الدرس : 05 - سورة فصلت - تفسير الآيات 30-32 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 05 - سورة فصلت - تفسير الآيات 30-32


1993-12-03

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الخامس من سورة فصِّلت، ومع الآية الثلاثين، وهي قوله تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32) ﴾

إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ

1 ـ الغرضُ من استعمال التوكيد:

 أيها الإخوة، إنَّ حرف مشبَّهٌ بالفعل يفيد التوكيد، فهنا تؤكِّد ماذا ؟

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ ﴾

 فإن تفيد توكيد، أو تأكيد إسناد الخبر للمبتدأ، تقول: العلمٌ نافعٌ، يقول لك أحدهم: أين نفعه، فالمتعلِّمون أقلّ الناس دخلاً ؟ تقول له: إنَّ العلم نافع، تريد أن تؤكِّد إسناد الخبر للمبتدأ، أي أن العلم نافعٌ قطعاً، وأؤكِّد لك ذلك.
 فربنا سبحانه وتعالى إذا جاء في كلامه أدوات توكيد فالتوكيد لنا ليطمئننا، وليزيل وحشتنا، وليجعلنا نطمئن إلى وعده، فالتوكيدات التي تأتي في القرآن الكريم المقصود منها تطمين المؤمن..

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾

2 ـ هل يكفي أن يقولوا: ربنا الله ؟

 قد تسألون هذا السؤال: هل يكفي أن يقولوا: ربنا الله ؟ كلمة ( قال ) في القرآن الكريم وفي السُّنة المطهَّرة تعني أنه اعتقد جازماً، عملية تثبيت، هذا الإنسان درس، واستقصى، وتأمَّل، وحلَّل، وبحث عن الأدلَّة والأسباب، ثم استقرَّت في نفسه حقيقة، فإذا استقرَّت يقول: أنا مؤمنٌ بكذا، لكن بعد ظهور النفاق صار القول يحتاج إلى أن يؤكِّده العمل، وأن يؤكده ما في القلب، لأن الإيمان تصديقٌ بالقلب، وإقرارٌ باللسان، وعملٌ بالأركان.
 " ليس الإسلام بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدَّقه العمل ".

[ هذا القول لم يصح عن النبي عليه الصللاة والسلام بل هو من قول الحسن البصري ]

 أما كلمة قالوا هنا فمقصودها إنسان بعد البحث، والدرس، والتأمُّل، والاستقصاء، والأخذ والرد استقرَّت في نفسه حقيقة، فلمَّا استقرَّت عبَّر عن استقرارها بأنه قال كذا..

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾

3 ـ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ

مقام الربوبية:

 ربنا تعني مُرَبِّينا، إذ لا يوجد اسم من أسماء الله عزَّ وجل أقرب للمؤمن خاصَّة، وللإنسان عامَّة من كلمة رب، إذ مقام الربوبيَّة يحتاج إلى عِلم، ويحتاج إلى رحمة، وخبرة، وقوَّة، وغنى.
 تصوَّر أبا في أعلى درجات الفهم، والغنى، والقوة، والحكمة، والنزاهة وعنده طفلٌ صغير يربيه، ويربي جسده، فإذا احتاج إلى عمليَّة جراحيَّة يجريها له عند أمهر الأطبَّاء، إذا لزمه تقويم أسنان يقوم له به عند الأطبَّاء، وإذا رأى في سلوكه انحرافاً يسلك معه طريق التربية الرادعة أو المشجِّعة.
 فالتربية مقام أساسه العلم والرحمة، وأساسه الحكمة، والعطف، والقوَّة، والغنى، والخبرة، فإذا أيقنت أن الذي يربيك حقيقةً كيف يربيك ؟ أولاً اختارك من هذا الأب وهذه الأم لحكمةٍ ما بعدها حكمة، ولو كُشف الغطاء لاخترت الواقع، اختارك من أبٍ وأم، واختارك أن تكون في هذه البلدة، وأن تأتي إلى الدنيا في هذا الزمن، وأعطاك شكلاً خاصَّاً، وقدارت ومعطيات وظروفاً بيئيَّةً خاصَّة، فهذه الأم وذاك الأب، وهذا المكان وذاك الزمان، وهذه القدرات وتلك المعطيات، وهذه الظروف التي مررت بها هذه من عند حكيمٍ، عليمٍ، خبيرٍ، رحيمٍ، قويٍ، غني، وليس في الإمكان أبدع مما كان.

لا يكمل إيمام مؤمن حتى يرضى بقضاء الله وقدره:

 إذا أيقنت أن ربَّك هو الله، الله عَلَمٌ على الذات صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى، واجب الوجوب، الذي بيده مقاليد السماوات والأرض، والكون كله بيده، والأحداث كلَّها من صُنعه، وخصوم الإنسان كلُّهم في قبضته، وأجهزة الإنسان كلها رهن إشارته، ما فوق الإنسان، وما تحت الإنسان، وما قبل الإنسان، وما بعده، وكل ما يجري في هذا الكون بيده.

﴿ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ(64) ﴾

( سورة غافر )

 الإله الذي أوجد هذا العالم وسيَّره، هو الموجود والواحد والكامل، كلمة الله تعني مقام الخالق، مقام الخلق، مقام الربوبيَّة، مقام التسيير والألوهيَّة، وتعني الأسماء الحسنى، والصفات الفضلى..

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ﴾

 الإنسان لا يستكمل إيمانه إلا إذا علم أن ما أصابه لم يكن ليُخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، والإنسان أحياناً من بعض الأمثلة الماديَّة يفهم بعض الحقائق.
 تصوَّر طفلا صغيرا له أبٌ عظيم ؛ عظيم برحمته، وبعلمه، عظيم بحكمته، عظيم بحرصه، عظيم بإخلاصه، وبقوَّته، كل هذه الخبرات، وتلك القُدرات، وهذه الحِكَم، وتلك العلوم كلها من أجل أن يكون هذا الابن في أعلى درجات الرُقي، الأب مربٍ والأم مربيَّة، أما إذا وضعنا تربية الأب والأم أمام تربية الله عزَّ وجل فهي لا شيء، لأنهما يربيان ابنهما على حسب علمهما، وشتَّان بين علم المخلوق وعلم الخالق، يربيان ابنهما على قدر إمكاناتهما، وشتَّان بين محدوديتهما وبين طلاقة قدرة الله عزَّ وجل، والإنسان حينما يؤمن أنّ الله هو المربي تُحلُّ كل مشكلاته، لأنه رحيم حكيم عليم، وهذا الذي ساقه لك قراره، هذا أمره، لهذا قالوا: " الإيمان بالقدر يذهب الهمَّ والحزن "، فما من مشكلة، وليس في الإمكان أبدع مما كان..

 

(( لا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ))

 

[ من صحيح مسلم عن أبي هريرة ]

 الإنسان لا يسعد إلا إذا اطمأنَّ إلى جهةٍ عظيمةٍ ترعاه وتربيه، لذلك ترى معنويات المؤمن عاليةً جداً، من أين جاءها هذا العُلو ؟ من ثقته أن الله هو المُربي.

 

تربية الأب والأم مظهرٌ لعناية الله بالإنسان:

 

 مرَّة سمعت كلمةً في الطريق أثارت مشاعري، أحدهم يقول للآخر: إذا لم يكن له أب فله رب ؟ شعرت أن ربنا جلَّ جلاله هو المُربي وحده، وما تربية الأب وما تربية الأم إلا مظهرٌ لعناية الله بهذا الإنسان.
 ليس هناك أمرٌ في كتاب الله من أوله إلى آخره، ولا في سنة رسول الله، يقول لك: كُلِ الطعام، لأن هذا شيء بديهي، فالله عزَّ وجل أودع فيك الدافع إلى تناول الطعام، إنه دافع قوي، فأنت لا تنام الليل إن كنت جائعاً، تبحث عن الطعام من دون أن تحتاج إلى أمر يقول لك: كل الطعام، بل رَكَّبه في طبيعتك، ذكرت هذا المثل تمهيداً لمثل آخر:
 الله عزَّ وجل أودع حبَّ الأبناء في قلوب الآباء، الأب لا يسعد إلا إذا كان ابنه سعيداً، فلا يقر له قرار إلا إذا كان ناجحاً في عمله، وزواجه، وبيته وفي مجتمعه، بل إن الأب يتمنَّى أن يكون ابنه أعلى الناس وأعلى منه، والأم كذلك، فحُب الله لهذا المخلوق جُسِّد وتمثَّل في حب أمِّه وأبيه له.
 اذهب إلى بعض المصحَّات أو إلى مستشفى الأطفال، وانظر، الأمهات على اختلاف زيِّهن، وانتماءاتهن، ومشاربهن، وثقافاتهن ؛ أم مثقَّفة، أم غير مثقَّفة، أم مسلمة، أم غير مسلمة، أم متفلِّتة من الدين، أم منضبطة بأمر الله، كل هؤلاء النسوة يعطفن على أولادهن، ويشفقن عليهن بشكلٍ لا يصدَّق، وهذا ما أودعه الله في قلوب الأمهات.. " إذا أحبَّ الله عبداً ألقى حبَّه في قلوب الخلق ".
 والله الذي لا إله إلا هو حينما أرى عناية أبٍ أو أمٍّ منصبَّةً على ولدهما لا أرى إلا عناية الله مجسَّدة في عناية الأب والأم.
 قصَّة رمزيَّة لم تقع، لكن لها معنى: أمٌ كانت تخبز على التنور، وابنها على طرف التنور، فكلَّما وضعت رغيفاً في التنور قبَّلته، نبيٌ كريم قال: يا رب، ما هذه الرحمة التي أودعتها في قلب هذه الأم ؟ قال: هذه رحمتي، ولو نزعتها لألقته في التنور.
 أمامنا بعض الحيوانات تأكل أولادها، حيوانات كثيرة، تربيه إلى أجلٍ، ثم تأكله، من أودع في قلوب الآباء والأمَّهات هذا العطف وذاك الحرص، انظر إلى كل الأُسر تقريباً، الأب يسعى ليلاً نهاراً لتزويج أبنائه، ولتأمين مستقبلهم، والأم تسعى ليلاً نهاراً لزواج بناتها، بل إن في الأمهات عاطفةً عمياء فالأم تعطف على بناتها وتراهن في أعلى المستويات وهنَّ لسن كذلك، لكن هذا من تكريم الله للإنسان.
 حينما يكون علمُ الإنسانِ محدوداً يرى أمه وأباه، أما إذا تعمَّق في العلم فيرى رحمة الله تجسَّدت في رحمة الأب والأم، ينظر عناية الله تجسَّدت في عناية الأب والأم، وحكمة الله تجسَّدت في أنه أودع في قلب الأم والأب هذا العطف وذاك الحب وهذه الرحمة.
 كيف أن الإنسان يندفع إلى تناول الطعام، ولا يحتاج إلى أمر، ولا إلى توجيه، ولا فريضة، ولا أن يسأل: أخي ما رأي الفقهاء في تناول الطعام ؟ فأنت لا تحتاج إلى رأي الفقهاء، قم وكل، هذا الموضوع لا يحتاج إلى رأي الفقهاء، وهو مركَّب في جِبِلَّتك، وفي كيانك. وكذلك رحمة الآباء والأمهات بالأبناء مركَّبةٌ في كيان كل أبٍ وأم، وهذا تجسيدٌ لرحمة الله عزَّ وجل، حتى أن بعض المفسِّرين حينما فسَّر قوله تعالى:

﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾

( سورة طه: من الآية 39 )

 فُسِّرَت هذه الآية بأن محبة العباد انعكاسٌ لمحبة الله.

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ﴾

 إذا آمنت أن الله هو الرب، وأنا أقول لكم أيها الإخوة: والله لو كُشِفَ الغطاء، أو لو كشف الله لهذا الإنسان عن حكمة الذي ساقه إليه من المكاره، والصعوبات، والمتاعب والله الذي لا إله إلا هو يجب أن يذوب كالشمعة تماماً حباً لله عزَّ وجل، هكذا ينبغي له أن يكون، لكن هذا الذي يعترض على أفعال الله، وعلى حكمته، وتصرُّفاته، وقد يطعن في بعض أسمائه الحُسنى هذا إنسان لا يعرف الله..

 

﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾

( سورة آل عمران: من الآية 154)

 أنت ربك الله، فالتربية تبدأ ؛ إذا استقمت يشجِّعك، إذا انحرفت يؤدِّبك، وإذا كسبت مالا حلالا يبارك لك فيه، والمال الحرام يتلفه لك، وأعطاك درسا قاسيا، وإذا تجبَّر الإنسان قصمه، وإذا تكبَّر أهانه، وإذاتواضع رفعه، فحينما تفهم على الله أفعاله تكون قد قطعت شوطاً كبيراً في طريق معرفة الله.

4 ـ المؤمن يرى ربَّه الله:

 مركز الثِقل في الآية:

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ﴾

 الإنسان لا يرى الله ربَّه، بل يرى زيدا أو عُبَيدا، ويرى شخصاً قوياً هو ربُّه يعبده من دون الله، يتمنَّى رضاه، وينفِّذ أمره بتفاصيله، ولو خالفتْ أوامره أوامر الله عزَّ وجل، أما المؤمن فيرى ربَّه الله، قال:

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ﴾

5 ـ التربية تعني الحرصَ على التأديب:

 آمن بالله خالقاً، وآمن بالله مربياً له، لكن اسم المربّي هو أقرب اسم من أسماء الله الحسنى للإنسان، يربيك الله عزَّ وجل فيسوق لك مرضًا، وهذا المرض يردُّك إليه، أو يسوق فقرًا، وهذا الفقر يُلْجِئُكَ إلى باب عبوديَّته، ويفعل معك فعلاً بليغاً، فيعطيك درساً لا يُنسى، الإنسان أحياناً يتكلَّم كلمة فيها شرك فربنا يؤدِّبه، فالمربي مؤدِّب.
 لو كان هناك في الطريق ثلاثة أولاد يدخِّنون مثلاً، فمرَّ رجل، وهذا الرجل أبٌ لأحد هؤلاء الأولاد، وعمٌ للثاني، والثالث لا يعرفه، ولا يقربه، أي ليس هناك قرابة، تجد هذا الأب انفعل انفعالاً شديدًا، وكاد يخرج من جلده حرصاً على ابنه، وانفعاله مع ابن أخيه أقلُّ، أما هذا الطفل الثالث فيقول له: امش، اذهب إلى سبيلك، فالأب يعنِّف ابنه تعنيفًا شديدًا، وأقلّ من هذا التعنيف لابن أخيه، وهذا الطفل الثالث لا يعنِّفه إطلاقاً.
 إذاً: التربية تعني الحرص، والحرص يعني التأديب أحياناً، فربنا عزَّ وجل لأنه يحبُّنا، ولأنه خلقنا لجنِّةٍ عرضها السماوات والأرض، ولأنه يحرص على سعادتنا فلذلك يؤدِّبنا.
 أحياناً أشبه بالأب الطبيب، لماذا أقول: أب طبيب، لأنه يجمع بين الرحمة والعلم، فالأب الطبيب إن رأى في جسد ابنه خللاً يمارس عليه كل وسائل الشدَّة، لحمايته من الطعام المؤذي، فالتعليمات قاسية جداً، لأن الحِرص شديد جداً، والرحمة شديدة جداً، فالرحمة مع العلم ليس هناك أعظم منها، والآن هناك أمَّهات جاهلات يرحمن أولادهن رحمةً عمياء، فيسببن لهم الدمار، ولكن رحمة الله مع العلم..

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾

ثُمَّ اسْتَقَامُوا

1 ـ معنى الاستقامة:

 استقاموا على أمره، واستقاموا إليه، واستقامت عقيدتهم، واستقام وقلبهم بالإقبال عليه، وجوارحهم بالانضباط بأمره ونهيه، والاستقامة تعني أشياء كثيرة، فلان عقيدته غير مستقيمة أي فيها خلل، هؤلاء قالوا:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾

2 ـ لابد من إتباع الإيمان بالاستقامة:

 

 لكن المعنى الإجمالي هنا: استقاموا على أمره، والشيء الذي يجذب النظر في هذه الآية أن تقول: الله ربيِّ، والإسلام ديني، ومحمدٌ نبيِّ، من دون أن تستقيم على أمر الله، ومن دون أن تتبع سُنَّة رسول الله، فهذا كلامٌ فارغٌ لا يقدِّم ولا يؤخَّر، فعلامة صدق إيمانهم بربِّهم استقامتهم على أمره..

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾

 إعراب الذين اسم إنَّ..

 

 الجملة الأولى صلة والثانية معطوفة، وكل هذا الكلام اسم إن، أين الخبر ؟ الخبر هو الكلام المتمّم الفائدة، فقد تقول أحياناً: فلانٌ الذي شاهدته معي البارحة، ويقول لك: نعم، كان طويل القامة، يقول لك: نعم تذكَّرت، يحمل محفظة، نعم تذكَّرت، الذي يرتدي ثيابًا بنية اللون، ويقول لك: نعم ما الذي حصل له ؟ يحتاج إلى خبر، الصفة غير الخبر..

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾

 اسكت بعدها، يقول لك: ما بهم ؟ ما شأنهم ؟ ما الخبر ؟ الخبر..

 

﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾

 

تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا

خطران يهدِّدان الإنسان: الخوف من المستقبل والحزن على الماضي:

 أيها الإخوة الكرام، هناك خطران يعاني منهما كل إنسان، الخطر الأول: الخوف من المستقبل، يقول لك: الله لا يبرِّكنا ( يقعدنا )، هو ليس فيه شيء، ولكنه خائف أن يبرك، يسمع عن أمراض عضالة فتجده يدعو الله: يا رب، هذه الأمراض صعبة، يا رب عافِنا منها، إذًا هناك خوف من المستقبل دائماً، من مرض عضال، أو من فقر مفاجئ، أو من تدنٍ، من وقف هذا الدخل، من بوار هذه التجارة، أي هناك خوف المستقبل.
 وهناك ندم على ما مضى، يقول لك: لو درست، ولو تزوَّجت فلانة، ولو اشتريت هذا البيت كان ثمنه عشرين ألفا، والآن ثمنه ثلاثون مليونًا، عرضوه عليَّ، ولم اشتره، فهذا الخوف من المستقبل، والندم على ما فات، هذان الشيئان المُقْلِقَان المؤمن عافاه الله منهما، سُئل سيدنا علي كرَّم الله وجهه عن الزُهد فقال في كلمتين: << لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم >>.
 فالمؤمن تأتيه الملائكة، والشياطين يأتون أولياءهم ويوسوسون لهم ؛ فالملائكة دائماً تتنزَّل على المؤمن تطمئنه لمستقبله، وتبعده عن أن يندم على ما فاته..

﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا ﴾

 مما سيكون..

 

﴿ وَلَا تَحْزَنُوا ﴾

 على ما فاتكم.
 قال لي أخ كريم: أنا كنت قبل خمسين سنة أنشط من الآن، فالآن لست نشيطا، والإنسان إذا تقدَّمت به السن تضعف حركته، ويضعف نشاطه، ويحتاج إلى قطع غيار، وإلى نظَّارة طبيَّة، وإلى بدلة لأسنانه، ويندم على سن الشباب، كيف كانت أسنانه كاللؤلؤ في فمه، وكيف كان حاد البصر ؟ كيف كان يتحرَّك حركة نشيطة جداً ؟ يركض خمسة كيلو مترات، والآن لا يركض، ولا يمشي في الأصل، هذا الندم على ما فات شيء مؤلم..

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ ﴾

 لا يوجد إنسان لا يترك بيتًا في حي خشن، فيه بيوت مزدحمة جداً، والأولاد كُثُر، والصرف الصحي سيئ مثلاً، والبيوت غير صحيَّة، وينتقل إلى بيت فخم بحي راق، حيث الشمس الساطعة، وحيث المساحات الواسعة والحدائق الغنَّاء ويتألَّم..

﴿ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ ﴾

وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ

1 ـ المؤمن يرى مقامه في الجنة:

 يشعر المؤمن بدنوّ أجله، ومن كرامته على الله أن الله يريه مقامه في الجنة، فإذا أراه مقامه في الجنَّة يقول: لم أرَ شرَّاً قط، وينسى كل المتاعب التي عاناها في حياته، وكل المصاعب، وكل الأمراض حتى كل الأخطار، لذلك ورد في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم:

(( إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ ))

[ من صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر ]

 ومن أدقِّ توجيهات هذا الحديث أن الرجل المؤمن إذا وافته المنيَّة، وأراه الله مقامه في الجنَّة، يتألَّم كثيراً لأن أهله يبكون عليه، هو في أعلى مقام وفي أسعد حال، ولذلك فعلامة المؤمن أنه متفائل، ولا يزيده مضي الزمن إلا رفعةً، وإنّ تطور الزمن لصالح المؤمن، لأن خطُّه البياني صاعد، ومضي الزمن لمصلحته، لأنه حينما يقوده الزمن إلى الموت، و" الموت تحفة المؤمن ".

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ ﴾

 هذه الآية تذكِّرنا بقوله تعالى:

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(38) ﴾

( سورة البقرة )

 وتوجد آية مشابهة:

 

﴿ فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى(123) ﴾

 

( سورة طه )

 اجمع الآيتين، الذي يتبع هدى الله عزَّ وجل لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، ولا يخشى مما هو آت، ولا يندم على ما فات.
 وأجمل آية توضِّح هذه الآيات:

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا ﴾

( سورة التوبة: من الآية 51)

2 ـ الخوف من المجهول والندم على الفائت تدمير للصحة النفسية:

 

 والحقيقة أن المستقبل مخيف، إذا نشأ الإنسان في معصية الله، ومكَّن حياته، استقرَّت حياته، واستقر دخله، ولا يقلقه إلا الأمراض التي يلدها الزمان، ولا يزعجه إلا المجهول، أما المؤمن فهو مرتاحٌ لعطاء الله، ومرتاحٌ لتطمين الله عزَّ وجل، و لوعْد الله، ولبشارة الملائكة، فهذا الذي لا يضل عقله ولا تشقى نفسه، ولا يخشى مما هو آت، ولا يندم على ما فات، ماذا بقي في السعادة ؟ هذه كل السعادة ؛ لا شقاء ولا ضلال، ولا ندم ولا خوف، ودائماً الندم للماضي والخوف للمستقبل، الأحوال النفسيَّة السيئة تدمِّر الصحَّة النفسيَّة.
 الآن أيها الإخوة أكثر الأمراض أساسها الشدَّة النفسيَّة، الضغط النفسي، والقلق، والشعور بالحرمان، والقَهر، وهي المشكلة التي لا حل لها، أما المؤمن فهو معافىً نفسياً من كل هذه الأمراض..

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾

 لكن هذا الكلام يحتاج إلى همم عالية، كلمة..

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾

3 ـ الفائدةُ من العطف بثُمَّ: ثُمَّ اسْتَقَامُوا:

 ثمَّ تفيد الترتيب لا على التعقيب، بل الترتيب على التراخي، فلماذا جاءت ثم ؟ لمَ لم يقل الله عزَّ وجل: إن الذين قالوا ربنا الله فاستقاموا ؟ أن تقول: ربنا الله، هذه ليست كلمة تقولها عرضاً، هذه تحتاج إلى وقت، وإلى مُدارسة، وسؤال وجواب، وطلب عِلم، وتفكُّر في السماوات والأرض، وتلاوة كتاب الله، وحضور مجالس علم، تحتاج إلى أن تبذل من مالك، ومن وقتك، وفراغك، وخبرتك..

﴿ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ﴾

 وهذا القول أَخَذَ من جهدهم ووقتهم الشيء الكثير..

﴿ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾

4 ـ الاستقامة لابد لها من وقتٍ وجهدٍ:

 هذا معنى أول، كلمة ربنا الله ربنا لخَّصها بكلمة، لكنها جهد جاهد، فأنت أحياناً تتكلَّم على حياة إنسان: أنه ولد في مكان كذا، ونشأ في المكان الفُلاني، وتلقَّى علومه الابتدائيَّة في المدرسة الفلانيَّة، وعلومه الإعداديَّة والثانويَّة في المدرسة الفلانيَّة، وانتسب إلى الجامعة، وأنت تقول: ثم نال الدكتوراه، سبع سنوات دراسة، ماجستير، ودكتوراه، وأطروحات، ومواد متمِّمة، وأستاذ مشرف، وأستاذ فاحص، وأستاذ مقرِّر، وأستاذ يُعطي النتيجة، وأعد المحاضرة، وأعد البحث، وأعد كتابته، بيِّضه لي مرَّة ثانية، يقول لك: سبع سنوات متّ موتًا حتى نلت الدكتوراه، أما في تاريخ الحياة فيقال: ثم نال الدكتوراه، كلمة، ولكن يقابلها سبع سنوات، هذا معنى..

﴿ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ﴾

 لكن هذه تحتاج إلى وقت طويل..

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾

( سورة العنكبوت: من الآية 69 )

 كم درس علم حضرت ؟ يقول لك: سبع سنوات لم أتغيَّب عن درس واحد، كم من ماله أنفقه في سبيل الله ؟ وكم يوم استيقظ صباحاً فقرأ القرآن، وذكر الله عزَّ وجل ؟ مائة ألف أو مليون امرأة غضَّ بصره عنها، كلَّما مشى في الطريق يغض بصره مثلاً، فهذه الجهود النظريَّة والعمليَّة، والبذل، والتضحية، وطلب العلم، والتواضع لمن تتعلَّم هذا كلَّه مشمول بقوله: ثم، التي تفيد الترتيب على التراخي..

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾

 الحقيقة أنّ قيمة إيمانك من استقامتك، قبل الاستقامة لا تفكِّر أن إيمانك له قيمة إطلاقاً، لأنه قبل الاستقامة أنت مثلُ إنسان نظر إلى الشمس في رابعة النهار ؛ نظر، فصفن، فقطَّب جبينه، ففكَّر، وبعد هذا قال لك: الشمس ساطعة، أنت ماذا فعلت ؟ ما فعلت شيئًا، إني قلت: إنها ساطعة، هي ساطعة، وإن قلت: ليست ساطعة، هي ساطعة، سواء أثبت سطوعها لم تفعل شيئاً، ولا إذا أنكرت سطوعها فعلت شيئاً، إن قلت: غير ساطعة فلا أحد يصدِّقك، وإن قلت: ساطعة فما فعلت شيئاً.
 إذا اعترفت أن الله موجود، تقول: أنا أشهد أنه لا إله إلا الله، لكننا نريد أن نرى استقامتك ؛ وبيعك، وشراءك، والتزامك، وصدقك، وأمانتك، وعفَّتك، وغض بصرك، وإحسانك لزوجتك، ننظر أين عملك ؟ فلذلك الله عزَّ وجل جعل الاستقامة علامةً على صدق الإيمان، وإلا فالإيمان نفاق، والإيمان فيه خلل..

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾

 قال: هؤلاء.

 

﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾

 فعلامة المؤمن الصادق، المطَبِّق لأوامر الله عزَّ وجل، المتمثِّل سنة النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا يخاف مما هو آت، ولا يندم على ما فات، ولقد ورد في حق الصِدِّيق أنه ما ندم على شيءٍ فاته من الدنيا قط.
 من دواعي استسلامك لله عزَّ وجل شعورك أن الذي حدث وراءه حكمةٌ بالغة، وأن الله بيده كل شيء، وهذا الذي حدث فيه كل أسماء الله الحسنى ؛ فيه الحكمة، والعدالة، والرحمة، والخبرة، والقوَّة، والرَدع، والتربية، وكل أسماء الله الحسنى منطويةٌ في أفعاله، ولذلك بعضهم قال: حينما يتحدَّث الله عن أفعاله، يستخدم ضمير الجمع..

 

﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى ﴾

( سورة يس: من الآية 12 )

﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ(1) ﴾

( سورة القدر )

 أما حينما يتحدَّث الله جلَّ جلاله عن ذاته فيستخدم ضمير المُفْرَد..

﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي(14) ﴾

( سورة طه )

 فإنني وإننا، إننا أي إن أفعاله فيها كل أسمائه الحسنى، وكل أسمائه الحسنى في أفعاله..

 

﴿ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴾

 

الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ

1 ـ وعدُ الله بشارةٌ للمؤمن وسعادةٌ له:

 الحقيقة أنّ بشارة الله للمؤمن، ووعد الله له هو الذي يسعده.
 إنّ إنسانًا فقيرًا جداً متعبًا جداً، يعيش في أصعب الحالات، لكنه موعود بمبلغ كبير يوفِّر له أجمل بيت، وأجمل مركبة، وأجمل مصير، فهذا الوعد القطعي يمتصُّ كل متاعبه في الدنيا، فالمؤمن راض، لأنه موعود بالجنَّة، قد يكون دخله قليلا فهو راض، أو يكون في جسمه عدَّة علل فهو راض، وقد تكون زوجته ليست على ما يرام فتجده يقول: الحمد لله على الحال التي الله قسمها لي، حتى إن الإمام علياً كرَّم الله وجهه حينما سُئل عن قوله تعالى:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

( سورة النحل: من الآية 97 )

 قال: << الحياة الطيِّبة هي القناعة بنصيبك من الله عزَّ وجل >>.

 

2 ـ الرضى بقسمة الله من سعادة المؤمن:

 إذا رضي الإنسان عن الله، رضي عن نصيبه من الله، قبِل شخصيَّته، وقَبلَ شكله، ودخله، وحرفته، وزوجته، وأولاده، فيقول: يا ربّ هذا أنت قسمته لي، فما من إنسان أسعد من الراضي بما آتاه الله، وهذا الرضى مقام عال، يا رب أنت هكذا اخترت لي، وأنا راض، تجد أن المؤمن قلبه مفعمٌ بالرضى، لأن رضاه من علمه، يعلم أن هذا الذي ساقه الله إليه هو أكمل شيء ـ بالنسبة له طبعاً، وليس كمالا مطلقا ـ فهذا الوضع يناسبه.
 " إن من عبادي من لا يصلح له إلا الفقر فإذا أغنيته أفسدت عليه دينه، وإن من عبادي من لا يصلح له إلا الغنى فإذا أفقرته أفسدت عليه دينه ".
 وهناك حكمة إلهيّة، فالمؤمن مستسلم لله عزَّ وجل، وليس معنى هذا الكلام أن يقعد الإنسان عن طلب المزيد، لا، ولكن حينما يبذل كل طاقته وتنتهي به كل جهوده إلى هذا المكان، فعندئذٍ يرضى بقضاء الله وقدره.
قال:

﴿ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ{31} نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ ﴾

نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ

1 ـ الله وليُّ المؤمنين:

﴿ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ ﴾

  والله هذه كلمة رائعة، فالمؤمن يشعر أن الله وليُّه يدافع عنه، الله سبحانه وتعالى ينقله من منزلةٍ إلى منزلة، ويؤدِّبه، ويكرِّمه، ويفرحه، ويبكيه أحياناً، ويحرمه، ويعطيه، ويسوقه إلى عباده الصالحين، يجمعه مع أهل الحق، ويبعده عن مزالق السوء..

 

﴿ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ ﴾

 ولله المثل الأعلى: تصوَّر أبًا يزوِّج ابنته فيقول لك: أريد أن ألتقِي مع الخطيب، وأريد رؤيته، فيتفحَّص شخصيته، وأخلاقه، وصلاته، ويسأله عن دينه، وأين ستسكن ابنتي ؟ آلاف الأسئلة، لأنه هو وليُّها الذي يرعاها، ويحدب عليها، ويعطف عليها، ويحبُّها، ولله المثل الأعلى، إله خالق الكون يقول:

 

﴿ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ ﴾

 هنيئاً لمن كان الله وليَّه..

 

﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ﴾

 

( سورة البقرة: من الآية 257 )

 وربنا عزَّ وجل ينقلك من وضع إلى وضع أحسن، ومن تفلُّت إلى تمسُّك، ومن شقاء إلى لسعادة، ومن ضياع إلى وجدان، ومن نِقمة إلى رضى، ويؤويك في بيت، ويزوِّجك، وييسِّر لك عملك التجاري فتربح فيأتيك الدخل الحلال، ويجمعك مع أهل الحق، ويجمعك مع الصالحين، ويدخل على قلبك السرور..

﴿ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

2 ـ الاستقامة سببُ ولاية الله للمؤمن:

 الإنسان إذا كان في طاعة الله صار الله وليُّه، والحقيقة أنّ القضيَّة سهلة جداً، لمجرَّد أن تستقيم على أمره تستحق أن يكون الله وليَّك، خرج الإنسان عن أمر الله عزَّ وجل فكأنه جعل الشيطان وليَّه، هو عدوٌ مضلٌ مبين، فكل إنسان يعصي الله خرج من ولاية الله، وصار تحت ولاية الشيطان، هو وليُّهم يخرجهم من النور إلى الظلمات، فالإنسان المؤمن إذا قرأ هذه الآية شعر أن الله وليُّه يدافع عنه، يأخذ بيده كلَّما عَثَرَ، كلَّها زلَّت قدمه يسوق له من الشدائد ما يحمله على التوبة، يتوب عليه ليتوب، هذا معنى وليُّه..

﴿ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾

 فأنت لست سائباً، فالله عزَّ وجل قال:

 

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ(115) ﴾

 

( سورة المؤمنون )

 بل أنت ضمن التربية.

 

3 ـ ولاية الله للمؤمن في الدنيا والآخرة معًا:

 النقطة الدقيقة: أحياناً الإنسان يحرص على مصلحة إنسان، ولكن في الدنيا فقط، فالأم تتمنَّى لابنتها البيت الفخم، والزوج الغني، والأدوات الحديثة، والمركبة الفارهة، وقد تنسى أن ابنتها ليست في طاعة الله، فإذا قرَّت عينها بدنياها، وبيتها، وزوجها الغني، والبنت ليست مستقيمة مثلاً، فقد حرصت على دنياها فقط، فهذه ولايةٌ ناقصة.
 والأب أحياناً لو أنه اهتمَّ بطعام ابنه فقط، ونسي مستقبله فهذه ولاية ناقصة، أهمل دراسته، وما اهتم بعلمه، لكنه أمَّن له طعامه وشرابه وثيابه فقط، فيقول له: هل ينقصك شيء ؟ ينقصه العلم، وأن يتعلَّم، فالولايات البشرَّية ولايات ناقصة مبتورة، وأكثر الناس يتوهَّمون أن الإنسان إذا حقَّق شيئًا في الدنيا فقد حصل له كل شيء، ويقولون: أمَّن مستقبله، وركَّز وضعه، ودخله ـ والحمد لله ـ كبير، وعنده سيارة، وبيت، ومعمل، ولا ينقصه شيء، بينما لم يأخذ شيئا من الاتصال بالله، فهو غارق في المعاصي، فربنا عزَّ وجل قال:

﴿ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾

 اللهُ حريص على آخرتنا، وعلى دخولنا الجنَّة، ولذلك كل ما تراه أعينكم من مصائب في الدنيا، ومن نكبات، وأهوال لتسوق العباد إلى الله عزَّ وجل.
 رجل قال عن بلد تُعاني ما تعاني من خصومها الصرب، قال: نحن لم نكن مسلمين من قبل، وكنا نأكل الخنزير، ونشرب الخمر، ونأتي الفواحش، ونفعل كل المعاصي، والآن صرنا مسلمين بهذا الضغط الشديد..

﴿ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾

 فحتى النكبات الكبيرة أحياناً نفهمها فهما محدودا، فهذه الدولة فعلت كذا مع جارتها، فهناك فهم أعمق بكثير، قال الله عزَّ وجل:

 

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(112) ﴾

 

( سورة النحل )

 وحتى الأحداث الكبرى لها تفسير توحيدي رائع جداً..

﴿ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ ﴾

الدنيا لا معنى لها إلا أن تكون سبباً للآخرة:

 وبما أنّ الولاية تمتد للآخرة، وكان التأديب في الدنيا، ولو كانت في الدنيا فقط لكان الناس جميعهم في بحبوحة، وفي غنى، وليست هناك مشكلة، ولا مرض، ولا هم، ولا حزن، لكن لأن الله سبحانه وتعالى وليُّنا في الدنيا والآخرة، والدنيا مطيَّة للآخرة، ومزرعةٌ لها، بل إن الدنيا لا معنى لها إلا أن تكون سبباً للآخرة، لأن يوم القيامة حينما يدخل أهل الجنَّةِ الجنَّةَ يقولون:

﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ﴾

( سورة الزمر: من الآية 74 )

 فلولا أن كنا في الأرض، وعرفنا ربنا فيها، واستقمنا على أمره، وفعلنا الصالحات لما كنا في الجنَّة الآن.
 إذاً هنا الآية:

﴿ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ ﴾

 أولياء أموركم..

 

﴿ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾

 فإذا جاءك من الله ما يعجبك فهذا من نِعَمِ الله عليك، وإذا جاءك من الله ما لا يعجبك فهذا من تربيته لتكون في الجنَّة ؛ أعطاك مالاً للدنيا، أعطاك بيتاً للدنيا، أما إن سلب منك شيئا وأنت غافل، فهذا الذي سلبه منك من أجل أن تصحو، من أجل أن تلتفت إلى آخرتك، وأن تفعل الخيرات، إذاً عندما تجمع الدنيا مع الآخرة تحل مشكلاتك، أما الدنيا فقط ففيها متاعب لا تعد ولا تحصى، يقول لك: لا أحد مرتاح، سبحان الله ! طبعاً لا أحد مرتاح، لأنه لا أحد مستقيم، أما لو أنك استقمت على أمر الله فالله عزَّ وجل يقول:

 

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ﴾

( سورة النساء: من الآية 147)

 أما في الآخرة، فهذه الآخرة التي خلقنا لها..

 

(( إن في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب أحد ))

 

[ البخاري ]

طبيعة الحياة الدنيا قائمةٌ على الكَدْحِ والمشقةِ:

 طبيعة الحياة الدنيا قائمةٌ على الكَدْحِ..

﴿ يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ(6) ﴾

( سورة الانشقاق )

 طبيعة الحياة الدنيا قائمةٌ على تكبُّد المشاق..

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ(4) ﴾

( سورة البلد )

 يقول لك: ما وصلت إلى هنا حتى كابدت المشقات، واشتريت بيتا مسحته ستون مترًا في آخر ما عمَّر الله، يقول لك: مُت مليون موتة، هكذا الدنيا، حتى طلع على الأرض نصف متر يقول لك: هلكني السكن بزقاق الجن، الحياة مبنيَّة على الكدح وعلى التكبُّد..

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ(4) ﴾

 أما الجنَّة فهي مبنيَّة على الطلب، اطلب تعط، انظر إلى الآية:

﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾

وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ

 ولمجرَّد أن تطلب شيئاً فهو أمامك، إلى أبد الآبدين، لا تقدم بالسن، ولا أسيد أوريك، ولا كوليسترول، ولا دسَّام معطَّل، ولا ذرع كلية، ولا ابن عاق، ولا زوجة ناشذة، ولا بيت صغير، لا يوجد شيء من هذا..

﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾

 فهكذا الآخرة، إذْ نحن مخلوقون لهذه الحياة، فهنيئاً لمن سعى من أجلها، والشقاء لمن رضي بالدنيا، من أراد الدنيا فقط فقد غامر وقامر، قامر بسعادته الأخرويَّة..

﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32) ﴾

نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ

 أي أخطاؤك غفرها لك، ثم رحمك بهذه الجنَّة، هذا كلُّه:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32) ﴾

 هذا المقام الأول، والمقام الأعلى:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ ﴾

وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ

 بعدما صوَّر الله عزَّ وجل لنا طريق كمال الإنسان، الآن المرحلة الثانية طريق تكميل الآخرين، طبعاً هذه صنعة الأنبياء وهذه بالدرس القادم إن شاء الله..

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

خاتمة:

 لكن ضعوا في أذهانكم أن علامة صدق إيمانكم الاستقامة على أمر الله، وأن علامة صدق الدعوة إلى الله العمل الصالح، ربنا عزَّ وجل قَرَنَ الإيمان بالاستقامة، والدعوة إلى الله بالعمل الصالح، فإن لم يكن مع الإيمان استقامةٌ فلا قيمة لهذا الإيمان، وإن لم تكن مع الدعوة إلى الله عملٌ صالحٌ فلا قيمة لهذه الدعوة.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018