الدرس : 13 - سورة الزمر - تفسير الآيات 36-41، من كان مع الله كان الله معه. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 13 - سورة الزمر - تفسير الآيات 36-41، من كان مع الله كان الله معه.


1993-04-16

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الآية التالية تشمل كل مؤمن لكنها تشمل شمولاً أولياً النبي عليه الصلاة والسلام :

 أيها الأخوة الأكارم، مع الدرس الثالث عشر من سورة الزُمَر، ومع الآية السادسة والثلاثين، وهي قوله تعالى:

﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ *وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ ﴾

 الآية الأولى:

﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾

 في هذه الصيغة استفهامٌ تقريري، والاستفهام التقريري يعني أن الله كافٍ عبده..

﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾

 الله يكفي عبده، وعبده هو الذي عرفه؛ الذي عرف مقام الألوهيَّة، وعرف مقام العبوديَّة، عرف فقره وغنى ربًّه، عرف ضعفه وقوة ربه، عرف جهله وعِلم ربه، عرف أنه حادث وأن الله قديم، عرف حقيقة افتقار الإنسان إلى الله، وعرف عظمة الله عزَّ وجل، هذا العبد الذي عرف، وهذا العبد الذي أطاع، وهذا العبد الذي تقرَّب، هذا هو المقصود بقوله تعالى:

﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾

 فبعد أن تعرف، وبعد أن تستقيم على أمر الله، وبعد أن تتقرَّب إليه، الله جلَّ جلاله ألا يكفيك؟ ألا يكفيك أمر الدنيا؟ ألا يكفيك أمر خصومك؟ ألا يكفيك أمر أعدائك؟ ألا يوفِّقك إلى ما تحب وترضى؟ ألا ترى الأمور ميسَّرةً؟ هل يستطيع أحدٌ كائناً من كان أن ينال منك؟ كيف ينال منك وأنت مع الله، وكل من في الكون بأمر الله عزَّ وجل؟
 هذه الآية تشمل كل مؤمن، لكنها تشمل - كما قال المفسِّرون - شمولاً أولياً النبي عليه الصلاة والسلام، فخصوم النبي، أعداء النبي، المشركون، الكفَّار لن ينالوا من النبي، لن يستطيعوا أن يطفئوا دعوة الله عزَّ وجل، لن يستطيعوا أن يفعلوا شيئاً أمام هذا الدين العظيم، أمام هذا الطود الشامخ.

 

أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ آية تبث الطمأنينة في نفس المؤمن :

 لذلك هذه الآية إذا عقلها المؤمن تبثُّ في نفسه الطمأنينة، أنت مع من؟ أنت مع الخالِق وخصومك مع المخلوقين، أنت مع الرازق وخصومك مع المرزوقين، أنت مع من بيده ملكوت السماوات والأرض، أنت مع مَن كل من في الكون دونه، دونه في القوة، قوتهم من قوَّته، لا وجود لهم أمام وجوده:

﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾

 أفيعقل أن تؤمن به وأن تستقيم على أمره وأن يخوِّفك من خصومك؟ وأن يحوجك إليهم؟ وأن يسلطهم عليك؟ وأن يجعل مصيرك بين أيديهم؟ لكن إن لم نعبده ربَّما كان ذلك، ربَّما كان المُقَصِّر فتنةً للكافر، ربَّما سُلِّط الكافر على المؤمن، لكن إذا كان المؤمن عبداً لله بالمعنى الصحيح:

﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾

 انظر إلى التاريخ، سيدنا يوسف كان عبداً لله عزَّ وجل، ماذا فعل معه أخوته الذين حسدوه وكادوا له وألقوه في الجب؟ ماذا فعلوا معه؟ كان في النهاية أن دخلوا عليه فعرفهم.

﴿ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ ﴾

[ سورة يوسف: 58]

﴿ قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[ سورة يوسف: 90]

الآية التالية تطمينٌ للنبي ولمن اتَّبعه وتطمينٌ للمؤمنين إلى يوم الدين :

 أيها الأخوة الأكارم، هذه الآية لها تطبيقٌ عمليٌ في حياتنا اليوميَّة، أي أنك إذا كنت مع الله لا ينبغي أن تخاف أحداً، لا ينبغي أن تخشى أحداً، لا ينبغي أن تستجيب لتهديدٍ ولا لوعيدٍ، لأنك مع الذي من بيده ملكوت السماوات والأرض، أنت مع مَنْ؟ خصومك كلهم في قبضته أتخشى أناساً والله معك؟

﴿ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ ﴾

[ سورة التوبة: 13 ]

﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾

 الله يكفي عبده، وهذه الآية تطمينٌ للنبي عليه الصلاة والسلام ولمن اتَّبع النبي، وتطمينٌ للمؤمنين إلى يوم الدين:

﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾

 انظر إلى المؤمنين، يكفيهم مؤونتهم، يكفيهم حاجاتهم، يؤويهم في بيوت، يزوِّجهم مؤمناتٍ طيِّباتٍ طاهرات، يرزقهم ذريَّةً صالحة، يُعْلِي شأنهم في الدنيا، ييسِّر أمورهم؛ أما إذا قصَّروا، أما إذا خالفوا، أما إذا خرجوا عن منهج الله، فيؤدِّبهم لأنه ربُّهم، يكفيهم إن عصوه بالتأديب، ويكفيهم إن أطاعوه بالتكريم، يكفيهم خصومهم إن اعتصموا به، يكفيهم إن أقبلوا عليه شقاء الدنيا، يكفيهم إن استجابوا له ما في الحياة الدنيا من متاعب.

﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾

من كان مع الله كان الله معه :

 يا أيها الأخوة الأكارم، هذه الآية لو عرفها المؤمنون حقَّ المعرفة، لو فهموا أبعادها، لو وضعوا أيديهم على مضمونها، لامتلأت قلوبهم طمأنينةً لا يعلمها إلا الله، وما المتاعب التي يعاني منها المؤمنون إلا بسبب تقصيرهم في عبوديَّتهم لله عزَّ وجل، هم يعبدون الله في بعض الأمور ولا يعبدونه في أمورٍ أخرى، هم لا يرون الله واحداً، لا يرون الله بيده كل شيء، يخافون من أشخاصٍ كثيرين، يرجون ما عند الناس ولا يرجون ما عند الله، فالضغوط التي يتحمَّلها المسلمون بسبب تقصيرهم في عبوديَّتهم لله عزَّ وجل، لو أنهم عبدوه لكفاهم كل مؤْنة، لكفاهم أمر دنياهم، لكفاهم أمر آخرتهم، لكفاهم خصومهم، لكفاهم هؤلاء الذين يكيدون لهم، ولكم في تاريخ المسلمين خير دليلٍ على هذه الآية، كلَّما كان المسلمون مع الله كان الله معهم، وكلَّما انحرفوا إلى الدنيا، وإلى الشهوات، وإلى حظوظهم، كلَّما قصَّروا في تطبيق أمر ربِّهم، كفاهم الله أمر أنفسهم بالتأديب، يأتي التأديب:

﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾

 استفهامٌ تقريري، والله جلَّ جلاله عَلَمٌ على الذات، صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى، الله جلَّ جلاله يكفي نبيَّه وكل من اتبع نبيَّه، وكل مؤمنٍ إلى يوم القيامة، والأمر بيده وحده، إذا أيقنا بمضمون هذه الآية انتزعت هذه الآية كل خوف، استأصلت كل قلقٍ، انزاح عن قلب المؤمن كل همٍّ وكل حَزَن، لذلك، من قصَّر بالعمل ابتلاه الله بالهم، و:

((الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن))

[الجامع الصغير عن أبي هريرة]

﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾

الأمر بيد الله وحده :

 أيعقل أن تكون مع الله ويسلمك إلى عباده الذين لا يحبُّهم؟! أن تكون مع الله ويحوجك إلى عبادٍ لؤَماء؟! أن تكون مع الله ويقوي أعداءك عليك؟! أن تكون مع الله وأن يجعل حاجتك إليهم! أن يذلِّك بين أيديهم! أن يجعلك تستخزي أمامهم! أن يجعلك تخنع لسيوفهم وأنت معه؟! أليس الله بعزيز؟ هل تقتضي عزَّته أن تكون ذليلاً؟ ألا تقرأ دعاء الثناء كل يوم:
 اللهمَّ اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولَّنا فيمن توليت، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرف عنَّا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، سبحانك إنه لا يذل من واليت - إنك عزيزٌ يا رب - ولا يعزُّ من عاديت".
 لا يذل من واليت ولا يعزُّ من عاديت، أي أنك حينما تخشى الناس وأنت مستقيمٌ على أمر الله عزَّ وجل معنى ذلك أنك لا تعرف الله، لا تعرف ألوهيَّته، ولا تعرف ربوبيَّته، ولا تعرف وحدانيَّته، حينما ترى أقوياء يتصرَّفون، حينما ترجو ما عندهم، أو حينما تخشى بأسهم، أنت لا تعرف الله عزَّ وجل، هذه الآية لم تتحقَّق بها، لذلك تسرَّب الخوف إلى قلبك، تسرَّب القلق، تسرَّب الشعور بالقهر.

﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾

 تكون معه ولا يكفيك؟! تكون معه ويسلمك إلى أعدائك؟! تكون معه ويقهرك أمام خصومك؟! أهكذا أخلاق الله عزَّ وجل؟!!

﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾

[ سورة محمد: 7 ]

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 كلام خالق الكون:

﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 حيثما ترى أن المسلمين مصابون يُسلَّط عليهم أعداؤهم، ينال أعداؤهم منهم كل نَيْل، يجب أن تعلم علم اليقين أن هناك نقصاً في عبوديَّتهم لله عزَّ وجل، لأنهم لو كانوا عبيده كما أراد لكفاهم كل مؤْنَة، ولجعل كلمتهم هي العليا، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هي العُليا.

 

على كلّ مسلم أن يجعل همه أن يعبد الله حق العبادة و يتقيه حق التقوى :

 فيا أيها الأخوة الأكارم، لنجعل كل همنا أن نعبده حقَّ العبادة، أن نتقيه حقَّ التقوى:

﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾

[ سورة آل عمران: 102 ]

 وجاهدوا في سبيل الله حقَّ جهاده، جاهدوا حق الجهاد، واتقوا حقَّ التقوى، وأطيعوا حقَّ الطاعة، وآمنوا حقَّ الإيمان، وتحقَّقوا من عبوديَّتكم لله عزَّ وجل من أجل أن يكفيكم كل مؤْنَة، وحينما يبدو لبعض المسلمين أن الله تخلَّى عنهم، والله ما تخلَّى عنهم؛ ولكن أراد أن يؤدِّبهم، أراد أن يجعلهم مؤمنين حقَّاً، أراد أن يجعلهم مسلمين حقاً، أراد أن يدفعهم إلى أبوابه، أراد أن يحملهم على التوبة، أراد أن ينقذهم من شرور أنفسهم حينما سَلَّط عليهم أعداءهم:

﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾

 والعبد هنا كما قال معظم المفسِّرين: هو النبي عليه الصلاة والسلام، ألم تقف مكَّة كلها ضدَّه؟ ألم تأتمر على قتله؟ ألم تخرج أصحابه؟ ألم تُنَكِّل بهم؟ ما الذي حدث؟ في أول مواجهةٍ بين النبي وأصحابه وكفَّار مكَّة خاطب النبي قتلى قريش وهم أبطالها وصناديدها، قال: " يا عتبة بن شيبة، يا أميَّة بن خلف - خاطبهم بأسمائهم واحداً واحداً وهم قتلى - هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً، لقد كذَّبتموني وصدَّقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وخذلتموني ونصرني الناس ". قالوا: " يا رسول الله أتخاطب قوماً جيَّفوا؟! ". قال: " ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يجيبونني ".

 

الكفار دائماً يخوفون بالذين من دونهم :

 أيها الأخوة الأكارم، وأنت في أي زمان، وفي أي مكان، وفي أي وضع، مهما تكن الظروف حرجة، ومهما يكن أعداء الله أقوياء، ومهما ينطوون على حقدٍ دفين لا يعلمه إلا الله:

﴿ َقَدْ مَكَرُوا مَكْرَُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

[ سورة إبراهيم: 46 ]

 إذاً نحن مع كلمةٍ في هذه الآية:

﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾

 على مستوى أفراد وعلى مستوى جماعات، في أي مكان، في أي زمان، في أي حال، في أي ظرف، مهما يكن الظرف عصيباً:

﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾

 دَورُ الكفار دائماً أنهم يخوفون بالذين من دونهم، ويكفينا وصفاً دقيقاً لهؤلاء الذين يبدو أنهم أقوياء، وصفٌ دقيق، هم جميعاً دون الله في كل شيء، إذا تحقَّقت فلا وجود لهم إطلاقاً مع وجود الله، قوتهم مستمدَّةٌ من الله عزَّ وجل، حركاتهم وسكناتهم بيد الله عزَّ وجل، إقدامهم وإحجامهم بيد الله عزَّ وجل، ظهورُهُم واختفاؤهم بيد الله عزَّ وجل، بطشهم ولينهم بيد الله عزَّ وجل، هذا هو التوحيد، هذا هو الذي يجعل المؤمن شخصيَّةً فذَّة، هذا الذي يُبعد المؤمن عن النِفاق، عن التملُّق، وعن الخوف، وعن الخنوع، هذا الإيمان..

 

من أراد أن يكون أقوى الناس فليتوكَّل على الله :

﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾

 فهل كنت معه وأصابك الضيم؟ يا رب كيف أفتقر في غناك؟ وكيف أضل في هداك؟ وكيف أذلُّ في عِزِّك؟ وكيف أضامُ في سلطانك؟ هذا معنى قول الله عزَّ وجل:

﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾

 فهل تعرف إنساناً واحداً على وجه الأرض اعتصم بالله وخذله الله؟

((ما من عبد يعتصم بي دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده السماوات بمن فيها إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً، وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماء بين يديه و أرسخت الهوى من تحت قدميه، وما من عبد يطيعني إلا وأنا معطيه قبل أن يسألني، وغافر له قبل أن يستغفرني))

[ رواه ابن عساكر عن كعب بن مالك ]

 أتحب أيها الأخ الكريم أن تكون أقوى إنسانٍ على وجه الأرض؟ والله إن هذا في متناولك، كن مع القوي تكن قوياً، أتحب أن تكون عزيزاً؟ كن مع العزيز، أتحب أن تكون غنياً؟ كن مع الغني، إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكَّل على الله، إذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك، إذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتقِ الله:

﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾

 فجهةٌ من جهات الأرض إذا خدمتها لا تنسى خدمتك لها، لا تسلمك لخصومك، لا تُضَحِّي بك، لا تتخلَّى عنك، يقول لك: هذا من جماعتنا لا يتخلون عن بعضهم بعضاً، فخالق الكون، الذات الكاملة، العزيز، القوي، الرحيم، يتخلَّى عن المؤمن؟ يسلمه لخصومه؟ يجعل لخصومه سبيلاً عليه؟ أين قوله تعالى:

﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾

[ سورة النساء: 141 ]

 فإذا كان لهم سبيل فلنقصٍ في الإيمان، نقصٌ في العبوديَّة، نقصٌ في الطَّاعة، خروجٌ عن منهج الله، ضعفٌ في العقيدة، ضعفٌ في التوحيد.

 

تسلُّط أعداء الله على المسلمين صعقة من أجل أن يعودوا إلى الطريق الصحيح :

 وهذا الذي نراه من تسلُّط أعداء الله على المسلمين، إنها صعقةٌ من أجل أن نصحو، أليس طبيب القلب يَصْعَقُ القلب لعلَّه ينبض؟ لعلَّه يتحرَّك، لعلَّ الحياة تدبُّ فيه، وكذلك هذه الشدَّة التي يعاني منها المسلمون لعلَّهم يصحون من غفلتهم، لعلَّهم يعودون إلى ربِّهم، لعلَّهم يقفون على أبواب ربِّهم تائبين، خاشعين، هذه هي الحكمة، ينبغي ألا نسيء الظنَّ بالله عزَّ وجل، ينبغي ألا نظنَّ أن الله تخلَّى عن المسلمين، ولو سمعت أن أعداءهم يقسون عليهم في مشارق الأرض ومغاربها.

﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾

 أما حينما يقصِّرون، حينما يعصون، حينما يشركون، حينما يعتمدون على أشخاصٍ لا يحبُّونهم:

﴿ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ ﴾

[ سورة آل عمران: 119]

 الحقيقة أيها الأخوة أنه تكشَّف لجميع المسلمين أن خصومهم لا يرحمونهم، وينطوون على حقدٍ دفين، فلذلك علينا أن نكون عبيداً لله حتى يكفينا الله كل مؤْنَة، حتى يكفينا كل خصومةٍ وكل شدَّةٍ نعانيها من خصومنا..

﴿ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾

المؤمن الحق لا يخوِّفك إلا من الله وغير المؤمن يخوِّفك من أشخاصٍ كثيرين :

 إذاً شأن الكفَّار التخويف، أنت بإمكانك أن تمتحن الذي يكلِّمك أهو مؤمنٌ أم كافر؟ مؤمن أم مُشرك؟ مؤمنٌ أم عاصٍ؟ إذا طمأنك إلى أن الله لن يتخلَّى عن المؤمنين فهذه علامة إيمانه.

﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ*الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة الأنعام : 81-82]

 أما الذي يخيفك من زيد، أو من عُبَيْد، فيظهر لك قوَّته، وبأسه، وبطشه، ووعيده، أما الذي يدفعُك إلى معصية الله إرضاءً لزيدٍ أو عُبيد فاعلم علم اليقين أنه ضعيف الإيمان، إن لم نقل: عديم الإيمان، والدليل:

﴿ وَيُخَوِّفُونَكَ ﴾

 المؤمن الحق لا يخوِّفك إلا من الله، وغير المؤمن يخوِّفك من أشخاصٍ كثيرين، هذا إيَّاك أن تغضبه، وهذا إياك أن تستفزه، وهذا إياك أن تعصي أمره ولو أمرك بمعصية، هذا كلام أهل الدنيا، هذا كلام الجُهَّال، هذا كلام الفُسَّاق، هذا كلام المشركين.

﴿ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾

 ويكفينا تعريفاً من الله بهؤلاء أنهم دون الله عزَّ وجل، أنت مع الله وخصمك مع من سوى الله، مع من هو دون الله عزَّ وجل لا بقليل ولكن بكثير.

 

الإضلال إذا عُزِيَ إلى الله فهو الإضلال الجزائي المبني على ضلالٍ اختياري :

 الآن أيها الأخوة:

﴿ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ *وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ ﴾

 الإضلال كما تعلمون إذا عُزِيَ إلى الله جلَّ جلاله فهو الإضلال الجزائي المبني على ضلالٍ اختياري، وأفضل مثالٍ يوضِّح هذه الآية: أن جامعةً حريصةً حرصاً لا حدود له على مستقبل طُلاَّبها، وعلى نجاحهم وتفوقهم، اكتشفت من خلال أوراق الدوام أن زيداً من الطلاَّب لم يداوم أبداً ولم يشتر كتاباً، ولم يحضر ولا محاضرة، ولم يتقدَّم إلى الامتحان، أرسلت له كتاباً تدعوه فيه إلى لقاء عميد الكليَّة، إلى التسجيل بشكلٍ استثنائي، محاولةٌ، واثنتان، وثلاث، وأربع، وخمس، وهذا الطالب مُصِرٌ على ألا يلتحق بالجامعة، وألا يشتري كتاباً، وألا يحضر أية محاضرة، وألا يؤدي امتحاناً، وبعد محاولاتٍ كثيرة ويائسة أصرَّ هذا الطالب على رفض الدراسة كلياً، عندئذٍ لابدَّ من صدور كتابٍ يُرَقم فيه قيد هذا الطالب، متى رقِّم قيده؟ ومتى أُخرِجَ من الجامعة؟ بعد أن أخذ آلاف المواقف العنيدة المُصِرَّة على عدم قبول الدراسة، إذاً هذا الفصل، وهذا التَرْقيم، وهذا الإخراج من الجامعة هو نتيجةٌ حتميَّةٌ، وعند عُلماء المنطق تحصيل حاصل، نتيجةٌ حتميَّةٌ لاختياره الذي أَصَرَّ عليه في عدم الدراسة.
 فإذا أصرَّ الإنسان على اختيار الشهوة، أصرَّ على الدنيا وترك الآخرة، أصرَّ على شهواته وترك مبادئه، أصرَّ على مصالحه وترك قيَمَهُ، أصرَّ على أن يكون مع الشيطان وترك ربَّه، وقد جرت محاولاتٌ عدَّة ؛ تارةً بالنُصح، وتارةً بالتضييق، وتارةً بالمرض، وتارةً بالشدَّة، وتارةً بالفقر، وتارةً بالخوف، وكل هذه المحاولات لم تُجْدِ، وبقي مصراً على معاصيه، وشهواته، وضلالاته، عندئذٍ التحصيل الحاصل أن الله يضلُّه، فإذا أضلَّه الله لا تستطيع قوَّةٌ في الأرض أن تهديه إلى سواء السبيل، لأن الله بيده كل شيء.
 الله جلَّ جلاله هو الذي خلقه، وهو الخبير به، وقد ساق له كل شيءٍ لعلَّه يهتدي إليه، ومع ذلك أصرَّ على ضلاله، إذاً أضلَّه الله، وإضلال الله إضلالٌ جزائي مبنيٌ على ضلالٍ اختياري، عندئذٍ لا تجدي معه نصيحة، ولا يستطيع أن ينقذه إنسان كائناً من كان.

 

من اختار العقل على الشهوة والقيَم على المصالح سيهديه الله ويزيده هدىً :

﴿ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ *وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ ﴾

 هذا الذي أراد معرفة الله، أراد أن يضع يده على الحقيقة الكبرى في الكون، هذا الذي سعى لمرضاة الله، هذا الذي طلب العلم، حضر مجالس العلم، استمع إلى تفسير القرآن، إلى بيان السنَّة المطهَّرة، إلى أحكام الفقه، إلى سيرة النبي وأصحابه، هذا الذي أراد أن يكون مؤمناً سلك مسالك الإيمان، حضر مجالس العلم، ارتاد بيوت الله عزَّ وجل، وقف عند كتاب الله، وقف عند أمره ونهيه، هذا الذي اختار الهدى على الضلال، اختار الآخرة على الدنيا، اختار العقل على الشهوة، اختار القيَم على المصالح، هذا الذي طلب الهُدى سيهديه الله ويزيده هدىً، لقوله تعالى:

﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴾

[ سورة الكهف: 13]

من هداه الله بعد أن أصرَّ على الهدى ليس في الأرض كلِّها قوَّةٌ تستطيع أن تضلَّه :

 هذا الذي هداه الله عزَّ وجل بعد أن أصرَّ على الهدى، وبعد أن طلب الهدى، ليس في الأرض كلِّها قوَّةٌ تستطيع أن تضلَّه، لا نظريات، ولا مبادئ هدَّامة، ولا نظريات إلحاديَّة، ولا أناسٌ أقوياء تلتمع بين أيديهم سبائك الذهب، ولا أناسٌ أقوياء تلمَعُ بين أيديهم السياط اللاذعة، لا السياط اللاذعة ولا سبائك الذهب اللامعة بإمكانها أن تقوِّض الإيمان في نفس المؤمن.
 فالذي اهتدى اهتدى، لو أن الأرض كلَّها اجتمعت على أن تصرفه عن عقيدةٍ اعتقدها لا تستطيع، كل الضلالات في الأرض لا تستطيع أن تزيحه قيد أنملةٍ عن عقيدته الإسلاميَّة، كل ما في الأرض من ضلالات، من شُبَه، من نظرياتٍ هدَّامة، من مبادئ إلحاديَّة، من نظرياتٍ تريد أن تسلخ المسلم عن دينه، لا تستطيع أن تفعل شيئاً، وكل قِوَى الشر مهما ضغطت لا تملك شيئاً، فرعون قال:

﴿ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى * قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى* قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾

[ سورة الشعراء: 70-72]

 تصور هذه الآيات خاضعةٌ للتعرُّف عليها من خلال الممارسات اليوميَّة، مهما كان خصمك كبيراً إذا كنت مع الله لانَ لك، أو خَضَعَ لك، أو مكَّنك الله منه، أو ألقى الله في قلبه الرُعْبَ منك، كيف؟ هذا فعل الله عزَّ وجل.

 

الله عزيزٌ ذو انتقام تقتضي عزَّته أن يعزَّ المؤمن و أن يذلَّ الكافر :

﴿ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ *وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ﴾

 ما علاقة هذا الاسم العظيم بسياق هذه الآية؟ تقتضي عزَّته أن ينصر المؤمن، تقتضي عزَّته أن يرفع شأن المؤمن، تقتضي عزَّته ألا يحتاج المؤمن خَصْمِهِ، تقتضي عزَّته ألا يجعل للكافر على المؤمن سبيلاً، تقتضي عزَّته أن يذلَّ الكافر، تقتضي عزَّته أن يُعاقب الكافر، تقتضي عزَّته أن يُحْبِطَ عمل الكافر:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾

[ سورة الأنفال: 36]

 ألا ترون في التاريخ كم هي المحاولات التي أرادت إطفاء نور الله؟ كم هي المحاولات التي أرادت استئصال الإسلام من جذوره؟ والمحاولات تجري..

﴿ َقَدْ مَكَرُوا مَكْرَُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

[ سورة إبراهيم: 46 ]

 ومع ذلك الله مع المؤمنين، وهذا الدين يزداد قوّةً على قوَّة:

 

﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ ﴾

 استفهام تقريري، أي أن الله عزيزٌ ذو انتقام، تقتضي عزَّته أن يعزَّ المؤمن، وتقتضي عزَّته أن يذلَّ الكافر، تقتضي عزَّته أن يرفع شأن المؤمن، وتقتضي عزَّته أن ينتقم من الكافر.

 

 

﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ ﴾

 

انتهاء مهمَّة المسلم عند طاعة الله عزَّ وجل :

 إذاً الآيات:

﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾

 كن عبده وانتهى الأمر.

﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾

[ سورة الزمر: 66]

﴿ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ﴾

[ سورة الأعراف: 144]

 تنتهي مهمَّتك عند طاعة الله عزَّ وجل، وعندئذٍ ترى رأي العين كيف أن الله يجري الأمور كلها لصالِحِك، وكيف أن الله سبحانه وتعالى يؤيِّدك بنصرٍ من عنده، كيف أن الله سبحانك وتعالى معك بالنصر، معك بالتأييد، معك بالحِفظ، معك بالتوفيق، معك بالهداية.

 

الآية التالية أراد الله منها أن يقيم الحُجَّة على الكافر و المشرك :

 الآن المعنى نفسه جاء بصيغةٍ أخرى، قال:

﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

 هؤلاء الذين معكم في أعمالكم، في بيوتكم، حولَكم، فوقكم، تحتكم، أقوى منكم، أضعف منكم، هؤلاء الناس اسألهم: من خلق السماوات والأرض؟ سؤال إجابته فطريَّة، هو الله، فالذي يقول: ليس لهذا الكون إله قلَّةٌ قليلةٌ لا شأن لها إطلاقاً، لكن الكثرة الكثيرة يقرَّون أن الله هو خالق السماوات والأرض.

 

﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾

 لكن إذا كان الله كما تقولون هو الذي خلق السماوات والأرض لماذا تخافون من دونه؟ لماذا تخشون هؤلاء؟ لماذا تحسبون لهم حساباً؟ هذا تناقض، أنبئونا إذا كان الله هو الخالق هؤلاء لا قيمة لهم، هنا أراد الله عزَّ وجل أن يقيم عليهم الحُجَّة.

﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾

 كلام مُطْلَق، والمطلق على إطلاقه، إن أردت أن تفهم هذه الآية في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، هذه الأصنام اللات والعزَّى ومناة الثالثة الأخرى، هذه الأصنام التي عُبدَت من دون الله، هذه الأصنام هل بإمكانها أن تدفع عنك ضُراً أو أن تجلب لك نفعاً؟
 وإذا أردت أن تفهم هذه الآية في هذه الأزمان: الأشخاص الذين تظنُّهم أقوياء، وتظن أن بيدهم الحل والربط، هم عبادٌ لله عزَّ وجل ضعفاءٌ مثلك، لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً إلا بإذن الله عزَّ وجل، لكن الآية مطلقة شملتهم جميعاً:

﴿ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾

 أيُّ جهةٍ صنماً كان أو شخصاً، جهةً أو قوَّةً أو دولةً، فهناك من يتوهَّم وجود دولة قويَّة جداً تحكم العالَم كلَّه، هذا شركٌ بالله عزَّ وجل.

 

﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ ﴾

[ سورة يونس : 24 ]

 أَمْرُنَا لا أمرهم.

 

سعادة الإنسان وشقاؤه من قِبَل الله عزَّ وجل :

 إذاً:

﴿ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾

 دقِّقوا:

﴿ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ ﴾

 الأصنام أو الأشخاص أو الجهات الكبرى.

﴿ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ ﴾

 أجبنا؟ إذا كنت تؤمن أن الله خالق السماوات والأرض، وأن هذه الأصنام، أو أن هؤلاء الأشخاص، أو أن هذه الجهات القويَّة هي في قبضته، ومن خلقه، وأمرها بيد الله عزَّ وجل، هل هذه الجهات التي تعبدها من دون الله تستطيع أن تدفع عنك ضرَّاً أراده الله؟ أو أن تجلب لك نفعاً منعه الله؟
 لا تنسوا أن الإمام الحسن البصري كان عند أحد ولاة يزيد بن معاوية، وقد جاءه كتابٌ من يزيد، يبدو أن هذا الكتاب فيه توجيهٌ لا يرضي الله عزَّ وجل، فوقع هذا الوالي في حرجٍ شديد، إن أطاع يزيد أغضب الله، وإن أرضى الله أغضب يزيد، فماذا يفعل؟ كان إلى جانبه الحسن البصري، وهو من كبار التابعين، فقال: ماذا أفعل؟ أجابه الحسن البَصريُ إجابةً هي في الحقيقة قانون، قال له الحسن البصري: إن الله يمنعك من يزيد ولكن يزيد لا يمنعك من الله.
وهذه قاعدة يمكن أن تستخدمها كل يوم، إنسان قوي أمرك بمعصية قل: إنَّ هذا الإنسان لا يمنعني من الله إذا أرادني الله بضر، أما إذا أرادني بخير فلا يستطيع هذا الإنسان أن يمنع عني الخير، إذاً سعادتي وشقائي من قِبَل الله عزَّ وجل، هذا لا يقدِّم ولا يؤخِّر.

 

خير الإنسان من الله عز وجل :

 إذاً هذه المناقشة الثانية.

﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ ﴾

 أي إذا أراد الله عزَّ وجل أن يعاقب إنساناً بمرضٍ عضال، ماذا يفعل الأطبَّاء؟ لا حل، الأطباء جميعاً يرفعون أيديهم مستغربين، مرضٌ لا حلَّ له، ماذا يفعل المال؟ المال لا يُجدي، ماذا يفعل أقرب الناس إليه؟ ماذا يفعلون؟ فإذا أراد الله بإنسانٍ ضراً، أهل الأرض جميعاً لا يستطيعون أن يحولوا بين الله وبين هذا الضُر، وإن أراد الله بقومٍ رحمةً أهل الأرض جميعاً لا يستطيعون أن يمنعوا هذه الرحمة، إذاً خيرك من الله.

﴿ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾

 حسبي الله ونعم الوكيل هذه من الأوراد التي كان النبي عليه الصلاة والسلام يذكرها، حسبي الله ونعم الوكيل.

 

﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ* فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ* إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ﴾

[ سورة آل عمران: 173-174]

الفرق بين المكان والمكانة :

 الآن:

﴿ قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ ﴾

 ما الفرق بين المكان والمكانة؟ المكان الشيء المادي، والمكانة الشيء المعنوي، فلان في مكان كذا، في قمَّة جبل، في حضيض الوادي، في سهلٍ، في رابيةٍ، في تلَّةٍ، هذا هو المكان، أما المكانة؛ فلان له قناعاته يحتل مكانة المعارض للحق، فلان مكانته داعيةٌ إلى الله عزَّ وجل، فلان مكانته العمل الصالح، فلان مكانته إيقاع الأذى بين الناس، المكانة التي تحتلُّها بحسب عقيدتك وقيَمك وقناعاتك هي المكانة وليست المكان، النبي عليه الصلاة والسلام أمره الله عزَّ وجل أن يقول:

﴿ قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ ﴾

 أي استمروا على قناعاتكم، وعلى معتقداتكم، وتحرَّكوا من خلالها، واستمروا على شأنكم الذي بين الناس..

﴿ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾

 أهل الحق يعملون للحق، وأهل الباطل يعملون للباطل، أهل الحق يدعون إلى الله عزَّ وجل، أهل الباطل يدعون إلى الدنيا، يدعون إلى باطلهم، أهل الحق يدعون إلى الخير، أهل الباطل يدعون إلى الشر، أهل الحق يدعون إلى الوئام، أهل الباطل يدعون إلى الفِتَن..

﴿ قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾

إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك :

 النبي عليه الصلاة والسلام واثقٌ من النتائج، افعل ما تريد وأنا سأفعل وفق معتقداتي وإيماني، وسوف ترى من هو الخاسر، سوف ترون من هو الرابح ومن هو الخاسر، سوف ترون لمن العاقبة؛ للمؤمنين أم لغير المؤمنين؟ لمن النصر في النهاية، لأهل الإيمان أم لأهل الكفر؟ هذا معنى قول الله عزَّ وجل:

﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

[ سورة الأعراف : 128]

﴿ قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ ﴾

 أي إني عاملٌ على مكانتي، شأن المؤمن أنه يدعو إلى الخير، وشأن الكافر أنه يدعو إلى الشر، شأن المؤمن أنه يدعو إلى الله عزَّ وجل، شأن الكافر أنه يدعو إلى زيدٍ أو عُبيد، شأن المؤمن أنه يحب الإصلاح بين الناس، شأن الكافر يحب الفساد بين الناس، قال:

﴿ قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ ﴾

 أي على ما أنتم عليه من قيَمٍ، واعتقاداتٍ، ومبادئ، وتصوُّرات، وأوهام، هذه مكانتكم، كل إنسان له دور في الحياة، إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك، إنسان عمله الخَير، عمله العَطاء، عمله الهُدى، عمله إكرام الخَلق، عمله بثُّ الفضيلة في الناس، إنسان عمله بث الرذيلة، الإيقاع بين الناس، سلب حريَّة الناس، سلب ممتلكاتهم، إيقاع الأذى بهم، هذه مكانة وهذه مكانة، وكما ورد في الحديث القدسي:

((أنا خلقت الخير والشر، فطوبى لمن قدرت على يده الخير، وويل لمن قدرت على يده الشر ))

[كنز العمال عن ابن عباس]

((يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ ))

[سلم عن أبي ذرّ رضي اللّه عنه ]

للفاسد المفسد عذابان؛ عذاب في الدنيا و عذاب في الآخرة :

 ثم يقول تعالى:

﴿ قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ ﴾

 عذاب مُخْزٍ:

﴿ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴾

 عذابان، قال المفسِّرون: العذاب الأول في الدنيا، والعذاب الثاني في الآخرة..

﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾

 يكاد المؤمن يعلم ما سيكون، لا لأنه يعلم ما سيكون ولكنه يعلم ما في كتاب الله من وعدٍ ووعيد، يكاد المؤمن يعلم ما سيكون لا لأنه يعلم ما سيكون؛ بل لأنه يصدِّق ربَّ العالمين، هذه الآية بإمكانك أن تتوقَّع أنه لكل فاسدٍ مفسدٍ، ضالٍ مضل، منحرفٍ، مؤذٍ، عذاباً في الدنيا مخزياً، وأن تتوقَّع له عذاباً في الآخرة مُقيماً، ماذا فعلت أنت؟ طبَّقت كلام الله عزَّ وجل؟ هذه الآية ألا تكفينا؟ ألا تكفي المؤمن أنه يعلم مصير أهل الدنيا؟ مصير إعراضهم؟ مصير غفلتهم؟ مصير انحرافهم؟ مصير معاصيهم؟ مصير فجورهم؟

﴿ قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ ﴾

 افعلوا ما تشاؤون، لكم أن تفعلوا ما تشاؤون.

﴿ إِنِّي عَامِلٌ ﴾

 على مكانتي أيضاً:

﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ ﴾

الإنسان مخير :

 أيها الأخوة الأكارم، إذا أردتم أن تعرفوا مصير المؤمن ومصير الكافر، للمؤمن خطٌ بيانيٌ صاعدٌ صعوداً مستمراً، لا يتوقَّف هذا الصعود حتى عند الموت، لأن الموت نقطةٌ على هذا الخط، ويبقى الخط صاعداً، أما الكافر فقد يصعد خطُّه البياني صعوداً حاداً ليسقط من عَلٍ، لذلك:

﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ *إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾

 الإنسان مخيَّر:

 

﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾

[ سورة القصص: 56]

 هم مخيَّرون:

 

﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ﴾

[ سورة البقرة: 272]

 إنك لا تستطيع أن تهديهم لأنهم مخيَّرون، إن لم يختاروا الهُدى لن يهتدوا، ولست مسؤولاً عن عدم هدايتهم، عليك البلاغ وعلينا الحساب.

 

الأمر بيد الإنسان وحده وكل النتائج له خيرها وشرُّها :

 إذاً:

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾

 خيرك منك وشرُّك منك، طائرك معك، إن أحسنت فلنفسك وإن أسأت فعليها، إن آمنت فلنفسك، وإن لم تؤمن فعليها، إن استقمت فلنفسك وإن لم تستقم فعليها، إن طلبت العلم فلنفسك وإن أعرضت عنه فعليها، الأمر لك بيدك وحدك، وكل النتائج لك خيرها وشرُّها:

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ ﴾

 أي ليقرأه الناس، ليتدبَّره الناس، ليفهمه الناس، ليكون لهم مبشِّراً ونذيراً:

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ ﴾

 ليس لخاصَّتهم، ليس لفئةٍ قليلة، بل للناس جميعاً:

 

﴿ بِالْحَقِّ ﴾

 بالقول الثابت.

 

الضلال عبءٌ على النفس يسحقها والهُدى يرفعها إلى أعلى عليين :

 الحق ما طابق الواقع، الحق ما كان ثابتاً، وأنتم ترون أيها الأخوة كيف أن هناك مذاهب انهارت، وتبددت، وتقوَّضت دعائمها لأنها ليست حقَّاً بل هي باطلاً، والباطل كان زهوقاً كما قال الله عزَّ وجل، الحق ثابت، إلى يوم القيامة الحق هو الحق، لذلك هنيئاً لمن كان مع الحق، مع القول الثابت، مع الواقع، ليس في حياة أهل الحق مُفاجآت، لكن في حياة أهل الباطل آلاف المفاجآت، إحدى هذه المفاجآت أن الذي كان يعتقدونه صواباً منذ بضع عشرات السنين أصبح باطلاً، أصبح خرافةً، أصبح بيتاً من عنكبوت، أصبح بناءً هَشَّاً سُرْعَان ما تقوَّض.
 إذاً:

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ ﴾

 إليه:

﴿ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ ﴾

 عنه:

﴿ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ﴾

 انظر إلى عليها، الضلال عبءٌ على النفس، يسحقها، والهُدى مع اللام فلنفسه، يصبح الهدى ملكه هو ليرفعه.

 

﴿ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾

 هم مخيَّرون، وأنت عليك البلاغ وعلينا الحساب.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018