الدرس : 3 - سورة ص - تفسير الآيات 19- 29 التوازن بين التعبد وبين خدمة الخلق. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 3 - سورة ص - تفسير الآيات 19- 29 التوازن بين التعبد وبين خدمة الخلق.


1992-12-18

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الاستفهام يحمل على التشويق أو على إبراز الإعجاز الإخباري في القرآن الكريم :

 أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثالث من سورة ص، يقول الله عز وجل:

﴿ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ ﴾

 أولاً: (هل) حرف استفهام، وهذا الاستفهام يحمل على محمل التشويق، على محمل التنبيه، على محمل لفت النظر، أو يحمل على محمل الإعجاز الإخباري في القرآن الكريم، في القرآن الكريم غيب متعلق بالماضي، وغيب متعلق بالحاضر، وغيب متعلق بالمستقبل، وهذه الحقائق التي وقعت والتي تقع والتي سوف تقع هذه غيب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أُنبِئْنا بها فهذه دلالة من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام.
 أنت لا تعرف هذه القصص، ولا تعرف ما جرى، هل أتاك نبأ الخصم؟ لم يأتك به أحد، فمن أين جاءك إذاً؟ من الله عز وجل وأنت رسول.

﴿ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ ﴾

 إما أنها تحمل على التشويق، أو تحمل على إبراز الإعجاز الإخباري في القرآن الكريم، وأن هذه الأخبار وتلك القصص التي وردت في القرآن الكريم إنما تخبرنا عن صدق نبوته صلى الله عليه وسلم وعن أحقِّية رسالته إلى العالمين.

التوازن بين التعبد وبين خدمة الخلق هو الأسلوب الأمثل والسلوك الأقوم :

 قال تعالى:

﴿ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ ﴾

 الخصم هذه للمفرد وللمثنى وللجمع، شخصان خصم، وأشخاص خصم، وشخص خصم، من اللذين تخاصما؟

﴿ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ ﴾

 سيدنا داود كان قابعاً في محرابه يصلي، أو كان قابعاً في محرابه يقرأ التوراة، أو يسبح الله عز وجل، فهذا النبي العظيم كان في خلوة من خلواته مع ربه - حينما جاء رسول أذربيجان ووصل المدينة ليلاً لم يجد من المناسب أن يطرق باب أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه في هذه الساعة المتأخرة من الليل، فذهب إلى المسجد، في المسجد سمع رجلاً يناجي ربه يقول: يا ربي هل قبلت توبتي فأهنئَ نفسي أم رددتها فأعزيها، هذا الرسول قال له: من أنت يرحمك الله، قال: أنا عمر، قال: أنت عمر، ألا تنام الليل يا أمير المؤمنين، فأجاب إجابة رائعة، قال: إني إن نمت ليلي كله أضعت نفسي أمام ربي وإن نمت نهاري أضعت رعيتي - معنى ذلك أن الإنسان لا بدّ له من حالين: أن يكون مع الخلق تارة، ومع الحق تارة، فإن بقي طوال وقته مع الخلق مات قلبه، وإن بقي طوال الوقت مع الحق قلّ عمله، فمن أجل أن تجمع بين حياة القلب وبين وفرة العمل الصالح لا بدّ أن تكون مع الحق متعبداً ومع الخلق محسناً.
سيدنا داود له ساعة مع ربه، له ساعة يخلو فيها مع ربه، كما مهدت لكم في درس سابق، هاتان القصتان في مجموعهما متكاملتان، نبي آثر العبادة على العمل الصالح فترك الأَولى، ونبي آثر العمل الصالح على العبادة فترك الأَولى، ومن مجموع القصتين يتضح: أن التوازن بين التعبد وبين خدمة الخلق هو الأسلوب الأمثل والسلوك الأقوم.

لكل قصة مغزى يتجه إلى القصد النبيل الذي أراده الله عز وجل :

 ربنا عز وجل لعلمه بأن هذا النبي الكريم يؤثر جانب التعبد على جانب خدمة الخلق أراد أن يلفت نظره، أراد أن يضعه في ظرف يكشف له تركه للأولى، فجعل له هذه القصة، سيدنا داود وهو في محرابه، والمحراب مكان العبادة، مكان محاربة الشيطان، أوجه غرفة في البيت كما تروي كتب اللغة، أي أشرف غرفة يقال لها محراب، أو أشرف مكان في الغرفة يقال له محراب، فالإنسان يذكر الله عز وجل ويتعبد في مكان طيب طاهر بعيد عن الضوضاء سماه الله عز وجل محراباً، ومنه سمي المحراب في المسجد محراباً لأنه أشرف مكان في المسجد، فالله عز وجل يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام يقول له:

﴿ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا ﴾

 معنى تسوروا أي تسلقوا سور المحراب، ما دخلوا عليه من بابه ولكن تسوروا، قال بعضهم أنه منعهم من دخول محرابه، فجاءه هذان الشخصان فتسورا المحراب.
 بالمناسبة هناك أقوال كثيرة جداً حول هذه القصة، بعضهم قال: اللذان دخلا المحراب ملكان طاهران، وبعضهم قال: إنهما رجلان حقيقيان، وبعضهم قال: إنهما ملكان في صورة رجلين.
 دائماً وأبداً القصة لها مغزى، وفيها تفصيلات، وفيها تفصيلات لم تذكر، فيها تفصيلات ذكرت وتفصيلات لم تذكر، فالتي لم تذكر لا حاجة لها إطلاقاً، وينبغي أن نسكت عما سكت عنه الله، لو أن فيها فائدة لذكرها الله عز وجل، فالجزئيات والتفصيلات التي لم تذكر لسنا بحاجة إلى ذكرها، ولا إلى البحث عنها، ولا إلى التنقيب فيها. والتفصيلات التي ذكرت نكتفي بها، لكن بعيداً عن التفصيلات يجب أن نتجه إلى الكليات، يجب أن نتجه إلى القصد النبيل الذي أراده الله عز وجل من هذه القصة، إذا قرأنا قصة في القرآن ووضعنا أيدينا على مغزاها أو على الهدف الكبير التي أراده الله منها فقد قرأناها، أما إذا ضعنا في تفاصيل الجزئيات، وفي روايات الإسرائيليين، وفي تخرصات المتأولين، أي إذا دخلنا في هذه التفاصيل ننسى الهدف الكبير الذي وراء هذه القصة.

هناك آيات كثيرة تؤكد أن بعض الأنبياء خافوا :

 بعضهم قال: ملكان، بعضهم قال: رجلان، بعضهم قال: ملكان في صورة رجلين، على كل ربنا عز وجل سماهما خصمين، أي شخصان مثلا أمام سيدنا داود.

﴿ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ﴾

 قيل فزع منهما لأنهما دخلا عليه في وقت غير مناسب، أو لأنهما دخلا عليه بطريقة غير مناسبة ففزع منهم، وهذه القصة تثبت أن الأنبياء يفزعون، وهناك آيات كثيرة تؤكد أن بعض الأنبياء خافوا.

﴿ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى*قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى ﴾

[ سورة طه: 67-68]

﴿ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ ﴾

[ سورة القصص: 21]

 إذاً لولا أن صفات البشر تجري على الأنبياء لما كانوا سادة للبشرية:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ﴾

[سورة الكهف: 110 ]

 أي يخاف مثلما يخاف الناس، ويجزع كما يجزعون، ويتألم كما يتألمون، ويحب كما يحبون، ولكنْ سمَا عن سقطات البشر وعن أوحال البشر، لولا أنه بشر تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر، إنسان لا يجوع إذاً ليس له أجر لكن يجوع ويصبر، إنسان لا يخاف ليس له أجر في خوض المعارك لكن يخاف على حياته فيضحي بها.

لكل قصة مغزى عميق :

 هذان الملكان على قول، أو هذان الرجلان على قول آخر لم يدخلا إليه من باب محرابه، ولم يدخلا إليه في الوقت المناسب، بل تسورا المحراب، فلما تسورا المحراب فزع منهم، فالفزع يسقط على الأنبياء، وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( إنما أنا بشر، أرضى كما يرْضى البشر، وأغْضَبُ كما يغضب البشر ))

[مسلم عن أنس بن مالك ]

 على كلٍّ القصة لها مغزى عميق هو أن في الإنسان شيء كامن في نفسه، هذا الشيء الكامن قد لا يظهر، لكن في ظروف معينة وفي شرائط معينة هذا الشيء الكامن يظهر، يخرج إلى السطح.
 حدثني أخ كان في مصر أثناء الزلزال، طبيبان في مستشفى متعمقان في علمهما، أنيقان في مظهرهما، وديعان في معاملتهما، لما وقع الزلزال واحد ترك المستشفى واتجه نحو الإسكندرية، والأخر بقي يعمل أربعاً وعشرين ساعة حتى تورمت قدماه، في المظهر والشهادة والعلم والكياسة متشابهان، ولكن هذا الزلزال كشف حقيقة كل منهما، واحد ضحى بنفسه وقدم علمه سخياً لكل المصابين، وواحد نجا بنفسه وآثر سلامته على إسعاف المصابين.
 فالقصة فيها مغزى عميق، كل إنسان في نفسه شيء كامن، هذا الشيء الكامن لا يتبدَّى إلا في بعض الظروف، لو أن الإنسان ساكن مع زوجته وحده ووالدته في بيت آخر، يمكن ألا يظهر إيثاره للحق، لكن أحياناً تنشأ خصومة بين الزوجة والأم، هنا يظهر موقف الزوج إما أن ينحاز إلى أمه انحيازاً أعمى، وإما أن ينحاز إلى زوجته انحيازاً أعمى، وإما أن يقف الموقف الحقيقي ويعطي كل ذي حق حقه، لولا هذه الخصومة لما ظهر ما في النفس من كمال أو نقص، هذا معنى قول الله تعالى:

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت: 2 ]

 كل إنسان يوضع في ظروف دقيقة جداً، أي الإنسان يكشف، هذا يدعي الكرم يوضع في ظرف فيظهر أنه بخيل، هذا يدَّعي أنه بار بوالديه فيوضع في ظرف معين فيظهر أنه عاق لوالديه، هذا يدَّعي حب الله عز وجل يضعه الله في ظرف فيه إغراء شديد فيميل مع الشهوة ويظهر أن ادعاءه كان كاذباً، لا بدّ من أن تمتحن، قل ما تشاء، صف نفسك بأي صفة، ادَّع ما تشاء، حدثنا عن نفسك ما تشاء، الله عز وجل وحده يتولى كشف الحقائق عن طريق ظروف دقيقة دَقيقة، صَعبة صعبة يجتازها الإنسان.

النبي معصوم عن الخطأ :

 قد يترفع الإنسان عن أخذ مبلغ مال حرام ويتبجح ويقول: أنا نزيه وأنا كذا، وهو ليس كذلك، يعرض عليه مبلغ كبير يقبل، معناه أن ادعاءه كان كاذباً.
 مغزى القصة أن كل إنسان لا بدّ من أن يُفتن، ومعنى يفتن أي يكشف على حقيقته، تقول ما تشاء والله يتولى كشف صدقك أو عدم صدقك.
 فهذا النبي الكريم كان في عبادته، وكان في تلاوته، وكان في تسبيحه، وكان في استغفاره، وكان في خلوته، وضع في ظرف صعب فجأة رأى نفسه أمام رجلين في محرابه ففزع منهم، طمأناه فقالا لا تخف لن ننالك بأذى.

﴿ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ ﴾

 نحن خصمان، أي اعتدى بعضنا على بعض.

﴿ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ ﴾

 طبعاً ما ترويه بعض التفاسير من أن هذا النبي الكريم كان في محرابه، فإذا بطائر يطير أمامه، ثم وقف أمامه على المحراب فإذا كوة في المحراب نظر منها، فإذا امرأة على جانب كبير من الجمال كانت تغتسل، فوقعت في نفسه وملأ عينيه منها، ثم علم أنها زوجة أحد قواده، فأرسل إلى قائد الجيش أن قدِّمه قدمه واجعله يموت حتى آخذ زوجته، هذه قصة لا أصل لها، هذه قصة ساقطة ومعظم المفسرين أنكروها، هذه من قصص بني إسرائيل، فلذلك أتمنى وأرجو ألا يلتفت أحد إلى هذه القصص التي دخلت علينا من كتب بني إسرائيل، نبي كريم معصوم عن الخطأ.
 معنى النبي أنه معصوم، هذا فعل الساقطين، هذا ليس فعل عامة الناس بل أقل من ذلك، لكن هذا النبي العظيم أراد الله عز وجل أن يكشف حقيقته الراقية.

كلمة خلطاء أوسع من شركاء :

 قال:

﴿ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ* إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ﴾

 أي ضمها إليّ حتى أتكفل إطعامها.

﴿ وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ﴾

 أي غَلَبني، تكلم أول خصم، سيدنا داود اكتفى بقول الخصم الأول ولم يطلب من الآخر أن يقرّ بذلك، ولم يطلب من الآخر أن يدافع عن نفسه، فما كان من هذا النبي وقد كان غارقاً في سعادة قربه من الله عز وجل، كان غارقاً في تسبيحه وتلاوته وتحميده، فأراد أن ينهي هذه القضية على عجل وأن يفصل بينهما فقال:

﴿ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ ﴾

 ظلمك ظلماً صارخاً.

﴿ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾

 الخلطاء هم الشركاء، والزوجان شركاء وخلطاء، والمسافران خلطاء وشركاء، أي كلمة خلطاء أوسع من شركاء، فأي إنسان خالط إنساناً لفترة طويلة أو قصيرة، جليلة أو حقيرة، خالطه في سفر قريب، خالطه في عمر مديد، زوجته وهي شريكة حياته.

الإنصاف من علامات الإيمان :

 الآن هذه حكمة أنطق الله بها هذا النبي الكريم:

﴿ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾

 إذاً الخليط قد يبغي على خليطه، يأخذ ما ليس له، أو يقدم أقل مما يأخذ، أي هناك عدوان جلي وعدوان خفي، فإذا بذل أحد الشريكين جهداً أكثر من الأخر فقد بغى على شريكه، وإن أخذ من الأجر أكثر من الآخر فقد بغى على شريكه، حتى إن الآية أوسع بكثير من هذه المعاني، في التعامل اليومي أنت بائع وهذا شارٍ، هذان خليطان إن أخذت منه زيادة على السعر الحقيقي فقد بغيت عليه، وإن حاول أن لا يعطيك شيئاً من أرباحك فقد بغى عليك، أي علاقة بين اثنين إذا بغى أحدهما على الآخر فهذان متخالطان بغى أحدهما على الأخر، فقال هذا النبي الكريم وقد نطق بالحكمة:

﴿ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾

 أما الاستثناء رائع فقال:

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ﴾

 الله عز وجل استثنى المؤمنين من أن يبغي بعضهم على بعض، فإذا بغى بعضهم على بعض فقد انسلخوا من صفة الإيمان، هذا كلام أيها الأخوة دقيقٌ دقيق، نحن المعنيون بهذا الكلام، أي أنت مؤمن لا لأنك تصلي وتصوم فقط، أنت مؤمن لأنك تقف عند الحدود، لا تأخذ ما ليس لك، تنصف الناس من نفسك، تعطي الناس حقهم دون أن تتعبهم في ذلك، تأخذ ما لك فقط ولا تأخذ ما ليس لك، أي أنت منصف، من علامات الإيمان الإنصاف، من علامات الإيمان الوقوف عند حدود الشرع، فإذا أخذت ما ليس لك، وإذا بغيت على خليطك وإذا تطلعت إلى ما لا تستحق فأنت لا تدري أنك انسلخت من الإيمان.

الدنيا دار امتحان :

 قال تعالى:

﴿ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ﴾

 أي ما أقلهم، فالإنسان إذا شارك إنساناً ليس مؤمناً الأصل أنه لن ينصفه، الأصل أنه يبغي عليه وهذا نص قول الله عز وجل، المؤمن فقط هو الذي لا يبغي، المؤمن فقط هو المنصف، المؤمن هو وحده الذي يأخذ ما له ويدع ما ليس له، لكن غير المؤمن يأخذ ما له وما ليس له، يبغي على خليطه وعلى قرينه وشريكه وزوجته ومن حوله وعلى جيرانه.
 يبدو أن هذين الرجلين اختفيا فجأة، حينما اختفيا فجأة تيقن داود أنهما ليسا برَجُلين، وهذه القصة التي روياها له ليست حقيقية إنما فتنة فتنه الله بها.

﴿ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ ﴾

 إذاً أنت ممتَحَن دائماً، اعلم هذه الحقيقة أنت دائماً ممتحن، ممتحن بالعطاء، ممتحن بالمنع، ممتحن بالضغط أحياناً، ممتحن بالإغراء أحياناً، ممتحن بخليط، ممتَحَن بشريك، ممتحن بجار، ممتحن بزوجة، ممتَحَن بولد، أنت ممتحن. الدنيا دار امتحان.

﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾

[ سورة الإنسان: 2]

 يبدو أن النبي حينما اختفى هذان الرجلان المتسوِّران أو الملَكان، حينما اختفيا فجأة، استمع للأول وحكم عليهما بأن الثاني ظالم ظلماً صارخاً ولم يلتفت إلى قول الطرف الآخر ولم يسأله ولم يستمع إلى إقراره، ثم اختفى الأول والثاني فجأة فعرف هذا النبي الكريم أن الله جلّ جلاله قد امتحنه.

من صفات المؤمن أنه كثير الأَوبة إلى الله عز وجل فهو تواب أواب أواه :

 قال تعالى:

﴿ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ ﴾

 بعضهم قال: الركوع يجزئ عن السجود، وبعضهم قال: هذا سجود مجازي، على كل المؤمن من صفاته أنه كثير الأَوبة إلى الله عز وجل، كثير العودة إليه، كثير الرجوع له، تواب أواب أواه.

﴿ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ ﴾

 الله عز وجل يؤدبنا جميعاً، يعني ترك الأولى لفت نظره بين حاله فغفرنا له ذلك.

﴿ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ ﴾

 زُلفى أي مقرَّب، هذا النبي الكريم كان مقرّباً إلى الله عز وجل، وحسن مآب أي له يوم القيامة عودة حسنة، يبدو أن أعظم نعمة ينعم الله بها على الإنسان أن يهيئ له عودة حسنة إليه، هناك عودة سيئة جداً، هناك إنسان دنياه ترقص ولكن إذا جاءه ملك الموت كان الموت مصيبة في حقه، لكن المؤمن واهنٌ راقع لكن له عند الله عز وجل وهذا هو ظنه عودة حسنة.

﴿ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ ﴾

في الدنيا العمل مقدم على المتعة الروحية :

 الآن جاء العتاب الإلهي:

﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى ﴾

 هنا السؤال: إذا عُزي الهوى إلى نبي فأي هوى هذا؟ إذا عزي الهوى إلى ساقط معروف أنه الهوى المنحط، إما إذا عزي الهوى إلى نبي عظيم أيّ هوى هذا؟ هو أن يحب الله عز وجل، أي حبه لله عز وجل ورغبته بالقرب منه، خلوده إلى الذكر، إلى التسبيح، إلى التحميد هو الذي صرفه عن أن يحكم بين الناس بالعدل، إذاً هو مُلام عند الله عز وجل، وقد ترك الأَوْلى لكن ليس كما يتوهم بعض الساقطين من أن هواه إلى ما يهواه الناس عادة هو الذي صرفه عن الحق، لا.
 قلت لكم في بداية القصة وفي الدرس الماضي أن هذا النبي الكريم ترك الأَوْلى، بمعنى أنه لم يوازن بين أن يكون مع الحق وأن يكون مع الخلق، بل آثر أن يكون مع الحق على أن يكون مع الخلق، فلما جاء الوقت المناسب ليكون مع الخلق حكم سريعاً واستمع من واحد ولم يستمع من الآخر وأنهى القضية ليعود إلى ما كان عليه.
 ظن بعضهم من أن النعجة هنا هي امرأة، هذا قول ضعيف جداً، لأنه أن يكون عنده تسع وتسعون امرأة ويطمع في امرأة أحد قواده، كما قلت قبل قليل هذه رواية إسرائيلية دخلت إلى كتب التفسير.
 مشكلة حقيقية بين رجلين، أو مشكلة افتراضية بين مَلَكين، مشكلة حقيقية بين رجلين إن قلنا رجلين منعا من الدخول فتسورا المحراب، وإن قلنا ملكين تسورا المحراب والمشكلة افتراضية، المغزى أن هذا النبي حكم سريعاً وعاد إلى مُصلاّه وإلى محرابه وإلى متهجده وإلى تسبيحه وتحميده وتلاوته.

﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى ﴾

 حقيقة الدنيا أنها دار عمل والآخرة دار جزاء، فالسرور الروحي مكانه الحقيقي في اليوم الآخر، أما في الدنيا العمل مقدم على المتعة الروحية، إذا لم يكن عمل فإذا فرغت فانصب، اقرأ واذكر وتهجد وصلِّ واستغفر وسبِّح واحمد وكبّر وهلِّل، هذه عبادة والعبادة لها شأنها في الإسلام، أما إذا خيرت بين عبادة (نفل) وخدمة فاختر الخدمة.

سبيل الجنة هو العمل الصالح :

 سيدنا ابن عباس كان في معتَكَفه، دخل عليه رجل رآه كئيباً، قال له: ما لي أراك كئيباً؟ قال: والله هي ديون لزمتني لا أطيق وفاءها، قال: لمن هي؟، قال: لفلان، قال: أتحب أن أكلمه لك، قال: إن شئت، فخرج من معتَكفه، فقال له رجل: أنسيت أنك معتكف؟ قال: لا والله، ولكن سمعت صاحب هذا القبر وأشار إلى النبي عليه الصلاة والسلام يقول: والله لأن أمشي مع أخي في حاجته خيرٌ لي من أن أعتكف شهراً، وفي قول: سنة.
 معنى ذلك أنك إذا خُيِّرت بين عمل صالح وبين اعتكاف أو ذكر أو تلاوة يجب أن تختار العمل الصالح، لأنك جئت إلى الدنيا من أجل العمل الصالح، والدليل أن الإنسان حينما يموت يقول: رب أرجعوني لعلي أعمل صالحاً، لكن العمل الصالح لا يكون إلا بالذكر، ما لم يكن لك صلة بالله وإقبال عليه لن تنطلق إلى العمل الصالح، إذاً لا بدّ من الموازنة كما بدأت القصة، لا بدّ من أن توازن بين العمل الصالح وبين التعبد، والإنسان لو أنه نظم وقته فجعل لله وقتاً ولعباده وقتاً ولأهله وقتاً ولجسده وقتاً، أعطى كل ذي حق حقه، إن لزوجك عليك حقاً، وإن لأهلك عليك حقاً، وإن لجسدك عليك حقاً فأعطِ كل ذي حق حقه.

﴿ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

 سبيل الجنة هو العمل الصالح، فلو أن الإنسان ترك الناس وانسحب من المجتمع وقبع في صومعة وتعبّد الله عز وجل الآن ضلّ الطريق إلى الله، لأن الطريق إلى الله في خدمة الخلق، الآخرة دار نعيم مقيم، الآخرة دار سعادة روحية أبدية ثمنها هذه الدنيا، فلو تعجل هذه السعادة الروحية قبل أوانها فقد ضل طريقها، هذه السعادة الروحية ثمنها العمل الصالح، ثمنها طلب العلم، ثمنها تعليم العلم، ثمنها خدمة الخلق، فإذا عزفت عن خدمة الخلق وطلب العلم وعن تعليم العلم وقبعت في مكان تتعبد ربما ضللت السبيل إلى الله عز وجل.
 الطريق إلى الله عز وجل أساسه العلم والعمل، هذا كلام دقيق، فكل من ترك العمل واعتمد على ذكره أو اعتمد على عبادته من دون عمل كانت مرتبته في الآخرة أقل بكثير من مرتبة العاملين، لقوله تعالى:

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 132]

الطريق الموصل إلى الله عز وجل هو الطريق الذي سلكه النبي عليه الصلاة والسلام:

 قال تعالى:

﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ﴾

 إذاً نحن نريد دائماً أن نصحح مسارنا، الخطر أن ينطلق الإنسان بقناعات ليس لها دليل، فهذا سلك هذا الطريق، آخر سلك غيره يا ترى أي طريق هو المجدي؟ أي طريق موصل إلى الله عز وجل؟ الطريق الموصل إلى الله عز وجل هو الطريق الذي سلكه النبي عليه الصلاة والسلام، قال عليه الصلاة والسلام:

((مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى اخْتِلَافاً كَثِيراً... فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَعَلَيْهِ بِسُنَّتِي))

[الترمذي عَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ]

 اختلاف بين جوهر الدين وبين ما آل إليه الدين، قد يصبح الدين في آخر الزمان حركات ورقص وحضرات، وقد يصبح أناشيدَ وطرباً، وقد يصبح فكراً فقط، فمن أدرك هذا الزمان فقال: عليكم بسنتي.
 عُودوا إلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام، الإسلام واسع جداً وفيه جانب علمي، وجانب سلوكي، وجانب عملي، وجانب انفعالي، فإذا ظننته أنه قلباً فقط فقد ضللت السبيل، سلوك فقط ضللت السبيل، فِكْر فقط ضللت السبيل، يجب أن تجمع بين الفكر وبين القلب وبين العمل، فكر متشبع بالعقيدة الصحيحة، تصوّر صحيح عن كل قضية في الدين، قلب مفعم بالإيمان من حب وإنابة وتوكل وتواضع، وسلوك منضبط وفق الشرع، فمن رجَّح السلوك وغفل عن قلبه فقد ضل سواء السبيل، من رجَّح القلب وترك العمل الصالح فقد ضل سواء السبيل، من اعتنى بعقله وفكره على حساب انفعالاته وسلوكه فقد ضل سواء السبيل.

الحق هو الشيء الثابت والباطل هو الشيء الزائل :

 نحن في هذه القصة المقصود التوازن، تحقيق التوازن بين متطلبات العقل والقلب والسلوك، قلب وعقل وسلوك هذه القوى الثلاثة مجتمعة فإذا طغت إحداهما على الأخرى فقد تركنا الأَولى، وربما انحرف بنا هذا التولي عن التوازن إلى ما لا تُحمد عقباه، ثم يقول الله عز وجل:

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ﴾

 معنى ما خلق السماوات والأرض باطلاً، الشيء الباطل هو الذي يعاكس الحق، عندنا الحق والباطل، نعرف الحق بأنه الشيء الثابت فالباطل الشيء الزائل، جدار اِبْنِهِ على الشاقول يدوم طويلاً، اِبْنِهِ بلا شاقول لا بدّ من أن يقع، فكل شيء بني على أساس من طاعة الله عز وجل فهو حق، أما إذا بُنِي على معصية فهو باطل، فالباطل الشيء الزائل، الحق الشيء الهادف، الباطل الشيء العابث، إذاً الباطل ما كان زائلاً وعابثاً أي لعباً، عمل بلا هدف وبلا أصول، بلا أصول سيقع وبلا هدف سيتلاشى بحكم انقضائه.
 إذاً ما هو الباطل؟ الشيء الزائل، أيُّ نظرية قائمة على الباطل لا بدّ من أن تزول ولو عمرت سبعين سنة، تتداعى وحدها، هناك اعتقاد باطل، هناك عادات باطلة، هناك شروط باطلة، هناك قوانين باطلة، الشيء الباطل ليس له أساس من الحق، والشيء الباطل ليس له هدف، هدفه محدود جداً، هدفه عبث لعب، فربنا عز وجدل منزه عن أن يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً، خلقهما بالحق والحق هو عكس الباطل، لكن هؤلاء الذين ظلموا وكفروا يظنون أنه خلقهما باطلاً.

القرآن يبين لنا أن الدنيا لم تُخلق عبثاً :

 قال تعالى:

﴿ ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ﴾

 أي هناك شيء أساسي جداً يفترق به أهل الحق عن أهل الباطل، يعتقد أهل الباطل أن الدنيا خلقت هكذا عبثاً، لماذا نحن هنا؟ لا ندري، قرأت في كتاب بالمقدمة لماذا نحن هنا؟ لا ندري لماذا نحن هنا، القرآن ينبئك يقول لك:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِي ﴾

[ سورة الذاريات: 56]

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

[ سورة الملك: 2 ]

﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

[ سورة الكهف: 7 ]

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

[ سورة هود:119]

 القرآن ينبئنا، أما إذا قلت: لا أدري ولا أعلم والدنيا خلقت عبثاً فهذا ظن الذين كفروا، هذه عقائد أهل الكفر.

﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ﴾

ظن الذين كفروا أن الله يعامل المؤمن كما يعامل أهل الفسق والفجور :

 ثم يقول الله عز وجل:

﴿ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ ﴾

 معقول إنسان آمن بالله وعمل عملاً صالحاً واستقام على أمره الله عز وجل يعامله في دنياه كما يعامل أهل الفسق والفجور، كما يعامل الكفار، كما يعامل المنحرفين، ذلك ظن الذين كفروا.

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

[ سورة الجاثية: 21 ]

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾

[ سورة السجدة: 18]

﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ﴾

[ سورة القلم: 35]

آيات تؤيد أن الفاسق والفاجر يبتليه الله ويدمره ويمحق ماله ويشقيه :

 هنا يقول الله عز وجل:

﴿ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾

 ثم إن الحوادث التي بين أيدينا والتي حولنا تنبئنا بهذه الحقيقة، مستقيم له معاملة خاصة، مستقيم له حفظ خاص الله عز وجل يحفظه ويؤيده ويوفقه وينصره ويسعده، والفاسق والفاجر الله عز وجل يبتليه ويدمره ويمحق ماله ويشقيه، وبين أيدينا آيات تؤيد هذه الحقائق:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

[ سورة طه: 124 ]

 لذلك الله عز وجل يقول:

﴿ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ* كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾

 هذا القرآن فيه خبر عن كل شيء، أي أنت كإنسان هذا القرآن خطاب لك، يعرِّفك بحقيقة الدنيا، يعرفك بحقيقة نفسك، يعرفك ماذا بعد الموت، ماذا كان قبل الموت، يعرفك بالطريق إلى الله عز وجل، يعرفك بطريق الإيمان بالله، بطريق القرب منه.

القرآن الكريم لا تقطف ثماره يانعة إلا إذا عملت بأحكامه :

 هذا الكتاب كتابنا المقرر، هذا الكتاب تعليمات الصانع، هذا الكتاب حبل الله المتين، هذا الكتاب هو الصراط المستقيم، هذا الكتاب هو الدستور، هذا الكتاب كتاب مذكرة إيضاحية للإنسان، فلذلك:

﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ ﴾

 كله خير، إن قرأته خير، إن حفظته خير، إن أتقنت تلاوته خير، إن فهمته خير، إن عملت به خير، ولكن لا تقطف ثماره يانعة إلا إذا عملت بأحكامه.

﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ ﴾

 أي قراءة مع تدبر، قراءة مع تبصر، قراءة مع تأمل، قراءة مع مدارسة، أما هذه القراءة:

(( رُبَّ تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه ))

[ ورد في الأثر]

 الإنسان يتلو ويعصي، يتلو ولا يتقيد بالشرع، يتلو ويأكل مالاً حراماً:

(( رُبَّ تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه ))

[ ورد في الأثر]

﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ*وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾

 هذه قصة أخرى، لكن هذه القصة تقع في الطرف الأخر، نبي كريم ابن هذا النبي الكريم سلك سلوكاً آخرَ حينما آثر حب الخير على ذكر الله عز وجل، فالقصد هو التوازن.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018