الدرس : 14 - سورة الزمر - تفسير الآيات 41-42، القرآن الكريم حبل الله المتين من تمسك به نجا ومن تركه هلك. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 14 - سورة الزمر - تفسير الآيات 41-42، القرآن الكريم حبل الله المتين من تمسك به نجا ومن تركه هلك.


1993-04-23

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

تحدث الله جلَّ جلاله عن ذاته بضمير المُفْرَد :

 أيها الأخوة الأكارم، مع الدرس الرابع عشر من سورة الزُمَر ومع الآية الواحدة والأربعين وهي قوله تعالى:

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾

 تعلمون أيها الأخوة أن الله جلَّ جلاله إذا تحدَّث عن ذاته تحدَّث بضمير المُفْرَد..

﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

[سورة طه: 14]

 أما إذا تحدث الله جلَّ جلاله عن أفعاله فيتحدث بضمير الجَمْع، لأن أفعاله فيها كل أسمائه، كل فعلٍ من أفعاله، فيه القدرة، وفيه الحكمة، وفيه العلم، وفيه الخبرة، وفيه الرحمة، وفيه اللطف، أفعاله فيها كل أسمائه.

 

القرآن الكريم حبل الله المتين من تمسك به نجا ومن تركه هلك :

 قال تعالى:

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ ﴾

 والكتاب، كلمة كتاب إذا عُرِّفَتْ بال تعني إما القرآن الكريم أو تعني مطلق الكتب السماوية، ولكن حينما توجه الخطاب إلى النبي عليه الصلاة والسلام فصارت كلمة الكتاب تعني القرآن الكريم بالذات.

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ ﴾

 القرآن الكريم ودعوة النبي للناس كافة، الإسلام لكل الناس، ليس حِكْرَاً على أناس، دين الله عزَّ وجل أعظم وأكبر من أن يحتكره إنسان، أو تحتكره جماعة، أو أن يحتكره زمانٌ أو مكان، أو فئة، دين الله لكل الناس، الله رب الناس وهم عبيده، وقرآنه لكل الناس، والقرآن الكريم كما تعلمون أيها الأخوة حبل الله المتين، فكل من تمسك به نجا، ومن تركه هلك.

 

من تعامل مع الله عزَّ وجل فلن يضلَّ أبداً :

 ماذا تعني كلمة بالحق؟ قالوا: لابسَ الحق نزولَه، والحق الشيء الثابت الذي لا يتغيَّر، ولا يتبدَّل، ولا يتحوَّل، ولا يتعدَّل، ولا يُلْغى، ولا يجَدَّد، الحق هو الله عزَّ وجل واجب الوجود، كلامه هو الحق، أوامره هي الحق، نواهيه هي الحق، الحلال هو الحق، الحرام هو الحق فالحق أن يحَرَّم، فكل ما جاء في القرآن الكريم حقٌ من عند الله عزَّ وجل.
 فالإنسان حينما يتعامل مع المتغيرات يتعثر، فالأنظمة الوضعية، والنظريات الوضعية، والمبادئ الوضعية، والمذاهب الوضعية، هذه كلها متغيرة، فإذا تعاملنا معها ففي حياتنا مفاجآتٌ كثيرة، وعثرات خطيرة، ومنزلقاتٌ مهلكة، لكنك إذا تعاملت مع الحق، مع الله عزَّ وجل، مع كلامه، مع قوانينه، مع تعليماته، مع أوامره، مع نواهيه، فإنك لن تضلَّ أبداً، ألم تقرؤوا قول الله عزَّ وجل:

﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

[ سورة طه: 123 ]

 فهل هناك ثمرة أو نتائج أطيب من هذه النتائج؟ ألا يضل عقلك، وألا تشقى نفسك.

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 38]

 آية تبث في النفس الطمأنينة، هل هناك من آيةٍ تَبُثُّ في النفس الطمأنينة أكثر من هذه الآية؟ الماضي مغطَّى والمستقبل مغطَّى، لا خوفٌ عليه، لا يخشى مما هو آت في المستقبل، ولا يندم على ما فات، إذاً هذا الحق.

 

القرآن الكريم خطاب الله عزَّ وجل للناس كافةً :

 المؤمن الموفق، العاقل، الحكيم، هو الذي يسأل، هذا الخالق العظيم، الذي يدل خلقه على قدرته، ويدل خلقه على علمه، ويدل خلقه على كماله، أيعقل أن يدع الناس دون منهجٍ يسيرون عليه؟ يكون فيه تعليماتٍ، من أمرٍ ونهيٍ، من تبشيرٍ وتحذيرٍ، من بيانٍ لما سيكون، لما بعد الموت، من بيانٍ لما كان قبل أن يأتوا إلى الدنيا، لابُدَّ، وهذا القرآن خطاب السماء إلى الأرض، خطاب الله عزَّ وجل للناس كافةً.

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ ﴾

 فالإنسان يجب أن يعلم علم اليقين أن الخلق كلهم عند الله سواسية قال له: " يا سعد لا يغرنك أنه قد قيل خال رسول الله، فالخلق كلهم عند الله سواسية، ليس بينه وبينهم قرابةٌ إلا طاعتهم له ". أنت مطلوب أيها الأخ الكريم في أي زمان، في أي مكان، من أي جنس، من أي عِرق، من أي أمة من أي خلفية، من أي انتماء، أنت إنسان مطلوب من قبل الله عزَّ وجل خلقك ليسعدك، ولا يزالون مختلفين.

﴿ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ*إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ﴾

[ سورة هود: 118-119]

 مخلوق كي يسعدك الله عزَّ وجل، جاء بك إلى الدنيا كي تكون الدنيا إعداداً للآخرة، جعلك في دنيا جعلك في حياةٍ دنيا إعدادية، لحياةٍ أخرى أبدية، ما جاء في هذا القرآن، منذ ألفٍ وخمسمائة عام لا يمكن أن يتبدل، ولا أن يتغير، ولا أن يطرأ عليه أي تعديل لأنه حق، والحق الشيء الثابت.
 وهناك أمثلةٌ كثيرة: لو أن جداراً بني على الحق، بني على الشاقول، وحفرت له أساساتٌ عميقة، ووضعت مواد بنسبٍ ممتازة، هذا الحائط لا يقع، لأنه بُني بالحق، بُني ليبقى، أما إذا بني ولا أساس له فلابُدَّ من أن ينهار، إذا بني دون شاقول غالباً ما ينهار، وإذا بني بمواد ليست جيدة، أغلب الظن أنه ينهار، لأنه بني بالباطل.
 كم أتى على الإسلام من مذاهب، واجتياحات من الشرق ومن الغرب، كم ظهرت من نظريَّات، كم ظهرت من مبادئ، كم ظهرت من مذاهب، هو كالطود الشامخ لأنه حق، ما من آيةٍ في القرآن الكريم يمكن أن يأتي وقتٌ ينقضها العلم، كلما تقدم العلم اقترب من القرآن الكريم، كلما تقدم العلم توافقت الآيات القُرآنية مع المنجزات العلمية الحقَّة.

 

القرآن يعبِّر عن الحقيقة والحقيقة التي جاءت في القرآن الكريم حقٌ ثابت :

 إذاً كلمة

﴿ بِالْحَقِّ ﴾

 هذه الكلمة يجب أن نشعر أنها كلمةٌ عميقةٌ جداً، القرآن يعبِّر عن الحقيقة، والحقيقة هي التي قنَّنها الله عزَّ وجل، السُنَّة التي سنَّها الله، الحقيقة التي جاءت في القرآن الكريم حقٌ ثابت، قال بعضهم: هذه الباء للملابسة، أي لابس الحق نزول هذا القرآن.
 الإنسان يسعى للتعلق بشيء ثابت، ويتعلق بأشياء متغيرة، بأشياء لم تثبت صحتها، بأشياء لم تبن على أساسٍ صحيح، ولكن بُنيت على ظنون، بنيت على أهواء، بنيت على نزعات، لأن هذه الأشياء المبنية على الأهواء والنزعات والرغبات هذه تنهار، وقريباً ما تنهار ولو امتد بها الزمان، وبين أيدينا تجارب لأممٍ كثيرة بنت بناءً شامخاً على أساسٍ باطل، مهما امتدَّ الزمان هذا البناء قد انهار وتداعى وكأنه بيت العنكبوت، لهذا قال الله عزَّ وجل:

﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾

[ سورة الإسراء: 81]

﴿ وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا*وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾

[ سورة الإسراء: 80-81 ٍ]

 وما من سعادةٍ تملأ قلب المؤمن أكثر من أن يعتقد اعتقاداً صحيحاً مهما امتد الزمان، مهما ظهرت العوامل الخارجية يبقى دينك شامخاً، تبقى عقيدتك صحيحةً، يبقى تصوُّرك عن الكون والحياة والإنسان مطابقاً للواقع، والحقيقة العلم ما طابق الواقع، هذا كأس ماء إذا قلت عنه: إبريق ماء، فقد خالفت الواقع، وإذا قلت: كأس ماء فأنت مع الواقع، وهذا علم لأن هذا الكلام مطابقٌ للواقع.
 وتعريف الجهل هو الكلام الذي يخالف الواقع، فكل دعوةٍ باطلةٍ تخالف الواقع، كل دعوةٍ موهومةٍ مزعومةٍ تخالف الواقع، الواقع هو الشيء الثابت، فالقرآن يطابق الحق ويطابق الواقع، ويوافق العقل، ويوافق الفطرة، ويوافق النقل، نقلٌ وعقل وفطرةٌ وواقع، إذا اجتمعت هذه العوامل الأربعة فأنت في دائرة الحق.

 

الناس في الدنيا مخيَّرون :

 لذلك:

﴿ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ ﴾

 من اهتدى إلى الحق.

﴿ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ﴾

 هذه اللام للمُلْكِيَّة، أي شيء ثمين يُمَلَّك.

﴿ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ ﴾

 فالضلال كأنه صخرةٌ تسحق الإنسان.

﴿ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾

 الله هو الوكيل، أمرهم ليس بيدهم، أمرهم بيد الله، هم في الدنيا مخيَّرون، إن أرادوا أن يهتدوا فلهم ذلك، وإن أرادوا أن يضلوا فعليهم ذلك:

﴿ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾

دعوة النبي دعوة حق لكن الاستجابة لها ليست بيده بل بيد الناس :

 لذلك في آيات أخرى:

﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ﴾

[ سورة البقرة: 272 ٍ]

﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾

[ سورة القصص: 56 ٍ]

﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة الشورى: 52 ]

 دعوتك حق، لكن الاستجابة لها ليست بيدك بل بيد الناس، فإما أن يستجيبوا وهم مخيرون، وإما ألا يستجيبوا، إن استجابوا فلأنفسهم، وإن لم يستجيبوا فعليهم:

﴿ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾

الإسلام ألغى كل الانتماءات إلا انتماءً واحداً هو انتماء الحق :

 عم سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام "أبو لهب" لم يؤمن.

﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ*مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ*سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ*وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ*فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾

[ سورة المسد: 1-5 ]

 أما سلمان، قال:

(( لا منكم، ولا منكم، سلمان منَّا أهل البيت ))

[ الحاكم والطبراني عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده ]

 نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه، الإسلام ألغى كل الانتماءات إلا انتماءً واحداً هو انتماء الحق، فإذا انتميت إلى الحق فكل من ينتمي للحق أخوك في الدين، فالإسلام أداة جمعٍ لا أداة تفريق، كل من تعرَّف إلى الله عزَّ وجل، وعرف منهجه، وطبَّق منهجه، تشعر أنه أخوك وأقرب الناس إليك، لأن نقاط اللقاء بينك وبينه كثيرة؛ العقيدة مشتركة، والقيّم مشتركة، والأهداف مشتركة، والمبادئ مشتركة، والسلوك مشترك، كلها قواسم مشتركة توحِّد بين المؤمنين.
 من الوكيل إذاً؟ الله جلَّ جلاله، أي أن أمرك بيده، هو الوكيل.

﴿ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾

 لكن الوكيل الحقيقي هو الله.

 

الله سبحانه وتعالى مَلَّكَ الإنسان نفسه تمليكاً مؤقتاً فعليه تزكيتها لا تدنيسها :

﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ﴾

 معنى يتوفَّى، توفَّيت الدين، أي أخذته بعد أن منحته، تمنح حاجة ثم تتوفَّاها أي تسترجعها، إذاً من كلمة:

﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ ﴾

 أي أن الله سبحانه وتعالى مَلَّكَكَ نفسك تمليكاً موقتاً ولابُدَّ من أن يستوفي هذه النفس، يستوفيها مرتين، يستوفيها مرةً وأنت نائم، هذه الوفاة وفاة النوم، ويستوفيها نهائياً عند الموت، هذا الشيء النفيس الذي منحت إياه، والذي جُعلت وكيلاً عليه، والذي جعل أمانةً في عنقك، والذي وكل إليك أمر تزكيته هي نفسك التي بين جنبيك، والدليل:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾

[ سورة الشمس: 9-10 ]

 أنت حامل أمانة، الأمانة نفسك التي بين جَنْبَيْكَ، هذه النفس إن زكَّيتها سعدت بها إلى أبد الآبدين، وإن دنَّستها شقيت بها إلى أبد الآبدين، هي الآن ملكك، وباختيارك، وتحت تصرُّفك، لكن الله جعل النوم استيفاءً لهذه النفس مؤقتاً، وجعل الموت استيفاءً لهذه النفس استيفاءً نهائياً، لذلك شعور الإنسان حينما يستيقظ كأنما بعث من جديد، أنت كنت ميِّتاً بالتعبير القرآني، لكن الله سبحانه وتعالى ردَّ لك نفسك، لذلك ما من يومٍ ينشق فجره إلا وينادي: يا بن آدم أنا خلقٌ جديد، وعلى عملك شهيد، فتزوَّد مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة.
 النبي عليه الصلاة والسلام من أدعيته النبوية الشريفة:

(( إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا ))

[أحمد عن أبي هريرة ]

 الإنسان إذا أوى إلى فراشه لينام، عليه أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى وهو نائم يستوفي نفسه أي يسترجعها، موتٌ مؤقَّت، النوم موت مؤقَّت، فإذا كتب الله على هذه النفس الموت، لا يردُّها إليك في صبيحة اليوم التالي، آلاف الحوادث، لم يستيقظ على صلاة الفجر، وجدوه ميتاً، فإما أن يستمر هذا النوم أو الموت، فهو الموت الحقيقي، وإما أن تسترد النفس لتعيش يوماً جديداً.

 

الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه :

 الإنسان العاقل عندما يستيقظ يقول:" الحمد لله الذي أحيانا بعد أن أماتنا" دعاء نبوي.
 سمح الله لي أن أعيش يوماً جديداً، ماذا ينبغي أن تفعل في هذا اليوم؟ ماذا ينبغي أن تفعل من الصالحات؟ الزمن شيء ثمين جداً، أنت زمن، أنت أيها الإنسان بضعة أيام، وكلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منك، أنت مستهلك، الزمن يستهلك الإنسان، إذا الإنسان ركب سيارة واتَّجه إلى مدينة، كلما قطع كيلو متراً المسافة تنقص، فالحقيقة نحن كلما عشنا شهراً أو سنةً نقصت أعمارنا، فكلما كبرت صغرت، احسب كم بقي؟ اعمل عدّاً تنازلياً، كالمركبات الفضائية، سبعة، ستة، خمسة، أربعة، ثلاثة، اثنان، واحد، صفر، والإنسان العاقل لا يقول: أنا عمري كذا، لا يسأل كم بقي له؟ إذا كان كما قال النبي عليه الصلاة - إذا كان عمري وفق المتوسط العام- "معترك المنايا بين الستين والسبعين"، إذاً بقي لي عشر سنوات، فكل إنسان ينبغي أن يسأل هذا السؤال الدقيق، وربما كان هذا السؤال قاسياً: يا نفس هل بقي بقدر ما مضى؟
 الإنسان فوق الأربعين أغلب الظن الذي بقي أقل مما مضى، لأنه من دخل في الأربعين دخل في أسواق الآخرة.
 يعمل الإنسان نزهة لو فرضنا ستة أيام، أول يوم والثاني والثالث والرابع التفكير إيجابي، لكن بالخامس والسادس التفكير سلبي؛ يفكر في جمع الأغراض، وتأمين العودة، فإذا دخل الإنسان في الأربعين، الأكمل أن يهيئ لملاقاة الله عزَّ وجل فما رأيت إنساناً أشد خسارةً ممن تخطى الأربعين وهو مقيمٌ على معصية الله عزَّ وجل، هذا الذي يجلس في المقاهي يلعب النرد، وهو في الخمسين أو الستين، يا ربي ماذا أبقى لآخرته؟! كيف سيلقاك هذا الذي لا يصلي؟ هذا الذي يطلق بصره في الحرام؟ هذا الذي يكسب مالاً حراماً؟ هذا الذي يكذب؟ هذا الذي يحتال على الناس ليأكل أموالهم بالباطل وهو فوق الأربعين، ماذا بقي له؟ كيف سيلقى الله عزَّ وجل؟

 

بطولة الإنسان أن يتهيأ للساعة التي لابدّ منها :

 إذاً:

﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ ﴾

 انظر إلى النوم، النوم دليل، أنت في النوم ميِّت، لذلك النائم لا يحاسب، لأن الله أخذ منه نفسه، لا يحاسب مهما فعل، مهما تكلَّم، النائم في حكم الميت، موت مؤقَّت، ينام الإنسان بغرفة قميئة ومظلمة ويشعر بسعادة لا توصف، وينام في قصرٍ منيف ويشعر أنه بين الأفاعي والثعابين، يفيق مذعوراً، معنى ذلك أن النفس منفصلة عن الجسد، لك نفسٌ هي التي تشقى، وهي التي تسعد، هذه النفس هي التي تلقى الله عزَّ وجل.

﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ﴾

 إذاً كل بطولتك أن تتهيأ لهذه الساعة التي لابُدَّ منها، كل بطولتك، كل ذكائك، كل عقلك، كل فوزك، كل نجاحك، كل فلاحك، كل تفوِّقك أن تهيِّئ لهذا اليوم الذي لابُدَّ منه.

﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ*فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ* عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴾

[ سورة المدثر: 8-10]

 عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت.

 

الموت أكبر درس للإنسان :

 كان من الممكن أن يأتي الناس إلى الدُنيا دفعةً واحدة، وأن يغادروها دفعةً واحدة، عندئذٍ لا يتَّعظ بعضنا ببعض، الموت أكبر درس بين أيدينا، ما الموت؟ هذا الذي جمعته في سبعين عاماً، هذا الذي حصَّلته في ستين عاماً، هذا البيت الذي اشتريته، وهذا الأثاث الذي اقتنيته، وهذه المزرعة التي اعتنيت بها، وتلك السيارة التي ركبتها، وهذه الزوجة والأولاد الذين تعيش معهم، تفقدهم جميعاً إذا توقَّف نبض القلب، كل هذه الآمال مبنيةٌ على حركة القلب، فإذا توقف القلب كنت إنساناً فأصبحت خبراً، نعاك الأصدقاء والأهل، لذلك: " واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا.
 على الجدران توفي فلان عميد أسرتهم، فلان الشاب، فلانة الشابَّة، حينما تقرأ هذه النعوات، أو تشاهد هذه الجنازات، الموت تخطَّاك إلى غيرك، لكن اعلم علم اليقين أنه سيأتي يوم يتخطَّى الناس إليك كما تخطَّاك إلى غيرك.
 فالإنسان حينما يولد يبكي، وكل من حوله يضحكون، أما إذا جاء الأجل فكل من حوله يبكي، وهو يضحك، إذا كان لك عملٌ طيب لا يعنيك نوع الجنازة، ولا نوع المأتم، ولا مستوى الوليمة التي قدِّمت بعد الوفاة، ليفعلوا ما شاؤوا أنت مع ربك، أنت في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر.
 ما رأيت إنساناً موفقاً وفالحاً وسعيداً إلا جعل هذه الساعة التي لابُدَّ منها، طالت أو قصرت نصب عينيه، ندخل إلى المسجد كثيراً لنصلي ولابُدَّ من أن ندخله مرةً واحدةً ليصلى علينا، ندخل قائمين وسوف ندخل ونحن على آلة حدباء محمولون، نخرج من بيتنا آلاف المرَّات إلا خروجاً واحداً لا عودة إليه، أهل الميِّت لا يقولون مساءً لمَ لم يعد فلان؟ انتهى الأمر، دفنوه ولن يعود، هذه الساعة التي لابُدَّ منها، فالله يقول:

﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

 إلى أجل مسمى، أي كذا يوم، كذا أسبوع، كذا شهر، لك عند الله عدة أشياء، لك عنده هذه، إذا أعطاك إياها وانتهى أجلك استرد نفسك التي بين جنبيك.

 

الإنسان الآن مخيَّر أما حينما يتوفى الله النفس فلا يستطيع أن يفعل شيئاً :

 لذلك:

﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾

[ سورة الفاتحة : 4]

 الإنسان الآن مخيَّر بإمكانه أن يصلي أو ألا يصلي، بإمكانه أن يطلب العلم أو ألا يطلب العلم، بإمكانه أن يستقيم أو أن ينحرف، يُخلص أو يخون، يحسن أو يسيء، يصدق أو يكذب، مخير، أما حينما يتوفى الله النفس، خُتِمَ العمل، وانقضى الأجل، ولا يستطيع أن يفعل شيئاً..

﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾

[ سورة الفجر: 24]

﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِي*لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا ﴾

[ سورة المؤمنون: 9-100]

﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ*أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ*قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ*رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ*قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِي*إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ*فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ*إِنِّي جَزَيْتُهُمْ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمْ الْفَائِزُونَ*قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ*قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ*قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ*أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ*فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾

[ سورة المؤمنون: 104-116]

القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران :

 إذاً نحن في النوم يتوفى الله أنفسنا، موتٌ مؤقَّت، وعند الموت الحقيقي يتوفى الله النفس توفِّياً نهائياً، إذاً نقدم على الله عزَّ وجل بأعمالنا، "يا قييس إن لك قريناً يدفن معك وهو حي، وتدفن معه وأنت ميت، فإذا كان كريماً أكرمك وإن كان لئيماً أسلمك ألا وهو عملك "
 لهذا قال عليه الصلاة والسلام:

((ألا يا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا، جائعة عارية يوم القيامة. ألا يا رب نفس جائعة عارية في الدنيا، طاعمة ناعمة يوم القيامة. ألا يا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين. ألا يا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم))

[ السيوطي عن أبي البحير]

 لي صديق يعمل في معمل، صاحب المعمل يعيش حياةً فوق الخيال، أناقة ما بعدها أناقة، غنى، وبحبوحة، وأشياء جميلة ولطيفة، كل ألوان النعيم، جاءته المنية ووافاه الأجل في أيام الشتاء المطيرة جداً، اشترى له أولاده قبراً، فُتِحَ القبر فإذا فيه مياهٌ سوداء قد تفلَّتت من المجاري، فلما سُئِل ابنه ماذا نفعل؟ قال: ادفنوه، فالذي يعمل في معمله لا يصدِّق أن هذا معلمي الناعم، الطاعم، الأنيق، المرفَّه، الذي في بيته من العجائب والأناقات والأشياء اللطيفة ما لا يحصيها المحصي هنا ينام؟ هنا يوضع؟ هذا مصير كل مخلوق، لابُدَّ من هذه الحفرة.
 أخ كريم دخل في مشروعٍ شعر أن هناك شبهة، فقال لي كلمةً لا أنساها، قال لي: أنا غنيٌ عن هذا المشروع المشبوه إنني أخاف من الله ساعة وضعي في قبري.
 كل واحد لابُدَّ من أن ينزل في هذه الحفرة، فبطولتك وذكاؤك وتوفيقك أن تعدَّ لها، أن تجعلها مدَّ بصرك، أن تجعلها روضةً من رياض الجنة؛ لكن الذي يأكل مالاً حراماً، ويعتدي على أعراض الناس، ويكذب، ويحتال، ويخرج عن منهج الله عزَّ وجل، يجعلها حفرة من حفر النيران فالقبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران.

﴿ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ ﴾

الموت سيفٌ مُسْلَطٌ فوق رقبة كل إنسان :

 طبعاً الآية التي قبلها:

﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾

 ما دام الله عزَّ وجل أخفى عنا ساعة الموت يجب أن نكون في استعدادٍ دائم.
 ما من ميتٍ إلا وفي ذهنه أنه سيعيش طويلاً، الموت يفاجئ، يموت أحياناً سكتة دماغية، أحياناً سكتة قلبية، أحياناً بلا سبب، موت مفاجئ، فما دام الموت سيفٌ مُسْلَطٌ فوق رقابنا، البطولة أن نستعد له، فالموت لا أحد ينكره، ولكنهم يتفاوتون بين مستعدٍ له، وغير مستعدٍ له، الإنسان حينما يستعد للموت لا يفاجأ به، كتب وصيَّته، حرر دخله من الحرام، ضبط جوارحه كلها، ضبط عينه، ضبط أذنه، ضبط يده، ضبط لسانه، ضبط بيته، زوجته حجَّبها، بناته ربَّاهم، أولاده ربَّاهم، إذا جاء الموت مرحباً بلقاء الله، قالت له: " واكربتاه يا أبتي " قال: " لا كرب على أبيكِ بعد اليوم، غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبة ".

 

عظمة الإيمان أن الموت الذي يعده الناس أكبر مصيبة يراه المؤمن السعادة المطلقة:

 أتمنى وأرجو الله عزَّ وجل ألا يكون نظركم للموت نظراً سوداوياً ولا تشاؤميَّاً، والله الذي لا إله إلا هو إذا آمنا حق الإيمان، واستقمنا على أمر الله، وعملنا صالحاً، يصيبنا ساعة الموت من السعادة ما نرى الدنيا كلها حقيرة:

﴿ إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِي*قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة يس: 25-26]

 أضرب مثلاً: إذا انتقل من يعيش في بيت صغير تحت الأرض، رطوبة، وضجيج، والمجاري مكشوفة، والأولاد كُثُر، إلى بيت كبير بأرقى أحياء دمشق، أثناء نقل الحاجات هل يتألم أو يحس بضيق؟ المؤمن حينما يأتيه أجله هذا عُرْسُهُ، الصحابة كانوا يفرحون بلقاء الموت، وما من صحابيٍ أدركه الموت إلا وهو في أعلى درجات سعادته.
 عظمة الإيمان أن الموت الذي يعده الناس أكبر مصيبة ويقول لك: مسكين مات، يراه المؤمن السعادة المطلقة.
 رجل مؤمن وله دعوة إلى الله رآه تلميذه في المنام، قال له يا بُنيّ:

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾

[ سورة آل عمران: 169]

 يجب ألا نأخذ الموت بشكل مخيف، ولا بشكل سوداوي، خذ الموت وكأنه ساعة اللقاء مع الله، من أحبّ لقاء الله أحب الله لقاءه، رجل صالح وهو على فراش الموت، وحوله أولاده، فقال لابنه: بني حضر عمك فقم وسلم عليه، الله عزَّ وجل أرسل له مَلَكَ الموت في صورة أحب الناس إليه، وكذا أنت يأتيك ملك الموت في صورة أحب الناس إليك، أحياناً يرى الميت في الرؤيا - والرؤيا حق - يطمئن أهله، يقول: أنا في سعادة، أنا في خير، أنا في بحبوحة، نقرأ دعاء الميت: "اللهم أبدله أهلاً خيراً من أهله، وداراً خيراً من داره، وجيراناً خيراً من جيرانه، لَقِّه الأمن والبشرى والكرامة والزلفى، نقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس"، هكذا الدعاء، فكلمة موت عند الغافلين، عند الجاهلين، عند أهل الدنيا، لا تحتمل، كل رأسماله في الدنيا، كل مكتسباته في الدنيا، في الآخرة ليس له شيء، لذلك الموت عنده نقلة لا تحتمل، من النعيم إلى الجحيم، من العمار إلى الخراب، من كل شيء إلى لا شيء، شيء مخيف؛ لكنه عند المؤمن نقلةٌ من الدنيا المحدودة إلى آفاق السماوات والأرض، هكذا ورد في الحديث.

 

الله عزَّ وجل رحيم يعطي الإنسان إنذاراً مبكراً أن اللقاء قد اقترب فاستعد :

 المؤمن حينما يموت ينتقل من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، كما ينتقل الجنين من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا، ببطن أمه سبعمئة وخمسين سنتيمتراً مكعَّباً، محصور، يكبر، ينتقل من كندا، إلى أمريكا، إلى اليابان، يركب طائرات، يركب بواخر، ينتقل من قارة إلى قارة، أين حجم الأرض من حجم الرحم؟ مسافات كبيرة جداً.
 فالمؤمن حينما ينتقل من الدنيا إلى الآخرة، ينتقل من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة كما ينتقل الطفل من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا.
 الحقيقة عندما تكون آخر محطة بالحياة للإنسان هي الموت وهي محببة له، والله هذه سعادة كبرى، الشيء الذي يخافه الناس، ترتعد مفاصلهم منه، تستقبله أنت باطمئنان فأنت والله مؤمن، إنسان لا إيمان له أصابه مرض عُضال تجده انتهى، يسقط على الأرض، لأن لقي الله بلا عمل صالح؟! قال له: " يا بشر لا صدقة ولا جهاد فبمَ تلقى الله إذاً؟"، مرة: رجل يركب سيارته وبجانبه زوجته، أصابته أزمة، فانكفأ على مقود السيارة، لحكمةٍ أرادها الله كان إلى جانبه صديقه، قاد السيارة إلى المستشفى، دخل العناية المشددة، ثم انتعش قليلاً، فحينما صحا من نوبته طلب مسجلة، سجل حقوق الآخرين التي اغتصبها وأعادها لأصحابها، بعد عدة أيام شفي فقال: أين الشريط؟ أحضروه له فكسره، عاش ثمانية أشهر ثم جاءته أزمةٌ قاضية، هذه إنذار مبكر.
 أخواننا الكرام ربنا عزَّ وجل رحيم، أحياناً يعطينا إنذاراً مبكراً، المصائب أحياناً إنذار مبكر، انتبه يا عبدي، لابُدَّ من اللقاء، حتى إن بعض العلماء قال: هذا الشيب، ضعف البصر، آلام المفاصل، بعض الأمراض، هذه كلها إشارات لطيفة من الله أن يا عبدي قرب اللقاء هل أنت مستعد؟ هذه الأمراض أمراض الشيخوخة أجهزة إنذار مبكِّر، تقول للإنسان: قرب اللقاء هل أنت مستعد؟

﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

الدنيا دار تكريم و عمل أما الآخرة فدار تشريف و جزاء :

 المؤمن الحق لا يخاف من الموت، لا يتمنى الموت ولكن إذا جاء لا يخافه، لماذا لا يتمنَّاه؟ لأنه كلما ازداد عمره ازداد عمله الصالح، لقول النبي الكريم:

(( خيركم من طال عمره وحسن عمله))

[ أحمد عن أبي هريرة]

 لا يتمنَّى الموت، أما إذا جاء فيلقاه بشجاعةٍ فائقة، وهو ينتظره لأنه موعد اللقاء مع الله عزَّ وجل، فكل هذا العمر لهذه الساعة، أضرب مثلاً: طالب درس في بلد أجنبي، فقير جداً، اشتغل بمطاعم، غسل صحوناً، حتى استطاع أن ينال شهادة الدكتوراه، وهو موعود بأعلى منصب ببلده، وبأجمل زوجة، وبأحسن بيت عندما يعود إلى الوطن، ألا يرقص قلبه فرحاً؟ انتهى عهد التعب، انتهى عهد الدراسة، عهد العمل الشَّاق.
 فالانتقال من حياة متعبة إلى الجنة، إلى الإكرام، الدنيا دار تكريم أما الآخرة فدار تشريف، الدنيا دار عمل، الآخرة دار جزاء، فالموت شيء مُحَبَّب، لكن البطولة أن تستقيم على أمر الله، أن تضبط دخلك، تضبط سمعك، بصرك، لسانك، زوجتك، بناتك، أولادك، أن تستقيم على منهج الله، وتأكد أنك لا تخاف الموت، هذا الذي يخافه الناس يصبح عندك مُحَبَّباً مقبولاً، تشتاق إليه.
 واكربتاه يا أبت ". قال: " لا كرب على أبيك بعد اليوم غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه".
 سيدنا سعد بن الربيع تفقَّده النبي عقب معركة أحد فلم يجده، كَلَّف صحابته أن يبحثوا عنه، انطلقوا إلى ساحة المعركة، رأوه بين القتلى ولكن في النزع الأخير، قال له أحدهم: " يا سعد لقد كَلَّفَنِي رسول الله أن أتفقَّدك، فأنت مع الأموات أم مع الأحياء؟ ". قال: " أنا مع الأموات، ولكن أبلغ رسول الله مني السلام - وهو في النزع الأخير - قل له: جزاك الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته، وقل لأصحابه لا عذر لكم إذا خُلِصَ إلى نبيِّكم وفيكم عينٌ تطرف". ليس لكم عذر أبداً، معنى ذلك أنه كان سعيداً جداً.

 

الموت عند المؤمن محبب أما عند الكافر فترتعد منه فرائصه :

 اقرؤوا تاريخ الصحابة، اقرؤوا عن كل صحابي ساعة وفاته كان في جنة، في عرس، تحفة المؤمن الموت، نحن مؤمنون والحمد لله، الموت عندنا مُحَبَّب، أما العصاة، التائهون، الشاردون، المقصرون الذين يرتكبون المعاصي ليلاً نهاراً، والله الموت يجعلهم ينسحقون سحقاً، ترتعد منه فرائصهم، لذلك هذه الآية من أدق الآيات، كل يوم عندنا موت مؤقت، لما تستلقي انظر إلى الدعاء:

(( إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا ))

[أحمد عن أبي هريرة ]

 استيقظت، الدعاء النبوي، الحمد لله الذي أحيانا بعد أن أماتنا وإليه النشور، تذكر قول النبي الكريم:

(( ما من يومٍ ينشق فجره إلا وينادي: يا بن آدم أنا خلقٌ جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة))

[ ورد في الأثر]

 بشكل مختصر كلما استيقظت قل: لقد سمح الله لي أن أعيش يوماً جديداً، هذا اليوم ماذا أفعل فيه؟ صلاتك، غض بصرك، صدقك، أمانتك، إتقان عملك، نُصْحَكَ للمسلمين، طلبك للعلم، التلاوة، سمح الله لي أن أعيش يوماً جديداً.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018