُمَت دقة صنعه:

 مع الآية السابعة والعشرين، وهي قوله تعالى:

﴿ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27) ﴾

 أيها الأخوة الكرام، هؤلاء الذين سَخِروا من آيات الله، سخروا من هذه البعوضة كيف يضربها الله مثلاً مع أنها مخلوقٌ حقير، يقتلها الإنسان ولا يشعر بشيء لأنها صغيرةٌ، لكن الحقيقة أن الشيء كلما كان صغيراً كانت به صنعةٌ بارعة، كلَّما دقَّ الشيء في حجمه كلما عَظُمَت دقة صنعه، وذكرت في الدرس الماضي كيف أن لهذه البعوضة خرطوماً يمكن أن تغرسه في جلد الإنسان، ويمكن أن تغرسه في جدار الأوعية، والبعوضة تهتدي إلى ضحيتها عن طريق الرادار، ويمكن أن تفحص دم ضحيتها لأن هناك دمٌ يناسبها ودمٌ لا يناسبها، معنى ذلك أن للبعوضة خرطوماً يخترق جلد الإنسان ويدخل جدار الأوعية، وهي تهتدي إلى ضحيتها بالرادار، وعندها جهاز فحصٍ للدم، لتختار الدم الذي يناسبها، وعندها جهاز تخدير لئلا تُقْتَل أثناء مَصّ الدم، فالإنسان حينما تلدغه بعوضة يضربها، ولكنها تكون قد طارت في الجو، يعني أنه يشعر بها بعد أن يذهب فعل التخدير، وشيءٌ آخر نضيفه هو أن عندها جهازاً لتمييع الدم من أجل أن يسري الدم في خرطومها الدقيق جداً، ولها ثلاثة قلوب ؛ قلبٌ مركزي وقلبٌ لكل جناح، ويرِفُّ جناحاها أربعة آلاف رفّة في الثانية الواحدة، ولها أرجل على طريقتين إن وقفت على سطحٍ أملس فلها محاجم تثبت بها نفسها عن طريق الضغط وتفريغ الهواء، وإن وقفت على سطحٍ صُلب فلها مخالب تغرزها فيه فتثبت عليه.

لو علمنا دقة صنع البعوضة لسجدنا لله عزَّ وجل تعظيماً له:

 هذه البعوضة التي ضرب النبي عليه الصلاة والسلام مثلاً بِضَعف شأنها:

(( لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِراً مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))

[ الترمذي عن سهل بن سعد ]

 لهذه البعوضة جهاز هضم، ولها جهاز دوران، ولها رأس، وفي الرأس بعض الحواس، كل هذه الحواس، وهذه الأجهزة، وهذه الأرجل، وهذا القلب والأوعية، وجهاز المَصْ، وجهاز الرادار، وجهاز التمييع، وجهاز التخدير، وجهاز التحليل، وهذا الخرطوم الذي ينفذ في جدران الأوعية ويخترق الجلد، هذه البعوضة لو علمنا دقة صنعها لسجدنا لله عزَّ وجل تعظيماً له.

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) ﴾

 الآية واحدة، وموضوعها البعوضة، لكن رد فعل المؤمن تعظيم الله، ورد فعل الكافر الاستخفاف والاستهزاء، إذاً حينما أراد المؤمن الحقيقة وأراد معرفة الله دلَّه على الله كل شيء، الأقدام تدل على المسير، والبعر يدل على البعير، والماء يدل على الغدير، أفسماءٌ ذات أبراج وأرضٌ ذات فجاج ألا تدلان على الحكيم الخبير ؟!!

العلاقة الرائعة بين السلوك وبين الاعتقاد:

 قال تعالى:

﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ (26) ﴾

 من هو الذي يستخف بهذه البعوضة التي هي من آيات الله الدالة على عظمته ؟ إنه الفاسق:

﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) ﴾

 هناك علاقة رائعة بين السلوك وبين الاعتقاد، الفاسق لا يعتقد والمؤمن يعتقد، الفاسق يسخر والمؤمن يُعَظِّم، معنى ذلك أن الإنسان حينما يفسُق يصبح منطقه تبريرياً تسويغياً، منطقه مقيداً بشهواته، لذلك إياك أن تناقش منتفعاً لأنه لا يقنع معك، فهو يدافع عن المكاسب التي حَصَّلها، هذا الذي ينتفع من الكفر لا يمكن أن يتخلَّى عن الكفر لأنه ينتفع منه، منتفع، المنتفع لا يُناقَش، والغبي لا يُناقَش، والقوي المغتر بقوته لا يُناقَش، لذلك هم:

﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) ﴾

 يريد أن يُغَطِّي فسقه لأنه فاسق، يريد أن يعتقد اعتقاداً يتناسب مع فسقه، وأنسب اعتقاد للفاسق أنه ينفي وجود الآخرة، وأن هذه الحياة ليس بعدها حياة:

﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37) ﴾

(سورة المؤمنون)

 الاعتقاد الذي يغطي الانحراف هو الإلحاد، فكلَّما كان هناك انحرافٌ لا بدَّ من عقيدة فاسدة تغطِّي هذا الانحراف.

 

الإنسان العاصي دائماً مختل توازنه فيستعيده بعقيدةٍ تسوِّغ له عمله:

 المسلم الذي يتوسَّع ولا يستقيم على أمر الله أنسب عقيدة له أن يؤمن بالشفاعة إيماناً ساذجاً يردد: نحن أمة محمد، نحن أمةٌ مرحومة، يوم القيامة يشفع لنا النبي عليه الصلاة والسلام ويقول: أمتي أُمتي، ولا يقبل إلا أن يدخلنا الجنة جميعاً، هذه العقيدة الساذجة عند الفاسقين، مع أن الشفاعة حق وفيها نصوص صحيحة، لكن لها معنى فوق هذا المعنى، أما غير المسلمين فهم يعتقدون:

﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) ﴾

( سورة البقرة )

 يؤمن الفسقة والمنحرفون والمُقَصِّرون والمتفلتون دائماً بعقائد تسوغ أعمالهم حتى يستعيدوا توازنهم، حينما يعصي الإنسان الله يختل توازنه، حينما يعصي الله تحاسبه فطرته، ينزعج، يضيق ذرعاً، توازن الإنسان العاصي دائماً مختل، كيف يستعيده ؟ يستعيده بعقيدةٍ تسوِّغ له عمله، لذلك حينما تأتي بعض الكتب مثلاً كتاب سُمي " قراءة معاصرة للقرآن الكريم"، هذا الكتاب الذي يسوِّغ السلوك الإباحي تحت غطاء من الدين، هذا الكتاب يروج جداً فيطبع طبعات كثيرة، عشر طبعات حتى الآن، لأنه مريح، يغطي فسق الإنسان وانحرافه بنصوص دينية، ولكن هذا لا ينطلي أمره على الإنسان المسلم الواعي.

 

حينما يختل توازن الإنسان فلديه طريقان لاسترجاع التوازن:

 أخواننا الكرام، فكرة دقيقة جداً، فطرتك سليمة، حينما تعصي الله ـ لا سمح الله ولا قدَّر ـ يختل التوازن، حينما يختل هذا التوازن لديك طريقان لاسترجاع التوازن:

 

1ـ الطريق الأول الصحيح هو التوبة:

 الطريق الأول الصحيح هو التوبة، تتوب إلى الله، تصطلح معه، تطبِّق منهجه، تستعيد توازنك وترتاح نفسك، هذا الطريق الطبيعي لاسترداد التوازن.

 

 

2ـ إن كان مصراً على هذه الشهوة فيحتاج إلى عقيدة زائغة تغطي انحرافه:

 أما حينما يعصي الإنسان ربه فيتفلَّت، يطلق بصره، يتوسَّع في المعصية، يقبل السلوك اليومي المعاصر، يقبل السلوك الإباحي ويستسيغه، فهو يحتاج الآن إما إلى توبةٍ نصوح يستعيد بها توازنه، أما إن كان مصراً على هذه الشهوة فيحتاج إلى عقيدة زائغة تغطي انحرافه، هو يتوهَّم أنه يفعل الشيء الصحيح، لذلك تجد الإنسان المبتلى بشرب الخمر مُصِراً على أن الله لم يحرِّم الخمر، يقولون: نصحنا أن نجتنبه، ولكن اذكر لي آية تنص على شرب الخمر، هذا كلام مريح له جداً، لأنه مدمن خمر، فإذا اعتقد أن الخمرة حرام اختل توازنه، انكشف، أما حينما يعتقد أن الخمر رجس فاجتنبوه، وهذا أسلوب صريح بالتحريم، فيقلع عنها راضياً عندئذٍ، ويصغي بقلبه:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) ﴾

( سورة المائدة )

على الإنسان أن يترك بينه و بين المعصية هامش أمان:

 مع أن كلمة اجتناب فيها أشد نوع من أنواع التحريم، فمثلاً تيار ثمانية آلاف فولت، أردنا أن ننصح الناس بالابتعاد عنه، هذا التيار له مساحة جذب تقدر بثمانية أمتار، إذا دخل الإنسان هذا الحرم يجذبه هذا التيار ويجعله فحماً أسوداً، فلو أن وزير الكهرباء أراد أن يضع إعلاناً تحذيرياً فهل يقول: " ممنوع مس التيار "، أم يقول: " ممنوع الاقتراب منه " ؟ يقول: "يمنع الاقتراب منه "، إذا كان ضمن مسافة ثمانية أمتار أصبح فحماً، فهذا الإعلان التحذيري لا يأمر بعدم المس ولكنه يأمر بعدم الاقتراب، وكذلك لا بدَّ من أن تدع بينك وبين هذا التيار هامش أمان، لو أن الله تعالى قال في الخمر: حُرِّمت الخمر عليكم، فيجوز بذلك أن تبيعها وأن تشتريها وأن تتاجر بها وأن تعصرها وأن تُعْلِن عنها، كل هذا يجوز لكن المنع أن تشربها فقط، أما حينما قال:

﴿ فَاجْتَنِبُوهُ (90) ﴾

( سورة المائدة )

 ثم أوضح رسول الله المزيد، فقال:

((لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمر وعاصرها ومعتصرها وبائعها ومبتاعها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وشاربها وآكل ثمنها.))

[ابن مردويه والحاكم والبيهقي عن عبد الله بن عمر]

 من يزرع عنباً من أجل أن يبيع هذه المعصرة أو هذه الخمَّارة هذا كله ملعون إذاً:

﴿ فَاجْتَنِبُوهُ (90) ﴾

( سورة المائدة )

 اجتنبوه تعني أشد أنواع التحريم، اجتنبوه، أي أن هذه المعصية لها قوة جذب، فلا بدَّ من أن تدع بينك وبينها هامش أمان، كيف أن النهر العميق المخيف الذي ينذر من وقع فيه بالموت، لهذا النهر شاطئ مائل عليه حشيش مُبْتَل، وله شاطئ جاف مستوٍ، المشي على الشاطئ المائل المبتل الزَلِق فيه مخاطرة كبيرة جداً، ممنوع أن تمشي على هذا الشاطئ المائل الزلق لئلا تقع في النهر، ينبغي أن تمشي على الشاطئ الجاف المستوي، هذه قاعدة.

الشهوات التي نضعف أمامها في بعض الظروف أمرنا الشرع الحكيم أن نبتعد عن أسبابها:

 قال الله عزَّ وجل :

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً (32) ﴾

( سورة الإسراء )

 لم يقل: لا تزنوا، بل قال:

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا (32) ﴾

 هذه شهوة تثور بوجود الخلوة، وإطلاق البصر يثير هذه الشهوة، متابعة مشاهد مثيرة على الشاشة أيضاً يثير الشهوة، فكل ما يُقَرِّبُكَ من هذه الشهوة مُحَرَّم، هذا معنى:

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا (32) ﴾

 اجعل بينك وبين الزنى هامش أمان، اجعل بينك وبين مال اليتيم هامش أمان، لا تخلط مالك بماله، لا تجعل الحساب هو الحكم، اجعل خلط المال هو الحكم فلا تفعله، هناك موضوع دقيق جداً، هناك شهوات لها قوة جذب أو فيها وهج، هذه الشهوات التي يضعف الإنسان أمامها في بعض الظروف أمرك الشرع الحكيم أن تبتعد عن أسبابها، الشهوات التي فيها قوة جذب، والتي يَضْعُف الإنسان أمامها في بعض الظروف نهاك من الاقتراب منها " ولا تقربوا الزنا ".

الآية العظيمة الدَّالة على عظمة الله لا يسخر منها إلا الفاسق:

 قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) ﴾

( سورة المائدة )

 اجعلوا بينكم وبينها هامش أمان، لا تجلس مع شارب خمر، لا تتعامل مع كل من يتعامل بالخمر، إذاً لِمَ أصرّ الأخ على أنه ليس في القرآن الكريم آيةٌ تحرم الخمر ؟ حتى يُغَطِّي انحرافه، فالقضية الدقيقة الآن هي حينما ينحرف الإنسان أمامه سبيلان لاستعادة توازنه ؛ سبيل الاستقامة والتوبة النصوح والصلح مع الله، وسبيل أن يعتقد عقيدةً زائغةً فاسدةً منحرفةً يتوهَّم بها أنها تغطِّي انحرافه، ولذلك لا يناقش المتلبِّس بشهوة، لا يناقش لأن منطقه منطق تسويغي تبريري وليس منطقاً حراً أبداً:

﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) ﴾

 الآية العظيمة الدَّالة على عظمة الله لا يسخر منها إلا الفاسق، دقق في هذه الآيات:

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) ﴾

( سورة الماعون )

 هو نفسه:

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50) ﴾

( سورة القصص )

 الذي يتبع هواه من دون هدىً من الله عزَّ وجل هذا من أشد الناس ضلالاً يوم القيامة، هؤلاء الفاسقون ما صفاتهم ؟ هذا هو موضوع درسنا اليوم.

 

للآية التالية عدة معانٍ:

 هؤلاء الفاسقون:

﴿ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ (27) ﴾

 لهذه الآية معانٍ كثيرة، بعض معانيها أن الله سبحانه وتعالى أخذ من بني آدم في عالم الذَرْ عهداً على أن يطيعوه حينما قال لهم:

﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى (172) ﴾

( سورة الأعراف: آية " 172 " )

 هذا عهد، فالذي يأتي إلى الدنيا، ويتعرَّف إلى الله، ويستقيم على أمره هذا أوفى بما عاهد عليه الله، والذي يأتي إلى الدنيا، وتستهويه الشهوات، ويضع منهج الله وراء ظهره هذا نقض عهده مع الله، يقول سيدنا علي كلمة : " والله إني لأذكر ذلك العهد " هذا معنى من معانٍ كثيرة.
 المعنى الثاني: أن عهد الله هو أمره ونهيه الذي جاء في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ونَقْضُ هذا العهد عدم العمل به، فالذي لا يعمل بالقرآن والسنة يَنْقُضُ عهد الله، هؤلاء الفاسقون لماذا سموا فاسقين لأنهم:

﴿ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ (27) ﴾

نقض العهد هو عدم العمل بالكتاب والسنة:

 عهد الله إلينا أن نأكل المال الحلال، عهد الله إلينا أن نَقْصُرُ طرفنا على زوجاتنا وعلى محارمنا، عَهْدَ الله إلينا أن نكون صادقين، عهد الله إلينا أن نكون أُمناء، عهد الله إلينا أن نؤدِّي الأمانات إلى أهلها، عهد الله إلينا ألا نظلم بني البشر، ألا نكذب، ألا نأخذ ما ليس لنا، أن نكون أمناء، لذلك بعث الله عزَّ وجل النبي عليه الصلاة والسلام لهذه الأمة ليقوِّم أخلاقها، وعَبَّر سيدنا جعفر للنجاشي عن الواقع الذي بين الجاهلية والإسلام حين قال: " أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونسئ الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته، وصدقه، وعفافه، ونسبه، فدعانا إلى الله لنعبده، ونوحَّده، ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثانِ، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحُسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء ".
 إذاً نقض العهد عدم العمل بالكتاب والسنة، كل أمرٍ في القرآن هو عهدٌ عَهِدَ الله به إليك، كل أمرٍ في القرآن، وكل أمرٍ في سنة النبي العدنان هو عهدٌ عهد الله به إليك أن تُطَبِّقَهُ، فإن طبَّقته فقد وفَّيت بهذا العهد، وإن لم تطبقه فقد نقضت عهدك مع الله، أي أن كل إنسان يعصي الله نقض عهده مع الله، هذا المعنى الواضح والشائع والواسع والمقبول، نقض العهد مع الله عدم تطبيق أمره والوقوع في نهيه، هذا نقض العهد، فالفاسقون لماذا هم فاسقون ؟ لأنهم نقضوا عهدهم مع الله، وحينما يتوب الإنسان يعاهد الله على الطاعة، من السُّنة أن يقول الإنسان في بيت الله الحرام عند الحجر الأسعد: " بسم الله، الله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، واتِّباعاً لسنة نبيِّك، وعهداً على طاعتك "، فالذي عاهد الله عند الحجر الأسود أن يطيعه ثم عاد إلى بلده فعاد إلى ما كان عليه نقض عهد الله.

المنافق الفاسق ينقض عهده مع الله :

 يقول الله عزَّ وجل :

﴿ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102) ﴾

( سورة الأعراف )

 ويقول الله عزَّ وجل:

﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23) ﴾

( سورة الأحزاب )

 لاحظ نفسك، إذا تبت إلى الله توبةً نصوحاً، وعاهدته على الطاعة، وعاهدته على الإنصاف، وعاهدته على خدمة المسلمين، وعاهدته على الإنفاق في سبيله، لاحظ نفسك: هل تبدل هذا العهد مع مرور الأيام ؟ المنافق الفاسق ينقض عهده مع الله.

﴿ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ (27) ﴾

 لهذه الآية معانٍ كثيرة، الأنبياء جميعاً دعوتهم واحدة، فالذي لا يفرِّق بين الأنبياء، يجعل كل الأنبياء مبعوثين من عند الله عزَّ وجل معهم كتاب الله، يعتقد بالأنبياء جميعاً اعتقاداً صحيحاً، هذا لم يقطع ما أمر الله به أن يوصل، هذا معنى، وهناك معنى آخر: كل إنسان يدعو إلى معصية يقطع الناس عن الله عزَّ وجل وقد أمروا أن يتصلوا بالله، أية بدعة، بدعة فيها اختلاط ـ عرس مختلط ـ هذا العرس المختلط بدعةٌ فيه دعوةٌ إلى القطيعة مع الله، حينما يُمَتِّعُ الإنسان بصره بمن لا تَحِلُّ له كانت هذه المتعة المحرَّمة حجاباً بينه وبين الله، ماذا فعل من دعاه إلى هذا الحفل ؟ قَطَّعَ علاقات الناس بالله عزَّ وجل.

 

أنواع المعاصي كلها تقطع عن الله:

 من دَلَّ على كسبٍ حرام قطع هذا المكتسب عن الله، أي إنسان دعا إلى معصية، رَوَّج لمعصية، دعا إلى دنيا مُغرية، رَغَّب الناس بشيءٍ لا يرضي الله، دعا الناس إلى شراء جهاز حتى يكون على مستوى العصر، وحتى يَطِّلع على ما في العالم من أحداث، كما يتوهم كل إنسان يدعو إلى شيء يقطع عن الله هو قاطع، وأكبر كلمة وأكبر جريمة يرتكبها الإنسان أن يكون قاطعاً عن الله، أنواع المعاصي كلها تقطع عن الله، إذا كانت حرفة إنسان مبنية على معصية، كأن يملك ملهى مثلاً، ماذا يفعل صاحب الملهى ؟ هو يقطع الناس عن الله عزَّ وجل، فالقضية طويلة وواسعة جداً، أي حرفة مبنية على معصية هي في حقيقتها قطع الناس عن رَبِّهم، تزيين الدُنيا، إغراء الناس بها، تحبيبهم بالمعصية، أن يكسبوا المال من أي طريق، أن يتخذوا أية حرفة تُدِرُّ عليهم مالاً وفيراً دون أن يهتموا بطاعة الله فيها، هذا الذي يتخذ حرفةً فيها شبهة، فيها إيذاءٌ للناس، فيها إيذاءٌ للناس بدينهم، هذا الذي يروِّج الشهوات ويحببها للناس إنما يقطعهم عن الله بشكل أو بآخر.
 لو أخذ صديق صديقه إلى حفلة مختلطة، وهذا الصديق مثلاً له مسجده، له طاعته لله، له استقامته، أغراه صديقه بالسهرة المختلطة، فأدخله بعالم آخر، عالم الفتيات، وعالم الاختلاط، وعالم الاستمتاع بمباهج هذه السهرات، فنسي دينه، ونسي صلاته، ونسي حفظه لكتاب الله، سمعت أن أحد الأشخاص يسجل أفلاماً إباحية، ويعرضها على الشباب بأجر في غرفة في بعض أحياء دمشق، أقسم لي أحدهم أن أحد الشباب كان من حُفَّاظ كتاب الله ترك الصلاة طبعاً، ترويج أي معصية، ترويج أي عمل فني، ترويج أي حرفة، هذه الفتاة التي تخرج متبذِّلةً في ثيابها، تظهر مفاتنها، والله تقطع الشباب عن الله، تصرفهم عن دين الله، عشرون عاماً بينه وبين الزواج، ينتظر عشرين عاماً إلى أن يتزوج، تظهر له كل مفاتنها في الطريق، وليس كل شاب لديه المناعة القوية، فكثيرٌ من الشباب يسقط في حمأة المعصية، فهذه الفتاة تَقْطَعُ الشباب عن الله، أي شيء مغرٍ، أي شيء فيه معصية، أي شيء فيه تحبيب للدنيا هذا كله يبعد الناس عن الله عزَّ وجل، فهؤلاء الفاسقون مُهِمَّتُهم أن يقطعوا ما أمر الله به أن يوصل.

من يقطع ما أمر الله به أن يوصل إنسان لا علاقة له بالإسلام و له اسم مسلم فقط :

 يقول الله عزَّ وجل:

﴿ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ (15) ﴾

( سورة لقمان: آية " 15 " )

 هناك شخص كلما وجد شاباً متعلِّقاً بمسجد أو بعالم يقطعه عنه، يقول له: كن حراً، لا حاجة بك إلى الشيخ، ولا حاجة بك للجامع، إذا كان حراً فهو وحيد غير منضبط، بالمسجد تاب إلى الله، عاش بمجتمع مؤمن، أصبح في منافسة شريفة مع أخوانه، صار عنده انضباط ووعي، صار ذا عقيدة صحيحة، هناك أب لا يروق له أن يكون ابنه في مسجد، يقطعه عن الله وعن المسجد، قد يأتيه ابنه الساعة الثانية ليلاً، ولا يعلم الأب أين كان ؟ لا يتكلَّم ولا كلمة، أما إذا علم أنه في مسجد، في حضور درس علم يقيم عليه النكير، ماذا يفعل هذا الأب ؟ يقطع ما أمر الله به أن يوصل، وهناك أب إذا رأى ابنته محجَّبة يقيم عليها النكير، يريدها متبذِّلة حتى يتباهى بها، هناك رجل إن أصرت زوجته على الحجاب يطلِّقها، يريدها متبذِّلة، يريد أن يعرض مفاتنها على أصدقائه كي يتباهى بها، هؤلاء لهم أسماء المسلمين فقط، هؤلاء بين أظهرنا، هؤلاء يعيشون معنا، يقطعون ما أمر الله به أن يوصل:

﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28) ﴾

( سورة الكهف )

هناك حقيقة واحدة في الكون هي الله:

 قال تعالى:

﴿ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ (15) ﴾

( سورة لقمان: آية " 15 " )

 هذا الذي يقطعك عن مجلس علم، ويقطعك عن مسجد يعلمك ويدعوك إلى الله عزَّ وجل، هذا يقطع ما أمر الله به أن يوصل، هذا الذي يغريك أن تكسب المال الحرام من طريقٍ غير مشروع، من أجل أن تصبح غنياً في وقت قصير، هذا يقطعك عن الله عزَّ وجل.
 والله أخ من أخواننا أعجبني فيه صدقه، قال لي: اشترى والدي صحناً فضائياً، تابعت بعض البرامج زمناً: فقطعت عن الله عزَّ وجل، وقال لي: أصبحت صلاتي لا معنى لها إطلاقاً، بعد حين شعر بالخطر على دينه، فعاهد الله على أن يمتنع عن مشاهدة برامج هذا الصحن:

﴿ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ (27) ﴾

 هناك حقيقة واحدة في الكون هي الله، أي عمل يقرِّبُك من الله هذا عمل عظيم، وأي عمل يبعدك عن الله عزَّ وجل فهو عمل خسيس، فشراء مجلة غير منضبطة مشكلة، شاب يطَّلع على صور الفنانات في أوضاع مغرية في مجلة مشكلة، وهذه المجلة ومثيلاتها ينبغي ألا تدخل هذا البيت، هناك من يشتري هذه المجلاَّت ويضعها في عيادته من أجل أن يستمتع المرضى قبل الدخول إلى غرفة المعاينة، هذا يقطع ما أمر الله به أن يوصل.
 أيها الأخوة، هؤلاء يقطعون ما أمر الله به أن يوصل، وبالمناسبة إذا وجدت إنساناً له شيخ في مسجد، ملتزم، متألِّق، دَعْهُ لا تدخل بتفاصيل، لا تقطعه عن هذا المسجد، هذا مصدر سعادته، مصدر انضباطه، إلا بحالات نادرة جداً، إذا كانت هناك عقيدة منحرفة خطيرة جداً في هذا المسجد، هذا موضوع ثانٍ، أما بشكل عام فلا يكن همُّك قطع إنسان موصول بالله عن طريق جماعة، عن طريق مسجد، عن طريق شيخ، هذا عمل تخريبي، أنت قطعته ولكنك لست متمكناً لتحل مكان هذا الشيخ، قطعته عن هذا الشيخ، وجعلته ضائعاً فماذا فعلت ؟ هذا عمل تخريبي لأنك قطعته عن إنسان له صلة بالله، له عمل صالح، له وجهة مع الله عزَّ وجل.

لا يأتمر المؤمن الصادق إلا بما أمر الله به ولا ينتهي إلا عما نهى الله عنه :

 أحياناً تجد إنساناً معتقداً بإنسان، كأخوين في المسجد، الأخ السابق تائب من عشر سنوات، له ماضٍ قبل عشر سنوات كان غير مرضٍ، ولكنه تاب توبة نصوحاً من هذا العمل، يصطحب معه أخاً فيسأله أحدهم: مَن الذي دلك على هذا المسجد ؟ فيقول له: فلان، يقول له: فلان ؟ يتكلم بلهجة استنكار ؟! هذا كان كذا، كان كذا، ماذا فعلت أنت ؟ لقد تاب من هذا الذنب وسلك طريقه إلى الله، وصار متألِّقاً، ودعا إلى الله، لماذا تُذَكِّر هذا الشاب الناشئ الذي اهتدى على يد هذا الشاب الأكبر منه بعمل فعله قبل عشر سنوات ؟ هذا التصرف عمل شيطاني ، كل إنسان له صلة بالله فقطع هذه الصلة عمله تخريبي، وعمله يغضب الله عزَّ وجل، هؤلاء الفسقة همُّهم الأول أن يقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، يقطع التلميذ عن أستاذه، يقطع الأخ عن أخيه، يقطع الجار عن جاره، يقطع الأم عن ابنتها، هناك زوج يحرِّم أن تزور البنت أهلها، لماذا ؟ أمها وأبوها من حقها أن تزورهما، والله عزَّ وجل أمر بصلة الرحم، وهو يقطع هذه الصلة.
 قد يأمر أحدهم إنساناً أن يقاطع أهله، هذا الأمر مخالف للسنة، ولا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق، فلتحقيق نزوة معيَّنة، لتحقيق هدف كيدي يأمر هذا الإنسان أن يقاطع أهله جميعاً، أن يقاطع أخواته، هذا عمل كَيْدي هذا مخالف للسنة، لا يأتمر المؤمن الصادق إلا بما أمر الله به، ولا ينتهي إلا عما نهى الله عنه، ولا يطيع مخلوقاً في معصية أبداً، وكل إنسان يعتقد أن هناك إنساناً أكمل من رسول الله فهو كافر برسالة رسول الله عليه الصلاة والسلام، أي أنك إذا سمعت كلام إنسان وعصيت النبي عليه الصلاة والسلام فأنت لست مؤمناً برسالة النبي، ولا بعصمة النبي، ولا بأحقية اتباع النبي، هذه آية دقيقة المعنى، خطيرة نتائجها:

﴿ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ (27) ﴾

 إيَّاك أن تكون أداة قطعٍ، بل كن أداة وصلٍ، لذلك: ليس منا من فَرَّق.
 حتى بعض المؤسسات مثلاً تعلق أنها تريد موظفاً يعمل لديها غير متزوج، أو غير مصحوب بزوجته، في دول الخليج أحياناً يطلبون موظفاً من دون زوجة، زوجته أقرب الناس إليه، ليس في الإمكان أن يعيش بعيداً عنها، وليس في إمكانها أن تعيش بعيدةً عنه، لا نقبلك بزوجة، يبقى سنةً بأكملها في مكان، وزوجته في بلد آخر، هؤلاء يقطعون ما أمر الله به أن يوصل، هؤلاء الذين يفرِّقون شمل الأسرة هؤلاء ليسوا على حق، يأمرك القرآن والسنَّة أن تجمع شمل الأسرة، هذه الآية واسعة جداً لا تنتهي، ومعانيها وشموليتها في العلاقات الأسرية، في العلاقات الزوجية، في علاقة الأباء بأبنائهم، هذا الذي يثير الابن على أبيه هذا يقطع ما أمر الله به أن يوصل، هذا الذي يثير الجار على جاره، والأخ على أخيه، هذا الذي يدعو إلى معصية، يرَغِّب في معصية، هذا الذي يغريك بمالٍ حرام يقطعك عن الله عزَّ وجل، طبعاً آية واسعة جداً، ليس منا من فرَّق كما قال عليه الصلاة والسلام.

 

البيت مصون مقدَّس في الإسلام:

 قال تعالى:

﴿ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ (27) ﴾

 يفسدون العلاقات، يفسدون الأخلاق، يفسدون براءة الصِغار، هناك أعمال فنية مستوردة تُعْرَض على الصغار فيها كل شيء من الفسق والفجور والعلاقات الغرامية، طفل عمره ثلاث سنوات أو أربع سنوات يشرب مع دمه هذه العلاقات الشائنة عن طريق أفلام نستوردها، هذه لا تجوز، لا بدَّ من أعمال تناسب الصغار المؤمنين، كل عمل يُبعدك عن الله عزَّ وجل هذا قطعٌ لما أمر الله به أن يوصل.
 هناك جهات بعيدة تكيد للمسلمين، لقد غُزِينا ثقافياً عن طريق هذه الصحون، صار البيت ملهى، صار البيت نادياً ليلياً، بينما البيت مصون مقدَّس في الإسلام، الأب مقدَّس، الأم مقَدَّسة، حالاتٌ كثيرةٌ من زنا المحارم تقع عن طريق هذه الصحون.

﴿ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ (27) ﴾

 آية واسعة جداً، أي أن كل شيء أمر الله به أن يوصل قطعه عملٌ تخريبي يحمل كل ما يغضب الله عزَّ وجل ولا يرضيه.

﴿ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ (27) ﴾

 هذا الفساد كما قال الله عزَّ وجل:

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) ﴾

( سورة الروم )

 أي أن الله عزَّ وجل يذيق الناس وبالأجزاء بعض الذي عملوا:

﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) ﴾

علينا أن نطيع الله وإلا لا بدَّ من تأديبٍ قد لا نحتمله:

 سمعت عن إعصار أمريكا الأخير اسمه " إعصار جورج "، هذا الإعصار الذي بلغت سرعته مئتين وخمسة وعشرين كيلو متراً في الساعة، وهذه من السرعات العالية جداً والمدمرة، مرَّ هذا الإعصار على بيوت الشاذين في فلوريدا فَدَمَّرها عن آخرها:

﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117) ﴾

( سورة هود )

 أخواننا الكرام، علينا أن نطيع الله وإلا لا بدَّ من تأديبٍ قد لا نحتمله:

﴿ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ (286) ﴾

( سورة البقرة )

 يأتي التأديب أحياناً فوق طاقة الاحتمال، إنسان يرى نفسه بلا مأوى يسكن في الطريق، مئتان وأربعون مليون إنسان في الصين بلا مأوى، أنت عندك بيت، لك مأوى، لك فراش، لك سرير، لك غرفة طعام، خزانة ملابس، فكيف بك ـ لا سمح الله ـ إن وجدت نفسك وأهلك في العراء بلا مأوى، هذا يراه الناس كل يوم في مكان الفيضانات، فيضانات تغرق الناس في مكان ما، رياح عاتية في مكان آخر تقتلع بيوتهم، وحروب أهلية في مكان ثالث تصحن البشر طحناً.

﴿ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ (286) ﴾

( سورة البقرة )

ملخص الملخص أننا إذا هان أمر الله علينا هُنَّا على الله ولا يعبأ الله بنا:

 مُلَخَّص المُلَخَّص: إذا هان أمر الله علينا هُنَّا على الله، لا يعبأ الله بنا..

﴿ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ (27) ﴾

 الفساد كذلك واسع جداً شرّه وأثره، سأل أحدهم أخته عندما جاءها مولود: ماذا قدَّم لكِ زوجكِ بمناسبة الولادة ؟ قالت له: لم يقدِّم لي شيئاً، فأجابها متسائلاً: أمعقول هذا ؟ أليس لكِ قيمة عنده ؟ والله يليق بكِ شخص غيره أرقى منه، ألقى بذلك قنبلة ومشى، جاء زوجها ظهراً إلى البيت فوجدها غاضبة فتشاجرا، وتلاسنا، واصطدما، فطلقها، من أين بدأت المشكلة ؟ من كلمة قالها الأخ، مثلاً قد يسأل أحدهم: هذا البيت كيف يتسع لكم ؟ إنه يتسع لنا، ليس لك أنت علاقة، إنه يحب أن يُعَكِّر صفو الأسرة، هو شيطان، داخل فيه شيطان، وهذا هو الفساد، التقى بشاب راقٍ: أين تشتغل ؟ فقال له: بالمحل الفلاني، كم يعطيك بالشهر ؟ قال له: خمسة آلاف، فيرد عليه مستنكراً: خمسة آلاف فقط، كيف تعيش بها ؟ إن صاحب العمل لا يستحق جهدك ولا يستأهله، جعله كارهاً عمله، فطلب رفع الراتب، رفض صاحب العمل، فأصبح بلا شغل، كان يعمل أما الله فهو بلا عمل، هو شيطان.

(( إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ))

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

 كل إنسان يصَغِّر دنيا الناس عندهم، يكَرِّهه ببيته، يكرهه بزوجته، يكرهه بأولاده، يكرهه بمهنته، بحرفته، يستعلي عليه، هذا يفسد في الأرض، أفسد العلاقات، أفسد القرابات، أفسد الأعمال، فالفساد أيضاً واسع شره ونتائجه.

الفساد واسع جداً وهو إخراج الشيء عن طبيعته:

 دققوا أيها الأخوة، كلمة تنطق بها من سخط الله تهوي بها في جهنم سبعين خريفاً، كلمة استعلاء أحياناً تجرح الإنسان:

جراح السنان له التئام   وليس لجراح اللسان التئام
***

 يتكلم بعضهم أحياناً كلاماً جارحاً، يحفر عميقاً في نفس سامعه، حمله على الكلام مكرٌ أو خبثٌ أو جهل، فلماذا ؟ أما كان الأجدر به أن يراقب الله فيما يقول ؟!! فاحذر يا أخي أن ينزلق لسانك وتقطع عندئذٍ ما أمر الله به أن يوصل.
 أيها الأخوة الكرام، قطع ما أمر الله به أن يوصل والفساد في الأرض هذا من خصائص هذا العصر، مصدره أحياناً التباهي، النساء دائماً يحببن أن يستكثرن أمام صديقاتهن، هذا أيضاً فساد في الأرض، أكرمك الله بزوج حالته المادية جيدة، هل من المفروض أن تحدِّثي جيرانك عن طعامكم، وعن نزهاتكم، وعن فرشكم، وعن بيتكم ؟ داخل فيها شيطان، عملية تحطيم، أنا كذا، زوجي كذا، دخله كذا، قمنا بنزهة بالمكان الفلاني، بالفندق الفلاني، حفل عُرسنا كان بالمكان الفلان، هذا الحديث الفارغ الذي يملأ القلب حسرةً، ويملأ الناس ضغينةً وحقداً، ما مبرراته ؟ أليس يحمل في طياته خلافاً بين الأزواج قد ينتهي إلى الطلاق وتشريد الأولاد، إنه يقطع ما أمر الله به أن يوصل.
 المؤمن يذكر الله عزَّ وجل فيشكره، إذا أكرمك الله عزَّ وجل فاشكره دون أن تكسر قلب الآخرين، لئلا تقع في الفساد، هناك فساد بالكلمة، فساد بالأجواء، فساد بالمياه، فساد بالبيئة، فساد بالثمرات، فساد بالنباتات، الفساد واسع جداً، وهو إخراج الشيء عن طبيعته، والمؤمن لا يفسد إطلاقاً، إنما يصلح بين خلق الله عزَّ وجل.

﴿ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27) ﴾

بعض خصائص الذين لا يعبؤون بآيات الله ولا يراقبون الله في تصرفاتهم:

 أيها الأخوة، هؤلاء الذين لا يعبئون بآيات الله ولا يراقبون الله في تصرفاتهم، من خصائصهم أنَّهم:

﴿ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ (25) ﴾

 المعنى الواسع: لا يطيعون الله، لا يأتمرون بأمر الله لا في كتابه ولا في سنَّه نبيِّه، ويفعلون المنهيَّات وينتهون إلى الضلال:

﴿ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ (27) ﴾

 يقطعون الناس عن ربِّهم:

﴿ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ (27) ﴾

 يغيِّرون طبيعة كل شيء:

﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27) ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018