الدرس : 03 - سورة فصلت - تفسير الآيات 9-22 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 03 - سورة فصلت - تفسير الآيات 9-22


1993-11-19

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الثالث من سورة فصِّلت، ومع الآية التاسعة، وهي قوله تعالى:

﴿ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12) ﴾

أساليب القرآن متنوِّعة:

 أيها الإخوة، القرآن الكريم كتاب هدايةٌ ورشاد، فأساليبه متنوِّعة، فمن حينٍ إلى آخر يتحدَّث القرآن الكريم عن آيات الله في الكون، وآيات الله في الكون بابٌ واسعٌ من أبواب معرفته، وطريقٌ قصيرٌ إليه تعالى، لأن الكون كما تعرفون مظهرٌ لأسماء الله الحسنى ولصفاته الفُضلى، ومظهرٌ يعبِّر تعبيراً دقيقاً عن عظمة الله عزَّ وجل.
 فإذا أردت أن تعرف الله فسبيل معرفة الله هو اليقين الاستدلالي، لأنك ترى الأشياء بحواسِّك، أما خالق الكون فلا تستطيع أن تتعرَّف عليه إلا بعقلك، وإذا ظهرت عين الشيء فسبيل معرفته الحواس الخمس، فبالعين نرى الضوء والأشياء، وبالأذن تسمع الأصوات، وباللَّمس تتحسَّس الأشياء، ولكن إذا غابت عين الشيء وبقيت آثاره فسبيل معرفته هو الاستدلال العقلي، ولذلك ربنا سبحانه وتعالى بثَّ آياته في السماوات والأرض.

 

وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ  تدلُّ على أنه واحدُ
***

 فإذا أردت أن تعرفه فكما قيل: " حسبك الكون معجزة "، فإنه ينطق بوجوده، وينطق بكماله، وبوحدانيَّته، وعلمه، وأسمائه الحسنى، فربنا جلَّ جلاله يقول هنا:

 

 

﴿ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾

 

قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ

 

1 ـ الكفر بالله أمرٌ عظيمٌ:

 أي أيها الناس إنكم بِمَنْ تكفرون ؟ بخالق السماوات والأرض ؟! فالإنسان أحياناً يتكلّم كلمة لا يدري لها بالاً فيقال له: أتدري مع من تتكلَّم ؟ لقد أتلفت نفسك، أتدري من تخاطب ؟ أتدري من تنتقد ؟ كأن الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أراد أن يبيِّن لنا أن الإنسان حينما يكفر بشيء، أو بإنسان، أو بفكرة فهذه قضيَّة سهلة، أما حينما يكفر بالله عزَّ وجل يكفر بمن أوجده، وبمن خلقه، وبمن ربَّاه، وجعله إنساناً سوياً، ورزقه، وبيده حياته وموته، وإليه المصير، فكأن الله سبحانه وتعالى يقول: أيها الإنسان ماذا تعمل أنت ؟ أتدري بمن تكفر ؟

﴿ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ ﴾

2 ـ ما هو الكفر ؟

 وما الكفر أيها الإخوة ؟ بحث الكفر واسعٌ جداً، ولكن بشكل مختصر الكفر فيه جانب فكري وجانب نفسي، فالجانب الفكري التكذيب، والجانب النفسي إعراض، تكذيبٌ وإعراض وبالمقابل الإيمان تصديق وإقبال، فالمؤمن مصدِّق مقبل، والكافر مكذِّب معرض، فالجانب الفكري في الإيمان هو التصديق، والجانب النفسي هو الإقبال، والجانب الفكري في الكفر التكذيب ؛ التكذيب بعظمة الله عزَّ وجل، وبأسمائه، وبصفاته، وبكتابه، وبرسله، والكفر تكذيبٌ، وإعراضٌ.
 إن الكفَّار حينما كذَّبوا النبي عليه الصلاة والسلام فتكذيب الرسول تكذيبٌ للمرسل، وحينما لم يقبلوا أن هذا الكلام كلامه، تكذيبٌ بالكلام تكذيبٌ بالمتكلِّم.

معنى: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ

 

المعنى الأول للآية:

 والمعنى الأول في هذه الآية: أنْ أيها الناس أنتم حينما تكفرون أتدرون بمن تكفرون ؟ بخالق السماوات والأرض..

﴿ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ ﴾

 إلى آخر الآيات.

 

المعنى الثاني للآية:

 المعنى الذي ينبغي لنا أن نضع أيدينا عليه أن الله سبحانه وتعالى يبيِّن للكفَّار حجم جريمتهم، ما أكبر جريمتهم ! وما أشدَّ تكذيبهم ‍!‍ وأحياناً الإنسان يكذِّب بشيء غير واضح، فيقال: جهل هذا الشيء، أما حينما يكذِّب بِوُجود الشمس في رابعة النهار فالناس يستغربون، وقد تكذِّب، أو قد تكفر بشيء وجوده مشكوك فيه فيقال: لقد جهل هذا الشيء، أما إذا أنكر الشمس في رابعة النهار فهذا عمل كبير جداً..

﴿ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ﴾

خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ

 والحقيقة أن الخَلق خلقان ؛ خلق إيجاد وخلق إعداد، والله جلَّ جلاله خلق الأرض، وهيَّأها لتكون صالحةً للإنسان في يومين، كلمة يوم نفهم منها نحن ـ سكَّان الأرض ـ أن الأرض تدور حول نفسها كل أربعٍ وعشرون ساعة فهذه الدورة نسميها يوماً، وهذا اليوم هو يوم الأرض، ولكن كل كوكب من كواكب السماء إذا أردنا أن نعرف كم يومه، فهناك كوكب يومه سنتان، فخلال سنتين يدور حول نفسه دورةً واحدة، وكل كوكبٍ سابحٍ في الفضاء له يومٌ خاصٌ به، وهذه أيَّام الكواكب، فما أيام الله عزَّ وجل ؟

أيام الله:

 أيام الكواكب شيء وأيام الله شيءٌ آخر، فما معنى أيام الله ؟
 الله سبحانه وتعالى يفعل فعلاً في زمنٍ لو أردنا نحن أن نفعله لاحتجنا إلى خمسين ألف عام تقريباً، إلى مائة ألف عام، فكيف أن الإنسان الآن استطاع ببعض الأجهزة الحاسبة أن يضغط الزمن، فما تفعله في شهر يتم في سبع ثوانٍ مثلاً، فالإنسان ضغط الزمن، وربنا عزَّ وجل ألغى الزمن إلغاء كُليًا، كن فيكون، فأيام الله عزَّ وجل غير أيام البشر، ومع ذلك هذه الأرض التي وضعها الله للأنام..

﴿ وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ ﴾

( سورة الرحمن )

وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ

 خلقها خلْق إيجاد، ثم خلقها خلْق إعداد، أعدَّها للإنسان، وعلماء الأرض يقولون: لقد مرَّت الأرض بحِقَبٍ طويلة حتَّى أصبحت على ما هي عليه، كانت غازاً، ثم صارت كرةً ملتهبةً، وهذه الكرة الملتهبة تجمَّدت، وبعد أن تجمَّدت اتحد الأوكسجين مع الهيدروجين وشكَّل الماء، فتشكَّلت مياه البحار ـ وهناك نظرياتٌ كثيرة تفسِّر ظهور البحار ـ ثم كان الهواء، ومن الهواء والبحار تفتَّت التُربة، وهذه نظرياتٌ طويلة، أي أن مرحلة إعداد الأرض لتكون صالحةً للإنسان مرحلةٌ مديدة سمَّاها الله في يومين ـ في أرجح التفاسير ـ وبعض النظريات العلميَّة تؤكِّد أن بين مرحلة الكرة الملتهبة ومرحلة القشرة الأرضيَّة ألفي مليون عام، فهذا اليوم ليس يوم الأرض، ولا يوم الكواكب، بل هو يومٌ من أيام الله , والنظريات العلميَّة إذا كانت مُنصفةً، وصادقةً، وهادفةً تجدها تُلقي ضوءاً على كلام الله عزَّ وجل.
 والشيء الذي يجذب النظر أن القرآن الكريم فيه أبوابٌ كثيرة، ومن أبرز أبوابه الآيات الكونيَّة، جُمعت في بعض الكتب عدد الآيات الكونيَّة في القرآن الكريم كبيرة جداً، هذه الآيات الكونيَّة هي في الحقيقة أحد مظاهر إعجاز القرآن الكريم.
 والنبي عليه الصلاة والسلام لحكمةٍ بالغة، ولعلَّها بوحيٍ من السماء لم يفسِّر هذه الآيات الكونيَّة، لماذا ؟ لأنه عليه الصلاة والسلام لو فسَّرها بطريقةٍ مبسَّطة يفهمها أصحابه، وقد عاشوا مرحلةً معيَّنة من التطوُّر العلمي لأنكرنا عليه هذا التفسير، ولو فسَّرها بطريقةٍ دقيقةٍ كما هي عليه، وكما كشفها العلم الآن لأنكر عليه أصحابه، ولذلك تُركت الآيات الكونيَّة ـ وهذا من حكمة الله البالغة ـ تركت الآيات الكونيَّة كي يُلْقِيَ العلم عليها ضوءاً كلَّما تطوَّر.
 إن هذا الكتاب معجزةٌ مستمرَّة، وكلَّما تقدَّم العلم كشف جانباً من عظمة الآيات التي جعلها الله مظهراً لإعجازه.
 وأحياناً تجري أبحاث عشر سنوات، أو عشرين عامًا، ونحن دائماً نفرِّق بين المقالة والبحث العلمي، المقالة انطباع عابر، إنسان يسجِّل انطباعاته على ورق، تطبع هذه الكلمات فإذا هي مقالة، أما إذا قرأت بحثاً علمياً، فالبحث العلمي قد يُفْرَغ في صفحتين، وهو محصِّلة دراساتٍ استمرَّت خمسين عاماً، وكلمة بحث علمي كلمة كبيرة جداً ؛ إنها تجارب، ودراسات، واستطلاعات، وإحصاءات، وملاحظات تراكمت في أذهان العلماء، ثم اكتُشِفَت حقيقة من الحقائق، وهذه الحقيقة التي اكتشفت بعد أمدٍ طويل تُسجَّل في بحثٍ علمي، فالأبحاث العلميَّة ـ طبعاً الموضوعيَّة ـ كلَّما تقدَّمت كشفت جانباً من آيات القرآن الكريم الكونيَّة.
 فالعلم الآن يؤكِّد أن الأرض مرَّت بِحِقَبٍ طويلةٍ حتى أصبحت مهيأةً للبشر، يقدِّرون هذه الحِقَب بألفي مليون عام..

﴿ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾

( سورة الحج )

 فهذا ليس من أيام الأرض، ولا من أيام الكواكب، بل هو من أيام الله.
 على كلٍ..

﴿ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ﴾

 أي في يومين من أيَّام الله..

﴿ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾

وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ

1 ـ الله عزوجل لا شريك له:

 إنّ الله عزَّ وجل ليس له مشارك، ليس له شريك، ولا نِد، وكل ما خطر في بالك فالله بخلاف ذلك، فهل من المعقول أن يتخذ إنسان لله نداً ؟ أو أن يتخذ لله شريكاً ؟ هذا شيء مستحيل، لكن ما الذي يحصل ؟

 

2 ـ كيف يشرك الإنسانُ بالله ؟

 حينما يعقد الإنسانُ الأملَ على إنسان عامَلَ هذا الإنسان كما ينبغي له أن يعامل الإله، فحينما يعتمد على إنسان اعتماداً كُلِّياً عامل هذا الإنسان كما ينبغي أن يُعامَلَ الإله، حينما يَتَّكِلَ على إنسان، وحينما يعقد الأمل على إنسان، حينما يعتقد أن هذا الإنسان ينفعه أو يضرُّه، يرفعه أو يخفضه، يُعطيه أو يمنعه، يقرِّبه أو يبعده، إذا توجَّه اعتقادك إلى مخلوق ـ وهو مخلوقٌ ضعيف ـ فكأنك جعلت لله ندَّاً، وهذا هو الشرك.
 هذا الإله العظيم الذي خلق الأرض في يومين أتجعلون له أنداداً ؟ أيعقل هذا ؟

﴿ ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾

3 ـ الله هو الربُّ المسيِّر:

 الرب هو المُمِد، الله عزَّ وجل خالق ورب ومسيِّر، الخالق خلق، والرب يُمِد، والمسيِّر يحرِّك..

﴿ ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ ﴾

وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ

معنى الجبال الراسيات:

 

المعنى الأول:

 هذه الأرض جعل الله فيها رواسي، والرواسي هنا الجبال، وسمَّاها الله رواسي لأنها ترسو في أعماق القشرة الأرضيَّة، وهذا الرُسو يثبِّت طبقات الأرض، لأن كل طبقةٍ لها كثافة محدَّدة، فإذا دارت الأرض فمع دورانها، ومع اختلاف كثافات طبقاتها ربَّما اضطربت هذه الطبقات، فلئلا تضطرب جُعلت هذه الجبال كالأوتاد تربط طبقات الأرض ذات الكثافات المُختلفة بعضها ببعض لئلا تضطرب الأرض، هذا معنًى من معاني الجبال الراسيات..

﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ ﴾

المعنى الثاني:

 والمعنى الآخر: هو أن الأرض حينما تدور دورةً سريعة لابدَّ من أن تضطرب، لئلا تضطرب تأتي الجبال في أماكن محدَّدة، وفي حجوم محدَّدة، وفي أوزان محدَّدة كما نفعل تماماً بعجلة السيَّارة لئلا تضطرب في أثناء الدوران السريع، إذْ نضع بعض قطع الرصاص في أماكن محدَّدة وفي أوزان محدَّدة لئلا تضطرب العجلة، وهذا معنى آخر من معاني الجبال الراسيات..

﴿ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾

معنى: وَبَارَكَ فِيهَا

 

الثروات من بركات الأرض:

 ومعنى:

﴿ وَبَارَكَ فِيهَا ﴾

  أي أودع فيها الحديد، والنحاس، والمعادن التي يحتاجها الإنسان بشكلٍ دقيق، وهذه المعادن جعلها الله على شكل فِلزَات مختلطة بالتراب، يأخذها الإنسان، ويصهرها، ثم يأخذ منها تلك المعادن الصافية التي تعينه على حياته، فالأرض ممتلئة بالخَيْرات، ممتلئة بالثروات، وبالمعادن، وبالفلذات، وهذا معنى قول الله عزَّ وجل:

﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى ﴾

(سورة طه )

 ومعنى بارك فيها أنت بحاجة إلى معدن خفيف، متين وخفيف الألومنيوم، وبحاجة إلى معدن ينصهر في درجة مائة، فإذا برَّدته تمدَّد هذا الرصاص، أنت بحاجة إلى معدن بكميات كبيرة جداً لا ينصهر إلا في ألفٍ وخمسمائة درجة، وذلك هو الحديد، أنت بحاجة إلى معدن يكون قيمةً للتداول هو الذهب، بحاجة إلى معدن آخر.
 إخواننا الكرام الذين درسوا بعض العلوم الطبيعيَّة، درسوا الفيزياء والكيمياء يعرفون ما معنى المعادن، وأشباه المعادن، والعناصر، وكل معدن له تركيب، وكل تركيب له خصائص فيزيائيَّة وكيميائيَّة، وهذه المعادن تتشابه في بنيتها الأساسيَّة، وتختلف في صفاتها الفيزيائيَّة والكيميائيَّة، وهذه المعادن صُمِّمَت خصيصى للإنسان، بل إن هذه العناصر ـ وكلمة عناصر أوسع من كلمة معادن ـ هذه العناصر متدرِّجة، العنصر الأول يوجد على مداره الخارجي كهروب واحد، والعنصر الثاني كهروبان وهكذا، فهناك مدارات تصل إلى ثماني مدارات في بنية الذرَّة.
 الشيء الذي يجذب النظر أن بين عنصرين كهروباً واحداً، الأول غاز والثاني صُلب، تعديل كهروب واحد على مدار الذرَّة يغيِّر طبيعة العنصر، من عنصرٍ غازي إلى عنصرٍ صُلب.
 إذاً: هذا معنى وبارك فيها، أي أودع في الأرض ثروات، وأودع فلزات، ومعادن، وعدد المعادن كثير جداً، وأشباه المعادن كثيرة.
 الإنسان أحياناً يظن أنه انتفع بهذه الفلزات، فليس هذا صحيحاً، هي حينما خلقها الله عزَّ وجل صمَّمها لينتفع بها، وفي أصل خصائصها مصمَّمةٌ كي ينتفع بها الإنسان، كي تكون الأرض للإنسان كالبيت المعمور فيها كل شيء..

 

﴿ وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ ﴾

 

معنى: وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ

 

المعنى الأول:

 فهذه الأرض بعد أن كانت ملتهبة، وبعد أن مرَّت بأطوارٍ وأطوار، وحقبٍ وحقب حتى ابترد سطحها، وتجمَّدت قشرتها، وأصبحت صالحةً ليكون فيها المخلوق جاءت المياه، وجاءت الرياح، وتفاعلت المياه مع الرياح، والرياح والمياه مع القشرة حتَّى تفتَّت تربتها، وبعد أن تفتَّت قشرتها وأصبحت تربةً صالحةً للزراعة ظهر النبات، ومع ظهور النبات ظهر الحيوان، ثم جاء المخلوق الأول الذي هو الإنسان.
 فالإنسان له قوت يقتات به، وأساس قوته النبات والحيوان، فإذاً الأرض مرَّت بيومين من أيام الله، وهذا كما قلت قبل قليل: خلق إعداد لا خلق إيجاد، ومرَّت بأربعة أطوارٍ حتى أصبحت صالحةً لإقامة الإنسان.
 إذاً:

﴿ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ﴾

المعنى الثاني:

 وبعضهم قال: الأيام الأربعة هي الفصول الأربعة التي من خلال تبدُّل الحرارة، والرطوبة، والرياح، والعوامل الجويَّة ينضُج النبات، وهذا رأيٌ آخر..

﴿ وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ ﴾

ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء

1 ـ لماذا الحرف ثم ؟

 هنا بعضهم وقف عند ثمَّ، أتُرَى هذه ثمَّ للترتيب الزماني أم للترتيب الذِكْري ؟ فالله عزَّ وجل ذكر نشأة الأرض قبل نشأة السماء، فهل تحتمل أن تكون ثم للترتيب الزمني أم للترتيب الذكري ؟ كِلا الرأيين وارد، ومع كل رأيٍ من هذه الآراء أدلَّته..

﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء ﴾

 

2ـ معنى: اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء

 معنى استوى إلى السماء أي قصد، هكذا يقول المفسِّرون..

﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ ﴾

ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ

 

أصلُ الكونِ:

 أصل الكون كما تروي بعض النظريات كان سَديماً، أي غازا وغبارا، ومن الغاز والغبار تشكَّلت النجوم والمجرَّات..

﴿ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾

فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ

1 ـ الكون كلُّه يأتمر بأمرِ الله، وللإنسان حرية الاختيار:

 هذه الآية تفيد أن الله سبحانه وتعالى كل الكون يأتمرُ بأمره، خلق الإنسان ومنحه حرية الاختيار، وخلق الجن ومنحه حرية الاختيار، لكن ما سوى الجن والإنس فكل المخلوقات ؛ الجمادات، والحيوانات، والملائكة ليس لها اختيار، إنما هي خاضعةٌ لأمر الله عزَّ وجل، إلا الإنسان أعطاه الاختيار، أيْ يخضع أو لا يخضع، لكن يقطف ثمن خضوعه إذا خضع، ويدفع ثمن معصيته إذا عصى..

 

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا ﴾

 

(سورة الأحزاب )

2 ـ للإنسان حرية الاختيار:

 المَلَك مستسلمٌ لله عزَّ وجل، والحيوان تكفيه غريزته، والجمادات تأتمر بأمر الله عزَّ وجل ليس لها اختيار، وليست مكلَّفة، إلا الإنسان كُلِّف، وحمل الأمانة، وأمانته هي نفسه التي بين جنبيه:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) ﴾

 إذاً: ربنا عزَّ وجل في هذه الآيات يبيِّن لنا حجم جريمة الكفر ـ حجمها الكبير ـ أتدرون أيها الناس حينما تكفرون أنتم تكفرون بمن ؟ بالذي خلق الأرض في يومين، أي بهذه الحِقَب الطويلة من كرةٍ ملتهبة، إلى قشرةٍ مائعة، إلى قشرةٍ متجمِّدة، ثم قدَّر أقواتها في أربعة أيام ؛ الماء، والهواء، وتفتيت التُربة، والعصور المطيرة، وعصور النباتات العملاقة، ثمَّ نشأة الحيوان، وبعدها جاء المخلوق الأول الذي هو الإنسان.
 فأحياناً يقول لك: هذا البيت استغرق إنشاؤه عشر سنوات، كلَّما كان البيت أكثر فخامةً، وأوسع مساحةً، وأدقَّ زخرفةً يحتاج إلى أمد طويل، طبعاً هذا على مستوى الإنسان، ولكن الإعداد المُتقن دليل العناية بالإنسان..

﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾

 أي أن الكون كلُّه يأتمر بأمر الله عزَّ وجل: كن فيكون..

 

﴿ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ ﴾

 

فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ

 إذاً: قد تكون الأرض بدأ الله بها، على أن ثمّ للترتيب الزمني، وقد تكون الأرض والسماوات خُلِقتا معاً، على أن ثم للترتيب الذكري، كلا المعنيين وارد..

﴿ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾

وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا

 

1 ـ السماوات السبع:

 هنا السماوات السَبع قد تكون سبعًا، وقد يكون هذا الرقم للتكثير، أي أن السماء طبقات بعضها فوق بعض، ولو عدنا إلى كتب الفَلَك لوجدنا أن هناك طبقات ؛ طبقة الهواء هذه سماء، طبقة بعد الهواء، طبقة بعد التي بعد الهواء، هذه الطبقة سمكها مثلاً خمسون كيلو مترا، وهذه سمكها ألف كيلو متر، وهناك في كتب الفلك إشارة إلى هذه الطبقات، لكن كلمة سبعة في اللغة قد تعني الكَم، وقد تعني التكثير.
 وهناك طبقاتٌ في السماء كل طبقةٍ لها وظيفتها الدقيقة، وخصائصها، وهواؤها، وكثافتها، ووظيفتها، وخصائصها..

﴿ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ ﴾

2 ـ السماء الدنيا:

 بعضهم قال: السماء الدنيا هي درب التبابِنَة ـ أي المجرَّة التي نحن فيها ـ والتي يبلغ طولها مائة وخمسين ألف سنة ضوئيَّة، وكلُّكم يعلم أن بين الأرض والقمر ثانية ضوئيَّة واحدة، وبين الأرض والشمس ثماني دقائق، المجرَّة ـ مجرَّتنا ـ طولها مائة وخمسون ألف سنة ضوئيَّة، هذه هي مجرَّتنا، والمجموعة الشمسيَّة تبدو نقطةً صغيرةً في هذه المجرَّة، وكما أقول لكم دائماً: إن نجم قلب العقرب في برج العقرب هذا يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما، وبعض المجرَّات تبعد عنَّا ستة عشر ألف مليون سنة ضوئيَّة.
 إذاً:

﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ ﴾

 سُدُم..

 

﴿ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ ﴾

 إذاً: هذه الأيام التي ذُكرت في خلق الأرض، وفي تقدير الأقوات، وفي خلق السماوات والأرض هي أيام الله، وليست كالأيام التي نعرفها..

 

 

﴿ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا ﴾

 وظيفتها، ومهمَّتها، وخصائصها، ودورها..

 

 

﴿ وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ ﴾

 هذه النجوم المتلألئة التي تُزَيِّن السماء الدنيا..

 

 

﴿ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾

 حفظاً من الشياطين كما ورد في بعض الآيات الأخرى.
 على كلٍ هذه الآيات تتحدَّث عن أصل خلق السماوات والأرض، وكلَّما تقدَّم العلم كشف جانباً عن عظمة هذه الآيات الكونيَّة، فكأن هذه الآيات معجزةٌ مستمرَّةٌ لهذا الكتاب الذي بين أيدينا، كلَّما تقدَّم العلم كشف جانباً من جوانب عظمة هذه الآيات القرآنيَّة التي وصفت الآيات الكونيَّة.

 

 

فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ

 

 لأن جريمة الكفر أبشع جريمة، وأكبر جريمة أن تكفر بالذي خلقك، أن تكذِّب الذي أرسل هذا الكتاب ليهديك إلى سواء السبيل، قال:

﴿ فَإِنْ أَعْرَضُوا ﴾

 أي يا محمَّد قل لهم: فإن أعرضوا عن قبول هذه الدعوة، إن لم يستجيبوا، وإن لم يؤمنوا، وإن كذَّبوا..

 

﴿ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ﴾

 الأقوام السابقة التي كذَّبت الرسل جاءها العذاب الأليم، والعذاب المُهْلِك..

 

 

﴿ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ﴾

 

أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ

 

 ملخَّص هذا الدين كلِّه أن لا تعبد إلا الله، والعبادة كما تعرفون خالص الحُب، وخالص الطاعة، وخالص الانقياد إلى الله عزَّ وجل..

﴿ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ﴾

 وهذا قول كل مشركٍ وكل كافر من قديم الزمان إلى الآن:

 

﴿ قَالُوا لَوْ شَاء رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً ﴾

 

 

جواب قديم يتجدَّد: قَالُوا لَوْ شَاء رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ

 أي نحن لا نصدِّق أن الرُسل من بني البشر، إذًا: لو أن الرسول من الملائكة، وأمركم بأمر ماذا تقولون له ؟ يا أخي أنت ملك ونحن بشر، فلا يمكن أن يكون النبي إلا من بني البشر، ولا يمكن إلا أن تجري عليه كل خصائص البشر، فإذا انتصر على نفسه كان سيِّد البشر، وكان قدوةً لنا، ومهمة القدوة في الأنبياء أبلغ من مهمَّة التبليغ.
 إذاً:

﴿ قَالُوا لَوْ شَاء رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾

 من شأن شرع الله عزَّ وجل أن يَحُدَّ من شهوات الكفَّار، فالكافر حينما يأتي منهجٌ إلهي يحدُّ من شهواته، فما السبيل إلى التخلُّص من هذا المنهج ؟ تكذيبه، فتكذيب المنحرفين، وتكذيب العصاة، وتكذيب الذين يُقيمون على شهواتهم الدنيئة، فهذا التكذيب هو دفاعٌ عن شهواتهم، ودفاعٌ عن مصالحهم، ودفاعٌ عن مكتسباتهم فكذَّبوا، قالوا:

 

﴿ فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾

 قال:

 

 

﴿ فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾

 

فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ

 

1 ـ استكبار الإنسان على الله دائماً بغير الحق:

 لأن الاستكبار على الله عزَّ وجل يكون بغير الحق دائماً، فالإنسان مخلوق حادث سبقه عدم، ويتبعه عدم، أما ربنا جلَّ جلاله فهو الذات الكاملة واجب الوجوب، الأبدي السرمدي، الذي لا أول له ولا آخر، فهل يوازن خالق الكون مع مخلوقٍ حادث ؟!
 إذاً استكبار هذا الإنسان على الله استكبارٌ دائماً بغير الحق، فلا يعقل أن يكون استكبار الإنسان بالحق ؟ بل إن هذه الآية لها معنى دقيق، فقد يفهم بعضكم من هذه الآية أن عاداً استكبروا بغير الحق، فهل هناك استكبار بالحق ؟ لا. كلا، هذا ليس قيداً احترازياً، هذا قيدٌ وصفي، فمن شأن الاستكبار دائماً أنه بغير الحق، الإنسان ضعيف، وعاجز، وجاهل، و فقير، يقوى بالله، ويعلم بالله، فإذا افتقر الإنسان إلى الله أصبح غنياً، فإذا استغنى عن الله أصبح فقيراً، وإذا التجأ إلى الله يطلب أن يعلِّمه علَّمه الله عزَّ وجل، فإذا استغنى بعلمه المادي عن علم الله عزَّ وجل أصبح جاهلاً، لهذا: " يظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل ".

﴿ فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا ﴾

 

2 ـ إما عبودية لله وإما استكبار على الله:

 وهناك صفتان أساسيَّتان: العبوديَّة لله والاستكبار على الله، الكافر مستكبر، والمؤمن متعبِّد لله عزَّ وجل، والمؤمن حينما يعبد الله يرفعه الله، يعزّه الله، يقوِّيه الله، ويغنيه الله، ويرفعه، والكافر حينما يعتزُّ بعلمه يرتكب حماقاتٍ لا حصر لها، وحينما يعتزُّ بقوَّته يوقعه الله في حتفه من خلال تدبيره، الدعاء الذي يدعوه بعضهم: " اللهمَّ اجعل تدميرهم في تدبيرهم ". أي أن يجعل الله تدميره ثمناً لتدبيره.
 إذاً: هناك نموذجان استكبار وعبوديَّة لله عزَّ وجل، فأنت حينما تعبد الله يرفعك الله، وحينما تستكبر تدفعه الثمن باهظاً في الدنيا وفي الآخرة.

﴿ فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾

قاصمة ظهور المستكبرين: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً

 الإنسان أحياناً يبلغ قمة النجاح، والحقيقة أنّ البطولة ليس أن يبلغها، بل البطولة أن يبقى فيها، وإن كان الطريق إلى هذه القمة شائكا، ووعرا، وملتويا، وفيه حُفَر، وفيه أكمات، وفيه عقبات، لكن إذا وصلت إلى قمة النجاح فقد تصاب بمرض أخطر، ألا وهو الغرور، والغرور يهوي بك إلى الحضيض، فحينما شعروا بقوَّتهم قالوا:

﴿ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾

 فلو أن نقطةٍ دم تجمَّدت في بعض أوعية دماغ الإنسان لَشُلَّت حركته، أو لفقد ذاكرته، أو لاختلَّ عقله، أو لفقد بصره، أو لفقد سمعه، نقطة دم واحدة، فكيف يقول: أنا ؟!

 

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾

 

أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً

 وكم من حادث حدث تحت سمعنا وبصرنا ؟ إنسان ملء السمع والبصر أصبح خبراً بعد أن كان ملء السمع والبصر، الإنسان حياته متوقِّفة على نبضات قلبه، كم من حادث موت مفاجئ غير متوقَّع.
 إذاً:

﴿ فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ﴾

أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ

 

1 ـ عليك بالتواضع:

 أيها الإخوة، كلَّما ازداد علم الإنسان قاده علمه إلى التواضع، لأنه يرى عظمة الله عزَّ وجل ويرى نفسه لا شيء، والتواضع حقيقةً قد يكون سلوكا ذكيا، أما التواضع الحقيقي الذي هو من لوازم طاعة الله عزَّ وجل، فأساسه رؤية، إذا رأيت عظمة الله عزَّ وجل ضَؤلَت نفسك في نظرك، فلا يوجد إنسان متكبِّر إلا وهو جاهل، ولا يوجد إنسان متواضع تواضعا حقيقيا، تواضع العبوديَّة لله إلا وهو عالِم، فكلَّما رأيت عظمة الله عزَّ وجل رأيت صِغَرِ نفسك، لهذا قال عليه الصلاة والسلام في أدعيته:

(( اجعلني في عيني صغيرا، وفي أعين الناس كبيرا ))

[ من الجامع الصغير عن بريدة ]

 لكن بعض الناس يرى نفسه في عينه كبيراً، وهو في أعين الناس صغير.

هذا هو التواضع الحقيقي:

 إذاً: التواضع الحقيقي أن ترى عظمة الله عزَّ وجل، أن ترى رحمة الله، وعلمه، وقدرته، كلَّما ارتقيت في معرفة الله صرت في معرفة ملازمة لهذه المعرفة، فتزداد معرفةً بعلم الله ومعرفةً بجهل الإنسان، هذا ما قاله الإمام الشافعي: " كلَّما ازددت علماً بالله ازددت علماً بجهلي ".
 إذاً التواضع الحقيقي أساسه رؤيةٌ صحيحة، وهذه الرؤية الصحيحة ينتج عنها تحجيمٌ لذات الإنسان، فإذا عَمِيَ الإنسان عن عظمة الله وشعر أنه قوي، وأنه غني، وأن مقاليد الأمور بعضها بيده، وأن الناس من حوله متزلِّفون، هذا الشعور الكاذب ربَّما قاده إلى الهلاك.

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾

 فربنا عزَّ وجل قادر أن يدمِّر إنساناً يرى نفسه أقوى الأقوياء على أتفَهِ الأسباب، فالإنسان يشلّ بسبب حادث سير، أحياناً ببعض الأدوية يفقد بعض الحواس، الإنسان يمكن أن يحدث له خلل في بعض أعضائه، فيجعل حياته جحيماً، والإنسان يعيش بألطاف الله عزَّ وجل، وفي قبضته، فكلَّما ازداد علمك تواضعت، كلَّما ازداد علمك عبدَّت الله عزَّ وجل، وتأدَّبت مع الخلق، تجده أديبا، من أين جاء هذا الأدب ؟ من رؤية الحقيقة، الأمر كلُّه بيد الله، وكل هؤلاء البشر بيد الله، ولذلك فالمؤمن تحت حديث شريف:

 

(( الذنب شؤمٌ على غير صاحبه.. ))

 

[ ثبت في الأثر ]

الذنب شؤمٌ على غير صاحبه:

 فإذا ارتكب الإنسان ذنبا فهناك ثلاث مطبَّات قال: إذا ذكره فقد اغتبابه، وإن رضي به شاركه بالإثم، وإن عيَّره ابتلي به.
 تصوَّر إذا ارتكب الإنسان ذنبا فهناك ثلاثة مطبَّات يمكن أن تقع فيها أنت الذي لم تذنب ؛ إن عيَّرته فهذا جهل ابتليت به، وإن أقررته على ذنبه شاركته في الإثم، وإن ذكرت ذنبه للناس فقد اغتبته، فإذا كان من الممكن أن يكون للعبوديَّة مؤشِّر، وللعلم مؤشِّر، وكلَّما ازداد علمك ازدادت عبوديَّتك لله عزَّ وجل، وكلَّما ازداد علمك ازداد تواضعك، فلا ترى إنساناً في قمة النجاح إلا وهو متواضع، ويعرف أن وجوده بيد الله، ذكاؤه بيد الله، خبراته بيد الله، قراره الحكيم، ورؤيته الصحيحة، إدراكه العميق بيد الله، فإذا قال: أنا. فقد أهلك نفسه، وأربع كلمات مهلكات ؛ أنا، ونحن، ولي، وعندي.
 قال:

﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا

كلُّ أمّةٍ مستكبرة لها يوم عند الله تعالى:

 أتُرى هذه الآيات أليست هناك آيات مشابهة لها في حياتنا الدنيا ؟ يقول لك: إعصار أصاب ولاية في بعض الدول المستكبرة، فسبَّب خسائر بثلاثين مليار دولار، وهو إعصار واحد.
 فيضان أتلف المحاصيل أحياناً، زلزال جعل عاليها سافلها، وهذا فعلُ ربنا عزَّ وجل، ونرى هذا بأعيننا كل يوم، تارةً أعاصير، تارةً فيضانات، تارةً زلازل، تجد محصولا زراعيا ثمنه مئات الملايين يأتيه صقيعٌ في دقائق، هذا المحصول كلُّه يُدمَّر، فنحن جميعاً في قبضة الله، فكلَّما عرفنا حجمنا المتواضع وعظمة ربنا كان الله في عوننا ورفعنا، وأغنانا، وأعزَّنا، أما إذا اعتززنا بمن يموتُ فإن عزَّنا ميتُ..

اجعل لربِّك كل عزِّك يستقرُّ ويثبت
فإذا اعتززت بمن  يموت فإن عزَّك ميِّتُ
* * *

 قال:

 

﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾


 فما من أمَّة مستكبرة إلا ولها يومٌ عند الله..

 

 

﴿ وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا(58)﴾

 

( سورة الإسراء )

 فأية قريةٍ استكبرت، أحياناً قرية من القرى يلمع اسمها، يكثر دخل أبنائها، ينتشر الفساد والانحراف، ويفعلون كل المُنكرات ويظنون أنهم في مأمن، وأن هذا الدخل ثابت، وأن هذه الدنيا مستمرَّة لهم، يستكبرون، لذلك الله عزَّ وجل قال:

 

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(112)﴾

 

( سورة النحل )

 فهذه القصص التي بين أيدينا في كتاب الله، هناك آلاف القصص المشابهة التي نستمع إلى أخبارها كل يوم..

 

﴿ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ ﴾

 

وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ

 ومهما رأيت من عذاب الخِزي في الحياة الدنيا، فعذاب الآخرة أخزى لأنه عذاب مستمر إلى أبد الآبدين، قال:

﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ﴾

 فهل هناك من آيةٌ أوضح تبيِّن أن الإنسان مخيَّر من هذه الآية ؟

﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ(18)﴾

وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ

المؤمن من الامتحان إلى النجاة والفوز:

 يجب أن تعتقد من خلال هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى يمتحن المؤمن، لكن في النهاية يُنَجِّيه..

 

﴿ وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (18) وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) ﴾

 

 عندنا موضوع دقيق جداً ؛ سلطان الله عزَّ وجل أمره نافذٌ في السماوات والأرض، ونافذٌ في كل شيء، ونافذٌ في أعضائك، قال:

﴿ وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ ﴾

حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ

 

هذا الذي يشهد عليك يوم القيامة ناطقا:

 وجلودهم كناية لطيفة جداً عن أن الفواحش التي ارتكبوها بجلودهم هذه الجلود تشهد عليهم..

﴿ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(21)﴾

 فتصوَّر أنك لا تملك جلدك، بينما الإنسان في الدنيا إذا كان عنده أتباع فأتباعه يأتمرون بأمره، لا يجرؤ تابع أن يكون كلامه مخالفا لكلام متبوعه، يقول لك: هؤلاء جماعتي، لا تتكلَّموا هذا الكلام فلا يتكلمون، وإذا قال لهم: تكلَّموا فيتكلَّمون، لكن يوم القيامة لست مهيمناً على جلدك، ولا على سمعك، ولا على بصرك، ولا على ولسانك..

 

﴿ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾

 

قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ

 

 فالإنسان في الدنيا يعتزّ بذكائه، فيرسم خططا، يكذب، ويغيَّر الحقائق، ويزوِّر، ويظن أن الناس أغبياء، لكن بالآخرة لا يستطيع أن يفعل من هذا شيئاً..

﴿ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ ﴾

( سورة يس: من الآية 65 )

 فهنا الله عزَّ وجل سلطانه نافذٌ في السماوات والأرض، ونافذٌ في أقرب الأعضاء إليك، إنها تنطق ضدَّك يوم القيامة، والإنسان لا يجرؤ ابنه أن ينطق ضدَّه أو يتركه يفعل ذلك، لكن أعضاءك وجلدك الذي عصيت الله به ينطق شاهداً عليك يوم القيامة..

 

﴿ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ(22)﴾

 

خاتمة:

 إذا علمت أيها الإنسان أن الله يعلم فقد حُلَّت مشكلتك، لأنك إذا علمت أن الله موجود، وأن الله واحد، وأن الله كامل ـ وهذه ثلاثة أوصاف ـ وأن الله يعلم، وسوف يحاسب فلابدَّ من أن تستقيم على أمر الله، فهو موجود، وواحد، وليس معه شيء، وكامل لا يظلم مثقال ذرَّة، ويعلم ما تفعل، وسوف يحاسب، إذا أيقنت بهذه الكلمات الخَمْس تجد نفسك تأتمر بما أمر، وتنتهي عما عنه نهى وزجر، لذلك الآية الكريمة:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا(12) ﴾

( سورة الطلاق )

 اختار الله من أسمائه العلم والقدرة، فعلمه يطولك وقدرته تطولك، يعلم وسيحاسب، فإذا أيقنت أنه يعلم، وسيحاسب فلابدَّ من أن تستقيم على أمر الله.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018