الدرس : 38 - سورة الأنعام - تفسير الآية 101، الإنسان فقير إلى الله - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 38 - سورة الأنعام - تفسير الآية 101، الإنسان فقير إلى الله


2005-09-16

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
 أيها الأخوة الكرام ، مع الدرس الثامن والثلاثين من دروس سورة الأنعام .

الله سبحانه وتعالى سمح لذاته العلية أن يوازنها مع خلقه :

 مع الآية الواحدة بعد المئة ، وهي قوله تعالى :

بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101)

 أيها الأخوة ، معنى بديع أنه خلق السماوات والأرض على غير مثال سابق ، الإنسان في كل مخترعاته رأى شيئاً في الطبيعة فقلده ، فإن صنع الغواصة فتقليداً للسمكة ، وإن صنع الطائرة فتقليداً للطائر ، وإن اكتشف العجلة فرأى شجرة تتدحرج فانطلقت من هذه الصورة فكرة العجلة ، فأي شيء تصورته هو مأخوذ من شيء سابق .
 إذاً الإنسان حينما يصنع شيئاً ، أو حينما يدعي أنه اخترع شيئاً فلا بد من مثال سابق كان في مخزونه ، ومن هنا انبثق هذا الشيء ، فالإنسان مثلاً خلق شيئاً تجاوزاً أقول : من كل شيء ، شيئاً من كل شيء ، لكن خالق السماوات والأرض خلق كل شيء من لا شيء ففرق كبير بين أن تقول : الإنسان صنع شيئاً من كل شيء ، وبين أن تقول : إن الله خلق كل شيء من لا شيء ، إذاً هو

﴿ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 لكن الله سبحانه وتعالى سمح لذاته العلية أن يوازنها مع خلقه فقال :

فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)

( سورة المؤمنين )

الموازنة بين خلق الإنسان وخلق خالق الأكوان :

 الإنسان كيف سماه الله خالقاً ؟ سماه خالقاً مجازاً ، لأنه اخترع آلة تصفية للكلية حجمها بحجم هذه الطاولة ، ويجب أن يستلقي المريض إلى جانبها ثماني ساعات ، ولا تستطيع هذه الآلة مهما دقت وتطورت أن تنقي الدم من حمض البول كلياً ، لا بد من نسبة تبقى ، وهذه النسبة تسبب آلام وشدة نفسية وكآبة ، لكن هذه الكلية التي خلقها الله عز وجل تعمل بصمت ، وبلا ضجيج ، ودون أن تعطلك عن عملك ، وأنت تعمل ، وأنت تسافر ، وأنت في مكتبك ، وفي معملك ، وفي الطريق ، تمشي الكلية تعمل ، والدم يقطع فيها طريقاً طوله مئة كم ، يقطعه في اليوم خمس مرات دون كلل أو ملل ، واحتياطي الكلية عشرون ضعفاً ، الكلية الواحدة فيها احتياطي عشرة أضعاف حاجة الإنسان إلى التصفية ، فلو وازنت بين كلية صناعية بحجم هذه الطاولة ، ولا تؤدي مهمتها تماماً ، وهي عبء على الإنسان لا بد من أن يستلقي إلى جانبها ساعات طويلة ، ولا بد من أن يدفع كل جلسة تقريباً ثلاثة إلى أربعة آلاف ليرة بأسعار مخفضة ، وفي الأسبوع مرتين أو ثلاثة .
 أما الكلية التي أودعها الله في الإنسان فحجمها كحجم البيضة ، تعمل بانتظام ، بصمت ، بلا ضجيج ، بلا صوت ، فلو وازنت بين كلية صناعية وكلية طبيعية لعرفت معنى قوله تعالى :

﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾

 لو وازنت بين عين ، هذه العين التي ترى بها رؤية شفافة شفافية تامةً ، لأن قرنية العين زودها الله بطريقة متميزة في التغذية ، فقرنية العين طبقة شفافة لا تتغذى عن طريق الشعريات كأي نسيج من جسم الإنسان ، بل تتغذى عن طريق الحلول ، أي التسرب من أجل أن تكون رؤيتك صافية تامةً بشفافية تامة ، هذا من تقدير الله عز وجل .
 أما الشبكية فتقريباً حجمها ميليمتر وربع ، فيها مئة وثلاثون مليون مخروط وعصية ، بينما بأحدث آلة تصوير رقمية احترافية بالميليمتر مربع لا تزيد مستقبلات الضوء على عشرة آلاف ، أما في شبكية العين ففي الميليمتر المربع مئة مليون مستقبل ضوئي ، من أجل أن تفرق بين ثمانية ملايين لون ، ولو أن اللون الواحد درج إلى ثمانمئة ألف درجة لاستطاعت العين السليمة التفريق بين درجتين

﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾

﴿ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

 لو ذهبنا نتحدث عن الموازنة بين خلق الإنسان وخلق خالق الأكوان ، ذاكرة الإنسان لا يزيد حجمها على حبة العدس ، إنسان عاش ستين سنة تقريباً ، في ذاكرته ستون مليار صورة مرتبة ترتيباً دقيقاً ، هناك صور تستدعيها مباشرة ، هناك صور تخزن في مكان بعيد قلمَا تحتاجها ، هناك صور تمحى ، إنسان سافر إلى بلد ، وأخذ رقم هاتف ، وهو لا ينوي التعامل مع هذه الشركة ، الرقم يمحى فوراً ، هناك تثبيت ، وأولويات ، وترتيب ، ثم محو ، لو وازنت بين العين وآلة التصوير .

 

الفرق بين صنعة الله عز وجل وصنعة الإنسان :

 لو وازنت بين هذه الأذن ، ما في الأرض جهاز واحد يكبّر الصوت ويخفضه في آن واحد ، يقوم بمهمتين متناقضتين ، فإذا كان الصوت ضعيفاً فآلية الأذن تكبر هذا الصوت ، وإذا كان الصوت عالياً جداً فآلية الأذن تضعف هذا الصوت

﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾

 أعلى طبيب أسنان مهما تقدمت خبرته فلا بد من أن يخدر المريض كي يقلع سنه، التخدير يريحه من ألم قلع السن ، لكن إدخال إبرة المخدر في اللثة مؤلم جداً ، أما أن تجد طفلاً صغيراً يفاجأ أن سنه مع طعامه ، كيف قلع سنه من دون ألم إطلاقاً ؟ هذا لطف الله عز وجل ، هذا مجال واسع جداً لكي توازن بين صنعة الله عز وجل وصنعة الإنسان .
 الحليب في ثدي المرأة جاهز ، ساخن شتاء بارد صيفاً ، معقم ، نسبه تتبدل في أثناء الرضعة الواحدة ، هل بالإمكان أن نصنع حليباً ، نضعه في قارورة ، نعطيه للطفل في البداية 60 % ماء 40 % دسم ، في نهاية الرضعة 60 % دسم 40 % ماء ، فوق طاقة البشر .
 الله عز وجل يقول :

﴿ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 والله عندي موسوعة من أضخم الموسوعات العلمية مقسمة إلى أجزاء متعلقة بمفردات العلم ، فأحد هذه الأجزاء متعلق بالطيور ، كتبتْ كلمة في المقدمة : إن أرقى طائرة صنعها الإنسان لا ترقى إلى مستوى الطير ،

﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾

 الطير يطير ستاً وثمانين ساعة بلا توقف ، نحن أعلى طائرة سبع عشرة ساعة بلا توقف ، ست وثمانون ساعة بلا توقف ، ولا يزال موضوع اهتداء الطيور إلى أهدافها شيء فوق إمكانية العقل البشري ، وضعت عشرات الفرضيات ، ولم تنجح فرضية واحدة ، كيف يهتدي الطير إلى عشه ؟ طير له عش في حي الشيخ محي الدين في بيت بناؤه قديم ، وسافر إلى جنوب إفريقيا بالشتاء ، الآن يعود الطير إلى دمشق ، فلو أخطأ في درجة واحدة في الطيران لجاء في تونس ، لو أخطأ بدرجة أخرى لجاء في بغداد درجة واحدة ينتقل شرقاًً أو غرباً ، كيف يهتدي إلى دمشق ؟ ثم إلى الشيخ محي الدين ، ثم إلى هذا البيت ، هل عن طريق معالم الطبيعة ؟ يمشي في الليل عن طريق المغناطيس ؟ وضع الطير في حقل مغناطيسي مخالف لهدفه ، فتابع السير باتجاه الهدف ، يا ترى رحلة ثابتة شمال جنوب ، جنوب شمال ؟ أخذت الطيور إلى الشرق من بريطانيا إلى الهند ، ووضعت علامات في أرجلها فإذا هي في بريطانيا ، ولا تعرف الطريق سابقاً .
 لذلك ما من فرضية وضعت لاهتداء الطيور إلا نقضت ، إلى أن توصل عالم إسلامي إلى أن الله يتولى بذاته هداية الطير إلى هدفه :

مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ

( سورة الملك الآية : 19 )

أكبر شيء ثابت في الإيمان هذا الكون :

﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

 كلما تقدم العلم ظهرت حقائق مذهلة ، فهذا معنى قوله تعالى :

﴿ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 من قال : إن الطفل حينما يولد ، وقد درسنا في الجامعة في علم نفس الطفل أن الطفل لا يزود بأي قدرة ، ولا مهارة ، ولا خبرة في أي شيء ، كل خبراته ، وكل مهاراته ، وكل إمكاناته يكتسبها بعد أن يولد ، إلا منعكساً واحداً بالغ التعقيد ، لولا هذا المنعكس لما كنا في هذا الجامع ، ولا ما كان الجامع أصلاً ، ولما كانت دمشق ، ولما كان العالم ، منعكس بسيط ، آلية معقدة جداً يزود بها الطفل ، ويستخدمها بعد الولادة مباشرة ، منعكس المص ، هل تستطيع وأنت أكبر عالم ، وأكبر مربٍّ أن تقنع طفلاً ولد لتوه ، الآن ، أن يا بني ضع فمك على ثدي أمك ، وأحكم الإغلاق ، وإياك أن يتسرب الهواء في أثناء المص ، عندئذٍ لا يأتي الحليب ، أحكم الإغلاق ، واسحب الهواء يأتيك الحليب ، هل من قوة في الأرض تقنع طفلاً ولد الآن كيف يمسك ثدي أمه ؟ آلية معقدة جداً ، جُبل بها الإنسان بشكل آلي ، وفي حالات نادرة الطفل لا يزود بهذه الآلية فيموت ، ما من طريق إلى حياته .
 الحديث عن جسم الإنسان ، وعن خلق الأكوان ، وعن الأطيار ، وعن الأسماك ، وعن النباتات ، وعن البحار ، وعن الجبال ، هذا الكون بين أيديكم كتاب مفتوح ، قرآن صامت ، أكبر شيء ثابت في الإيمان هذا الكون ، بأفعال الله عز وجل تتزلزل ، شعوب مقهورة ، وحروب ، واكتساح ، وجرائم ، وظلم عام ، بأفعال الله لا تستطيع أن تفهمها إلا في ضوء القرآن ، وفي ضوء الكون ، أما الثابت الأول الذي يخضع له كل إنسان في كل مكان هو الكون ، أكبر دعامة لإيمانك هذا الكون ، كتاب مفتوح ينطق بعظمة الله ، ينطق بوحدانيته، ينطق بوجوده ، ينطق بقدرته ، ينطق برحمته ، ينطق بعلمه ، ينطق بعظمته ، هذا الكون هو أقرب طريق إلى الله بالتفكر في خلق السماوات والأرض ، وأوسع باب ندخل منه على الله ،

﴿ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

الله سبحانه وتعالى سخر هذا الكون تسخير تعريف وتكريم :

 لماذا صمم الشعر بلا أعصاب حس ؟ لو كان الشعر فيه عصب حسي لقلت لنا : والله أنا ذاهب للمستشفى لأجري عملية حلاقة ، لا بد من تخدير شامل ، أو يكون كالوحش ، أما أن تزود الأشعار بأعصاب حركة ، كل شعرة فيها وريد ، وشريان ، وعصب حركي ، وعضلة ، وغدة دهنية ، وغدة صبغية ، لكن ما فيها عصب حسي ، ولا في الأظافر عصب حسي ، من صمم الإنسان هكذا ؟

﴿ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 من صمم العين فيها مادة مضادة للتجمد ؟ فأي مكان درجته تحت العشرة في المئة في احتمال أن يفقد الإنسان بصره لتجمد ماء العين ، إلا أن الله سبحانه وتعالى أودع في العين مادة مضادة للتجمد ،

﴿ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 من صمم أن كل عنصر في الأرض له درجة انصهار خاصة ؟ لو أن كل العناصر ـ المئة والثلاثون ـ فيما أعلم تنصهر بدرجة واحدة لرأيت الكون كله غازاً ، أو سائلاً ، أو صلباً ، أما الطاولة صلبة ، هواء تستنشقه ، ماء سائل تشربه ، مادة طرية كالكوشوك تستعملها ، من الممكن أن يصبح البازلت بخاراً ، غازاً ، نظرياً الآن البراكين هي سائل ، البازلت يحتاج إلى آلاف الدرجات كي ينصهر ، لكن يمكن أن ينصهر بالنهاية ، ويمكن أن يتبخر ، يعني في بازلت غاز ، لكن هذا شيء مستحيل في عالم الأرض ، أما قاعدة عامة : أي عنصر بالتسخين يتمدد ، بالتبريد ينكمش ، معنى بالتسخين أي حركة ذراته تتسارع وتتباعد ، وبالتبريد حركة ذراته تتباطأ وتتقارب ، فأي غاز ممكن أن يصير صلباً ، والدليل الغاز الذي نستعمله ، هو سائل بالقارورة يمكن أن يتجمد ، أي شيء ينتقل من حالة الصلابة إلى الميوعة إلى الغازية ، أما أن تجد في الأرض في آن واحد هواء ، غازات ، ومواد سائلة كالماء ، والسوائل كلها ، ومواد صلبة كالحجارة والحديد .
 مرة ثانية أيها الأخوة ، الكون قرآن صامت ، الكون كتاب مفتوح ، الثابت الأول في الإيمان ، أي اعتراض على الدين ، أي نقض لآية في زعم الواهمين ، أي اعتراض على السيرة ، أي اعتراض على حكم فقهي ، يمكن أن يأتي إنسان ذكي ، ويكشف ملمحاً يعده نقصاً في آية أو في حديث ، وهذا شيء موجود ، أما الكون فيخضع له كل العلماء ، لذلك هذا أكبر عالم فيزيائي أينشتاين الذي جاء بالنظرية النسبية ، هذا يقول : كل إنسان لا يرى في هذا الكون قوة هي أقوى ما تكون ، عليمة هي أعلم ما تكون ، حكيمة هي أحكم ما تكون ، رحيمة هي أرحم ما تكون ، هو إنسان حي ولكنه ميت ، فحياتك في معرفة الله ، وتحقيق أهدافك في معرفة الله ، وتحقيق الهدف الذي خلقت من أجله هو معرفة الله ، لأن الله سبحانه وتعالى سخر هذا الكون تسخير تعريف وتكريم ، تعريف بذاته ، وبقدرته ، وبأسمائه الحسنى ، وتكريم كي ننتفع به في الدنيا .
 أي شيء خلقه الله له وظيفتان ، وظيفة إرشادية ، ووظيفة نفعية ، فإن انتفعت بوظيفته الإرشادية فقد حققت الهدف الأكبر من هذا الشيء ، وإن لم تنتفع بالوظيفة الإرشادية وانتفعت بالوظيفة المادية حققت الهدف الأصغر .

 

أي شيء خلقه الله له وظيفتان :

 أي شيء خلقه الله له وظيفتان ؛ وظيفة إرشادية ، ووظيفة نفعية ، فإن انتفعت بوظيفته الإرشادية فقد حققت الهدف الأكبر من هذا الشيء ، وإن لم تنتفع بالوظيفة الإرشادية وانتفعت بالوظيفة المادية حققت الهدف الأصغر .
 العالم الغربي انتفع إلى أعلى درجة بالوظيفة النفعية للأشياء ، أما المؤمن فينبغي أن ينتفع الانتفاع الأكبر بالوظيفة الإرشادية .
 للتقريب : إنسان فقير جداً ، لا يملك أن يشتري لعقة عسل ، ولم يذق العسل في حياته ، لكن وجد مقالة في مجلة عن النحل ، وعن عظمة هذه الحشرة ، فدمعت عينيه تعظيماً لله عز وجل ، هذا الإنسان الذي لم يذق طعم العسل حقق الهدف الأكبر من خلق العسل ، مع أنه لم يذقه ، والذي يتفنن في شراء أنواع العسل هذا من الزهر الفلاني ، ولم يفكر في هذا الشيء الذي خلقه الله عز وجل عطل الهدف الأكبر من خلق العسل ، فالتفكر في الكون هو تحقيق للهدف الإرشادي ، فلذلك الله عز وجل قال :

مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً (147)

( سورة النساء )

 كل شيء خلقه الله له هدف إرشادي وهدف نفعي ، فالهدف الإرشادي موقفك منه أنك تؤمن بالله ، والهدف النفعي موقفك منه أن تشكر الله ، فأنت إذا آمنت وشكرت حققت الهدف الأكبر من وجودك وعندئذٍ تتوقف المعالجة ،

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾

 أنت إذا آمنت وشكرت حققت الهدف الأكبر من وجودك .
 يا أيها الأخوة الكرام ، مجال الكون واسع جداً ، بالعين المجردة يمكن أن ترى عشرة آلاف نجم بالمراصد طبعاً ، لكن الآن هناك أخبار ـ والله ـ وقع تحت يدي موسوعة علمية ، طبعاً موسوعة موثقة ، الرقم الذي سمعته من هذه الموسوعة صوتاً وصورة ، أن هناك ثلاثة آلاف مليار مجرة ، وكل مجرة فيها ملايين مَلايين الكواكب والنجوم ، لذلك :

 

وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47)

( سورة الذاريات )

آيات التفكر والتعقل في القرآن تقترب من ألف آية :

 هذا الإله العظيم ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟ ألا يطاع أمره ، ألا يجتنب نهيه ؟ إلى أين نذهب ؟

مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (154)أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (155)

( سورة الصافات )

 آيات التفكر والتعقل في القرآن تقترب من ألف آية ، والعقل مناط التكليف ، فكر من أين ؟ وإلى أين ؟ ولماذا ؟

﴿ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 هذا الإله العظيم هل يحتاج إلى ولد ؟ أنت بحاجة إلى ولد ، لأن :

كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26)

( سورة الرحمن )

 الإنسان مجبول على حب وجوده ، وعلى حب سلامة وجوده ، وعلى حب كمال وجوده ، وعلى حب استمرار وجوده ، فالإنسان يتصور أنه إذا مات وله ولد يخلفه من بعده يأخذ هذا المال الذي جمعه في عمره المديد ، يتابع ذكرى اسمه ، الآن كل الناس تقريباً إذا جاءه ولد ، والولد جاءه ولد ، يسمي ولد الولد باسم الجد ، أكثر الأطباء يكتب اسمه واسم أبيه، فلان فُلان الفلاني ، لأن الأب يحب أن يستمر ذكره في أحفاده ، أنت بحاجة إلى استمرار ، والموت ينهي الاستمرار ، فلا بد من استمرار عن طريق الأحفاد ، والذي لم يأته ولد يتألم ، مع أن الله سبحانه وتعالى حكيم عليم ، لو كشف الغطاء لاخترتم الواقع .
 والله أيها الأخوة ، للإمام علي كرم الله وجهه كلمتان لا أنساهما ، الأولى : " والله لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً " ، أي يقينه بحكمة الله ، ويقينه برحمة الله ، ويقينه بعطاء الله، ويقينه بالدار الآخرة قبل كشف الغطاء كيقينه بعد كشف الغطاء ، أما القول الثاني : " والله لو علمت أن غداً أجلي ما قدرت أن أزيد في عملي " ، أي ماشي بأقصى سرعة ، لو علمت أن غداً أجلي ما قدرت أن أزيد في عملي .

 

الإنسان فقير إلى الله :

 إذاً هذا الإله العظيم هل يحتاج إلى ولد ؟! نحن كبشر نحتاج إلى ذرية ، متوهمين أن هذه الذرية تتابع ذكرنا بعد موتنا ، لكن ورد في بعض الآثار القدسية :

(( أن عبدي أعطيتك مال فماذا صنعت فيه ؟ ـ لا كذب في الآخرة ـ يقول : يا رب لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي ، فيقول الله له : ألم تعلم بأني الرزاق ذو القوة المتين ؟ إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم ، يقول لعبد آخر : أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ يقول : يا رب أنفقته على كل محتاج ومسكين لثقتي بأنك خير حافظاً وأنت أرحم الراحمين ، فيقول الله له : أنا الحافظ لأولادك من بعدك ))

[ ورد في الأثر ]

 إذاً هذا الإله العظيم لا يحتاج إلى ولد ، لأنه حي باقٍ على الدوام ، والإنسان بحاجة إلى ولد لهدف آخر ، أول هدف استمرار له ، واستمرار لذكره ، لكن الإنسان حينما تتقدم به السن يضعف ، يحتاج إلى ابن قريب منه يعينه على حاجاته في الدنيا ، أو يرعاه في مرضه ، أو في شيخوخته ، وفي افتقاره أحياناً ، الإنسان دائماً يقول لك : أنا عندي خمسة أولاد ، عندما يكبر يقول لك : أنا عند ابني ، كان ابنه عنده فأصبح الأب عند ابنه ، والآية :

إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا

( سورة الإسراء الآية : 23 )

 الأب الشاب ليس بحاجة إلى ابنه ، لكن إذا تقدمت به السن وضعفت قواه توقف دخله ، فهو بحاجة ماسة لأولاده ، إذاً :

﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا ﴾

 فالإنسان بحاجة إلى ابنه مرتين ، مرة ليعينه في شيخوخته ، ومرة ليتابع ذكره بعد موته ، هذا شأن الإنسان ، هل هذا شأن الواحد الديان ؟ مستحيل ، لذلك :

﴿ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ ﴾

 شيء آخر ،

﴿ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ ﴾

 الإنسان من أنواع ضعفه ، أحد أنوع ضعفه أنه مفتقر لله في وجوده ، وفي أجهزته ، وفي سمعه وبصره ، وفي نطقه ، وفي عقله، تجد إنساناً فقد ذاكرته ، ذرة من الدم لا ترى بالعين دخلت في وعاء في الدماغ قريب من الذاكرة ، لا يعرف ابنه .
 كان ثمة صيدلاني في الشام ، دخل عليه ابنه ، قال له : من أنت ؟ اتصل بأحد الأخوة الكرام ، ولده صديقي ، قال لي : والدي فقد ذاكرته ، خرج من معمله بقي ثلاث ساعات يبحث عن بيته ، ما عرف أين بيته ؟ ذرة من الدم تجمدت في مكان من الدماغ ، بمكان آخر تفقد الحركة ، بمكان ثالث تفقد النطق ، بمكان رابع تفقد التوازن ، دقة الإنسان هائلة جداً ، فالإنسان فقير إلى الله .

 

هناك فقر ثان وهو الافتقار إلى زوجة أو زوج :

 لكن هناك فقر ثان ، أيضاً فقير لزوجة ، الحقيقة لا يُستحيا بها ، كل إنسان بحاجة إلى زوجته ، وكل أنثى بحاجة إلى شاب يتزوجها ، شئنا أم أبينا ، هكذا نحن مصممون ، الله عز وجل قال :

وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا

( سورة الروم الآية : 21 )

 فهي تسكن إلى زوجها ، تكمل نقصها القيادي به ، تحتاج إلى رجل يحميها ، ويدافع عنها ، ويطعمها ، يقدم لها كل شيء ، ويحقق لها حاجتها من الرجل ، والرجل بحاجة إلى أنثى يسكن إليها ، أنا ألاحظ هذا الشيء ، عندما ينشأ لأخ خلاف مع زوجته ، وزوجته تذهب إلى بيت أهلها ، بعد شهر شهرين يشعر هذا الشاب أن وضعه غير طبيعي ، فيه اضطراب شديد ، أنه مفتقر إلى زوجته ، لذلك أيها الأخوة هذه كلمة أقولها لكم بصدق : لا أحد يكفر بنعمة الزوجة ، لا لأتفه سبب تخرجها من بيتك ، ولا امرأة تكفر بنعمة الزوج .
 والله مرة لي قريبة مستواها المالي يفوق حد الخيال ، قالت مرة لإحدى قريباتها : أتمنى أن يقدم على الزواج مني أي إنسان مهما كان في مهنة متدنية ، بحاجة إلى زوج ، فهل الله عز وجل بحاجة إلى صاحبة ؟ نحن بحاجة ، هكذا الله خلقنا ، نحن بحاجة إلى زوجة ، والزوجة بحاجة إلى زوجها ، وعندما الزوج يبتعد عن زوجته ، ولا يلتفت إليها ، ولا يقدم لها المودة والمحبة تتألم ألماً لا حدود له ، فأنت لست مفتقراً إلى الله فقط ، بل مفتقر إلى طرف آخر يكمل نقصك ، الله عز وجل يصدق عليه هذا ؟ مستحيل ،

﴿ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

 فلذلك :

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً (43)

( سورة الإسراء )

نظام الأبوة وحده أكبر دليل على عظمة الله :

﴿ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 هو خلق الزواج ، هو صمم الرجل أن يكون مفتقراً لزوجة ، هذا من خلقه ، نظام الزواج من خلق الله عز وجل ، أن يكون كل شيء له زوج مفتقر إليه ، هذا القانون من قننه ؟ الله عز وجل ، لا تنطبق عليه .
 إذا أمر المعلم فرضاً الطلاب أن يرتدوا ثياباً معينة في العام الدراسي الجديد ، هل هذا الأمر ينطبق عليه ؟ مستحيل . فالله هو الآمر ، هو المقنن ، هو المشرع ، هو البديع ، فهذا النظام نظام الزوجية من إبداع الله عز وجل ، فكيف نعرف الله ؟

 

لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1)وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2)وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3)

( سورة البلد )

 نظام الأبوة وحده أكبر دليل على عظمة الله ، هناك إنسان ليس بحاجة إليك ، لكنه يريد أن تكون أنت في سعادة ، هو الأب .
 مرة قال لي صاحب معمل أب كريم ، قال لي : أنا أجير عند أولادي ، قال لي : أنا في هذا السن يكفيني عشرة آلاف في الشهر ، أعمل ليل نهار ، وأتحمل مسؤوليات ، من أجل أن أربي أولادي ، وأن أزوجهم ، وأسعى لهم إلى مستقبل مشرق .
 من أودع بقلب الآباء هذه المحبة ؟ لذلك قالوا : محبة الآباء للأبناء طبع ، لذلك ما من آية واحدة بالمواريث توصي الآباء بأولادهم ، مستحيل أن يصدر قرار عن وزير الداخلية يقتضي أن على كل مواطن أن يتناول طعام الفطور ، لا معنى له هذا القرار ، لأنك أنت تجوع صباحاً ، تناول الطعام جزء من طبعك ، وكل شيء طبعي لا يحتاج إلى تشريع ، لذلك لا تجد في القرآن ولا في السنة آية توصي الآباء بأولادهم ، لكن آيات كثيرة توصي الأبناء بآبائهم ، رعاية الآباء تكليف يحتاج إلى كلفة إلى جهد ، لأن الشاب مصلحته مع زوجته ليس مع والده ، إذا كان مهتم بوالده بدافع إيمانه ، ودافع محبته لله ، ودافع أمر الله له ، فاهتمام الأبناء بالآباء تكليف بنص القرآن والحديث ، أما أنت لو ذهبت إلى مستشفى الأطفال تشاهد منظراً مذهلاً ، السافرة ، والمؤمنة ، والكافرة ، والفاجرة ، والمثقفة ، والغير مثقفة ، والمحجبة ، والمتفلتة ، الكل يبكي ، والابن بيدهم ، لذلك :

وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي

( سورة طه الآية : 39 )

المودة والرحمة بين الزوجين من خلق الله عز وجل :

 طبعاً هناك مثل صارخ أنا أرويه دائماً لأنه واضح جداً ، ورد في الآثار أن سيدنا موسى مر بأم تخبز على التنور ، وابنها وضعته إلى جانب التنور ، وكلما وضعت رغيفاً في هذا الفرن مسكت ابنها ، وضمته ، وشمته ، وقبلته ، فتعجب هذا النبي الكريم من هذه الرحمة التي في قلب الأم ـ هذه القصة رمزية ـ قال : يا رب ، ما هذه الرحمة ؟ فقال الله له : هذه رحمتي أودعتها في قلب أمه وسأنزعها ، فلما نزع الله الرحمة من قلب الأم بكى فألقته في التنور ، وارتاحت منه .
 والله لولا أن في قلوب الآباء والأمهات رحمة لقتل الأب ابنه ، وتخلص منه ، الابن عبء ، أما لأن في الأب رحمة فيعمل ليلاً نهاراً من أجل أولاده ، لذلك العقوق أنا أعده أكبر جريمة يقترفها الإنسان إذا عق والده ، كان سبب حياته ، وقلب الأب وقلب الأم ، أنت لا تعرف الله إلا من قلب الأب والأم ، للتقريب فقط ، لا يحتاجك إطلاقاً ، لكن هو حريص عليك رحيم بك ، يتمنى إسعادك .
 أيها الأخوة الكرام ،

﴿ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

 لأنه بديع السماوات نظام الزوجية ، نظام الأبوة ، نظام الولد ، نظام الصاحبة ، من خلق الله عز وجل .

وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً

( سورة الروم الآية : 21 )

 يمكن لإنسان أن يخطب فتاة ، يعقد القران ، ويسافر في اليوم الثاني ، وتبكي بالمطار بكاء ما بعده بكاء ، عمر العقد كله يوماً واحداً ، هكذا ، المودة والرحمة بين الزوجين من خلق الله عز وجل :

بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101)ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102)

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018