الدرس : 06 - سورة فصلت - تفسير الآية 33 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 06 - سورة فصلت - تفسير الآية 33


1993-12-10

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، مع الدرس السادس من سورة فصِّلت، ومع الآية الثالثة والثلاثين، وهي قوله تعالى:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ

1 ـ المؤمن والداعية إلى الله حقيقة صفتُهما الاستقامة:

 أيها الإخوة الكرام، من خلال الآية السابقة والآية اللاحقة يتضح أن هناك مؤمنًا مستقيمًا، وأن هناك داعيةً إلى الله ذا عملٍ صالح، وأنه لن يكون الإنسان مؤمناً إلا إذا استقام على أمر الله، ولن يكون داعيةً مخلصاً إلا إذا عمل صالحاً، أي جسَّد بسلوكه ما دعا إليه بلسانه.
 على كلٍ، فبعض المفسِّرين يقولون حينما قال الله عزَّ وجل:

2 ـ كل كلام سوى الدعوة إلى الله لغوٌ باطلٌ:

 كأن في هذه الآية إشارةً إلى أن كل كلامٍ لغوٍ أو باطلٍ، أو كل كلامٍ يدعو إلى الرذيلة أو يدعو إلى إفساد ذات البَيْن، أو أن كل كلامٍ يدعو إلى عبادة غير الله عزَّ وجل، أو إلى أن أيّ كلامٍ يدعو إلى البعد عن دين الله عزَّ وجل هو كلامٌ باطلٌ لا قيمة له، لكن الكلام الحَسَن هو أن تتعرَّف إلى الله عزَّ وجل، وأن تدعو إليه. ففي هذه الآية إشارةٌ إلى بطلان كلامه، وإلى تفاهة موضوعاته، ثم يقول الله عزَّ وجل:

3 ـ لا رجلَ أحسنُ قولاً من الداعية الخاضع لله:

 طبعاً هذا استفام تقريري، أي ليس في الأرض كلِّها رجلٌ أحسن قولاً ممن دعا إلى الله.

من خصائص الدعاة إلى الله:

1 ـ الاستجابة لأمر الله:

 والحقيقة قبل أن تدعو إلى الله ينبغي أن تستجيب له، فإذا استجبت له، وطبَّقت أمره، وانتهيت عما عنه نهى، وأردت أن تنقل هذه المعرفة للآخرين الآن ترتقي إلى مستوى الدعوة إلى الله.

2 ـ الاهتداءُ وعدمُ ابتغاءِ الدنيا:

 على كلٍ فهناك آيات كثيرة في كتاب الله تبيِّن شروط هؤلاء الدعاة إلى الله الصادقين، فمن هذه الآيات:

﴿ قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ(21) ﴾

( سورة يس )

 فالذي يدعو إلى الله بصدق وإخلاص، لا يرجو ثواباً، ولا مديحاً مادياً ولا معنوياً..

﴿ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ(21) ﴾

3 ـ الصبرُ:

 ومن خصائص الدعاة إلى الله الصادقين كما أشارت إليه هذه الآيات الكريمة:

﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ﴾

( سورة السجدة: من الآية 24 )

 فالذي لا يصبر على ابتلاء الله عزَّ وجل ليس أهلاً لأن يكون داعيةً إلى الله عزَّ وجل، لابدَّ من أن يبتلى الداعية فيصبر، ولابدَّ من أن تُكشف حقيقته فيصبر.
 إذاً: عدم طلب الأجر، والصبر علامةٌ وخصيصةٌ من خصائص الدعاة إلى الله الصادقين.

 

4 ـ الطاعةُ:

 ثم إن الطاعة..

﴿ وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾

( سورة البقرة: من الآية 124)

 إذاً: التزام الأمر والنهي، والصبر على ابتلاء الله عزَّ وجل، والترفُّع عن الدنيا بكل أنواعها هذه خصائص الدعاة الصادقين.

 

5 ـ العلمُ مع التمحيص:

 عنصر آخر من عناصر الدعوة إلى الله:

﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾

( سورة آل عمران: من الآية 18 )

 أي إذا شهدت للناس بأسماء الله الحسنى ؛ عدالته، ورحمته فهذا دليل العلم الصحيح، أما إذا كان العقل نَصِّيَّاً، أي دون أن تمحِّص النص، ودون أن تدرسه، وأن تجعله منسجماً مع مقاصد الشريعة، نقلت ما سمعت دون تمحيص فهذا ليس علماً، إنما هو نقلٌ، وفي النقل صوابٌ وخطأ.
 إذاً:

 

﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾

 يجب أن تبيِّن للناس حقيقة الذات الكاملة، ذات الأسماء الحسنى والصفات الفُضلى.

 

 

6 ـ خشيةُ اللهِ وحْدَه:

 ومن آيات الله الأخرى التي تصف لنا الدعاة الصادقين هي قوله تعالى حينما يتحدَّثُ عن الذين يدعون إلى الله عزَّ وجل، فيقول في الآية الكريمة:

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ ﴾

( سورة الأحزاب: من الآية 39 )

 أي أن خشية هذا الداعية لله عزَّ وجل هي الصفة الجامعة المانعة، لأن الداعية لو خشي غير الله عزَّ وجل فتكلَّم بالباطل إرضاءً لمن خشيه، أو سكت عن الحق إرضاءً لمن خشيه، فماذا بقي من تبليغه رسالات الله عزَّ وجل ؟
 إذاً: الله عزَّ وجل في كتابه بيَّن هؤلاء الذين يدعون إلى الله، أولاً: تطبيقهم لأمر الله، ثانياً: صبرهم على ابتلاء الله، ثالثاً: ابتغاؤهم وجه الله عزَّ وجل، رابعاً: ترفُّعهم عن المكاسب الدنيويَّة، خامساً: عدم خشيتهم من غير الله عزَّ وجل، سادساً: معرفتهم بالله المعرفة الصحيحة.
 إذاً: هذه الصفات التي جاءت في آياتٍ متفرِّقة من كتاب الله.
 على كلٍ هنا:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

احذر أيها الداعيةُ أن يخالف قولُك فعلَك:

 دعا إلى الله بلسانه، وعمل صالحاً بسلوكه، فالإنسان نقَّادٌ بارع، فإذا نظر المدعوون إلى الداعي، ورأوا مسافةً بين أقواله وأفعاله لم يعبؤوا بهذه الدعوة، فتسقط من أعينهم، أما إذا تطابقت الأفعال مع الأقوال، وجاء الكلام مطابقاً للحال، وكان السلوك موافقاً للتبليغ، فهذه النقطة الدقيقة جداً التي إذا توافرت في الداعية حقَّق نجاحاً كبيراً، ولذلك فمن بعض الدعاة الصادقين من ينصح زملاءه الدعاة: " احذر أن يراك المدعو على خلاف ما تدعوه "، وهذا هو التوافق الدقيق.
 الآية الأولى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾

خصيصة البيان بين الاستعمال الحسن والاستعمال السيّئ:

 هنا علامة الإيمان الصادق، استقامتك على أمر الله، هنا علامة دعوتك الصادقة، صلاح عملك، فليس على وجه الأرض إطلاقاً إنسانٌ أنجح، ولا أفلح، ولا أكثر فوزًا ممن دعا إلى الله، أي أن هذا النشاط الكلامي، وهذا النطق الذي كرَّم الله به الإنسان..

﴿ الرَّحْمَانُ(1)عَلَّمَ الْقُرْآنَ(2)خَلَقَ الإِنسَانَ(3)عَلَّمَهُ الْبَيَانَ(4) ﴾

( سورة الرحمن )

 فهذا الكلام، وهذا الجهاز، والحنجرة، والرئتان، واللسان، ومخارج الحروف، واللغة، والمعلوماتوالقدرة البيانيَّة في الإنسان كيف يستخدمها ؟ وما المضمون الذي يستخدمها من أجله ؟ ما الأهداف ؟ فربنا عزَّ وجل يبيِّن أن البيان تلك الخصيصة التي خصَّ بها الإنسان، البيان..

﴿ الرَّحْمَانُ(1)عَلَّمَ الْقُرْآنَ(2)خَلَقَ الإِنسَانَ(3)عَلَّمَهُ الْبَيَانَ(4) ﴾

 فهذا البيان، وتلك الخصيصة النادرة التي خصَّ الله بها الإنسان، ما من موضوعٍ يسمو بها، وما من نشاطٍ ترقى به، وما من أسلوبٍ تفوز به كأن تدعو إلى الله.
 إنّ آلة غالية جداً إن لم يكن مضمونها مضموناً ثميناً، فعندئذٍ هذا المضمون التافه يشوِّه هذه الآلة، فاللغة قوالب، فإن وضِعَ في هذه القوالب مادَّةٌ رخيصةٌ قذرةٌ سيئةٌ هذه المادة أضرّت بالقالب، أما إذا عُبِّئت هذه القوالب الثمينة بمضمون ثمين فهذا شيءٌ يسمو بها، ويرقى بها.
 هذه القدرة على البيان، وهذه طلاقة اللسان، البيان الذي خصَّ الله به الإنسان إنه ميزةٌ ثمينة كبيرة، فإذا كان المضمون غيبةً، ونميمةً، وفسقاً، وفجوراً، وحديثاً تافهاً، ولغواً، وحديثاً عن الشهوات، أو إيقاعاً بين الإخوة، أو تأريثاً للأحقاد، فكل هذه الموضوعات تزري بهذه القوة البيانيَّة التي أودعها الله بالإنسان.

 

اللسان طريق إلى الجنة أو "ريق إلى النار:

 

 

 حينما تشعر أن كلامك جزءٌ من عملك، أو أن من أعمالك كلامك، " يا رسول الله أو نؤاخَذ بما نقول ؟ " قال عليه الصلاة والسلام:

(( وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وُجُوهِهِمْ، أوْ على مَناخِرهِم إلاَّ حَصَائِدُ ألْسِنَتِهِمْ ))

[ مسلم عن معاذ رضي الله عنه ]

 ألم يقل عليه الصلاة والسلام:

 

(( لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ ))

 

[ مسند أحمد عن أنس بن مالك]

 ألم تقل السيدة عائشة رضي الله عنها لأختها صفيَّة: " قصيرة " فقال:

 

(( لَقَدْ مَزَجْتِ بِكَلِمَةٍ لَوْ مَزَجْتِ بِهَا مَاءَ الْبَحْرِ لَمُزِجَ ))

 

[ الترمذي عن عائشة ]

 ألم يقل الله عزَّ وجل:

﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ ﴾

( سورة إبراهيم: من الآية 24 )

 فبكلمة قد تُحْيي نفساً، وإنك إن أحييت نفساً أحييت نفوساً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً، وبكلمةٍ سيئةٍ قد تفسد نفساً، وإذا أفسدتها أفسدت جيلاً..

﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ(26) ﴾

( سورة إبراهيم )

 أيها الإخوة.

 

(( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سُخْطِ اللَّهِ لا يَرَى بِهَا بَأْسًا فَيَهْوِي بِهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ سَبْعِينَ خَرِيفًا ))

 

[ من سنن ابن ماجة عن أبي هريرة ]

(( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لا يُلْقِي لَهَا بَالا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ ))

[ من صحيح البخاري عن أبي هريرة ]

(( الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ ))

[ من صحيح البخاري عن أبي هريرة ]

 بادئ ذي بدء يجب أن تعلم أن هذا اللسان قد يقودك إلى الجنَّة، وقد يقود صاحبه إلى النار..

 

احفظ لسانك أيها الإنســانُ  لا يلـدغنَّك إنـه ثعـبانُ
كم في المقابرِ من قتيل لسانه  كانت تهاب لقاءه الشجعانُ
***

 قبل كل شيء من أكبر نشاطات الإنسان كلامه ؛ كلامه في البيت، وفي الطريق، ومع جيرانه، وزملائه، وفي لهوه، وحُزنه، وفرحه، وسفره، وفي بَيعه وشرائه، ومع أصدقائه، فالمؤمن أبرز ما فيه أنه منضبط اللسان، كلماته موزونة، وكلماته منضبطة بأمر الله ونهيه، حتى إن سيدنا عمر رضي الله عنه كان يتمنَّى أن تكون له رقبةٌ كرقبة الجمل ليزن الكلمة قبل أن تخرج على لسانه بمراحل فسيحة، فكأن الله عزَّ وجل في قوله تعالى:

 

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً ﴾

تعريضٌ بالأأقوال السيئة: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً

 معنى هذا أن هناك من يسيئ القول، وهناك من يستخدم هذه القدرة البيانيَّة، هذه الخصيصة التي خصَّ الله بها الإنسان، فهناك من يستخدم في التعبير اللغة في غير ما وَضِعتْ له، ودائماً وأبداً أقول لكم: الحظوظ التي خصَّها الله الإنسان ؛ البيان، والذكاء، والوسامة والغنى والصحة، فهذه الحظوظ إما أن ترقى بك إلى أعلى عليين فهي درجاتٌ، وإما هي دركاتٌ تهوي بها إلى أسفل سافلين.
 إنّ الإنسان الذي أوتي طلاقة لسان فهذا يحاسب حساباً خاصَّاً، كان من الممكن أن يرقى بقوَّته البيانيَّة وطلاقة لسانه إلى أعلى عليين، هذا الذي أوتي مالاً كان من الممكن أن يرقى بماله إلى أعلى عليين، هذا الذي أوتي قوّةً فبإمكانه أن يزيل بها المُنكر، وأن يحقَّ بها الحق، وكان من الممكن أن يرقى بها إلى أعلى عليين، فالحظوظ التي ينالها الإنسان من الله عزَّ وجل يمكن أن ترقى به ويمكن أن تهوي به.
 فأول معنى في هذه الآية، كأن الله عزَّ وجل يعرِّض بالأقوال السيئة، واللغو، والحديث عن الدنيا، والحديث في الموضوعات السخيفة، وفي الموضوعات اليوميَّة، والحديث الفارغ، والكلام الذي لا طائل منه..

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1)الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ(2)وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ(3) ﴾

( سورة المؤمنون )

 كأن الله يزري بهؤلاء الذين يستخدمون هذه القدرة البيانيَّة في موضوعاتٍ لا ترضيه، فكيف إذا استخدمت اللسان في الغيبة، النميمة، والفحش، والبذاءة، والسُباب، والسخريَّة، والتهكُّم، والإفك، والافتراء، والإيقاع بين الناس، وفي تأريث العداوة والبغضاء بينهم، وفي شق الصفوف، وكيف إذا استخدمت هذا ؟ كأن هناك كلامًا يسبِّب لصاحبه هلاكاً، وهناك كلامًا يسبِّب لصاحبه خسارةً، وهناك كلاما يرقى بصاحبه.
 والكلام في المباحات ؛ ما اغتاب، ولا نمّ، لكنه تحدَّث في أمور الدنيا الزائلة، في أمور لا تنتهي، ولا قيمة لها، وهي ماضية، وحجمها صغير، وهناك أناسٌ كثيرون يمضون سهراتٍ طويلة في الحديث عن الدنيا، في الحديث عن طعامها وشرابها، في الحديث عن متعها المُباحة، هذا الحديث ربَّما جرَّ لصاحبه إلى ضياع الوقت، والوقت ثمين، والإنسان بضعة أيَّام، فكلَّما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه، ولكن أشرف حديثٍ، وكلامٍ، ودعوةٍ، ونُطْقٍ أن تدعو إلى الله.

 

يمكن أن تدعوَ إلى الله بمثل هذا:

 

 كلمة ( دعا ) واسعة جدا، فيمكن أن تدعو إلى الله عزَّ وجل إذا بيَّنت آيات الله الكونيَّة، هذه دعوةٌ إلى الله، لأنك تضع أمام الناس عظمة الله من خلال خلقه، تضعها بين أيديهم، وكأنهم أمامَ عظمة الله عزَّ وجل، فإذا بيَّنت للناس آيةً من آيات الله الكونيَّة الدالَّة على عظمته فهذه دعوةٌ إلى الله.
 وإذا بيَّنت للناس آيةً قرآنيَّةً دقيقة المعنى، دقيقة الأسلوب، فيها حكمٌ دقيق، وقانونٌ يسعد صاحبه، فهذه دعوةٌ إلى الله عزَّ وجل.
 وإذا بيَّنت سنة نبيِّ الله صلى الله عليه وسلَّم، وقد بيَّن القرآن، فهذه دعوة إلى الله عزَّ وجل.
 إذا بيَّنت الأحكام الفقهيَّة التفصيليَّة التي إذا طبَّقها الإنسان سعد في الدنيا والآخرة فهذه دعوةٌ إلى الله عزَّ وجل.
 وإذا قصصت على الناس قصَّة رجلٍ مؤمنٍ عظيمٍ طبَّق أمر الله فسعد في دنياه وأخراه فهذه دعوة إلى الله عزَّ وجل.
 وكلام ربنا واسع، كلام ربنا حمَّال أوجه، فأنت إن بينت للناس آيةً كونيَّةً ؛ في الآفاق، أو في أنفسهم، أو آيةً قرآنيَّةً، أو تكوينيَّةً، وشيئاً من أفعال الله عزَّ وجل، وربطته بالموعظة والعظة، إذا بيَّنت سنة النبي، وسيرته، وأحكام الفقه، وسيرة العلماء الصالحين الصادقين، فكل هذه الموضوعات ترسِّخ في الإنسان حبَّ الله، وحبَّ رسوله، وحب شرعه، ليس المطلوب أن تأخذ خطا واحدًا، وأن تجعل كل الوقت فيه، لكن نوِّع في كلامك..

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ ﴾

 إنّ الإنسان بحاجة إلى آيةٍ كونيَّةٍ تملأ عقله، وبحاجةٍ إلى آيةٍ قرآنيَّةٍ تغذِّي فؤاده، وبحاجةٍ إلى آيةٍ تكوينيَّةٍ ليفلسف أفعال الله عزَّ وجل، فعل الله متوافقٌ مع حكمته، ورحمته، وعدالته، وقدرته، فالله جلَّ جلاله يبدو تارةً قوياً عزيزاً، وتارةً رؤوفاً رحيماً، وحينا حكيماً عليماً، وحينا خبيراً، فإذا ربطت أفعال الله بأسمائه فهذه دعوةٌ إلى الله عزَّ وجل.
 فأنا أعطيكم الخيارات الواسعة، ثمّ أتحب أن تبيِّن عظمة الله من خلال خلقه، هذه دعوة إلى الله، أم تحب أن تبيِّن عظمة الله من خلال قرآنه ؟ فهذه دعوةٌ إلى الله عزَّ وجل، أتحب أن تبين عظمة الله من خلال أفعاله ؟ فهذه دعوةٌ إلى الله عزَّ وجل، أتحب أن تبيِّن عظمة الله من خلال عصمة نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم ؟ بيَّنت سنته القولية والفعلية فهذه دعوةٌ إلى الله عزَّ وجل، أتحب أن تقدِّم نماذج للمؤمنين الصادقين الذين تغلغل الإيمان في كيانهم جميعه، فجعلهم أناساً متميزين بأخلاقهم، وعلمهم، ورهافة حسِّهم ؟ فهذه دعوةٌ إلى الله عزَّ وجل..

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ ﴾

 أنا أعجب من إنسان مع أهله في بيته، ومع أصدقائه في نزهاته، بأفراحه، وأحزانه النشاط الأول في كل هذه اللقاءات هو الكلام، وهل سمعت أناساً يذهبون إلى نزهةٍ وهم صامتون ؟ مستحيل، هل سمعت أناساً يُدعون إلى طعامٍ وهم صامتون ؟ كلُّهم يتكلَّم، فهذا النشاط الأكبر والأول في حياة الإنسان الكلام أو الحديث، وهذا النشاط إما أن ترقى به إلى أعلى عليين، وإما أن يهوي الإنسان به إلى أسفل سافلين، فكلمة لا تلقي لها بالاً يهوي بها الإنسان في جهنَّم سبعين خريفاً، وكلمة من رضوان الله عزَّ وجل تهدي بها نفساً، وهذه النفس تهدي الآخرين، من خلال هذه الكلمة الطيِّبة رأيت مجتمعاً طيِّباً، كيف أن بذرة التين التي لا تزيد على رأس دبوس قد تصنع غابةً، فالبذرة تصنع الشجرة، والشجرة تصنع الثمار، والثمار فيها بذور، والبذور تصنع أشجارًا، وهكذا.
 كأن الله سبحانه وتعالى يجذب نظرنا، أيها الإنسان المكرَّم الذي أعطيتك هذا النشاط البياني، القدرة على الكلام، الحديث، والتعبير عن أفكارك وعن مشاعرك، والاتصال مع الآخرين اتصالا لغويا، فهذا النشاط الأول أفضل استعمالٍ له أن تدعو إلى الله، وأنت حرٌ في ذلك، فأنت أمامك خيارت كثيرة، خذ أي خط ؛ وخط العلم، خط القرآن، فالتجويد دعوة إلى الله، والتفسير دعوة إلى الله، واستنباط الأحكام الفقهيَّة من كتاب الله والحديث وعلم الحديث و متن الحديث وأصول الفقه وأحكام الفقه والفقه المُقَارن كلها دعوةٌ إلى الله، فأي علمٍ ابتغيت به وجه الله، وأردت أن تقرِّب الإنسان به إلى الله هو دعوةٌ إلى الله، والتنويع أفضل.
 أنا أعجب أيضا ممن يحضر مجالس العلم، ويستمع خلال سنوات طويلة إلى دروس تفسير، وحديث، وسيرة، وفقه، كيف لا يستغلُّ هذه المعلومات التي حصَّلها في سنوات طويلة في الدعوة إلى الله مع أهله ؟ وأولاده، وزوجته، وإخوانه، وأصدقائه، وجيرانه، ومع من هم دونه، ومن هم فوقه، مباشرةً، بالواسطة، بكتاب، بشريط..

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ ﴾

الدعوة إلى الله وهداية الناس خيرٌ من الدنيا وما فيها:

 هذا الكلام كلام الصحابة الكرام كلام دقيق جداً، يقول النبي عليه الصلاة والسلام وهو يخاطب سيدنا علياً كرَّم الله وجهه، وهذا كلام نسمعه كثيراً، ولكن شتَّان بين أن نسمعه وأن نردِّه، وبين أن نطبِّقه، قال عليه الصلاة والسلام:

(( يا علي لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً ـ وفي رواية ـ لأن يهدي الله بك قلب رجل واحد خيرٌ لك من الدنيا وما فيها ))

(( فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ))

[ متفق عليه عن سهل بن سعد ]

(( خيرٌ لك مما طلعت عليه الشمس ))

 هناك شركات تجاريَّة عالميَّة قرأت مرَّة عنها، فائضها النقدي الذي لا تدري له استثماراً ألفا مليون دولار، وبعض الدول فائضها التجاري سبعون مليار دولار، فهذه الدنيا فيها أموال، وفيها شركات، وفيها معامل، ومتنزَّهات، وأماكن جميلة جداً، وطائرات، وبوارج، ويخوت، وتجارات، فقد يكون عند أحدهم محل في شارع تجاري رئيسي، يقول لك: المتر ثمنه نصف مليون، محلي خمسون مترًا، تجده يزهو به، ولو عنده على الصفين محلات، ولو كان له كل هذا الشارع على جنبيه بكل طوابقه ؛ المستودعات، ومكان البيع، والمكاتب على الصفين، فهذه الدنيا فيها شركات لها رأسمال فلكي، هذه هي الدنيا، فإذا صدَّقت النبي عليه الصلاة والسلام وهو يقول:

(( يا علي، لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من الدنيا وما فيها ))

 تصوَّر هذه الشركات الكبرى في العالَم التي توازي ميزانيَّتها ميزانيات دول، وهذه الفنادق الكبرى التي لها دخل فلكي، لو أن لك أحد هذه الفنادق، وهديت رجلاً واحداً خيرٌ لك من الدنيا وما فيها، دقِّقوا في كلام سيدنا رسول الله لأن هذا المال كلُّه ينتهي عند الموت، لكن هداية هذا الإنسان تسعد به إلى أبد الآبدين.
 إن هذا يعني أن الإنسان إذا بذل جهدًا، واعتنى بأخيه، وأكرمه، وزاره، وتفقَّد أحواله، وأعطاه شريطا، وأعطاه كتيِّبا صغيرا، وفسَّر له آية كريمة، وفسَّر له حديثا شريفا، ودعاه إلى المسجد، ودعاه إلى الدروس، وقدَّم له هديَّة، واستمال قلبه، واعتنى بأولاده حتى مال إليك هذا الإنسان، ومال إلى مسجدك، ومال إلى دروسك، وسمع الدروس، وائتمر بأمر الله، وانتهى عما نهى الله عنه فصار إنساناً مؤمناً، والله الذي لا إله إلا هو هذه أعظم تجارة.
 ألا ترى معي أن الذين يملكون الملايين ؛ ترك ألف وثمانمائة مليون، ولكنه ترك معه الملهى فيه كل المنكرات، ألا ترى أن هؤلاء الذين يملكون آلاف الملايين إذا ماتوا فقدوا كل شيء، وأنهم قدموا على كل أنواع العذاب ؟ وأن الذي ترك هذه الدعوة إلى الله، وتلك الهداية، واحد فقط ـ

(( يا علي، لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من الدنيا وما فيها ))

  أليس للإنسان أخ ؟ أو صديق ؟ أو جار ؟ أو ابن ؟ أو ابن ابن ؟ أو عنده بالمحل موظَّف ؟ أو إنسان يعمل تحت إمرته يمون عليه ؟ هذا الذي تنتفع بخبرته، وتنتفع بجهده، وتنتفع بعطائه ولا تنفعه بعلمك لقد خُنْتَهُ.
 لو عندك معمل فيه ثمانون عاملا، وهؤلاء العمال هم بيدك، ودخلهم وإكرامهم بيدك، ألا ينبغي أن تدلَّ هؤلاء على الله عزَّ وجل ؟ وأنت بوظيفتك، وعملك، وعيادتك، ومكتبك، وبيتك، ودكَّانك وأنت واحد فقط، اسع لهداية واحد هداية صحيحة، قال له: أسْلِم، قال: ماذا أقول ؟ قال له: والله لا أعرف ماذا تقول، يجب أن تدلَّه على الله بشكلٍ صحيح، أن تبني له أُسُسَاً فكريَّة و انفعاليَّة، وسلوكيَّة، فهذه هي الهداية، وفاقد الشيء لا يعطيه.

 

حركةُ اللسان الدعوية يلزمها العلمُ والخلق الحسنُ:

 

 أول شيءٍ اطلب العلم الصحيح ممن تثق بعلمه وإخلاصه، واطلب الدليل، ولا تقبل شيئاً من دون دليل، واطلب التعليل، واقرأ كتاب الله، وافهمه وحاول أن تفهم هذا الكلام العظيم، واقرأ سُنَّة رسول الله، وسيرته واسأل عن الأحكام الفقهيَّة.
 اطلب العلم أولاً، فإذا طلبت العلم وسجَّلته، وحفظته في كتيِّب، أو شريط، أو ورقة، وكل علم ليس في القرطاس ضاع، فإذا سمعت العلم وسجَّلته، لمجرَّد أن تسجِّله فقد حفظته، فإذا حفظته ملكته، فإذا ملكته نشرته، بمناسبات، أو بالنزهات، أو بالاحتفالات، ومن فضل الله هذه البلدة كل احتفال فيها فيه إلقاء كلمات، وهذه دعوة إلى الله، وهل سمعتم في هذه البلدة الطيِّبة عقد قِرانٍ من دون إلقاء كلمة ؟ أبداً، الآن حتى في الأحزان، والتعزيات هناك إلقاء كلمات، وفي النُزهات، وفي الاحتفالات أيضًا، فمجال الدعوة إلى الله واسعٌ جداً.
 المؤمن ـ أنا أقول هذا، وأنا أعني ما أقول، لا في الساعة، ولا في الدقيقة، بل في اللحظة التي يستقر فيها الإيمان في القلب يعبِّر عن ذاته بالحركة نحو خدمة الخلق والدعوة إلى الحق، لك حركتان: حركة في اللسان وحركة في اليد، ودائماً تسعى لنفع الآخرين، فالمؤمن يبني حياته على العطاء، فأساس حياته العطاء، والدلالة على الله عزَّ وجل، يرقى بالناس بلسانه وبإحسانه، إذاً هذا الكلام يعنينا جميعاً، والله عزَّ وجل ذكر هذه الآية بأسلوبٍ مشوِّق، أي..

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ ﴾

 لم يقل: ادعوا إلى الله، هذه الآية تقول:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً ﴾

 أي: ليس في عبادي جميعاً إنسانٌ أفضل ممن دعا إليَّ، لكن قبل أن يدعو إليّ عليه أن يعرفني، وعليه أن يطيعني، إذا عرفني وأطاعني، ثم دعا إليَّ وفَّقته في دعوته، والدعوة إلى الله لا تحتاج إلى ذكاء فقط، ولا إلى علم فقط بل تحتاج إلى توفيق من الله عزَّ وجل، لأنه: " ما أخلص عبدٌ مؤمنٌ إلى الله إلا جعل قلوب المؤمنين تهفو إليه بالمودَّة والرحمة ".
 قلوب العباد بيد الله، فإذا عَلِم صدق عبادٍ جمعهم عليه، وجذبهم إليه فالتفوا حوله، وإذا علم كذب عبادٍ انفضوا من حوله، ومع ذلك هناك آيةٌ قرآنيَّة دقيقةٌ جداً، يقول الله عزَّ وجل مخاطباً النبي صلى الله عليه وسلَّم، وهو ـ كما أقول دائماً ـ سيِّد الخلق وحبيب الحق، سيد ولد آدم النبي الأول، الرسول المبلِّغ، المعصوم الذي يوحى إليه، يقول الله عزَّ وجل، ومع كل هذه الخصائص، وهذه الميزات ؛ ومع عصمتك، وكرامتك، وتفوُّقك، وفرديَّتك:

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ﴾

 

( سورة آل عمران: من الآية 159 )

 الداعية رأسماله الأخلاق العالية ؛ فرحمته، وتواضعه، وتسامحه، أن يكون مع الناس في كل أحوالهم، لا أن يترفَّع عنهم في برجٍ عاجي، فالأنبياء يمشون في الأسواق، عاشوا مع الخلق، كيف يستطيع النبي أن يدلَّ الناس على الله إلا أن يكون معهم ؟ عاش معهم، فالانسحاب من المجتمع، والتقوقع ليس من صفات الدعاة الصادقين..

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

 والإمام الحسن رضي الله عنه كان إذا تلا هذه الآية:

 

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

 

النبيُّ عليه الصلاة والسلام أولُ المَعْنِيِّين بهذه الآية:

 قال: هذا رسول الله، فالآية تشير إلى أنه رسول الله، وهذا حبيب الله، وهذا وليُّ الله، وهذا صفوة الله، وهذا خيرَة الله، وهذا والله أحب أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته ودعا الناس إلى ما أجاب إليه.
 إذاً: بعض المفسِّرين فهم أن هذه الآية تعني رسول الله، ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله ؟ فأنتم أيها الكفَّار ـ يخاطب الله كفار مكَّة ـ الذين عارضتموه، وكذَّبتموه، وسفَّهتم دعوته، ودعوتم إلى أصنامكم، وإلى لهوكم، وإلى طغيانكم، وإلى ظلمكم، أنتم أم هو ؟

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

الآية عامة لجميع المسلمين:

 

 ومفسِّرون آخرون قالوا: هذه الآية عامَّةٌ في كل من دعا إلى الله، وبعضهم وسَّعها أكثر فأكثر فقال: هذه الآية تخصُّ كل مؤمن، لأن المؤمن أحياناً يدعو إلى الله وهو ساكت، قال له: عندك بيض طازج ؟ قال له: والله الذي عندي من يومين، جاري أحضره الآن اذهب إليه، شيءٌ يجذب النظر، الصدق، فقد يكون الرجل بائعا صغيرا لا يؤبه له يعلِّمك درساً في الصِدق، وهناك امرأةٌ أصابها جُذام، فنهاها عمر أن تكون بين الناس لئلا تؤذيهم، فاعتزلت الناس، وقبعت في بيتها، فلمَّا مات عمر رضي الله عنه قيل لها: اخرجي، فالذي نهاكِ قد مات "، قالت: " والله ما كنت لأطيعه حياً وأعصيه ميِّتاً ".
 يمكن أن تدعو إلى الله وأنت ساكت، ولا كلمة، باستقامتك، بصدقك، وتواضعك، وامرأةٌ لها زوجٌ يملك مئات الملايين وليس على حق، جرى خِلافٌ بينه وبينها فطلقها ثلاثاً وسافر، وفي أثناء سفره توفَّاه الله، فلمَّا جاءوا ليعطوها نصيبها من الميراث بمئات الملايين قالت: أنا مطلقَّة، لقد طلقني قبل أن يسافر، فأحياناً إنسانة صغيرة تعلِّمك درساً في الأخلاق، والصدق، والأمانة، فالذي قال: تخصُّ كل مؤمن معه الحق، لأن المؤمن مستقيم واستقامته طاهرة، فاستقامة المؤمن لعفَّته، غض بصره، وحياءه، وذمَّته الدقيقة، وورعُه، وسلوكه الظاهر هذا دعوة إلى الله.

لا يكن دورُك معاكسا لدور الداعية إلى الله !!!

 أخطر شيء في الحياة أن يكون لك زِيٌ إسلامي، أو وصفٌ إسلامي، أو خلفيَّةٌ أو انتماءٌ إسلامي، وأنت تؤذي الناس، هذا الإنسان له دورٌ معاكسٌ للداعية إلى الله، مُنَفِّرٌ من الله، مُبْعِدٌ عن الله، يقطع الناس عن الله، صار هناك من يدعو إلى الله، وهناك من ينفِّر من الله، هناك من يصل الناس بالله ومن يقطعهم عنه، هناك من يحبِّب الله إلى عباده، ومن يبغِّض الله إلى عباده، لذلك أخطر شيء أن ترفع لافتةً إسلاميَّةً، وأن تسيئ إلى الناس..

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ

1 ـ الإسلامُ حقيقةً لا شكلاً وكلاما:

أما:

﴿ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

  أي أنك لا تتكلم بالعموميات، والقيم الروحيَّة قل: أنا مسلم، تمييع القيَم، وجعلها تتسع لكل شيء، هذه تعمية على الناس، فلان لا يشرب الخمر، فيتعلل بقوله: معدتي وأمعائي لا تتحمله، قل: أنا مسلم لا أشرب الخمر، بِسَذاجة، فبيِّن أن هذه الأخلاق بسبب إسلامك، لا تعزُ هذه الأخلاق إلى عادات أو تقاليد، بل قل: أنا مسلم، أنا أقف عند حدود الله لأني مسلم، أمتنع عن قبض هذا المال لأني مسلم.
 سمعت عن أحد الفلاسفة الفرنسيين الذين أسلموا حديثاً ـ روجيه جارودي ـ قال: قبل ثلاثين عاما في الحرب العالميَّة الثانية كُلِّف جندي مغربي أن يقتله لأنه أسير، فأعلمه هذا الجندي أنه لا يقتله، لأن إسلامه يمنعه من ذلك، بقيت هذه الحادثة في نفسه، واعتملت في فؤاده ثلاثين عاماً حتى نقلته إلى الإسلام..

﴿ وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

 فإذا رأى الناس منك موقفاً شريفاً، أو تصرُّفاً حكيماً، أو تمنُّعاً عن طمعٍ مادي، أو ترفُّعاً عن مكسبٍ فيه شُبهَة لا تعز هذا إلى مزاجك، ولا إلى طبعك، ولا إلى تربيتك، بل قل: هذا مما حرَّمه عليَّ الإسلام.
 دائماً أبرز عظمة هذا الدين في سلوكك لتكون داعيةً إلى الله، أما إذا قلت: هذه قيم روحيَّة عامة إذ عمَّمتها، أو أخلاق، أو هذه أخلاق بلدنا، أو هذه أخلاق أسرتنا، فأنت ضيَّعت الناس، بل قل هذه أخلاق المؤمن، وهذه أخلاق الإسلام، الإسلام فعل كذا وكذا.
 سمعت في بلد إسلامي أنه جاءت وزيرة زائرة، فهناك موظَّف كبير لم يصافحها، فغضبت أشدَّ الغضب، فلمَّا طلبته: لمَ لمْ تصافحني ؟ قال: إن ديني يمنعني من ذلك، قالت هذه الوزيرة البريطانيَّة: لو أن المسلمين أمثالك لكنَّا تحت حكمكم، بيَّن لها: لم أصافح، لأن ديني يمنعني من ذلك، فعندما يقيم الإنسان شرع الله عزَّ وجل لا ينبغي أن يستحي به، ولا ينبغي له أن يعزوه إلى عادات، وتقاليد، تربية، أسرة، أو بلد، لا بل قل: هذا هو الإسلام، لأن ديني يأمرني بذلك، وينهاني عن ذلك، ومن أجل أن تربط الحقائق بصاحب الحق، وهذا معنى:

 

﴿ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ﴾

 

وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ

1 ـ علاقة الآية بما قبلها:

 ما علاقة هذه الآية بالتي قبلها ؟ أي إذا كنت مسيئاً لا سمح الله فمهما ألقيت على الناس كلاماً رائعاً، ومهما ألقيت عليهم حِكَمَاً رائعةً لطيفةً، أو تفنَّنت في شرح النصوص، أو تفنَّنت في تحليل النصوص، مهما كانت التعليقات رائعةً كلُّها تسقط بسبب العمل السيئ، بل إن صاحب العمل السيئ يكفر الناس بأقواله ولو كانت حقَّاً، ولذلك وأنت تدعو إلى الله..

﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ﴾

2 ـ الحسنة ترفع مستوى الدعوة إلى الله:

 بالحسنة ترفع هذه الدعوة إلى القِمَم، وبالإساءة تضع هذه الدعوة في الأوحال، فإذا أردت أن تضع دعوةً في الوحل فأسئ إلى الناس في أثناء الدعوة، وإذا أردت أن ترفع دعوةً إلى القِمَم فكن محسناً، وهذا معنى الآية الكريمة:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

3 ـ إذا سقط الداعية سقط معه غيرُه:

 أنت داعية، وإنسان معروف بين أهلك، وأنت مؤمن، وإنسان معروف بالصلاح، وإنسان معروف بانتمائك الديني، وهويَّتك الإسلاميَّة، وإنسان معروف بين مجتمعك أنك صاحب دين، فإيَّاك أن تؤذي مخلوقاً، لأن هذا الأذى يبطل دعوتك، ويجعلها في الأوحال، فقبل أن تُسيء إلى الناس، وقبل أن تكذب، وأن تأخذ ما ليس لك ففكِّر مليون مرَّة بأنك داعية، وإذا سقطت سقطت معك الدعوة، ألم يقل الإمام أبو حنيفة كرَّم الله وجهه لهذا الغلام الذي كاد يقع في حفرةٍ قال له: " يا غلام إيَّاك أن تسقط "، فقال له الغلام: " بل أنت يا إمام إيَّاك أن تسقط، إني إن سقطت سقطت وحدي، وإنك إن سقطت سقط معك العالَم ".
 أنا لا أرى غضاضةً في أن جزءاً من خيبة المسلمين، من تخلُّفهم، ومن ضعفهم أن حياتهم افتقدت المُثُلَ العُليا، لأن المثل الأعلى له أهمية كبرى فما أهميته ؟ هو يعطيك الحقيقة مع البرهان عليها، فيجب أن يكون في حياتك إنسان تثق بإخلاصه، ونزاهته، وورعه، وصدقه، وليس له مصالح أبداً، هذا الإنسان هو الذي يُنَمِّي فيك الخير، وينمي فيك العطاء، وهو القدوة الحسنة.

4 ـ هؤلاء الدعاة حقيقةً:

 وجود النبي عليه الصلاة والسلام كان لأصحابه مثلاً أعلى، كان معهم في سرَّائهم وضرَّائهم، وكان مع أصحابه في سفر، أرادوا أن يعالجوا شاةً فقال أحدهم: " عليَّ ذبحها، وقال الثاني: عليَّ سلخها، وقال الثالث: عليَّ طبخها ". فقال عليه الصلاة والسلام:

 

(( وعليَّ جمع الحطب "، قالوا: " نكفيك يا رسول الله "، قال: " أعلم ذلك ولكن الله يكره أن يرى عبده متميِّزاً على أقرانه ))

 

[ ورد في الأثر ]

 انتهى الأمر.
 سيدنا الصديق، ركب أسامة بن زيد الناقة، وقد عيَّنه الرسول قائداً للجيش، ومشى الصديق، الشيخ الوقور، خليفة المسلمين في ركابه، قال: << يا خليفة رسول الله، لتركبن أو لأنزلن "، قال: " والله لا ركبت ولا نزلت، وما عليَّ أن تَغْبَرَّ قدمايَ ساعةً في سبيل الله >>.
 وسيدنا الصديق قبل أن يكون خليفة المسلمين وله جارةً يحلب لها الشياة ـ وهكذا من عادته ـ فلمَّا أصبح خليفةً توقَّعت هذه الجارة أن هذه الخدمة قد انقطعت، لأنه ليس متفرِّغاً لمثل هذا العمل، وفي صبيحة اليوم الأول من تولِّيه هذا المنصب طُرِقَ الباب، وقالت: " يا بنيَّتي افتحي الباب "، قالت: " جاء يا أمي حالب الشاة "، جاء ليحلب لها الشياه، فهذا الدين عظمته بالتطبيق.
 والله أنا دائماً أقول: لو أن صحابة رسول الله فهموا الدين كما نفهمه نحن، والله الذي لا إله إلا هو ما خرج الإسلام من مكَّة المكرَّمة، لكنه أنه وصل إلى الآفاق، وإلى المشارق والمغارب بفضل هذه الأخلاق الرفيعة، والآن لا سبيل إلى أن نعود إلى ما كنا عليه إلا بتمسُّكنا، فالناس سمعوا كلاماً، ومحاضرات، وكتبا، وهم الآن بحاجة إلى مطبِّقين، وإلى مُثُل عُليا، وإلى أناس يطبِّقون ما يقولون، فهذه الآية دقيقة جداً، وتعني كل مؤمن.

 

5 ـ إنْ لم تكن داعية بلسانك فكن داعية بحالك وخلقك:

 أول معنى: تعني رسول الله، والمعنى الثاني: تعني كل داعية، والمعنى الأعم والأشمل: تعني كل مؤمن، وأنت إن لم يكن عندك طلاقة لسان، ولم تقرأ كثيراً، فكن صادقاً، كن صادقاً في مهنتك، وفي حرفتك، وبيعك، وشرائك ولا تكذب، ولا تغشَّ الناس فتصبح داعيةً، وأنت لا تدري، وسيقول عنك الناس: فلان لا يكذب، وهو صاحب دين، وفلان أخلاقه عالية، وكلمته كلمة، وهو عفيف يؤمن على الروح، وهذه هي الدعوة لله عزَّ وجل، وبإمكانك من خلال استقامتك وعملك الصالح أن تكون داعيةً إلى الله، وبإمكانك ـ وهذا أرقى ـ أن تدعو إلى الله بعملك ولسانك.
 بينما أن هذه الآية كانت تخصُّ النبي عليه الصلاة والسلام، إذا بها تخصُّ كل داعيةٍ، ثم هي تخصُّ كل مؤمنٍ، فإذا وفَّقك الله عزَّ وجل في كل العمر إلى هداية إنسانٍ هداية صحيحة دقيقة فقد وفِّقت إلى كل شيء، وهذه الدنيا كلها لا تلتفت إليها، لأنك تخسرها عند الموت جميعها مهما حصَّلت منها..

﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ {34} وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾

 هذه الآيات إن شاء الله نعود إليها في الدرس القادم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018