الدرس : 17 - سورة الأعراف - تفسير الآيات 34 – 36 ، أرسل الله تعالى الرسل من جنس البشر حتى تكون لهم حجة عليهم - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 17 - سورة الأعراف - تفسير الآيات 34 – 36 ، أرسل الله تعالى الرسل من جنس البشر حتى تكون لهم حجة عليهم


2007-06-22

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم ، إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

مقدمة :

أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس السابع عشر من دروس سورة الأعراف ، ومع الآية الخامسة والثلاثين ، وهي قوله تعالى :

 

﴿ يَا بَنِي آَدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

أيها الإخوة ، بعد أن بين الله لنا في الآيات السابقة أنه أحل لنا الطيبات ، وحرم علينا الخبائث ، وأعطانا منهجاً يضمن لنا سلامتنا كأفراد وكمجتمع ، ثم طمئننا أن الأمة الطاغية لها أجل .

 

﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾

( سورة الأعراف الآية : 34 )

بعد كل هذا خاطب بني آدم عامة ، والقرآن أحياناً يخاطب المؤمنين بفروع الدين ، ولكنه يخاطب الناس جميعاً بأصول الدين ، خاطب ربنا جل جلاله في هذه الآية بني آدم :

﴿ يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ ﴾

تقتضي رحمة الله عز وجل ألاّ يدع عباده من دون توجيهات ، لأن الله سبحانه وتعالى خلق :

 

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾

( سورة التين )

هذا الذي منحه الله لك أيها الإنسان لتهتدي إليه :

الكون ينطق بوحدانية الإله
أعطاه الكون ينطق بكل جزئياته بوجود الله ووحدانيته وكماله ، أعطاه العقل كأداة معرفته ، وجعل مبادئه متوافقة مع خصائص الكون ، أعطاه الفطرة ، وجعلها مقياساً يكشف بها خطأه ، أودع فيه الشهوات لتكون دافعاً له إلى رب الأرض والسماوات ، منحه حرية الاختيار ليثمن عمله ، أعطاه الوقت غلاف عمله ، وفضلاً عن كل ذلك ، فضلاً عن أن العقل كافٍ لمعرفة الله ، وعن أن الكون مظهر لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى ، وعن أن الفطرة كافية لمعرفة الخطأ ، وعن أن الشهوة دافعة إلى الله عز وجل ، وعن أن الحرية تُثمن عمله فضلاً عن كل ذلك أرسل الأنبياء ، وأرسل المرسلين ، هؤلاء من فضل الله على البشر .

 

﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾

( سورة آل عمران الآية : 164 )

للتقريب : منح أب ابنه كل شيء ، وضعه في أرقى مدرسة ، وهيأ له كل الأجواء المناسبة من أجل أن ينال الدراجات العالية ، وفضلاً عن كل ذلك هيأ له أستاذاً خاصاً يأتيه إلى البيت .

من رحمة الله بعباده : يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ

لذلك :

﴿ يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ ﴾

أولاً : الله عز وجل رحيم ، تقتضي رحمته أن يبعث الأنبياء ، وأن يرسل المرسلين تنبيهاً ، وإرشاداً ، وتوجيهاً ، للتقريب مرة ثانية :
أب جالس في غرفته ، والمدفأة مشتعلة ، وله ابن صغير ، واقترب من المدفأة هل في الأرض كلها أب يبقى ساكتاً ؟ أو يبقى جالساً ؟ مستحيل ألاّ يسديَ إليه توجيهًا ، إما بصوت أو بحركة ليبتعد ابنه عن المدفأة ، لئلا يحترق .
لذلك أنت في الصلاة تقول : الحمد لله رب العالمين ، تقتضي رحمة الله عز وجل أن يبعث الأنبياء ، وأن يرسل المرسلين .
وأحياناً شيء طبيعي جداً أن الناس يتفلتون من منهج الله ، ويألفون الانغماس في الشهوات ، لا يعجبهم أن يقيدوا بمنهج ، المنهج يزعجهم ، يقيد حركتهم ، هم غارقون في ملذاتهم ، غارقون في شهواتهم ، غارقون في تحقيق مصالحهم ، فإذا جاء منهج إلهي الذي يحدد لهم حركته في الأعم الأغلب يكذبون الرسول .

 

﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً﴾

( سورة الرعد الآية : 43 )

لكل رسول معجزة تشهد لرسالته :

لذلك لا بد لهذا الإله العظيم من أن يؤيد رسوله الكريم بشهادة منه عن طريق المعجزات ، فكل نبي معه معجزة فيها خرق للمعجزات ، هذا الخرق شهادة الله للناس أن هذا الإنسان رسول الله ، فسيدنا موسى :

 

﴿ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾

( سورة الأعراف )

وسيدنا عيسى أحيا الميت ، وسيدنا إبراهيم أُلقي في النار فلم يحترق ، ولكل نبي معجزة .

القرآن بإعجازه شهادة للرسول بصدق نبوته :

القرآن المعجزة الخالدة
إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام لأنه خاتم الأنبياء والمرسلين ، ولأنه لكل البشر أجمعين ، ولأن كتابه خاتم الكتب ، فلا يمكن أن تكون معجزته حسية ، بمعنى أنها وقعت وانتهت ، وأصبحت خبراً يصدقه من يصدقه ، ويكذبه من يكذبه ، لا بد من أن تكون معجزة النبي لأنه خاتم الأنبياء ، ولأنه خاتم الرسل ، ولأن كتابه خاتم الكتب من أن تكون مستمرة .
لذلك كان في القرآن الكريم 1300 آية تتحدث عن الكون ، وفي هذه الآيات إشارات فيها سبق علمي ، فالحقائق التي اكتشفت حديثاً أشار القرآن إليها من 1400 عام وهي دليل قطعي على أن القرآن كلام الله .
إذاً : رحمة الله تقتضي أنه إذا أرسل رسولاً ، أو بعث نبياً معه شهادة من الله الشهادة :

﴿ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ﴾

﴿ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾

( سورة الأعراف )

الشهوات حيادية ومقوم من مقومات التكليف :

فقصة النبوة والأنبياء تعني رحمة الله عز وجل ، تعني أن هذا الإنسان زوده الله بالشهوات ، الشهوات حيادية ، وبإمكانك أن تتحول بالشهوات 180 درجة ، أودع في الإنسان حب المرأة .

 

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ﴾

( سورة آل عمران )

فهذه الشهوات الحركة فيها واسعة جداً ، إلا أن منهج الله أعطاك مساحة مسموحاً بها ، وهناك مساحات محرمة ، المرأة زوجة فقط ، المال مِن كسب مشروع ، أنت تكون عالياً في الأرض بوسائل مشروعة ، أن تكون في خدمة الخلق .
أيها الإخوة ، هذا الذي أقوله يعني أن الإنسان حينما يتحرك بدافع شهواته وفق منهج ربه لا يشعر بالحرمان إطلاقاً .

 

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾

( سورة القصص الآية : 50 )

المعنى المخالف : الذي يتبع هواه وفق هدى الله عز وجل لا شيء عليه .

إرسال الرسل لفائدة الناس :

﴿ يَا بَنِي آدَمَ ﴾

هؤلاء الرسل لصالحكم من أجل سلامتكم ، من أجل سعادتكم معهم تعليمات الصانع ، الخبير ، الحكيم ، العليم ، الرؤوف ، الرحيم ، تعليمات الصانع من أجل سلامتكم ، من أجل سعادتكم .

 

﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾

( سورة الإسراء الآية : 9 )

للطريق الأمثل ، يهديهم بالقرآن :

 

﴿ سُبُلَ السَّلَامِ﴾

( سورة المائدة الآية : 16 )

يهديك القرآن إلى سلام مع نفسك ، إلى سلام مع ربك ، إلى سلام مع البشر ، مع الخلق ، مع من حولك ، مع من فوقك ، مع من دونك ، مع كل المخلوقات ، المؤمن بعد أن اهتدى إلى الله اصطلح مع الخلق ، أصبح متناغماً مع الخلق .
لذلك :

الرسل بشرٌ كسائر البشر :

﴿ يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ ﴾

يعني أنهم بشر ، لولا أن الأنبياء بشر تجري عليهم كل خصائص البشر لما كانوا سادة البشر ، النبي يأكل ويشرب .

 

﴿ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾

( سورة الفرقان الآية : 20 )

هم بحاجة إلى الطعام والشراب ، وبحاجة إلى حركة في الأسواق ، ليكسبوا ثمن الطعام والشراب ، لولا أن النبي بشر تجري عليه كل خصائص البشر ، لما كان سيد البشر النبي يشتهي ، ويرضى ، ويغضب .

(( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَرُ ، وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ ))

[ رواه مسلم عن أنس ]

لذلك بعض الجهلة تمنوا ، وقد ذكرهم الله عز وجل أن يكون النبي ملكاً ، قال :

 

﴿ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولاً﴾

( سورة الإسراء )

فلو جاء الرسول ملكاً فماذا تقولون له دائماً إن أمركم بغض البصر ؟ لا ، نحن بشر ، أنت ملَك ، نحن لا نستطيع ذلك ، أنت من طينة أخرى ، أنت فُطرت على الكمال ، نحن بشر عندنا شهوات ، لذلك :

 

﴿ قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَسُولاً﴾

( سورة الإسراء )

لو أن الذين دُعوا إلى الله عز وجل ملائكة لكان أنبيائهم ملائكة ، ولو أن الذين دُعوا إلى الله بشراً لكان الأنبياء بشراً .
إذاً كلمة :

﴿ يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ ﴾

أُعيد هذه المقولة مرات عديدة : لولا أن النبي بشر ، تجري عليه كل خصائص البشر ، لما كان سيد البشر ، تقتضي بشريته أن يشتهي كما نشتهي ، وأن يحب كما نحب ، وأن يغضب كما يغضب ، وأن يرضى كما نرضى إلا أنه بصدقه مع ربه ، وبإرادته الصلبة ، انتصر على بشريته ، فكان سيد البشر ، لذلك :

 

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾

( سورة البقرة الآية : 286 )

لولا أن التكليف في وسع البشر لما كان هناك تفوق لأحد .
من الممكن أن نعطي طالباً الأسئلة ، ويأتي بالعلامة التامة ، ونقيم له حفلا تكريميا ، وبقية الطلاب جاءتهم أسئلة من معلومات لم يدرسوها إطلاقاً ، ثم نوبخهم ، لولا أن هناك تكافؤ فرص ، لولا أن المنهج دُرّس بإتقان ، والطلاب متكافئون في القدرات ، والسؤال معقول ، لما كان هناك للتفوق مجال إطلاقاً .

إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ

لولا أن النبي بشر تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر ، لذلك كان قدوة لنا ، النبي قدوة لنا ، فهذا الذي يقول هو نبي ، لا يا أخي .

(( وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ ))

[ أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ]

مقام الطبيب الجراح كبير ، لكن أي ممرض إن أراد أن يعطي حقنة للمريض لا بد من أن يعقمها كالطبيب .
هناك أشياء شاملة وكاملة ، على كل الأطراف أن يطبقوها ، الإنسان هو الذي صنع هذه السيارة ، كل الشركات العملاقة لها أصحاب ، لو أن صاحب المركبة قاد مركبة من اختراعه ، يجب أن يعرف كيف يوقفها ، وكيف يحركها ، كأي سائق آخر .
لذلك الاستقامة أيها الإخوة حدية ، التفاوت لا بالاستقامة ، التفاوت بالعمل الصالح .

(( وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ ))

وأي خلل في الاستقامة تُحجب عن الله ، ولو لم تكن نبياً ، ولو أنك من عامة المؤمنين ، إذا كان في الاستقامة خلل تُحجب عن الله عز وجل ، ومنهج الأنبياء لا للأنبياء ، بل لعامة المؤمنين .
فلذلك :

﴿ يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ ﴾

من جلدتكم ، من بني البشر ، من جبلة واحدة ، من نفس واحدة ، من خصائص واحدة ، من شهوات واحدة ، من مخاوف واحدة .

هذا بعض ما عاناه النبي عليه الصلاة والسلام في حياته :

عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ ، وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ ، وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ ))

[ رواه أحمد والترمذي وابن ماجة وابن حبان ]

الهجرة امتحان كبير
في بدر بدأ النبي يدعو ربه حتى انخلع الرداء عن منكبيه ، خاف أن يكون الاستعداد قليلاً ، خاف أن يكون الأخذ بالأسباب ضعيفاً ، نصر الله عز وجل لا يتنزل إلا على مَن طبّق منهج الله عز وجل ، ومنهج الله في الحرب أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء .
فلذلك :

﴿ يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ ﴾

من جلدتكم ، بشر .
تزوج النبي عليه الصلاة والسلام زوجات عديدات ، هناك زوجات أتعبنه ، وصبر ، وجاع ، أذاقه الله الفقر ، كان يدخل بيته أحياناً فيسأل : هل عندكم طعام ؟ يقولون : لا ، يقول : فإني صائم ، وهو سيد الخلق ، أذاقه الفقر فكان قدوة لنا ، وأذاقه الغنى ، لمن هذا الوادي ؟ قال : هو لك ، وادٍ من الغنم ، قال : أتهزأ بي ؟ قال : لا والله هو لك ، قال : أشهد أنك رسول الله ، تعطي عطاء من لا يخشى الفقر ، أذاقه الفقر ، وأذاقه الغنى ، في الفقر كان المثل الأعلى ، وفي الغنى كان المثل الأعلى ، ثم أذاقه النصر ، فدخل مكة فاتحاً ، مطأطأ الرأس متواضعاً ، حتى كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله عز وجل ، ما دخلها متغطرساً ، ولا مستبيحاً للمدينة ، ولا متشفياً من أعدائه .

(( اذهبوا فأنتم الطلقاء ))

[ رواه : ابن أبي شيبة عن أبي سلمة ]

(( ما ترون إني فاعل فيكم ؟ قالوا : خيرا ، أخ كريم وابن أخ كريم ))

[ رواه ابن أبي شيبة عن أبي سلمة ]

قال :

(( اذهبوا فأنتم الطلقاء ))

أذاقه النصر فعفى ، وأذاقه القهر في الطائف ، كذبه أهل الطائف ، وسخروا منه وأمروا صبيانه أن ينالوا منه ، فقال : يا رب إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ولك العتبة حتى ترضى ، أذاقه موت الولد ، فقال :

(( إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ ما يُرْضِي رَبَّنا ، وَإنَّا بِفِرَاقِكَ يا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ ))

[ رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه ]

أذاقه أن ابنتيه طلقتا ، فصبر ، أذاقه الهجرة ، إنسان يقتلع من جذوره ، وينتقل إلى مكان جديد ، لولا أن النبي أذاقه الله كل شيء فكان في كل موقف المثل العلى لما كان سيد الأنبياء والمرسلين .

البطولة أن تنجح في الامتحان :

لذلك أقول لكم أيها الإخوة كلمة دقيقة جداً يحتاجها كل واحد منا : ليست البطولة ألا تمتحن ، لا بد من أن تمتحن ، ولكن البطولة أن تنجح في الامتحان ، قد تمتحن بالفقر ، وقد تمتحن بالغنى ، وقد تمتحن بالصحة ، وقد تمتحن بالمرض ، لا سمح الله ، وقد تمتحن بالقوة ، وقد تمتحن بالضعف ، وقد تمتحن بالوسامة ، وقد تمتحن بالدمامة ، وقد تمتحن بتألق الذكاء ، وقد تمتحن بالمحدودية ، وقد تمتحن بطلاقة اللسان ، وقد تمتحن بعيب اللسان ، البطولة لا أن تنجو من امتحان ، لكن البطولة أن تنجح بالامتحان .
الإمام الشافعي سُئل : أندعو الله بالامتحان أم بالتمكين ؟ فقال : " لن تمكن قبل أن تبتلى " .
صدقوا أيها الإخوة ، لا يمكن أن يرقى الإنسان عند الله إلا بعد الامتحان ، الله عز وجل عنده امتحانات لا تعد ولا تحصى ، الله عز وجل قادر أن يحجِم كل إنسان ، أو أن يعيده إلى حجمه الحقيقي ، أنا مستقيم ، أنا نزيه ، أنا لا آكل مالا حراما إطلاقاً ، يتبجح ، ويحكي ، هو لا يأكل على مستوى ألف ليرة ، يأتي برقم يسيخ ، يقول لك : ماذا نفعل ؟ بلوى عامة ، إياك أن تظن أن الله لا يمتحنك .

لابد من الابتلاء :

هناك كثير من الأشخاص يتوهم أحدهم نفسه بمستوى عالٍ ، الله بلطف بالغ يحجمه ، لست كما تقول ، لست كما تدعي ، ليست محبتك لي كما تظن ، بالرخاء والصحة الطيبة ، والدخل الكبير ، والزوجة ، والأولاد ، والمركبة ، يقول لك : الله تفضل بمرض خفيف يحتمل ، لا يا رب ماذا فعلت لك أنا ؟

 

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾

( سورة المؤمنين )

لا يمكن أن ينجو أحد من امتحان .
لذلك يقول الإمام علي رضي الله عنه : << الرضا بمكروه الرضاء ارفع درجات اليقين >> .
ما مِن إنسان يمتحن مركبة في طريق نازل إطلاقاً ، إلا بطريق صاعد " الرضا بمكروه الرضاء أرفع درجات اليقين " .
الله عز وجل امتحن الصحابة في الخندق ، صحابة كرام ، ومجاهدون مع رسول الله ، سيد الأنام ، ومقربون من رسول الله ، وهم فَدَوْه بأرواحهم وأنفسهم ، في الخندق ليس موضوع معركة ، بل موضوع إبادة ، وموضوع استئصال ، عشرة آلاف مقاتل أرادوا أن يستأصلوا الإسلام كله ، حتى قال بعض من كان مع النبي الكريم : << أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى ، وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته ، لم يقل رسول الله ، قال : صاحبكم ، قال تعالى :

 

﴿ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾

( سورة الأحزاب )

﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾

( سورة الأحزاب )

﴿ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ {30} ﴾

مرة ثانية ، الإمام الشافعي رحم ه الله تعالى سُئل : أندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين ؟ قال : لن تمكن قبل أن تبتلى .
وطن نفسك ، فإن أنواع البلاء لا تعد ولا تحصى ، ونحن الآن كمسلمين في أشد أنواع البلاء ، ما البلاء الذي نحن نحاط به ؟ الله قوى أعداءنا ، قواهم ، ثم قواهم ، ثم قواهم ، وهم يتفننون بإفقارنا ، وإضلالنا ، وإفسادنا ، وإذلالنا ، وإبادتنا ، بلادنا مستباحة لهم ، ثرواتنا ملكهم ، حياة شبابنا لا تساوي عندهم شيئاً ، مليون قتيل في العراق ، أربعة ملايين مشرد ، مليون معاق ، كله بلا ثمن ، فلو وقع واحد من جنودهم أسيراً لقامت الدنيا ولم تقعد ، هذا ابتلاء صعب جداً .
لذلك الله أحياناً ـ وهذا أشد أنواع الابتلاء ـ يقوي الأعداء إلى درجة أن يقول ضعيف الإيمان : أين الله ؟ والله هناك آلاف من الناس تركوا الصلاة ، أين الله ؟ ما مِن خبر سار ، نحن في أشد أنواع الابتلاء ، والبطولة أن تصمد .

﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾

فالمؤمن ثابت على منهج الله في السراء ، وفي الضراء ، وفي الصحة والمرض ، وفي القوة والضعف ، وفي إقبال الدنيا وإدبارها ، وقبل الزواج ، وبعد الزواج ، وقبل نيل الشهادة العليا ، وبعد نيل الشهادة العليا ، عاهدنا الله على السمع والطاعة في المنشط والمكره ، هذا المؤمن ، وأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ ، ولا تصدقوا أن الله يتخلى عنا أبداً .

 

﴿ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾

( سورة القصص )

هذه الآية بشارة ،

﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ {6} ﴾

والله مستحيل وألف ألف ألف ألف مستحيل أن تستطيع قوة في الأرض طاغية أن تخطط لأمجادها ورخاءها على أنقاض الشعوب ، أن توفر لشعوبها دخولاً فلكية على حساب إفقار الشعوب ، وأن توفر لثقافتها ديمومة وتألقاً على حساب محو ثقافات الشعوب ، وأن تجعل شعوبها في أعلى مستوى على حساب قهر الشعوب ، والله الذي لا إله إلا هو نجاح خطط هذه الدول الكبرى الطاغية على المدى البعيد ، يتناقض مع رجل الأرض ، مستحيل وألف ألف مستحيل ، اطمأن ، لو أن قوى الأرض اجتمعت على أن تفسد على الله هدايته لخلقه لا تستطيع .

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾

( سورة الأنفال الآية : 35 )

دين الله باق
في بلاد أراد المستعمرون إلغاء الهوية الإسلامية كلياً ، ألغوا اللغة العربية ، منحوا الشعب بأكمله جنسية الدولة الحاكمة ، المساجد أُغلقت ، كل ما تستطيع أن تفعله أنها أُخرجت من هذه البلاد ، والآن عامرة بالمساجد والإيمان ، وهي تحب العلماء ورجال الدين حباً يفوق حد الخيال .
هذا دين الله ، لولا أنه دين الله لانتهى من ألف سنة ، هذا دين الله ، وما مِن قوة في الأرض تستطيع أو جهة في الأرض أن تلغي التعليم الشرعي ، أن تلغي التدين ، هذا الدين من أنواع عظمته أنك إذا قمعته يزداد قوة ، وحينما تكشف الحقائق يوم القيامة ترى أن هؤلاء الذين حاربوا الدين لهم فضل على الدين ، لكن بلا أجر إطلاقاً ، لأنهم ساهموا في تقوية الإيمان ، وبجمع المؤمنين ، وفي الصحوة ، لولا الطرف الآخر لبقينا نائمين ، لكن الطرف الآخر أيقظنا ، ونبهنا ، وعرفنا بما ينوي أن يُفعل بنا .

رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي

أيها الإخوة ،

﴿ يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى ﴾

1 – آيات الله قرآنية وكونية وتكوينية :

هذه آيات ، آيات الكون ، وآيات التكوين ، وآيات القرآن ، الآيات الكونية خلقه ، والآيات التكوينية أفعاله ، والآيات القرآنية كلامه .

2 – فَمَنِ اتَّقَى

﴿ فَمَنِ اتَّقَى ﴾

من اتقى غضب الله عز وجل بطاعته ، من اتقى بطش الله عز وجل ، بالإنابة إليه ، من اتقى عقاب الله عز وجل ، بالالتزام منهجه

3 – وَأَصْلَحَ

﴿ فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ ﴾

أصلح عمله ، كان عمله فاسداً فأصبح صالحاً ، كان مقصر في أداء الواجبات أدى الواجبات بالتمام والكمال ، كان مقصر في أداء العبادات أدى العبادات بالتمام والكمال ، كان مقصر في حق زوجته أدى واجبه تجاه زوجته ، كان مقصراً في حق أولاده أدى واجبه تجاه أولاده ، كان مقصراً في حق جيرانه أدى واجبه تجاه جيرانه تجاه جسمه ، أكل باعتدال تجاه نفسه عرفها بربها ، حملها على طاعته .

﴿ فَمَنِ اتَّقَى ﴾

اتقى المصائب ، اتقى الكفر ، اتقى الشرك ، اتقى تبذير المال اتقى القهر ،

﴿ فَمَنِ اتَّقَى ﴾

غضب الله بطاعته ، الله عز وجل هو الجهة الوحيد بالكون ، لا ملجأ منه إلا إليه ، فر منه إليه ، الجأ منه إليه .

﴿ فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ ﴾

أحياناً يكون في البئر ماء ، الأولى ألا نردمها ، والأولى ألا نرمي فيها الأقذار ، بل الأولى أن نقيم لها سوراً عالياً ، والأولى أن نأخذ مائها بمحركات ، وأن نوصله للبيوت .

4 – فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ

لا خوف عليهم في الدنيا ، ولا يحزنون على فراقها .
أنت في لحظة ، هذه اللحظة الحامية ، هناك مستقبل وهناك ماضٍ ، المستقبل مغطى بـ :

﴿ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾

والماضي مغطى بـ :

﴿ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

يا رب ، ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟ وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟
وسيدنا الصديق رضي الله عنه ما ندم على شيء فاته من الدنيا قط .

﴿ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾

( سورة طه )

لا يضل عقله ، ولا تشقى نفسه ، من دون الهدى الإلهي هناك مليون سؤال لا جواب لها ، هناك ضياع عند الناس ، لماذا الحياة قصيرة ؟ عند الطبيب سنوات الممارسة أقلُّ من الدراسة بكثير ، لماذا هناك فقر وغنى ؟ لماذا هناك مرض وصحة ؟ لماذا هناك قهر في العالم ؟ لماذا هناك اجتياح ؟ لماذا هناك دول طاغية ؟ ودول مسحوقة ضعيفة ، لماذا ؟ من دون إيمان بالله عز وجل ينشأ مليون سؤال ، والقرآن قدم لك تفسيرا عميقا ، دقيقا ، متناسقا للكون والحياة والإنسان ، كل تساؤل كبير عند أهل الدنيا في القرآن الكريم جوابه الواضح جداً .

﴿ فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾

( سورة الأعراف )

وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

1 – لابد من إدخال الموت في الحسابات اليويمة :

هؤلاء الذين ما أدخلوا الموت في حساباتهم ، وهذا حال معظم الناس ، يعيش لحظته ، مع أن هناك موتًا ، وانتقالا من بيت 400 متر إلى قبر ، إنه انتقال مفاجئ من زوجة وأولاد وأصدقاء وأتباع وخدم وحشم إلى قبر ! سبحان من قهر عباده بالموت .
العاقل يعيش المستقبل
حينما يعيش الإنسان المستقبل يكون عاقلاً ، ودائماً الأغبياء يعيشون الماضي ، نتغنى بالماضي ، والأقلُّ غباء يعيشون الحاضر ، ردود فعل ، نفاجئ بفعل لم نعلم عنه شيئاً ، يُخطط لنا ، نفاجئ به ، نستنكر ، نندد ، نشجب ، لكن العقلاء يعيشون المستقبل ، وأخطر حدث في المستقبل مغادرة الدنيا ، ماذا أعددت لهذه المغادرة ؟ ماذا أعددت للقبر ؟ أعددت عملاً صالحاً ؟ أعددت استقامة ؟ أعددت تربية لأولادك ؟ أعددت ضبطاً لشهواتك ؟ أعددت ضبطاً لدخلك ولإنفاقك ؟ أعددت علاقات اجتماعية منهجية وفق منهج الله ؟ ماذا أعددت ؟ لذلك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ ، يَعْنِي الْمَوْتَ ))

[ الترمذي ]

(( أكثروا ذكر هادم اللذات ، مفرق الأحباب ، مشتت الجماعات ))

(( عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب من شئت فإنك مفارقه ، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ))

[ أخرجه الشيرازي عن جابر أبو نعيم ، عن علي عن جبريل مخاطب النبي عليه الصلاة والسلام ]

2 – وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا

﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾

ما أدخلوا الموت في حساباتهم ،

﴿ وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا ﴾

كم دعوى الآن في قصر العدل كيدية ، فيها اغتصاب دين ، اغتصاب شركة ، اغتصاب مال ، وكم وُكِّل لهذا المغتصب فيعطيه الأدلة القانونية لمتابعة اغتصاب هذا البيت .
والله أيها الإخوة ، ولا أبالغ : معظم الناس ما أدخلوا الله في حساباتهم أبداً

﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018