الدرس : 20 - سورة الزمر - تفسير الآيات 70-75، الدنيا دار ابتلاء لا دار جزاء و الآخرة دار تشريف و تكريم. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 20 - سورة الزمر - تفسير الآيات 70-75، الدنيا دار ابتلاء لا دار جزاء و الآخرة دار تشريف و تكريم.


1993-06-04

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

من أيقن أن الله يعلم كل شيء و سيحاسبه لابد من أن يستقيم على أمره :

 أيها الأخوة الأكارم، مع الدرس العشرين والأخير من سورة الزُمَر، ومع الآية الواحدة والسبعين، قال تعالى:

﴿ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ ﴾

 الكون كله مظهرٌ لأسماء الله الحسنى، لكن اسم العَدْلِ لا يتحقق كاملاً إلا يوم القيامة، لأن في الدنيا قوياً وضعيفاً، وغنياً وفقيراً، وصحيحاً ومريضاً، وظالماً ومظلوماً، ومغتصِبَاً ومغتَصَباً منه، ومفترياً ومفترىً عليه، هذه العلاقات التي فيها تجاوزٌ و اعتداءٌ على الحقوق هذه متى يفصل فيها؟ متى يعطى كل إنسانٍ حقه؟ الآية الكريمة:

﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾

[ سورة الزلزلة: 7 ]

 مثقال ذرة:

﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾

[ سورة الزلزلة: 7-8 ]

 كلام خالق الكون، مثقال ذرة، لو أنك أنقذت نملةً وأنت تتوضأ - أنقذتها من الغرق - هذا عملٌ عظيم، لو أنك نزعت قشةً من المسجد وضعتها في جيبك حفاظاً على نظافته، هذا عملٌ عظيم.

﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾

[ سورة الزلزلة: 7-8 ]

 إذا أيقن الإنسان أن له إلهاً بالمرصاد يرقُبُ عمله، ويعلم عمله، وسيحاسبه على عمله، لا بد من أن يستقيم، إنك مع إنسان من بني جلدتك، من بني جنسك، إذا أيقنت أنه يراقبك وهو أقوى منك وسيحاسبك، لا بد من أن تنصاع إلى أمره، راقب نفسك مع إنسان قد لا تراه ذا قيمةٍ في مقياس القيَم الإنسانية، ولكن لأنه أقوى منك، ولأنه قادرٌ على إيقاع الأذى بك، ولأنه يعلم ما تفعل، لا بد من أن تستقيم على أمره، فربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ ﴾

من يعطي ويتقي ويصدق بالحسنى يوفّى أعماله كاملة و العكس صحيح :

 ما عملك في الدنيا؟ أولاً: حرفتك، كيف تعاملت مع الناس بها؟ هل غششت المسلمين أم نصحتهم؟ هل شعرت أنهم بحاجةٍ ماسةٍ إلى هذه السلعة فرفعت سعرها أضعافاً مضاعفة كي تستغل حاجتهم؟ هل ذكرت لهم الحقيقة أم بالغت من أجل أن تأكل أموالهم بالباطل؟ عملك المهني جزءٌ من عملك العام، عملك في بيتك جزءٌ من عملك العام، عملك في لَهْوِك جزءٌ من عملك العام، عملك فيمن حولك جزءٌ من عملك العام.

﴿ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ ﴾

 الذي أعطى واتقى وصدق بالحسنى وفِّيت أعماله كاملةً، والذي كذَّب وتولى وبخل واستغنى وفِّي عمله كاملاً، فلذلك لا ترى في الدنيا أشد حمقاً ولا أشد غباءً ولا أشد جهلاً من الذي يعمل السيِّئات وهو يظن أنه يُحسن صنعاً، من الذي يأكل أموال الناس بالباطل وهو الذي يظن نفسه ذكياً، هذا هو الغباء بعينه لأنه:

﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾

[ سورة الزلزلة: 7-8 ]

الإنسان العاقل لا يرضى بالوهم المريح بل يبحث عن الحقيقة المُرَّة :

 ما من حركةٍ، ولا سكنةٍ، ما من إساءةٍ، ما من إحسانٍ، ما من كلمةٍ طيبةٍ، ما من كلمةٍ سيئةٍ، ما من غمزٍ، ما من لمزٍ، ما من غيبةٍ، ما من نميمةٍ، ما من عدوانٍ، ما من نظرةٍ، ما من صيحةٍ، ما من إصغاءٍ إلا في كتابٍ دقيق، ويوم القيامة يُنْشَرُ هذا الكتاب ويحاسب الإنسان أشد الحساب، هذه حقيقة، إذا قبلت الحقيقة المرة حمدت الله عزَّ وجل:

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾

[سورة الشعراء:88]

 هناك وهم مريح وهناك حقائق مُرَّة، الإنسان العاقل لا يرضى بالوهم المريح، بل يبحث عن الحقيقة المُرَّة، الوهم المريح ما يقوله عامة الناس: نحن أمة محمد أمة مرحومة، نحن عبيد إحسان ولسنا عبيد امتحان، الله يعفو عنا، الله يغفر لنا ذنوبنا، ما لنا إلا كرمه. هذا كلام لا يعني شيئاً، ولكن ربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الحجر: 92-93 ]

 إذا الإنسان عرف الحقيقة ولو أنها مُرَّة، ولو أنها حَجَّمَتْهُ، ولو أنها وضعته في زاويةٍ ضيِّقة، ولو أنها وضعته أمام مسؤوليَّاته، هذه الحقيقة المُرَّة هي المنقذة للإنسان من مغبة عمله، هذه الآية:

﴿ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ ﴾

 من دون استثناء، أنت ماذا عملت في الدنيا؟ كل إنسان له عمل، محسن أم مسيء؟ صادق أم كاذب؟ ناصح أم غاش؟ وتحابي أم تستقيم؟ لسانك رطبٌ بذكر الله أم طليقٌ بالفحشاء والمنكر؟ جوارحك، عينك، أذنك، لسانك، يدك، رجلك، كيف تتحرك في اليوم؟

﴿ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ ﴾

امتحان كل إنسان فيما أعطاه الله :

 والإنسان أيها الأخوة مُمْتَحَن:

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ﴾

[سورة العنكبوت: 2]

 لا يوجد واحد من المؤمنين، لا يوجد واحد من بني البشر إلا وهو مُمْتَحَن، أحياناً تعرض له الدنيا من طريقٍ غير مشروع، والطُرُقُ المشروعة مغلقةٌ في وجهه، ماذا يعمل؟ فإن صبر وقال: حسبي الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ويا ربي لا أعصيك ولو أطبقت السماء على الأرض، لا أعصيك ولو قُطِّعْت إرباً إرباً، لا أعصيك ولو أكلت التراب. إن علم الله منك هذا الموقف أعطاك الدنيا والآخرة:

﴿ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ ﴾

 لكن أتمنى أيها الأخوة أن يكون في علمكم أن إكرام المُحسن في الدنيا إكرامٌ تشجيعي لبقية المُحسنين، وأن عقوبة المسيء في الدنيا هي عقوبةٌ ردعيةٌ لبقية المسيئين، ولكن تأدية الحساب كاملاً، ولكن توفية النفس حقَّها، ولكن الحساب النهائي، ولكن الرصيد الكُلِّي يوم القيامة.

 

الدنيا دار ابتلاء لا دار جزاء :

 لذلك لو رأيت إنساناً مستقيماً وهو ضيِّق ذات اليد لا ينبغي أن تتهمه في دينه، لعل الله سبحانه وتعالى لحكمةٍ بالغةٍ بالغة أراد إرجاء إكرامه إلى يوم القيامة، وهذه الآية الدليل:

﴿ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ ﴾

 وإن رأيت إنساناً مسيئاً وهو يتمتع بالصحة، والمال، والجاه، والقوة، لا ينبغي أن يَهُزَّكَ هذا الموقف، قل: لعل الله لحكمةٍ بالغةٍ بالغةٍ أراد أن يرجئ عقابه إلى يوم القيامة.
 إن رأيت المحسن يثاب في الدنيا فهذا ثوابٌ تشجيعي لبقيَّة المحسنين، وإن رأيت المسيء يعاقب في الدنيا فهذا عقابٌ ردعيٌ لبقية المُسيئين، ولكن الجزاء الأوفى، وتوفية النفس حقها كاملاً، ورصيد الحساب، هذا يكون يوم القيامة، والدليل:

﴿ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ ﴾

 لا ينبغي أن تجعل الدنيا دار جزاء إنها دار ابتلاء، إنسان طيب، حافظ القرآن، مستقيم، مات في مقتبل الحياة، ولم ير من نعيم الدنيا شيئاً، فالدنيا في الأصل دار ابتلاء..

﴿ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ﴾

[سورة يس: 26-27]

 لا تنتظر من الدنيا أن تكون دار جزاء، لكن اطلب من الله السلامة، لكن عافيتك أوسع لي، هكذا دعا النبي عليه الصلاة والسلام، فيجب ألا يهزك إنسان قوي وغني وعاصِ، ويزداد غنىً وقوةً، لقول الله عزَّ وجل:

﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ* لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ ﴾

[سورة الزمر : 196-198]

الله عز وجل يعلم السر و أخفى :

 الله عزَّ وجل الذي يعلمه لا نعلمه نحن، يعلم السِرَّ وأخفى، علم ما كان وعلم ما يكون وعلم ما سيكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، هذا الإنسان من المناسب أن يعاجل بالعقوبة لعِلم الله به أن هذا العقاب لمصلحته، وهذا الإنسان من الحكمة أن تؤخَّر له العقوبة، وهذا الإنسان من حكمة الله أن يُتابعه على أدَقِّ الزلات، وهذا الإنسان يتركه الله عزَّ وجل بلا تأديبٍ ولا معالجة لحكمةٍ أرادها، أنت لا تستطيع أن تحكم على الأشياء بعلمك القاصر، ولكن الله عزَّ وجل هو العليم الحكيم، فدع هذا الأمر لله عزَّ وجل، لا يهزك إنسان يزداد قوةً وغنىً ومالاً وهو مقيمٌ على المعاصي كلها، ولا يهزك إنسانٌ مقيمٌ على طاعة الله جلَّ جلاله والدنيا صعبةٌ بين يديه، هناك حِكَمٌ لا نعلمها، الآية التي تحل هذه المشكلة:

﴿ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾

[سورة البقرة: 216]

الجزاء الأوفى وتوفية النفس حقها كاملاً يكون يوم القيامة :

 ما من إنسانٍ كان أشدَّ عداوةً للنبي عليه الصلاة والسلام من عكرمة بن أبي جهل، حارب النبي عشرين عاماً، نَكَّلَ بأصحابه، ما من إساءةٍ إلا فعلها في حقِّ النبي، وهو يزداد قوةً وشأناً.. الخ، ثم فتحت مكة، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بقتله ولو تعلَّق بأستار الكعبة.
 جاءت امرأته إلى النبي عليه الصلاة والسلام قالت: "يا رسول الله إن عكرمة قد هرب منك خوف أن تقتله فأمِّنه أَمَّنَكَ الله ". قال: " هو آمن ".
 ذهبت إليه فإذا هو على شاطئ البحر الأحمر ليسافر إلى الحبشة فراراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أقنعته بأن النبي عفا عنه، عاد إلى مكة وقال: " إنها تقول إنك قد أمَّنتني ". قال: " نعم صَدَقَتْ ".
 القصة طويلة، وأصبح عكرمة بن أبي جهل من كبار الصحابة، وقد أبلى في القِتال أشد البلاء.
 الله يعلم لو أن إنساناً قال: هذا ما شأنه؟ لماذا يزداد قوةً وهو ينكِّل بأصحاب النبي؟ أنت لا تعلم ولكن الله يعلم، هذا إنسان فيه خير ولكنه كامن، لم يأتِ الوقت المناسب ليظهر هذا الخير، وله قصةٌ طويلةٌ جداً في اليَرموك، وكيف أنه كسر غِمْدَ سيفه وترك فرسه الأشقر، ودخل في غمار المعركة يقاتل الكفَّار، حتى أن سيدنا خالد رضي الله عنه قال له: " إن قتلك يؤذي المسلمين ". فقال: " دَعْكَ عني لقد كان لك مع النبي مواقف ليست لي، دعني أكفِّر عن خطيئتي ".
 فأنت لا تعرف إذا أعطى الله إنساناً مهلة لعلمٍ يعلمه وأنت لا تعلم ذلك، فعليك أن تستسلم، أنت لا تعلم ولكن الله يعلم، فإذا عاقب الله المسيء، هذا عقاب ردعي لبقية المسيئين، وإذا كافأ الله المُحسن، هذه مكافأة تشجيعية لبقية المحسنين، لكن توفية النفس حقها، والفصل الدقيق يوم القيامة:

﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

[سورة آل عمران: 185]

﴿ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ ﴾

مكافأة بعض المحسنين في الدنيا مكافأة تشجيعية لبقية المحسنين :

 أحياناً يقدم الطلاب امتحاناً، والامتحان مصيري ويترتب عليه مستقبل الطلاَّب، و ربما كانت العلامات في الامتحان أساس دخول الجامعة، لو فرضنا أن مدرِّساً فحص طلاَّبه، وزَّع الأوراق بعد أن صححها، وكتب على السبورة السلم الدقيق، ووزع الأوراق على أصحابها، والطالب قرأ ما كتب، وقرأ السُلَّم، ونظر إلى العلامات التي نالها وفق السُلَّم، وجمع وطرح وقَسَّم بأرباع العلامات، فإذا علامته تماماً كما يستحق دون زيادةٍ أو نقصان، انتهى الطلاَّب من مطالعة أوراقهم بعد التصحيح، وسأل الطلاب: ألا لأحدهم سؤال؟ سكوتهم جميعاً دليل عدالته المُطْلَقَة، لو أن هناك خطأً في التصحيح، وإجحافاً، وزيغاً، وجحوداً، وميلاً، وزيادةً، ونقصاناً، لرأيت الطُلاَّب قد قاموا من مقاعدهم، وأحدثوا جلبةً وضجيجاً، انظر إلى هذه الآية:

﴿ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ ﴾

 كل إنسان يعرف عمله، كل منا له عمل، المهنة الواحدة تحتمل آلاف النماذج، هناك مهندس مُخْلِص، وهناك طبيب مخلص، وهناك محامِ مخلص، و هناك مدرس مخلص، وهناك تاجر أمين صادق، و بائع، وموظف، المهنة نفسها تحتمل الزَيغ والاستقامة، الكذب والصدق، الرحمة والقسوة، العدل والظُلم، الإحسان والإساءة، كل إنسان يعرف عمله، فإذا الإنسان استقام على أمر الله، لا كذب ولا غش ولا أساء، ربنا عزَّ وجل ربما كافأه في الدنيا تشجيعاً له ولغيره، أما لو أنه لم يكافئه، فالمكافأة العظمى تنتظره يوم القيامة، الدنيا دار ابتلاء وليست دار جزاء.

﴿ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾

 أعلم اسم تفضيل، مهما علمت هو أعلم، سيدنا الصديق مدحه رجل، فتوجَّه إلى الله عزَّ وجل، وقال: " يا رب أنت أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيراً مما يقولون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون ". وهو أعلم بما يفعلون، الذي خفي عنك يعلمه الله عزَّ وجل، من توفية كل نفسٍ ما عملت..

 

الناس رجلان؛ متصلٌ بالله منضبطٌ بشرعه ومقطوعٌ عن الله بعيد عن شرعه :

﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا ﴾

 سيقَ، الإنسان حينما يلقى القبض عليه، ويقتاده المحضرون إلى التحقيق، أو إلى غياهب السجن، أو إلى العقاب الأليم، كلكم يعلم ما معنى كلمة سيقَ؟ سُئِل أحد العارفين بالله: كيف القدوم على الله؟ فقال أبو حازم: " أما العبد المؤمن فكالغائب رُدَّ إلى أهله، وأما العبد الكافر فكالعبد الآبق رُدَّ إلى مولاه.

﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

 بالتعريف الدقيق الدقيق من هم الذين كفروا؟ الذي كذبوا وعصوا وأعرضوا، كذبوا بالحق لما جاءهم، كذبوا بما أوحاه الله إلى الأنبياء والمرسلين، كذبوا بهذا القرآن، ولأنهم كذَّبوا ما أطاعوا، ولأنهم ما أطاعوا فجروا وفسقوا وأخذوا ما ليس لهم، فالكفر له صفة داخلية وهو التكذيب، وصفة خارجية وهو الإعراض والمعصية، والناس رجلان؛ متصلٌ بالله، منضبطٌ بشرعه، محسنٌ إلى خلقه؛ مقطوعٌ عن الله، بعيد عن شرعه، مسيء إلى خلقه، ولن تجدوا في الدنيا رجلاً ثالثاً أبداً، على اختلاف مشاربهم، وأعراقهم، وأنسابهم، وانتماءاتهم، وأقوامهم، وأعراقهم، وعوائلهم.
 موصولٌ بالله، منضبطٌ بأمره ونهيه، محسنٌ إلى خلقه، سعيدٌ في الدنيا والآخرة؛ منقطعٌ عن الله، مخالف أمره، مسيء إلى خلقه، شقيٌ في الدنيا والآخرة، هذا الذي كفر ما عرف الله عزَّ وجل، وكذَّب بالحق لمَّا جاءه، ولم يأتمر بما أمر الله، ولم ينتهِ عما نهى الله عنه، وأخذ ما ليس له، أعطى لنفسه كل شهواتها المشروعة وغير المشروعة، هذا هو الكافر ومات على الكفر.

 

القرآن الكريم فيه نبأ من قبلنا وخبر ما بعدنا :

﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا ﴾

 بعضهم قال: زمراً أي جماعاتٍ جماعات، وبعضهم قال: المرابون زُمرة، والزناة زمرة، والغشَّاشون زمرة، وشاربو الخمر زمرة، والأفَّاكون زمرة، والدعاةُ إلى الباطل زمرة، أنواع المعاصي الاعتقادية والقولية والسلوكية، هؤلاء زُمَر، فأصحاب دور اللهو هؤلاء زمرة، همُّهم الأول إفساد الأخلاق، الكذَّابون المفترون الذين يكيدون لدين الله عزَّ وجل زمرة، الشاذّون زمرة.

﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ﴾

 إمعاناً في إذلالهم تُفْتَحُ أبوابها، متى؟ بعد أن يأتوها ويقفوا على أبوابها، بعد ذلك تفتح أبوابها.

﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ﴾

 هذا من علم الغيب، هذا مما اختَصَّ به القرآن الكريم، القرآن الكريم فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم، هذا الذي يتحدَّث القرآن عنه لم يقع بعد، ولكن رحمة الله بنا أن وضعت بين أيدينا هذه المشاهد، وهذه التفاصيل، وهذه المواقف، لنتخذ حذرنا من هذا اليوم الصعب.

﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا ﴾

العقل أداة معرفة الله عز وجل :

 عجيب الكون مسخر لكم تسخير تعريف وتكريم، العقل أداة معرفة الله، الفطرة تشعركم بخطئكم، الشرع بين أيديكم، الدعاة، العلماء الناصحون!! فالكون مع العقل مع الفطرة مع الشرع مع العلماء مع الدعاة مع الحوادث مع الانقباض النفسي مع التربية..

﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى ﴾

 هنا المشكلة، الحُجَّة أقيمت عليهم، الإنسان أخذ من الله كل شيء، بقي عليه أن يستجيب له.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ﴾

[ سورة التوبة: 38 ]

﴿ حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ ﴾

النبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى :

 الآيات الكونية، والآيات القرآنية، والآيات التكوينية، الكونية خلق الله، والقرآنية كلام الله، والتكوينية أفعال الله، وكلها آياتٌ دالةٌ على وجوده، وعلى أسمائه الحسنى، وعلى كمالاته، وعلى وحدانيته.

﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ﴾

 أمركم عجيب، كون ينطق بوحدانيته، ينطق بعلمه، ينطق بعدله، ينطق برحمته، ينطق بلطفه، ينطق بحكمته البالغة، كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فيه إعجازٌ لا حدود له، سُنَّةٌ نبويةٌ ليس في الأرض بشرٌ كل كلامه حقائق إلا النبي عليه الصلاة والسلام الذي أرسله الله إلينا، وإلا بقية الأنبياء والمرسلين.
 حديثان صحيحان، الأول رواه الإمام مسلم، والثاني رواه الإمام أحمد، في هذين الحديثين الشريفين يبين النبي عليه الصلاة والسلام أن في الإنسان ثلاثمئة وستين مفصلاً، ولو رجعتم إلى كتب التشريح الوصفي لوجدتم أن في الإنسان ثلاثمئة وستين مفصلاً، ومعطيات العلم في عهد النبي عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن تُعطي هذا الرقم الدقيق، أليس هذان الحديثان الشريفان من الأدلة القاطعة على نبوة النبي عليه الصلاة والسلام وعلى أنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى؟ وأن النبي ليس إنساناً عبقرياً كما يصفه أعداء الإسلام إنه نبيٌ يوحى إليه؟ لأن العصر كله ليس في قدرته أن ينبئنا بعدد مفاصل جسم الإنسان، والحديثان صحيحان؛ الأول في مسلم، والثاني رواه الإمام أحمد، ولو عدنا إلى التشريح الوصفي لوجدنا مئة وسبعة وأربعين مفصلاً في العمود الفقري، ثلاثة وأربعون بالطرف العلوي ضرب اثنين، أربعة وأربعون بالطرف السفلي، اثنا عشر بالحوض، اثنان بالفك، مجموعها ثلاثمئة وستين مفصلاً، النبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى، هناك أدلة من كتاب الله عزَّ وجل تؤكد إعجازه، وأدلة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تؤكد أنه نبيٌ يوحى إليه، وهناك فطرة سليمة.

 

من عرف الله و استقام على أمره ارتاحت نفسه :

 إذا عرفت الله عزَّ وجل، واستقمت على أمره، ترتاح نفسك، فإن لم تكن كذلك فأنت في ضيقٍ لا حدود له، فهذا دليل أيضاً، لا ترتاح نفسك إلا إذا أطعت الله عزَّ وجل، لا تسكن نفسك، لا يطمئن قلبك، لا تسكن نفسك إلا بطاعة الله، هذا دليل الفطرة، هناك دليل العقل، و دليل الفطرة، و دليل الحوادث.

﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾

[ سورة الأنعام: 11 ]

 هذا دليل ثالث، فهناك آيات كونية، و آيات قرآنية، و آيات تكوينية، الملائكة:

﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا ﴾

 في القرآن والسُنَّة حديثٌ طويلٌ طويل عن يوم القيامة، وعن أهل الجنة، وعن أهل النار، وعن البرزَخ، وعن عذاب القبر، وعن الصَيْحَة، وعن النَفْخِ في الصور، وعن الصراط، كله مذكور في القرآن الكريم:

﴿ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى ﴾

 والله الرسل جاءت، والكتاب بين أيدينا، والسُنَّة بين أيدينا، والكون ينطق بعظمة الله، وكل الحوادث تؤكِّد وحدانية الله.

 

الكون ينطق بعظمة الله و الحوادث تؤكِّد وحدانية الله :

 أحياناً تسمع قصة تشعر بكل خليةٍ في جسمك أن الله كبير، وأنه موجود، وأنه عادل، وأنه يعلم، وأنه ينتقم من الظالم، وأنه يكافئ المحسن ويدافع عنه، العوام يعبِّرون عن هذا الشعور بكلمة: الله كبير. تسمع أحياناً قصة تهتز مشاعرك، يقشعر جلدك منها، الله موجود، هذه القصة آيةٌ من آيات الله.
 مرة ذكرت قصة عن إنسان في طريقه إلى مكان، يمشي على طريق عريض في أيام الشتاء يقود سيارة، رأى كلباً صغيراً يَقْبَعُ على طرف الطريق طلباً للدفء - لأن الزفت يمتصّ الحرارة - فسائق هذه السيارة أراد أن يظهر لصديقه الذي إلى جانبه براعته في القيادة، فحاد عن منتصف الطريق ومال على هذا الكلب الضعيف وقص يديه، وأطلق ضحكةً رنانةً - أنه لم يقتله ولكنه قطع يديه فقط - يروي لي القصة الصديق الذي إلى جانبه وهو حيٌ يرزق وهو عندي صادق، قال لي: بعد سبعة أيام في الطريق نفسه، وفي السيارة نفسها، العجلة أصابها خلل، فتوقَّفَ على طرف الطريق، ورفع السيارة بالجهاز الذي في السيارة، وحَلَّ العجلة وأمسكها بيده، فكان هناك خطأ برفع السيارة فوقعت السيارة على العجلة، والعجلة على يديه من الرسغين، فهرست هذه العظام، ما إن وصل إلى المستشفى حتى اسودت يداه، فلا بد من قطعهما من الرسغ بعد سبعة أيام، وراوي القصة حيٌ يرزق أعرفه، هو الذي كان في السيارة، الله كبير.

﴿ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ ﴾

 في الدنيا ردع، أما في الآخرة فرصيد حساب، أحياناً تأخذ دفعة، لك مع شخص دين، فتأخذ دفعة في اليوم السابع عشر، دفعة ثانية، دفعة ثالثة، أما آخر دفعة فتكتب الرصيد، ثم يوقع، الرصيد يوم القيامة.

﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ﴾

﴿ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ ﴾

 الكون ينطق بوجوده، وكماله، ووحدانيته، والقرآن ينطق بوجوده، وكماله، ووحدانيته، والحوادث تنطق بوجوده، وكماله، ووحدانيته.

 

الله موجود ويعلم وسيحاسب :

 أهم فكرة للاستقامة أن الله موجود، ويعلم، وسيحاسب. إذا أيقنت بهذه الأفكار لا بد من أن تستقيم على أمره، موجود..

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

[ سورة الحديد: 4 ]

 ويعلم:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾

[ سورة النحل: 91 ]

 يعرف سلوكك، ونواياك، ومطامحك، وعقلك الباطن، والصراعات الداخلية، والخِطَط التي ترسمها، كله في علمه.

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

[ سورة إبراهيم: 46 ]

 عند الله مكرهم، أنت مكشوف عند الله عزَّ وجل، مادمت مكشوفاً كُن نظيفاً، مادمت مكشوفاً كن مخلصاً، مادمت مكشوفاً كن مطيعاً.

 

القوانين التي قننها الله عزَّ وجل طُبِّقَت على الكافرين :

﴿ قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾

 القوانين التي قننها الله عزَّ وجل طُبِّقَت على الكافرين، مثلاً بالنظام الداخلي من يتخلَّف عن الدوام في الجامعة أربعة أسابيع من دون عذر مبرر، يصدر قرارٌ بترقيم قيده من الجامعة، هذه قانون، هذه كلمة أي قانون، هناك طالب تخلف أربعة أسابيع عن الالتحاق بهذه الجامعة، فحقت عليه هذه الكلمة، أي انطبقت عليه هذه الكلمة، شملته هذه المادة، هذا المعنى..

﴿ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾

 هناك قوانين قننها الله عزَّ وجل، و سُنَن سَنَّها الله عزَّ وجل، هذه السنن وتلك القوانين:

﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾

[ سورة النساء: 123 ]

 هذا قانون، هذا القانون حق على الكافر، أي انطبق على الكافر لأنه كذب بالحق، ولم يطع الله عزَّ وجل، واعتدى على الآخرين، فعدالة الله عزَّ وجل وحكمته وتأديبه يقتضي أن يعذِّبَهُ، هذا معنى:

﴿ وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ ﴾

أخطر شيء في حياة الإنسان أن يوصل نفسه مع الله إلى طريقٍ مسدود :

 الإنسان بعد أن يصل إلى هذا المكان لا ينفع لا البكاء، ولا العويل،
 ولا الترجي، ولا الندم، ولا العتاب، انتهى، أخطر شيء في حياة الإنسان أن يوصل نفسه مع الله إلى طريقٍ مسدود، أي أن يموت كافراً، ما دام القلب ينبض فنحن في بحبوحة كبيرة جداً، ما دام فيه نبض، فهو حي، معنى هذا أن باب التوبة مفتوح، باب الإصلاح مفتوح، والصُلْحَة بلمحة، ما دام القلب ينبض وأنت حيٌ ترزق، بإمكانك أن تتوب من توِّك، من هذه اللحظة، وإذا تبت إلى الله توبةً نصوحاً أنسى الله حافظيك والملائكة وبقاع الأرض كلها خطاياك وذنوبك، وإذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله.

(( لله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد، والعقيم الوالد، والظمآن الوارد ))

[ ابن عساكر في أماليه عن أبي هريرة ]

 أما بعد أن مات كافر، وختم عمله، وسيق إلى جهنم..

﴿ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ﴾

 هذا المكان المناسب، فالذي معه أمراض خبيثة، أين المكان المناسب له؟ المستشفى، هذا الإنسان مكانه الصحيح، المكان المناسب له المستشفى، أما الصحيح فمكانه النُزهة، مكانه الصحيح بيته، مكانٌ جميل يستمتع به.

 

الصورة المأساوية لأهل الكفر :

﴿ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ ﴾

 أبواب، من أي باب شِئْتُم، جهنم لها أبواب كثيرة، أبواب جهنم هي المعاصي، كل معصية هي بابٌ إلى النار.

﴿ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ﴾

 تكبَّر على من؟ تكبر على الله، أبى أن ينصاع للحق، أبى أن يطيع الله عزَّ وجل، أبى أن يطلب العلم، أبى أن يأتمر بما أمر الله، أبى أن ينتهي عما نهى الله عنه، هذه الصورة المأساوية لأهل الكفر.

 

لن يتقي الإنسان الله إلا إذا عرفه وعندئذٍ يكافأ في الدنيا والآخرة :

 لكن المؤمنين قال:

﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ﴾

 هؤلاء المتَّقون الذين عرفوا الله في الدنيا، فاتقوا أن يعصوه، اتقوا غضبه، اتقوا الشرك بالتوحيد، اتقوا الكفر بالإيمان، اتقوا المعصية بالطاعة، اتقوا غضب الله برضوانه.

﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾

 لن تتقي إلا إذا عرفت الله، تعرفه، تتقيه أن تعصيه، عندئذٍ تكافأ في الدنيا والآخرة.

 

الاختلاف بين سوق المتقين و سوق المجرمين :

﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ ﴾

 هناك آية أخرى تبين هذا السوق غير ذلك السوق، المتقون يساقون كالوفد، الوفد الرفيع المستوى حينما يأتي إلى بلدٍ بدعوةٍ رسميةٍ من عَلِيَّةِ القوم فيها، تجد السيارات جاهزة، والترحيب، والسجَّاد يفرش في الأرض، وكأس العصير في قاعة الشرف - فهكذا الوفود دائماً - تدخل بأبهى حلة، بأجمل مكان، بكل ترحيب، فسوق المتقين سوق الوفود، لا سوق المجرمين.

﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾

 هناك آية أخرى تبيِّن الفرق:

﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ﴾

 هناك دعاة إلى الله، وهناك محسنون، هناك من أنفق ماله، هناك من عبد الله، هناك من عمل الصالحات، أبواب العمل الصالح كثيرة جداً، المزكُّون، الحجاج، الصائمون، التائبون، العابدون، السائحون، الراكعون، الساجدون، طلاَّب العلم، حُفَّاظ القرآن، الدعاة إلى الله، العلماء، المُجاهدون، هذه أبواب الخيرات زمراً.

﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا ﴾

 من باب التكريم:

﴿ وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ﴾

 من قبل مجيئهم، إذا كان وفد رفيع المستوى يصل ليجد من ينتظره ويكرمه، فالسجاد ممدود، وفتحت أبوابها، والأرض مفروشة، والأزهار متفتحة..

﴿ وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ﴾

 من قبل أن يأتوها إكراماً لهم، هذا الفرق حرف الواو..

﴿ وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ﴾

 إكراماً لهم..

 

المؤمن في الجنة في سلام أبدي :

﴿ حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ﴾

 أنتم في سلام، أنتم في سلامٍ أبدي، لم يبق مشكلة، الحياة كلها مشكلات، عندما يكبر الإنسان يعيش في قلق متسائلاً، يا ترى هل معي ضعف؟ معي نقص بالتروية؟ معي ضيق بالشريان التاجي؟ معي هبوط بأداء الكليتين؟ تصلب شراييني يا ترى؟ تشمع بالكبد؟ مليون خطر، لكن بالجنة انتهى لا توجد مشكلة.

﴿ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ﴾

 لا توجد مشكلة، لا بصحتك، ولا بزوجتك.

﴿ وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ ﴾

 كنتم في الدنيا طيبين، طابت نفوسكم بطاعة الله، طابت نفوسكم بمعرفة الله، وطابت بأعمالكم الصالحة، لأن نفوسكم طابت أنتم أهلٌ للجنة.

ملازمة القلق لأهل الدنيا لكيلا يتعلقوا بها :

﴿ طِبْتُمْ ﴾

 قال بعضهم: طبتم بمعرفة الله. قال بعضهم: بطاعة الله. قال بعضهم: بعملكم الصالح. على كلٍّ المعاني كلها محتملة.

﴿ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ﴾

 لا يوجد قلق إطلاقاً، لا يوجد إنسان في الدنيا إلا وهو يقلق، إن كان بمنصب رفيع يبذل جهده للحفاظ على منصبه، ويحسب ألف حساب لخصومه، وحُسَّاده، والوشاة، والمنافسين له، وإن كان ببيت فخم يخاف من نزع الملكية، وإن كان بمعمل فالقلق من معمل آخر منافس كيلا يخف البيع، دائماً هناك قلق، إن كنت ببحبوحة هناك قلق، إن كنت بصحة هناك قلق، هذا القلق يلازم الدنيا حتى الإنسان لا يتعلق بها، أما هناك:

﴿ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ﴾

 إلى أبد الآبدين، فهذه الجنة الأبدية أيزهد بها من أجل سنواتٍ في الدنيا معدودة؟

 

الوقت و المال و الصحة عوامل السعادة في الدنيا للإنسان :

 عوامل السعادة في الدنيا للإنسان؛ الوقت، والمال، والصحة، فالإنسان بأول حياته عنده وقت وعنده صحة ولكن لا يوجد عنده مال، يأتي بفترة عنده مال وصحة ولكن لا يوجد وقت، تأتي فترة ثالثة عنده وقت ومال ولكن لا توجد صحة.
 بالضبط ثلاث مراحل؛ أول مرحلة المال، الصحة متوافرة، والوقت متوافر ولكن لا يوجد مال، فهذا الشاب ليس معه شيء، يأتي وقت يعمل ليلاً نهاراً، الصحة موجودة، والمال موجود ولكن لا يوجد وقت، لا يقدر أن يغيب عن محلَّه ولا ساعة، بعد أن جمع ثروة طائلة، وسلَّم أولاده، وتقاعد، صار عنده وقت، ومعه مال ولكن أصبح في جسمه عشرون علة، هذه الدنيا.
 أوحى ربك إلى الدنيا أن تكدري وتمرري وتضيَّقي وتشددي على أوليائي حتى يحبوا لقائي.
 لاحظ الذي عمره تجاوز الستينات تجد خمسين علة بالجسم، لم يعد يتمتع بالحياة، هكذا طبيعة الدنيا كلها متاعب، لذلك لا راحة لمؤمنٍ إلا بلقاء وجه ربه.

﴿ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ* وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾

المؤمن في الدنيا يحمد الله على أنه عرف الله :

 قد أتصور أنه لا توجد ذرة بجسم المؤمن يوم القيامة إلا ويحمد الله بها، والله المؤمن في الدنيا يحمد الله على أنه عرف الله، سيدنا عمر كان إذا أصابته مصيبةٌ قال: "الحمد لله ثلاثاً؛ الحمد لله إذ لم تكن في ديني، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها، والحمد لله إذ ألهمت الصبر عليها ". ما دام دينك سليماً، لا تعصي الله، مستقيم على أمر الله، فأنت ملك من ملوك الأرض، أما يوم القيامة فيرى الجنة للأبد، لا توجد مشكلة، هو بالدنيا عرف الله..

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ*آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ*كَانُوا قَلِيلًا مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ*وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ*وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾

[ سورة الذاريات: 15-19 ]

﴿ قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ*فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ*إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ﴾

[ سورة الطور: 26-28 ]

﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ* إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ* فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ* فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ* قُطُوفُهَا دَانِيَةً* كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾

[ سورة الحاقة: 19-24 ]

خالق الكون في كتابه الكريم المُعجز أخبر الإنسان بأن هناك جنة و نار ووعد ووعيد :

﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ ﴾

 كلام خالق الكون، فهو يقول لك: هناك جنة وهناك نار، هناك عذاب وهناك برزخ، هناك قبر، وهناك صراط مستقيم، وهناك حوض، وهناك صحف تنشر، فهذا كلام ألا تأخذه مأخذ الجد؟ عجيب أمر الإنسان، كلام خالق الكون، الآن صدر قرار من خمس كلمات فرفع سعر السيَّارة مئة ألف ليرة، خمس كلمات فقط، معنى هذا أن الناس صدقوا، أنت تصدق إنساناً إذا أعطاك تصريحاً من خمس كلمات، فترتفع الأسعار وتنزل الأسعار بتصريح كلمات، وخالق الكون في كتابه الكريم المُعجز يقول لك: هناك جنة، وهناك نار، وهناك حساب، وهناك عذاب، وهناك سؤال، وهناك وعد، وهناك وعيد.

﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ ﴾

من آثر طاعة الله على حظوظ نفسه ربح الدنيا و الآخرة :

 الله قال هناك جنة. فهذه الجنة ولحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل المؤمنون يَرِدُون النار ولا يدخلونها، ورود النار أن ترى أهل النار، وأن ترى شدة العذاب لو لم تكن مؤمناً من أجل أن تزيد سعادتك في الجنة.

﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ ﴾

 أضرب مثلاً: طبيب لامع جداً يستقبل باليوم عدداً كبيراً من المرضى، وله دخل كبير بالآلاف، فمن أين جاءه هذا الدخل الكبير؟ من عمر مديد أمضاه في الجامعة حينما كان طالباً في الجامعة، سهر الليالي الطويلة، وتحَمَّل مشاق الامتحان، وهموم الدراسة، وصبر على الأساتذة، وعلى موادِّهم الصعبة، وكذا وما فيها من نعيمٍ مقيم أساسه..

﴿ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ ﴾

 نحن في الدنيا عرفنا الله، كان هناك شمس وقمر ونجوم، وليل ونهار، وكسوف وخسوف، ومطر ورياح، ونباتات، وحيوانات، واسماك، وأطيار، وخلق الإنسان، هذا كلَّه فكَّرنا فيه، وهناك قرآن قرأناه، وحفظناه، وفهمناه، وحضرنا مجالس العلم..

﴿ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ ﴾

 وكان لنا زوجة، وربينا أولادنا، وعلمناهم القرآن، وحفظناهم القرآن، ودائماً أمرنا بالمعروف، ونهينا عن المنكر، ودعونا إلى الخير.

﴿ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ ﴾

 هذا النعيم المقيم لأننا في الدنيا تعرفنا إلى الله، وفي الدنيا أطعنا الله، وفي الدنيا تقرَّبنا إلى الله، وفي الدنيا بذلنا الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، وفي الدنيا وضعنا أنفسنا تحت أقدامنا إرضاء لله عزَّ وجل، وفي الدنيا آثرنا طاعة الله على حظوظ أنفسنا، وفي الدنيا كظمنا غَيْظنا، وفي الدنيا أنفقنا مالنا..

﴿ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ ﴾

 فأي إنسان لو حقق نجاحاً كبيراً في الدنيا، كلما تمتع بثمرات نجاحه يتذكر الأيام الصعبة التي تجاوزها حتى أعدّ نفسه لهذا النجاح، لا يوجد إنسان ينجح نجاحاً ملموساً في الحياة إلا ويذكر دائماً الأيام الصعبة التي هيأ نفسه لهذا النجاح.

﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ﴾

اختلاف نظام الجنة عن نظام الدنيا :

 نظام الجنة نظام آخر غير الدنيا، لهم ما يشاؤون، كلما خطر في بالك شيء تراه أمامك، هذا نظام الجنة، دار إكرام، هنا دار كدح..

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ ﴾

[ سورة الإنشقاق: 6 ]

 الواحد منا لا يصل إلى بيت مؤلف من غرفة ومنافعها في مكان بعيد إلا بعد جهد جهيد، ويكافح طويلاً ليصل للزوجة، ويصل للمنصب، ويصل لدخل ثابت، هكذا الحياة، مبنية على الكدح، مبنية على بذل الجهد، مبنية على تحمُّل المشقة؛ أما الآخرة فمبنية على الإكرام، لهم ما يشاؤون إذاً معنى كلمة:

﴿ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ ﴾

 أي أن هذا النعيم المقيم ثمنه كان في الأرض معرفة بالله، وطاعة له، وإقبالاً عليه.

 

أساس الجنة العمل وليس الكلام :

 الآن..

﴿ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ﴾

 الجنة مبنية على العطاء بلا كَدْح، بلا سعي، بلا جُهد.

﴿ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾

 معناها الجنة أساسها العمل وليس الكلام، العمل..

﴿ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾

 الذين عملوا في الدنيا يستحقون هذا النعيم المقيم في الآخرة.

﴿ وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ﴾

 والملائكة أيضاً حول العرش امتلأت قلوبهم حباً لله عزَّ وجل، وتعظيماً له، وتسبيحاً له.

﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ ﴾

 بين الخلق كلهم.

 

الحمد لله رب العالمين ملخَّص مشاعر الخلق جميعاً يوم القيامة :

﴿ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

 ملخَّص مشاعر الخلق جميعاً يوم القيامة الحمد لله رب العالمين، لأن كل شيءٍ وقع أراده الله، وإرادة الله متعلقةٌ بالحكمة المطلقة، وحكمته المطلقة متعلقةٌ بالخير المطلق، فكل ما فعله الله محض خير، ولو بدا لنا أنه شر، هذا معنى قوله تعالى:

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾

[ سورة آل عمران: 26 ]

 

 

كله خير، فهذا الكلام لسان حال كل الخَلق يوم القيامة، لذلك بعضهم يقول: الحمد لله الذي لا يحمد على مكروهٍ سواه. الشيء الذي يبدو لك مكروهاً هو محض فضلٍ ومحض خير.

﴿ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018