الدرس : 19 - سورة الزمر - تفسير الآيات 67-70، انحراف السلوك يقابل نقص المعرفة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 19 - سورة الزمر - تفسير الآيات 67-70، انحراف السلوك يقابل نقص المعرفة.


1993-05-28

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

نقص المعرفة يقابله انحراف السلوك :

 أيها الأخوة الأكارم، مع الدرس التاسع عشر من سورة الزُمَر، ومع الآية السابعة والستين، وهي قوله تعالى:

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾

 أي ما عظَّموه حقَّ تعظيمه، ما عرفوه حقَّ معرفته، كل أخطائهم، وكل شركهم، وكل انحرافهم، وكل معاصيهم بسبب نقص معرفتهم.
 حقيقة تقول: نقص المعرفة يقابله انحراف السلوك، ما من سلوكٍ منحرفٍ، ما من إنسانٍ وقع في مخالفاتٍ، ما من إنسانٍ قَصَّرَ في أداء واجبٍ، ما من إنسانٍ وقع فيما حرَّم الله إلا بسبب نقص معرفته، فهناك علاقةٌ طرديَّة متوازية بين العلم وبين السلوك، فربنا عزَّ وجل بعد أن حدَّثنا عن هؤلاء الذين أشركوا، هؤلاء الذين عصوا، بيَّن أنهم ما عصوا، وما أشركوا، وما قصَّروا، وما أساؤوا إلا بسبب أنهم ما قدَّروا الله حق قدره..

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾

 فإذا كان هناك طبيب يحمل أعلى شهادة في العالَم - بورد - وطبيب مبتدئ جداً، وعلمه محدود جداً، أنت حينما تتوَّجه إلى الطبيب الأقل معرفةً، والأقلّ علماً، لا تعرف قدر الطبيب العالم، لما استغنيت عن العالِم واتجهت إلى الأقل علماً أنت ما قدَّرت علم الأول، لو قدَّرت علمه لاتجهت إليه، أنت أحياناً تتكلَّم كلاماً طيِّباً، ولكن السلوك يؤكِّد أنك لا تعرف الله، فحينما تعصي الله معنى ذلك أنك لا تعرفه، حينما تؤْثِر مرضاة إنسانٍ على مرضاة الله احكم على نفسك أنك لا تعرف الله، حينما تؤثر السلامة عن طريق معصيةٍ احكم على نفسك أنك لا تعرفه، لو عرفته حقَّ المعرفة، لو عظَّمته حقَّ التعظيم، لو قدَّرته حقَّ التقدير، لو عرفت قدره ما عصيته.
 إذا عرضوا على الإنسان نماذج من البضاعة واختار أسوأها معنى ذلك أنه ما عرف قيمة أجودها، لو عرف قيمة أجودها لما اختار أسوأها، فأنت مع ما سوى الله عزَّ وجل تتجه إلى لا شيء، إلى جهةٍ لا تملك شيئاً، لا نفعاً، ولا ضراً، ولا موتاً، ولا حياةً، ولا نشوراً، لا تسمع، ولا تعقل، ولا تعطي، ولا تستجيب، ولا تنقذ، فإذا تركت خالق الكون، السميعَ البصير، الحيَّ القيُّوم، من بيده ملكوت كل شيء، واتجهت إلى ما سوى الله، أشركت، إذاً ما قدَّرت الله حقَّ قدره.

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾

 إذ أشركوا به.

 

ما من إنسانٍ وقع فيما حرَّم الله إلا بسبب نقص معرفته :

 هناك معنى ضمني، أنت حينما أشركت بالله، حينما توجَّهت إلى غير الله، حينما علَّقت الأمل على غير الله، حينما خِفْتَ غير الله، حينما أرضيت غير الله عزَّ وجل أنت ما عرفت الله، لو عرفته لما تركته، لو عرفته لما توجَّهت إلى سواه، لو عرفته لما صرفت نفسك عنه.

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾

 إذ أشركوا به، إذ عبدوا غيره، هكذا التفسير:

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾

 إذ قصَّروا في واجبهم تجاهَهُ، وما قدروا الله حقَّ قدره إذ خالفوا أمره، وما قدروا الله حق قدره إذ انتهكوا حرماته، وما قدروا الله حق قدره إذ قصَّروا في معرفته، وما قدروا الله حق قدره إذ لم يعطوا كل ما يملكون في سبيل معرفتهم بالله عزَّ وجل.

 

من ازدادت معرفته بالله استقام عمله :

 إذاً هذا مقياس دقيق، كلَّما رأيت نفسك تقصِّر، تُهْمِل، تتجرَّأ، تتجاوز الحدود، احكم على نفسك أنك لا تعرف الله، هناك نقصٌ في العمل بقدر النقص في المعرفة، النقص في العمل أساسه النقص في المعرفة، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح قال:

((من ضن بالمال أن ينفقه وبالليل أن يكابده فعليه بسبحان الله و بحمده))

[ الديلمي عن عبد الله بن حبيب]

 معنى ذلك تسبيحه قليل، والتسبيح هو التنزيه والتمجيد، قَلَّت المعرفة فقلَّ معها العمل، قلَّت المعرفة فقلَّت معها التضحية، قلَّت المعرفة فقلَّ معها الصَبر، قلَّت المعرفة فقلَّ معها البذل، قلَّت المعرفة فقلَّت معها الطاعة، قلَّت المعرفة فقلَّت معها الخشية.
 يجب أن تربطوا دائماً بين المعرفة وبين السلوك ، خطأ في المعرفة لابدَّ من أن يتبعه خطأ في السلوك، هناك خطأٌ في السلوك لابدَّ من أن يُعْزَى إلى نقصٍ في المعرفة، إن رأيت إنساناً منحرفاً احكم عليه أن معرفته بالله قليلة، إن رأيت إنساناً لا يعرف الله احكم عليه أنه لابدَّ من أن يخطئ، لأن ما في الداخل ينعكس على الخارج، وما في الخارج يؤكِّد ما في الداخل، وانتهى الأمر، هذا التلازم بين العقيدة والسلوك، أشركوا، وقصَّروا، وندموا، وعبدوا غير الله، وانكبوا على الدنيا، بعد كل هذه الأوصاف الدقيقة لانحرافاتهم، قال:

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾

 إذ عبدوا غيره، لو عرفوا الله ما عبدوا غيره، أنت بحاجة إلى مال، وجهتان الأولى تملك المال، والثانية لا تملكه، توجَّهت إلى التي لا تملكه، إذاً أنت لا تعرف من يملك المال، لما توجَّهت إلى الذي لا يملكه وتضعضعت أمامه أنت لا تعرف الرجال، ولا تعرف الأحوال، فاتجاهك يؤكِّد معرفتك.

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾

 أي ما عظَّموه حقَّ تعظيمه، ما عرفوه حقَّ معرفته، ما استقاموا على أمره كما ينبغي، ما قدَّموا الغالي والرخيص من أجله كما ينبغي، كل الخطأ في العمل، كل التقصير في العمل، كل الانحراف في العمل أساسه نقص المعرفة، العلاج إذاً المعرفة، وكلَّما نمت معرفتك استقامت أحوالك، كلَّما زادت معرفتك استقام عملك، فدائماً حاسب نفسك.

 

الفصل بين العلم و العمل أخطر شيء في الدعوة إلى الله :

أخطر شيء في الدعوة إلى الله أن تفصل بين العلم وبين العمل، وأن ترى العلم هدفاً بذاته، لكن العلم وسيلة وليس هدفاً، فإذا جعلته هدفاً فقد وقعت في خطأٍ شنيع، العلم وسيلة وليس غاية، العلم وسيلة إلى العمل، قال بعضهم: " العلم الذي لا يثمر العمل الجهل أفضل منه، لأنه حجَّةٌ عليك"، فهذه الآية:

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾

 حينما أشركوا به ما قدَّروه حقَّ قدره.

 

الأرض في قبضة الله تعني أن :

1 ـ الأرض في حوزة الله و في ملك الله :

 من الله عزَّ وجل؟ قال:

﴿ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

 معنى هذا أن الشيء في قبضتي، أنه في حوزتي، أنا أملكه، وهو في قبضتي، مالك التصرُّف فيه، أولاً: في حوزتي، وثانياً: أملك التصرُّف فيه، الأرض كلُّها بما فيها وبمن فيها، وبما عليها وبمن عليها، الأرض جميعاً بقبضة الله عزَّ وجل، هي ملكه، ملك الله عزَّ وجل، هو الذي خَلَقَ، وهو المتصرِّف، وإليه المصير، قد تملك ولا تنتفع، وقد تنتفع ولا تملك، وقد تملك وتنتفع وليس إليك المصير، ملكيَّة الله تامَّة، معنى:

﴿ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا ﴾

 كلمة جميعاً للتفخيم، الأرض جميعاً، وبعضهم قال: ما دامت الأرض في بعض الآيات سبعة أراضين، فجميعاً أي الأرض بكل طبقاتها حتَّى نواتها الملتهبة، بكل ما فيها من ثروات، من فِلْذَات، من معادن، ربنا عزَّ وجل قال:

﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى ﴾

[ سورة طه : 6 ]

 هذه إشارة إلى أن هناك ثروات، هناك فلذات، هناك مناجم، هناك معادن، هناك بترول، هناك مناجم ذهب.

﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى ﴾

[ سورة طه : 6 ]

 إذاً الأرض في قبضة الله تعني أن الأرض في حوزة الله، في ملك الله، ومُلْكِيَّة الله للأرض ملكيَّةٌ تامَّة، يملكها ويتصرَّف فيها وإليه مصيرها، هذه الملكيَّة.

 

2 ـ الله قادرٌ فيها على كل شيء :

 المعنى الثاني: إن الله قادرٌ فيها على كل شيء، كل شيءٍ تتعلَّق به قدرة الله عزَّ وجل، قدرة الله تتعلَّق بكل شيءٍ على الإطلاق، قادرٌ أن يمحوها، قادرٌ أن يفعل بها ما يشاء، قادرٌ أن يغرقها بالماء، الماء يقدر أن يجعله رحمةً، ويقدر أن يجعله عذاباً، الماء أحياناً يدمِّر كل شيء، يُتْلِف كل المحاصيل.
 الهواء قادرٌ على أن يجعله رياحاً منعشةً تسوق السحب، وقادرٌ على أن يجعله ريحاً مدمِّرةً، لا تذر شيئاً إلا أتت عليه، كل شيءٍ بقبضة الله، الأرض مستقرَّة بقدرة الله، وقادرٌ أن يزلزلها، البناء الذي استغرق بناؤه عشرين عاماً يصبح رُكاماً بلحظة واحدة.
 فماؤها رحمةٌ أو عذاب، هواؤها رحمةٌ أو عذاب، بموجة صقيعٍ واحدة قادرٌ على أن يجعل كل الإنتاج الزراعي صفراً، أسود اللون، يقول لك: الصقيع أتلف ثلاثمئة مليون في خلال خمس دقائق، ما معنى في قبضته؟ أي هو في حوزته ملكاً وتصرُّفاً ومصيراً وضمن قدرته، قادرٌ أن يفعل بها ما يشاء، قادر أن تغور الينابيع فيموت النبات، ويموت الحيوان، ويموت الإنسان، وقادرٌ أن يجعل الأرض القاحلة وقد ارتدت حلَّةً قشيبة.
 فما بين حمص والشام مسافة تعرفونها جميعاً، أرضٌ قاحلة، في هذا العام نسب الأمطار تضاعفت، الآن هي بساط أخضر بين حمص والشام، خضراء كلُّها، لأنه قادر أن تكون نسب الماء قليلة، قادر أن يضاعف هذه النسب، بعد أن يَئِس الناس من أن الأمطار في الشام باتجاه التناقص جاء عطاء الله مضاعفاً.

﴿ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ ﴾

كل شيء في حوزة الله تعالى ملكاً وتصرُّفاً ومصيراً وضمن قدرته :

 أي أن الأمطار بيده، الرياح بيده، البرودة والصقيع، أهل الساحل ما عرفوا الصقيع منذ ثلاثين عاماً، فجأةً في العام الماضي تسع درجات تحت الصفر على ساحل البحر، غير معقول إطلاقاً، الأمطار التي جاءت قبل أسابيع كانت أربعين ميليمتراً.

﴿ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ ﴾

 الأمطار بيده، الرياح بيده، الصقيع والحر بيده، الشام معتدلة "مَصْيَف"، تأتيها موجات حر فتصبح كبلاد الحجاز شديدة الحرارة.

﴿ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ ﴾

 الإنتاج جيِّد، حشرة يعجز في مكافحتها علماء الأرض، كل الإنتاج تجده يصاب بهذه الحشرة، ليس في العالَم كلِّه مادَّة مضادَّة لهذه الحشرة، علماء ودول عاجزون أمام ذبابةٍ بيضاء، لا تبقي في الإنتاج الزراعي شيئاً.
 مرَّة سألني أخ: هل على العسل زكاة؟ قلت: عليه زكاة، العلماء ألحقوه بالإنتاج الزراعي، وقالوا: زكاة العسل العُشر إذا كانت خلاياه طبيعيَّة؛ في الأكوار، وفي الأغصان، ونصف العشر إن كانت خلاياه خشبيَّة، فإذا في نفقه نصف العشر، قال لي: أكيد؟ قلت له: مثلما تحب أنت حر، إن لم تدفع الزكاة قُرَّاد النحل جاهز، أيضاً آفةٌ تصيب خلايا النحل لا تبقي فيها ولا نحلة، أصابت هذه الآفة أكثر المناحل قبل سنوات، أتت عليها جميعاً، ما تلف مالٌ في برٍ أو بحرٍ إلا بحبس الزكاة، إنسان ذهب إلى بلد غربي - إلى أمريكا - لمهمَّة تطوير معلوماته الاختصاصيَّة، وعاد بعد ثلاثة أشهر محملاً بالهدايا الثمينة لزوجته الوفيَّة، ولأصدقائه، ولأمِّه، ولأبيه، ولجيرانه، أنجب بعد عامٍ من مجيئه طفلاً كالوردة، بعد أن أنجبت زوجته هذا الطفل شعر بآلام، بانحطاط، بضَعف من طبيب إلى طبيب إلى طبيب، إلى أن أشار عليه بعض الأطبَّاء أن يجري فحصاً لمرض الإيدز، أجرى الفحص النتيجة إيجابيَّة، بقي يعاني آلام هذا المرض سنتين ثمَّ مات، وبعد موته ماتت زوجته التي أُصيبت بهذا المرض، والآن ابنه في مرحلة الوفاة، وله بنتٌ أنجبها قبل أن يسافر إلى أمريكا، زلَّت قدمه، حُوصِر، وسُئل، وألقي عليه الحجر الصحي، وحقِّق معه، زلَّت قدمه في هذه البلاد - ألا يا ربَّ شهوة ساعةٍ أورثت حزناً طويلاً - قال قبل أن يموت: لو أن لهذا المرض دواء، وثمنه كل ما أملك لدفعته، لا من أجلي ولكن من أجل إنقاذ زوجتي الوفيَّة البريئة وابني الصغير. ولكن المرض حصد الأسرة كلَّها، تستقيم أهلاً وسهلاً، لا تستقيم الإيدز جاهز.
 طبيب أقام في فرنسا عشر سنوات، قال لي: أُجريت دراسة لبنات الهوى هناك، ثلاثون بالمئة أو أكثر مصابات بهذا المرض.

 

الاستقامة على أمر الله ضرورية في حياة كل إنسان :

 الدين ضروري، العلم ضروري، من أجل سلامتك، فإذا كنت تتنزَّه بأرض فلاة، ورأيت كلمة ( انتبه حقل ألغام ) هل تشعر أن هذه اللوحة تحدُّ من حريَّتك أم أنها ضمانٌ لسلامتك؟ حينما تفهم الدين ضماناً لسلامتك فأنت فقيه، أما إذا رأيته حدَّاً لحريَّتك فأنت لا تعرف شيئاً.
 شابٌ من شباب هذه البلدة خطب فتاةً ملء السمع والبصر، وعقد قِرانه عليها في المحكمة الشرعيَّة، وأمضى معها سنةً وأكثر، في فترةٍ يسمِّيها الخُطَّاب من أمتع فترات حياتهم، الحديث عن غرفة النوم، وعن غرفة الضيوف، وعن موقع المَنزل، وعن ماذا يسمون أولادهم حينما يأتون؟ ثم شعر أن بإمكانه أن يشتري سيَّارةً وقد رخصت أسعارها، وشعر أنه بحاجة إلى رخصة قيادة، ذهب إلى الجهات المسؤولة ليحصل على هذه الرخصة، أحد الأوراق تحتاج إلى تبرُّع بالدم، ذهب ليتبرَّع بدمه، في اليوم التالي ألقي الحجر عليه - أنت مصاب بالإيدز- سنة وهذان العروسان يحلمان بأحلامٍ رغيدةٍ، ببيتٍ سعيدٍ، بأولادٍ نجباء، كان جريئاً وأخبر زوجته، فُسِخَ العقد فوراً عن طريق المُخالعة، وتألَّمت الزوجة أشدَّ الألم، وهو ينتظر الآن وفاته - هذه حصيلة المعصية، تحب نفسك استقم، تحب سلامتك استقم، الأمور واضحة وضوح الشمس.
 فلذلك حينما تتجه إلى ما يغضب الله أنت لا تعرفه، والأدق من ذلك أنت لا تعرف مصلحتَك، إذا عصيته أنت لا تعرفه ولا تعرف ما يسعدك.

الله يحكم لا معقِّب لحكمه له الخلق والأمر :

 إذاً:

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ ﴾

 الفيروس المسبب لهذا المرض خلقه الله عز وجل ليكون عقاباً عاجلاً، هؤلاء في أوروبا وأمريكا لم يرتدعوا، لا دين لهم، ولا قيم، ولا روادع، وما أبشع الإنسان حينما يرتدع عن الزنا لا خوفاً من الله عزَّ وجل؛ ولكن خوفاً من هذا المرض، ما أبشعه حينما يبتعد خوفاً على حياته، أو على سلامته، ولكن المؤمن يبتعد خوفاً من الله، شتَّان بين البُعْدَين، شتَّان بين العِفَّتين، عفَّةٌ هي التَعَبُّد بعينه، وعفَّةٌ هي الخوف بعينه.

﴿ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ ﴾

 المعنى الأول: قبضته أي هي في حوزته وملكه، وملكيَّة الله تامة.
 والمعنى الثاني: أن كل ما في الأرض، ما فيها ومن فيها، وما عليها ومن عليها، وما فوقها ومن فوقها، في قبضته أي في تصرُّفه، هو الذي يحكمها، وهو الذي يتصرَّف بها، ومشيئته هي النافذة، والله يحكم لا معقِّب لحكمه، له الخلق والأمر.

 

3 ـ الأرض في قبضته أنه قادر على إهلاكها وإتلافها والذهاب بها :

 المعنى الثالث لهذه الآية: أن الأرض في قبضته أنه قادر على إهلاكها، وإتلافها، والذهاب بها.

﴿ وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ ﴾

[ سورة المرسلات: 10 ]

 متى؟ يوم القيامة.

 

مطوياتٌ أيضاً لها معنيان :

1 ـ أنها في تصرُّف الله عزَّ وجل :

 قال:

﴿ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾

 معنى مطوياتٌ أيضاً لها معنيان، المعنى الأول: أنها في تصرُّف الله عزَّ وجل.

 

2 ـ أن هذه السماوات التي تبدو شيء لا يصدَّق :

 والمعنى الثاني: إن هذه السماوات التي تبدو شيء لا يصدَّق مليون مليون مجرَّة تقريباً، في كل مجرَّةٍ مليون مليون نجم تقريباً، والفراغات البينيَّة بين النجوم شيء لا يُصَدَّق.

تسخير الله عز وجل الكون للإنسان من أجل أن يعبده :

 لذلك ربنا عزَّ وجل قال:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾

[سورة الواقعة:75-76]

 بعد الشمس عن الأرض مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، وتكبُر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرَّة، وهناك نجمٌ صغيرٌ صغير في برج العقرب لونه أحمر، اسمه قلب العقرب يتَّسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما.

﴿ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾

 الله قال:

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾

[ سورة البروج: 1 ]

 كل شهر في بُرج، برج العقرب فيه هذا النجم الصغير المتألِّق الأحمر، اسمه قلب العقرب، هذا النجم الصغير يتِّسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما، الذي عنده آلة حاسبة يحسب، احسب بينك وبين أقرب نجمٍ ملتهب أربع سنواتٍ ضوئيَّة، هذه المسافة تعني أنك إذا أردت أن تصل إليه بمركبةٍ أرضيَّة تحتاج إلى ما يقارب من خمسين مليون عام، يجب أن يكون عمرك خمسين مليون سنة من أجل أن تصل إليه.
 سيدنا المسيح ولِدَ قبل ألف وتسعمئة سنة تقريباً، سيدنا موسى قبل ستة آلاف سنة تقريباً، سيدنا رسول الله قبل ألف وخمسمئة سنة تقريباً، فأين خمسون مليون سنة من أجل أن تصل إلى أقرب نجمٍ ملتهبٍ؟ فنجم القطب تحتاج إلى أن تصل إليه إلى أربعة آلاف سنة ضوئيَّة، أقرب نجم أربع سنوات، القطب أربعة آلاف سنة، إذا الأربع سنوات تحتاج إلى خمسين مليون سنة مسافة الطريق، فكم تكون الأربعة آلاف سنة؟ والعمليَّة تتم بسهولة بالآلة الحاسبة.
 هناك عمليَّة معقَّدة، الضوء يقطع في الثانية ثلاثمئة ألف كيلو متر، اضرب ثلاثمئة ألف كيلو متر في ستين، بالدقيقة، في ستين، بالساعة، بأربعة وعشرين، باليوم، بثلاثمئة وخمسة وستين، بالسنة، بأربع سنوات تستطيع أن تعرف كم تبلغ، الآن اقسِم على مئة كيلو متر سرعة سيَّارة، هذه بالساعة، على أربعة وعشرين باليوم، على ثلاثمئة وخمسة وستين بالسنة، أي حوالي خمسين مليون سنة تحتاج أن تصل إلى أقرب نجم ملتهب، هذا النجم الملتهب أربع سنوات، القطب أربعة آلاف سنة، المرأة المسلسلة مليونا سنة، مجرَّة حديثة ستة عشر ألف مليون سنة ضوئيَّة، هذه مواقع النجوم.

﴿ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾

 كل هذا الكون من أجلك، والذي خلق السماوات والأرض هو الذي خلقك، وسخَّر هذا الكون كله من أجلك وأمرك أن تعبده، لذلك قال سيدنا بلال: " لا تنظر إلى صِغَرِ الذنب ولكن انظر على من اجترأت.

﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾

ديننا دين توحيد :

 ربَّما قال أحدكم - دائماً أركِّز على التوحيد - هذا هو الدين، ديننا توحيد، ما دام هناك شرك فهناك خوف، ومع الخوف هناك نفاق، مع النفاق هناك معاص، مع المعاصي هناك شقاء، أما إن كان هناك توحيد فهناك استقامة، مع الاستقامة راحة نفسيَّة، و عزَّة، و كرامة، رأسك مرفوع، لا تأخذك في الله لومة لائم، لا تخشى غير الله، ما تعلَّمت العبيد أفضل من التوحيد، كل ما في القرآن يؤكِّد التوحيد.

وفي كل شيْْ له آيةٌ  تدلُّ على أنه واحد
***

 فعندما أراد أخوة يوسف به كيداً:

﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ الْأَسْفَلِينَ ﴾

[ سورة الصافات: 98 ]

 ما استطاعوا لأن الأمر بيد الله عزَّ وجل

 

قصتا يوسف و موسى تؤكدان أن الأمر بيد الله وحده :

 سيدنا موسى وضِعَ في صندوق وأُلقي في اليم، الله عزَّ وجل أمر أمَّه بأمرين، ونهاها نهيين، وبشَّرها بشارتين، قال:

﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ﴾

[ سورة القصص: 7]

 هذا أول أمر:

﴿ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ﴾

[ سورة القصص: 7]

 هذا الأمر الثاني:

﴿ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ﴾

[ سورة القصص: 7]

 نهيان:

﴿ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾

[ سورة القصص: 7]

 هذه أول بشارة:

﴿ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ﴾

[ سورة القصص: 7]

 معنى هذا أن الصندوق بيد الله عزَّ وجل، وحركة الماء بيد الله، وحركة امرأة فرعون بيد الله، وميل قلبها بيد الله.

﴿ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا ﴾

[ سورة القصص: 9]

 فرعون قتل كل الأطفال حتى لا يأتي طفل يقضي على ملكه، أما هذا الطفل الذي سيقضي على ملكه فربَّاه في قصره وهو لا يدري.

﴿ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ﴾

[ سورة القصص: 8]

 هذه لام المآل، ليست لام التعليل، انتهى الأمر أن هذا الطفل الذي أحبوه وربوه هو الذي قضى على ملك فرعون، الأمر بيد الله، قصَّة موسى كلُّها تؤكِّد أن الأمر بيد الله، قصة يوسف الأمر بيد الله.

 

أخطر شيء أن تكون مع غير الحق وأسعد شيء أن تكون مع الحق :

 سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، هؤلاء الكفَّار الذين عادوا النبي، أخرجوه من بلده، نكّ‍لوا بأصحابه، ائتمروا على قتله، ماذا كان في النهاية؟ هم ماتوا في معارك شهيرة وأُلقوا في القليب، والنبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام تألَّقوا في سماء الدنيا، ونصرهم الله عزَّ وجل.
 فأخطر شيء أن تكون مع غير الحق، وأسعد شيء أن تكون مع الحق، قال:

﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ* وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ﴾

 بعد أن انتهت الأرض والسماوات:

﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ﴾

 كل مخلوقٍ يموت، هذا صَعْقُ الموت، هذه سكرات الموت، لابدَّ من أن يذوقها كل حَي، كل نفسٍ ذائقة الموت، سيدنا الصديق رضي الله عنه عندما بلغه نبأ وفاة رسول الله بقي متماسكاً، وقال كلمةً لو لم يقل غيرها لكفته، قال: " من كان يعبد محمَّداً فإن محمَّداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت ". كل مخلوقٍ يموت ولا يبقى إلا ذو العزَّة والجبروت.

 

والليل مهما طــــال  فلا بد من طلوع الفـــجر
والعمر مهما طــــال  فلابد من نزول الــــقبر
* * *
وكل ابن أنثى وإن طالت سلامته  يوماً على آلة حدباء محمول
فــإذا حملت إلى القبور جنازة  فــاعلم أنك بعدها محمول
* * *

 صدر قرار من الله عزَّ وجل بموت جميع الخلق مع وقف التنفيذ، متى؟ الله أعلم.

 

 

خيار الإنسان مع الإيمان خيار وقت فقط :

 لذلك، من عدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت، الذي يقول: غداً من أجلي. فقد أساء صحبة الموت، غداً سأفعل كذا، أنت لا تعرف الموت، الموت يخطف الإنسان خطفاً، بلمح البصر، سكتة دماغيَّة، هناك كثير من حالات الوفاة المفاجئة، نام ولم يستيقظ، خرج و لم يرجع، دخل و لم يخرج، سافر ولم يرجع.

﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ﴾

 فسابقاً أوضَّحت أن بحياتك توجد مجموعة هموم، لا أحد منَّا لا هم له، زواجه هم، عمله هم، صحَّته هم، أولاده هم، تزويج أولاده هم، هناك مجموعة قضايا، وكل هم يشغل حيِّزاً من حياتنا، أحيانا يشغل بالمئة عشرة، أو بالمئة ستين، وربما هم لا يجعلك تنام الليل، يستحوذ على كل اهتمامك.
 وقد يشغل حيزاً كبيراً من اهتمامك، وربما يشغل حيزاً قليلاً يمتدُّ أثره إلى أمدٍ طويل، بعضها إلى أمدٍ قصير، فأنت حيالها لك خيار؛ خيار قبول أو رفض، هذه الفتاة رفضتها - شيء جميل - هذه قبلتها، هذا العمل قبلته، هذا العمل رفضته.
 لكن الإيمان الذي يشغل كل الحياة، في علاقتك مع جسمك يدخل الإيمان، هناك تعليمات الخالق، مع أهلك يدخل الإيمان، مع عملك يدخل الإيمان، مع أولادك، مع ربِّك، الإيمان يغطِّي الحياة كلَّها، ويغطي الوقت كلَّه، لكن أخطر ما في الإيمان أن موقفك تجاهه لا موقف قبول أو رفض، بل اختيار زمن فقط، لابدَّ من أن تؤمن ولكن إما أن تؤمن قبل فوات الأوان فتستفيد من إيمانك، وإما أن تؤمن بعد فوات الأوان فلا تنتفع بإيمانك، الإيمان يشغل كل الحيِّز وكل الوقت، والخيار معه، فكيف لا نهتم به؟ كيف لا نرعى الإيمان؟ كيف لا نرسِّخ الإيمان؟ كيف لا نعمل على زيادة الإيمان؟ كيف لا نقتطع من زبدة وقتنا وقتاً لمعرفة الله مادام بهذه الخطورة؟
 فأنا أتمنَّى أن تبرمج حياتك، وعملك، وضيوفك، وزياراتك وفق معرفة الله عزَّ وجل.

 

كل إنسان ينتظر يوم القيامة ماذا يُفعل به :

 إذاً:

﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى ﴾

 أول نفخة نفخة الموت، النفخة الثانية نفخة البعث:

﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ﴾

 هنا المشكلة، كل تعبك في الدنيا، سهر الليالي، غَضُّ البصر، إنفاق الأموال، حضور مجالس العلم، خدمة أهل الحق، خدمة الحق، الدعوة إلى الله، الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، تلاوة القرآن، حجم عملك كلِّه يظهر في هذه الساعة.

﴿ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ﴾

 كلمة ينظرون تعني ينتظرون ماذا يُفْعَلُ بهم، إذا كان هناك مجموعة في السجن، وفتح الباب وقيل لهم: اخرجوا، فتجدهم يتساءلون: ماذا هناك يا ترى؟ يا ترى إفراج؟ تنفُّس؟ نقل لمكان آخر؟ لا نعرف، من شدَّة الخوف والرعب.

﴿ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ﴾

 أنت الآن في بحبوحة، الآن بإمكانك أن تتوب، بإمكانك أن ترجع، بإمكانك أن تستقيم، بإمكانك أن تؤدي الحقوق، فإذا مات الإنسان وهو على معصية، وفي ذمَّته حقوق لم تؤدَّ، وفي ذمَّته واجبات لم تؤدَّ، وكان في حياته خلل، وجاءه ملك الموت وقبض روحه، ثمَّ نُفِخَ في الصور، وبُعِثَ من القبر، ووقف ينظر ماذا يُفْعَلُ به؟ أإلى الجنَّة أم إلى النار؟

﴿ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ﴾

الله عز وجل قطع حجة المعاندين إلى يوم القيامة :

 يوجد سؤال فاتني أن أشير إلى جوابه، قال تعالى:

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ ﴾

 ولكن الله عزَّ وجل قال:

﴿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

 أي يا ترى في الدنيا أليست الأرض قبضته؟ في الدنيا أليست السماوات مطوياتٍ بيمينه؟ طبعاً، فلماذا قيَّد الله يوم القيامة؟ قال: لأن الدنيا فيها دعاوي كثيرة، كل إنسان يدَّعي أنه قوي وأنه يفعل ما يشاء، وربنا أشار إلى ذلك فقال:

﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا ﴾

[سورة يونس: 24]

 الآن تجد أحدهم لا شيء ويقول لك: أنا أفعل، أعمل، أمنح، آخذ دعاوي كثيرة، لكن هل يستطيع أحدٌ يوم القيامة أن يدَّعي أن له فعلاً؟ فهذه المناقشة دقيقة، قال النمرود لسيدنا إبراهيم: من ربُّك؟ قال:

﴿ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ﴾

[سورة البقرة: 258]

 أنا مثل ربَّك، أنا أحكم على إنسان بالقتل فيموت، أعفو عنه فيبقى حياً، سيدنا إبراهيم أوتي من الله الحكمة، فالمناقشة معه في هذا الموضوع طريق عسير، تركه كُلياً، وقال:

﴿ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ ﴾

[سورة البقرة: 258]

 هذا الجواب المُفْحِم، الحاسم، ففي الدنيا هناك من يدَّعي أنه يفعل ولا يفعل، يمكن الذين يملكون أسلحة الدمار الشامل يظنون أن العالم مصيره بيدهم، فهناك وهم كبير، ادعاء كبير، مع أنهم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً إلا أن يأذن الله عزَّ وجل، وهذا هو الإيمان، وكل ما تسمعون به مما يجري في العالَم هو بأمر الله، وكل خطط البشر تستوعبها خطَّة الله عزَّ وجل، ولا يستطيع أقوى الأقوياء أن يفعل شيئاً ما أراده الله، أيحسب الكافر أنه سَبَقَ الله عزَّ وجل؟ بمعنى أنه فعل شيئاً ما أراده الله، لا، هذا هو الإيمان، لكن المناقشة مع هؤلاء في هذا الموضوع يدخلنا في متاهة، لذلك الله عزَّ وجل قطع حجَّتهم إلى يوم القيامة.

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

 كما فعل سيدنا إبراهيم مع النمرود، قال له:

﴿ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ﴾

[سورة البقرة: 258]

 قال له ولكن:

﴿ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ ﴾

[سورة البقرة: 258]

 فهُنا قطع الله حجة هؤلاء المعاندين.

 

يوم القيامة لا يستطيع أحدٌ أن يدَّعي أن الأمر بيده :

 لذلك بعضهم قال عن الآية الكريمة:

﴿ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴾

[سورة الشورى: 53]

 يا رب هي بيدك سابقاً ولاحقاً، فكيف صارت إليك؟ وبيد من كانت قبلك يا رب؟ سؤال محيِّر، العلماء قالوا: في الدنيا المؤمنون وحدهم يرون أن الأمور بيد الله، لكن أهل الدنيا؛ الكفَّار، المشركون، المقصِّرون، ضِعاف الإيمان، يرون أن الأمر بيد زيد، بيد عُبيد، فربنا عزَّ وجل قال: أما يوم القيامة فلا يستطيع أحدٌ أن يدَّعي أن الأمر بيده:

﴿ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴾

[سورة الشورى: 53]

 هذا من باب المناقشة الحكيمة:

﴿ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ﴾

 شرقت الشمس أي ظهرت، أما أشرقت بمعنى أنارت، شرقت ظهرت، أما أشرقت فنوَّرت، فإذا كان الظلم ظلماتٌ يوم القيامة، فما هو النور؟ هو العَدْلُ، أي أن هذا اليوم يوم العدلِ تمتلئ الأرض ظلماً وجوراً، ورد في بعض الأحاديث أنه من علامات قيام الساعة موت كعقاص الغنم، أحياناً يأتي وباء يذهِب بأربعة أخماس القطيع خلال يوم، موتٌ كعقاص الغنم لا يدري القاتل لمَ يقتل؟ ولا المقتول فيمَ قُتِل؟ فبالفطرة الإنسان يُقْتَل إذا كان قاتلاً، يُقْتَل إذا أنشأ فساداً في الأرض، أما يُقْتَل فقط لأنه مسلم؟ لم يفعل شيئاً، لأنه مواطن صالح.

 

العاصي غبي لأنه قضى على سعادته في الدنيا والآخرة :

 ما يجري في العالم الآن من الحروب الأهليَّة لا يدري القاتل لمَ يقتل؟ ولا المقتول فيم قُتِلْ؟ إذاً تمتلئ الأرض ظلماً وجوراً، يوم القيامة هذا يوم العدل:

﴿ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ﴾

 الآن يوجد عدل، لك أن تقول في الدنيا ما تشاء، لك أن تفعل ما تشاء، ولكن كل شيءٍ تفعله سوف تحاسب عليه، هذا معنى العَدل، لذلك الأحمق والغبي يظنُّ أنه ذكيٌ إذا أخذ ما ليس له، وهو في منتهى الحمق والغباء لأنه لابدَّ من يومٍ تشخص فيه الأبصار، والآية الكريمة:

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

[ سورة إبراهيم: 42]

 فالأمور أمامنا، الدروس والمواعظ لا تنتهي، كل قصَّةٍ فيها حكمة وموعظة، العاصي غبي لأنه قضى على سعادته في الدنيا والآخرة، فمن باب الاستنباط لو أنك مفرطٌ في أنانيِّتك، لو أنك تحبُّ ذاتك أشدَّ الحب، عليك بطاعة الله طلباً لسلامتك.

 

طاعة الله عز وجل أساس النجاة يوم القيامة :

 لا يوجد حل إلا طاعة الله عزَّ وجل، الأرض الآن امتلأت فِسقاً وفجوراً وفتنةً، الفتن الآن يقظى، الدنيا خضرةٌ نضرة، أينما تحرَّكت نساءٌ كاسياتٌ عاريات، ما من كلمةٍ أبلغ من كلمة النبي عليه الصلاة والسلام، مرتدية لكنها عارية..

(( كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ عَلَى رُءُوسِهِمْ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْعِجَافِ الْعَنُوهُنَّ فَإِنَّهُنَّ مَلْعُونَاتٌ ))

[أحمد عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو]

 المؤمن في المسجد كالسمكة في الماء، المؤمن جنَّته داره وليست الطرقات، جنَّته داره، جنَّته مسجده، مكان فُسْحَتِهِ مكانٌ طلق لا معاصي فيه إطلاقاً، هذا المؤمن، أما إذا عاش مع الناس فالعصر الآن فيه فساد.

﴿ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ ﴾

 لذلك هذه الآية فيها عزاءٌ لكل إنسان مظلوم، لابدَّ من أن تأخذ حقَّك من الذي ظلمك، ظالم، لابدَّ من أن تدفع ثمن الظلم باهظاً يوم القيامة، فكل إنسان يصل لهذا اليوم وهو معافى من قِبَل الله عزَّ وجل، ناجِ لا له ولا عليه هو إنسان واع، هذا الذي قاله سيدنا عمر: " أتمنَّى أن أموت لا لي ولا علي ". لأن الأمر خطير جداً.

﴿ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ ﴾

كل القيم التي يتفاضل بها الناس في الدنيا تسقط يوم القيامة إلا قيمة المعرفة والعمل :

 صار هناك مقاييس جديدة، صار هناك مقياس وحيد هو مدى معرفتك بالله، مدى طاعتك له، مدى إحسانك إلى الخلق، قيم المال سقطت، قيم الذكاء سقطت، قيم الوسامة سقطت، قيم القوَّة سقطت، كل القيم التي تفاضل بها الناس كلُّها تحت الأٌقدام إلا قيمة المعرفة والعمل.

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

[ سورة الأحقاف: 19]

﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾

[ سورة المجادلة: 11]

 علمك يرفعك، وعملك يرفعُك، مالك لا قيمة له، كنت ذكياً لا قيمة له، كنت وسيماً لا قيمة له، كل القيم تحت الأقدام إلا قيمة العلم والعمل هذا.

﴿ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ﴾

البطل هو الذي يملك جواباً لله عزَّ وجل عن كل شيءٍ فعله في الدنيا :

 الآن:

﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ ﴾

 ما قولك أن كل حركاتك، وسكناتك، وكلامك، كله مسجَّل، ومصوَّر، وملوَّن، ثمَّ يُعرِضَ هذا الفيلم عليك، لماذا قلت كذا؟ لماذا نظرت هكذا؟ لماذا أخذت هذا المبلغ؟ نحن في الدنيا إذا شعر الإنسان أنه مُراقب، إذا شعر أن هاتفه مراقب، يحسب ألف حساب، ويعد للألف ليتكلَّم كلمة واحدة إذا شعر أنه مصوَّر بآلةٍ خفيَّة، كيف يتصرَّف؟ أين يمشي؟ إلى أين يدخل؟ حتى لا يحاسب لم يترك دفتراً في محله، ولا ورقة، ولا فاتورة من أجل الماليَّة، خائف من موظَّف الماليَّة، يرجف إن وجد معه ورقة، أو مستنداً، مع إنسان ترتعد فرائصك فكيف مع الواحد الديان؟

﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ ﴾

 هذه أعمالك، لماذا طلَّقتها؟ لماذا قلت هذا؟ لماذا اغتصبت هذا المكان؟ لمَ لمْ تعطي الأجير أجره؟ البطل هو الذي يملك جواباً لله عزَّ وجل عن كل شيءٍ فعله في الدنيا، عندك جواب؟ إذا معك الجواب فلا يوجد مانع، جواب لله عن كل موقف، افعل ما تشاء، اعملوا ما شئتم ولكن هيئ جواباً، لمَ قلت لهذا المريض كذا؟ أردت أن توهمه، معنى ذلك أنها مسجَّلة، لمَ قلت لهذا الموكِّل كذا؟ هل القاضي يرتشي حتى قلت له: أنا أدبِّره، مفتاحه عندي، القانون واضح وهو لصالح الموكِّل، لكنك أوهمته أن هذا القاضي صعب، ومفتاحه معي، كله مسجَّل، بالبيع وبالشراء كل شيء مسجَّل.

 

لكل إنسان كتاب أعمال يوم القيامة :

 لذلك:

﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ ﴾

 قال العلماء: كتاب الأعمال. تقول لزميلات زوجتك: تعالين إلى هنا، تريد الاختلاط وتدعي أن دعوتك لهن خوفاً عليهن من البرد في الغرفة الثانية، لا ليس من أجل البرد، الله يعرف لماذا قلت هذا الكلام، حركاتك، سكناتك.

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾

[ سورة غافر: 19 ]

 نظراتك، كلماتك، كلُّه بعلم الله عزَّ وجل.

﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ ﴾

 كله مسجَّل، فإذا إنسان أراد أن ينكر، تفضَّل هذا صوتك. مرَّة أحضروا جهاز رادار يكشف المخالفات، فهناك سائق ذهب للمطار وأسرع أكثر مما ينبغي، الجهاز الجديد صوره وأحضروه للتحقيق، ما ترك يميناً إلا وحلفه، ما كنت في المطار أبداً، أروه الصورة، وهذه أليست سيارتك؟ و أليس هذا رقمها؟ فالصورة تسكت، فلم يستطع أن يتكلَّم ولا كلمة، هنا كذلك الكتاب فيه، الله قال:

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾

[ سورة غافر: 19 ]

﴿ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ﴾

[ سورة المطففين: 9 ]

 أولاً: صفحاته مرقَّمة، وثانياً: مع كل مخالفة صورتها:

﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ ﴾

 أولاً:

﴿ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ ﴾

 يقول بين يدي الله: ما كنت أدري وما علمني أحد، أولاً ميزان العدل، ثم صحيفة الأعمال، ثم إقرار الأنبياء الذين بلَّغوك، أو نوَّاب الأنبياء وهم العلماء الذين شهدوا..

 

الشهداء هم :

1 ـ إما العلماء الذين شهدوا لك بالحق أو شهدوا عليك بالتكذيب :

﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ ﴾

 الشهداء قال بعضهم: هم العلماء الذين شهدوا لك بالحق، أو شهدوا عليك بالتكذيب. شهدوا لك أو عليك، بلَّغك، بيَّن لك، شهِدَ لك، أعطاك مشاهداته، أو شهد عليك بالتقصير والتكذيب.

 

2 ـ أو الذين بذلوا دماءهم من أجلك :

 بعضهم قال: الشهداء فعلاً الذين بذلوا دماءهم من أجلك. هؤلاء الذين فتحوا البلاد، فتحوها من أجل نشر الحق، فلا أعرف لماذا هنا الصحابة استشهدوا؟ من أجلك، لماذا ذهبوا إلى أطراف الدنيا؟ إلى الصين؟ إلى شمال إفريقيا؟ إلى تركيَّا؟ لماذا؟ ذهبوا لينشروا هذا الدين، فإذا هم قد بلَّغوك، فإن قلت: لا أعرف. لا إنك تعرف، الأنبياء أُنزل عليهم الكتاب، والذين قاتلوا في سبيل نشر الحق شهدوا لك بالحق.

 

3 ـ أو الملائكة :

 المعنى الثالث: الشهداء هم الملائكة. إما العلماء، أو الذين استشهدوا في ساحات المعركة، أو الملائكة، لقوله تعالى:

﴿ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ﴾

[ سورة ق: 21 ]

 يسحبونه من رقبته، فإن قال: لم أفعل شيئاً. هذا شاهد عليك، لا تتكلَّم ولا كلمة:

﴿ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ﴾

[ سورة ق: 21 ]

 سائقٌ يسوقها، فإن قال: ليس أنا. يجاب: هذا هو الشهيد:

﴿ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ﴾

[ سورة ق: 21 ]

عدل الله يسكت الألسنة :

 فهنا الميزان ميزان العَدْلِ، ووضِع الكتاب كتاب العمل:

﴿ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾

 فلا يوجد ظلم:

﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾

[سورة النساء:77]

﴿ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾

[سورة غافر:17]

 اسم الله العَدْل يتحقَّق يوم القيامة، الآن اعملوا ما شئتم، الآن هناك حرية اختيار ولكن كلَّه مسجَّل، اعملوا ما شئتم.

﴿ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ ﴾

 كل إنسان نال جزاءه الأوفى الكامل، لا يوجد ولا كلمة، لذلك قالوا: عدل الله يسكت الألسنة.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018