الدرس : 09 - سورة الزمر - تفسير الآيات 21-23، فضل تلاوة القرآن والاستماع إليه. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 09 - سورة الزمر - تفسير الآيات 21-23، فضل تلاوة القرآن والاستماع إليه.


1993-03-12

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

القرآن الكريم في توجيهه للنفوس البشريَّة ينوَّع

 من أجل أن تتعرف النفس إلى الله تعالى:

 

 أيها الأخوة الأكارم، مع الدرس التاسع من سورة الزُمَر ومع الآية الواحدة والعشرين، وهي قوله تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾

 القرآن الكريم في توجيهه للنفوس البشريَّة ينوَّع، فتارةً يذكُر آيةً كونيَّة، وتارةً يذكر مشهداً من مشاهد يوم القيامة، وتارةً يذكر حُكماً شرعياً، وتارةً يذكرُ خبراً من أخبار الأقوام السابقة، كل هذه الأساليب من قصَّةٍ، إلى مثلٍ، إلى وعدٍ، إلى وعيدٍ، إلى خبرٍ، إلى مشهدٍ من مشاهد يوم القيامة، إلى آيةٍ كونيَّةٍ دالَّةٍ على عظمة الله عزَّ وجل، من أجل أن تتعرف النفس إلى الله، وأن تُقْبِل عليه، وأن تسعد به. آيةٌ من الآيات الكونيَّة:

﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾

 كلمة (ألم ترَ) تعني أن هذه الآية تحت سمع كل إنسان وبصره، آيةٌ مرئيَّةٌ، الصغار والكبار يرونها، لكن المشكلة أن الإنسان بشهوته أصيب بعمى البصر والبصيرة، إذا انغمس في شهواته الماديَّة غفل عن الآيات الكونيَّة.

 

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾

[سورة يوسف: 105]

الماء آيةٌ كونيَّةٌ دالَّةٌ على عظمة الله :

 

 شيء مألوف، الأمطار نزلت، منخفض جوي قادم متمركز فوق قبرص ـ مثلاً ـ الأمطار بلغت ثمانية وثلاثين ميليمتراً في دمشق ـ مثلاً ـ نحن إذا قرأنا هذه المعلومات ولم ننتبه إلى الذي أنزل المطر وقيَّض لنا هذه الأنهار تسيل بها الأمطار، نكون قد غفلنا عن الله عزَّ وجل، ففي بعض الأقطار في إفريقيا مضى عليها سبع سنوات وهي تعاني من الجفاف، النباتات أكثرها يبِس، والحيوانات على وشك الموت جوعاً وعطشاً، فحينما يكون الجفاف في أرضٍ ماذا نفعل؟ لو اجتمعنا وقررنا، هل بإمكان جهةٍ في الأرض أن تتخذ قراراً بإنزال المطر؟ أليست هذه آيةٌ كونيَّةٌ دالَّةٌ على عظمة الله؟ أليست هذه من نِعَمْ الله العظمى؟

﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾

 أيها الإنسان، طبعاً لو أن السماء لم تمطر؛ الينابيع تجف، والأنهار تجف، والأشجار في البساتين تعطش ثم تيبس، تغلو الأسعار، كلَّما قلَّ الإنتاج النباتي ارتفعت أسعاره، فإذا ارتفعت أسعاره وقعت مشكلات لا يعلمها إلا الله، فحينما يتفضَّل الله علينا بهذه الأمطار فهذا يعني أن هناك رخاءً اقتصادياً، واعتدالاً في الأسعار، ووفرة في المواد.
 وبالمناسبة: الأمطار هذا العام غزيرة الحمد لله، البارحة قرأت بنشرة جويَّة أن المعدل بلغ في دمشق أكثر من مئتين وخمسين ميليمتراً، في حين أن معدلها العام مئتان وثمانية عشر، ووصل في العام الماضي إلى ثلاثمئة وخمسين مليمتراً، فهذا فضل من الله عزَّ وجل.

﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾

 أيها الإنسان، كل حياتنا على الماء، الماء نشربه، والماء نسقي به مزروعاتنا، والماء نسقي به الحيوانات الأهليَّة التي نحن في أشد الحاجة إليها، والماء نستخدمه استخداماتٍ للتنظيف، واستخدامات صناعيَّة، وقِوام حياة البشر على الماء، وقد قال الله عزَّ وجل:

﴿ وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة الأنبياء: 30 ]

موضوع المياه الجوفيَّة آية من آيات عظمة الله :

 هذا الماء العذب الفُرات لو أردنا أن نحليه بطرقٍ صناعيَّةٍ فكل لتر يكلِّف خمسين أو ستين ليرة، ينزل من السماء عذباً زلالاً، يسكنه الله في ينابيع في مواصفات غاية الدقَّة، تجد الماء الموصول بماء الينبوع عذبٌ فرات سائغٌ شرابه، صافٍ لا طعم، لا رائحة، لا لون.

﴿ فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ﴾

 هناك ينابيع في العالم غزارتها في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف متر مكعب، نهر الأمازون غزارته في الثانية ثلاثمئة ألف متر مكعَّب، نبع الفيجة عندنا ستة عشر متراً مكعَّباً في الثانية الواحدة، فهذه المدينة على أنها مترامية الأطراف، ذات كثافة سكَّانية، فكلها تشرب من هذا النَبع، ويمتدُّ هذا النبع إلى مسافاتٍ شاسعة، والدراسات القديمة تبين أن النبع يمتد إلى حمص تقريباً، ومن الشرق إلى سِيفِ البادية، ومن الغرب إلى ما تحت جبال لُبنان، أما مكان التصريف في قرية عين الفيجة، وهناك من يقول: إن حوض هذا النبع يمتد إلى بلاد أخرى وهي أبعد من سوريَّة، فمن أنزل هذا الماء من السماء:

﴿ فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ﴾

 أإلهٌ مع الله؟ في إندونيسيا أربعة آلاف جزيرة، لكل جزيرةٍ ينبوعٌ خاصٌ بها، وإذا قلت: جزيرة وليس فيها جبل، يجب أن تعلم علم اليقين أن هذا النبع ممدَّدةٌ أنابيبه تحت سطح البحر إلى جبلٍ في اليابسة أعلى من هذه الجزيرة، هذا قانون فيزيائي ـ قوانين الأواني المستطرقة ـ إن رأيت نبعاً في جزيرةٍ مسطَّحة ليس فيها جبال، فاعلم علم اليقين أن هذا الماء العذب الزلال تمتدُّ أنابيبه تحت سطح البحر إلى جبالٍ في اليابسة، هناك الخزَّانات، وهناك من يقول: إنه في بعض الجزر الكبرى لبريطانيا، نهر التايمز كل أمطار بريطانية لا تكفي لغزارته، العلماء يقدِّرون أن مستودعات هذا النهر في أوروبا وليس في بريطانيا، هذه التمديدات تحت سطح البحار من يجريها؟ من يمدِّدها؟

طبقات الأرض سخرها الله لجمع مياه الأمطار :

 إن موضوع المياه الجوفيَّة آية من آيات عظمة الله، وكذلك موضوع الآبار، موضوع الطبقات التي سخَّرها الله لجمع هذه المياه؛ طبقات نفوذة تقوم بدور المصفاة، طبقات كتيمة تقوم بدور القَعْر، طبقات من الصخور المعدنيَّة من أجل أن تذوب هذه المعادن، يقولون لك: هذه مياه معدنيَّة، ولتعلم أن المياه المُحَلاَّة في بعض بلاد النفط لا تصلح للشرب، لأنها محلاة، لأنها ماء مقطَّر، ولا يمكن أن نستخدمها إلا إذا خلطناها مع بعض مياه الآبار، لأن المياه ينبغي أن تكون معدنيَّةً، أي فيها نسبة من المعادن.
 فالأسنان بحاجة إلى كلور، الكلور نجده في مياه الشرب مُذاب بنسب طبيعيَّة دقيقة، الإنسان بحاجة إلى اليود من أجل الغدَّة الدرقيَّة، فإذا قلت: مياه معدنيَّة، أي أن الله عزَّ وجل جعل طبقات الأرض بعضها مصافٍ، وبعضها قَعر، وبعضها لإذابة بعض المعادن في الماء، فكأس الماء الذي تشربه لو ذهبت به إلى المحللين لرأيت فيه المنغنيز، والحديد، والكالسيوم، وجدت فيه الفوسفات، وجدت معادن كثيرة جداً محلولة في مياه الشرب، صُنع من؟ وفي آية أخرى ربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾

[ سورة الحجر: 22]

 أي أن الله عزَّ وجل لو كلَّفنا أن نخزن الماء الذي نحتاجه في عام واحد، لاحتجنا إلى بيتٍ يساوي بيتنا تماماً، الذي ساكن في مئة متر مربَّع، يحتاج إلى مستودع مساحته مئة متر مربَّع، لكي يزن فيه الماء لاستهلاكه لمدة عامٍ بأكمله. إذاً موضوع الماء وحده من الموضوعات الكُبرى الدالَّة على عظمة الله عزَّ وجل.

موضوعات للتفكر في خلق الله سبحانه :

 من خلق هذه المسطَّحات من البحار الواسعة؟ لماذا كانت اليابسة خمس الأرض؟ هذه نسبةٌ مدروسةٌ من عند حكيمٍ عليم، لولا هذه المسطَّحات البحريَّة لما تبخَّر بخار الماء، ولما كان سُحُباً، ولما هَطَلَ أمطاراً أنبت به الزرع والزيتون وبقية النباتات والأشجار، إذاً البحار لماذا هي مالحة؟ حكمةٌ ما بعدها حكمة، لماذا هي تشغل أربعة أخماس اليابسة؟ حكمةٌ ما بعدها حكمة، لماذا أشعَّة الشمس تبخِّر هذه المياه؟ حكمةٌ ما بعدها حكمة، من أودع في الهواء خاصَّة حمل بخار الماء؟ حكمةٌ ما بعدها حكمة.
 الهواء من خصائصه أنه يحمل بخار الماء، لكن هذا الهواء الذي يحمل بخار الماء يحمله بنسبٍ متفاوتةٍ تتناسب مع حرارته، فمتر مكعَّب الهواء إذا كان بدرجة ثلاثين مثلاً يحمل خمسة غرامات ماء، بخار ماء، فإذا هبط مثلاً إلى العشرين يتخلى عن غرامين من الماء، إذا هبط إلى الخمسة يتخلى عن أربعة غرامات، ولولا هذه الخاصَّة في الهواء لما كان المطر.
 المطر ما هو؟ هواءٌ مشبعٌ ببخار الماء لامس جبهةً باردة فانكمش هذا الهواء، وعصر هذا البخار الذي يحمله فصار مطراً، فالهواء العادي فيه بخار ماء، لكن السحاب بخار ماء أكثف من البخار الشفَّاف، أما إذا واجهت هذه السُحُب طبقات باردة فانكمشت، وتخلَّت عن بخار مائها فأصبح مطراً، فإذا واجه المطر منطقةً باردةً أصبح ثلجاً، الثلج له فوائد، والمطر له فوائد، بخار الماء له فوائد، موضوعات لا مجال للحديث عنها بالتفصيل، ولكن كلُّها موضوعات للتفكُّر، موضوعات تثير فكر الإنسان.
 أحياناً يرى الإنسان على النافذة طبقة من الضباب، من بخار الماء، لأن الطبقة الخارجيَّة طبقة باردة، لامست الهواء الذي خلف النافذة فانكمش الهواء، وعبَّر عن انكماشه بذرَّات من بخار الماء تعلق على زجاج النافذة، إذاً مبدأ أن الهواء يحمل بخار الماء، هذا المبدأ دقيق جداً، مبدأ أن الهواء يحمل بخار الماء بنسبٍ متفاوتة بحسب حرارته، فكلَّما اشتدَّت حرارة الهواء تحمَّل بخار الماء أكثر، وكلَّما قلَّت حرارته تخلَّى عن حمولاته فكان المطر، أو كان ما يسمَّى بالضباب، الضباب بخار ماء، لكن بنسبة أعلى من النسبة العاديَّة.
 على كلٍ هذه موضوعات، التبخُّر موضوع، حمل الهواء لبخار الماء موضوع، الأمطار موضوع، المسطَّحات المائيَّة موضوع، مبدأ التبخُّر موضوع، الأمطار تنزل بشكل حبَّات صغيرة موضوع، تنزل بنسب متفاوتة موضوع، ثم كيف تغور في الأرض، كيف تصبح ينابيع، والينبوع خزان دائم طوال العام، كأن الله عزَّ وجل يدعونا، قال:

﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾

 أيها الإنسان، أليست هذه الآية بين يديك؟ ألا تراها كل عام؟ ألا تسمع بها؟

قيمة الأماكن بمياهها :

 قال تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ﴾

 ينابيع، ما قيمة دمشق بلا نبع الفيجة؟ والله لو جفَّ هذا النبع لهبطت أسعار البيوت إلى الرُبع، ولقد سمعت أنّ بعض المدن خارج دمشق جفَّت المياه فيها منذ أعوام مضت فهبطت أسعار البيوت، وأصبحت هذه المنطقة ليست مرغوبة، ما قيمة السُكنى من دون ماء؟ إذاً قيمة الأماكن بمياهها، يقولون: مصر هبة النيل، ودمشق هبة بردى، هي هبة الله عزَّ وجل في الأصح، حمص فيها العاصي، كل مدينة فيها نهر تشرب منه، وتسقي منه مزروعاتها، به ينبت النبات والكلأ وما إلى ذلك.

﴿ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ﴾

 ما هذا الزرع؟ إنه يُسقى بماءٍ واحد، الفستق ثمن الكيلو ثلاثمئة وخمسون، أو أربعمئة، وكيلو الفجل أرخص بالطبع، والماء واحد، نباتات متفاوتة في الطعم، بستان فيه أجاص، فيه درَّاق، فيه تفاح، فيه مشمش، فيه جوز، كل ثمرةٍ لها طعمٌ، ولها شكلٌ، ولها رائحةٌ، ولها قِوامٌ، ولها تغليفٌ، ولها حجمٌ، ولها وقت إنباتٍ، ولها وقت إزهارٍ، تفاوت عجيب جداً والماء واحد.

﴿ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ﴾

[ سورة الرعد: 4]

آية النبات من آيات الله الدالة على عظمته :

 قال تعالى:

﴿ فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ﴾

 فهذه الألوان تراب، ما هذا التراب؟ معادن، فكيف أصبحت هذه التفَّاحة صفراء؟ يقول لك: هذه كولدن، هذه ستاركن أي حمراء، هذه دبل رد ـ هذه كلها أسماء أجنبيَّة ـ فمن أعطاها هذا اللون؟ من أعطاها هذا الحجم؟ من أعطاها هذا الطعم؟ من أعطاها هذه الرائحة؟ من أعطاها هذه القِشرة؟ من أعطاها هذا العرق تتغذَّى منه؟ من صمَّمها هذا التصميم؟ يُسقى بماءٍ واحد، وبعد حين هذا النبات يهيج أي ييبَس.

﴿ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً ﴾

 إذا اصفرَّ النبات، ويبس، وتكسَّر، جاءت الرياح فقذفته في أطراف البلاد:

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾

 آية النبات؛ بذرة فيها رشيم حي، بعض النباتات الغرام فيه سبعون ألف بذرة، سبعون ألف بذرة تزن غراماً واحداً، كل بذرة فيها رشيم وسويق وجذير، محفظة غذاء، والرُشيم كائن حي، كشفوا في الأهرامات قمحاً من عهد الفراعنة، ولمَّا زرعوه نبت، هذا القمح مخزَّن في الأهرامات ستة آلاف عام، وهذا الكائن الحي لا يزال على قيد الحياة، موضوع البذور وحده شيء مذهل لا يصدَّق.
 هناك جذور مجنَّحة تطير عَبْرَ القارات، بذور الغابات مجنَّحة، هناك بذور المراعي على شكل حلزون يغرس في التربة، ثم تنتقل البذور في هذا الحلزون إلى أن تغرس تحت سطح الأرض، وأنت لا تدري، هذه كل الرعويات، وهذه البذور تقاوم مقاومة شديدة كل الأعراض الجويَّة، الإنسان أحياناً يأكل بعض الأطعمة وقد لا يمضَغُ البذر، يخرج كما هو، اللحم يذوب في حَمض كلور الماء، ما من شيءٍ إلا ويذوب في المعدة، حتى لو جئنا بقطعة لحم ووضعناها في كرة حديديَّة مثقوبة، وأطعمناها لإنسان، هذه القطعة من اللحم تصبح كالحليب بفعل حمض كلور الماء الموجود في المعدة، لكن البذر لا يتأثَّر أبداً، يخرج كما دخل، لماذا؟ لأن هذا البذر مُعَد للزراعة يجب أن يقاوم كل العوامل، فتجد بذرة صغيرة لها رشيم، لها سويق، لها جذير، لها محفظة غذاء إذا أصابتها رطوبةٌ ونور نبت الرُشيم.

البذور أيضاً من إعجاز الله تعالى :

 هذا الشيء بين أيديكم، ائت بحبَّات الفاصوليا، أو حبَّات القمح، أو حبَّات العدس، ضعها على قطن مبلَّل في غرفة الجلوس، وانظر كيف ينمو الرشيم، فإذا بالبذرة فارغة، ونما الرشيم من هذه المحفظة الغذائيَّة، فمبدأ البذرة في الأرض ما هذا المبدأ؟ والشيء الغريب أن كل خصائص النبات مخزونةٌ بالبذرة، أحياناً الإنسان يتحدَّث عن خصائص البذرة ساعة، كل الخصائص؛ أن هذا النبات يُزْهِر في الوقت الفلاني، يحتاج إلى ماء غزير، يحتاج إلى ماء قليل، يحتاج إلى تيار رياح، أصحاب المزارع، أصحاب البساتين، خبراء بخصائص النبات.
 كل نبات له طبع، كل نبات له وقت للنمو، وقت للإزهار، وقت للإثمار، هذه الثمرة غير هذه الثمرة، حتى أحياناً بعض الخضراوات يقول لك: هذه طماطم أو بندورة، هذه معدَّة للعصير، هذه نسيجها اللحمي كثيف، هذه للسفر، هذه شكلها كُروي، هذه فيها حموضة، آلاف الصفات لهذه الخضراوات مودعةٌ في البذور، كروموزونات، مورِّثات، افتح هذه البذرة هل ترى هذه الخصائص؟ هذه البذرة تقاوم المرض الفلاني، هذه البذرة تتحمَّل البرد، هذه البذرة تعطي عطاءً مديداً، هذه تعطي عطاءً قصيراً، هذه تعطي عطاءً كثيفاً وتنقطع، هذه الطباع التفصيليَّة التي استنبطها العلماء ـ علماء الزراعة ـ من هذه البذور أيضاً هي بحث قائم بذاته.

﴿ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ﴾

 طبعاً ألوانه، وأشكاله، فهناك ثلاثمئة نوع من العنب، عندنا خارج دمشق في مركز زراعي عنده ثلاثمئة نوع من أنواع العنب فقط، ويوجد ثلاثة آلاف وخمسمئة نوع من القمح، ما من محصولٍ حقلي، ما من شجرٍ مثمر، ما من خضار إلا ولها أنواع تفوق الحصر، الإنسان يحتاج لعصير البرتقال، فهناك برتقال خاص للعصير كلُّه ماء، تحتاج إلى برتقال تأكله كفاكهة، هناك برتقال خاص للمأكل، برتقال حلو الطعم، برتقال له لون أحمر داكن، فالبرتقال أنواع، الليمون أنواع، الحمضيات أنواع، التفاحيّات أنواع، اللوزيات أنواع، كليات الزراعة لديها معلومات دقيقة جداً في هذا الموضوع، ومع هذا لا زلنا في أولويات العلوم.

ظاهرة النبات وحدها ظاهرةٌ تكفي لمعرفة الله :

 أما هذا النبات كيف يغوص جذره في أعماق الأرض؟ بعض الأشجار تغوص جذورها في التربة ثلاثين متراً نحو الأسفل، تبحث عن الماء، بعض الأشجار تتجه جذورها في الصحارى إلى العُمق، لكن في الأماكن الرطبة إلى السطح، تجد الجذور ممتدَّة أُفقياً وليس عمودياً، فهذا الجذر يدخل في الصخر أحياناً، ينتهي بقلنسوة، وهذه تنتهي بأشعار، فهذه القلنسوة فيها مادَّة تذيب الصخر من أجل أن يأخذ المعادن المُذابة بالماء، هذه المعادن المذابة بالماء تصعد إلى الورقة كَنُسِغٍ صاعد، في الورقة تتفاعل مادة اليخضور مع الآزوت الذي يمتصه النبات، مع ثاني أكسيد الكربون الذي هو محصلة تنفُّس الإنسان والمحروقات، مع بعض شِلاَّت الحديد فتصنع هذه الورقة النسغ النازل.
 النسغ النازل سائل عجيب، فليس في عالَم الإنسان سائل تحقنه يصبح خشباً، أو حديداً، أو كوشوكاً بآن واحد، مستحيل وهو سائل واحد، هذا السائل ـ النسغ النازل ـ يصبح تارةً ثمرةً، وتارةً ورقةً، وتارةً جذراً، وتارةً جذعاً، وتارةً زهرةً، كلُّه من النسغ النازل، فظاهرة النبات وحدها تكفي لمعرفة الله.
 أنت تحتاج إلى شيء تليِّف فيه جسمك أثناء الاستحمام، هناك نبات خاص له وجه ناعم لأصحاب الجلد الناعم، وله وجه خشن لذوي الخشونة الجلدية، تحتاج إلى نبات تنظِّف به ما بين الأسنان، هناك خِلَّة، تحتاج إلى نبات تنظِّف الأسنان كالسواك، تحتاج إلى نبات من أجل الأصبغة، الأصبغة مأخوذة من النبات، تحتاج إلى مادَّة مَرِنَة، الكوشوك أصله نبات، مادَّة خفيفة كالفلين، تحتاج إلى نبات حدود بينك وبين جارك، هذه نباتات حدوديَّة كلها أشواك، تحتاج نبات مظلَّة أمام البيت، فهو نبات مهمَّته المظلَّة، مظلَّة دائريَّة، دائمة الخضرة، كثيفة، أوراقها صغيرة تتراقص مع الرياح، جذعها مستقيم، تشعر أن هذا النبات ليس له أي وظيفة أخرى إلا أن يكون مظلَّةً لك. نبات من أجل خشبه، فهذا خشب خاص للأثاث المنزلي، يقول لك: هذا زان غالي الثمن، هناك خشب الكندي خاص بالنوافذ لأنه يتحمَّل المطر، والرياح، والعوامل الجويَّة ولا يتأثر، ولو وضع الخشب الزان مكانه يفتل، أخواننا النجارون يعرفونها، خشب شوح ليِّن، خشب قاسِ للأثاث، خشب له رائحة ورديَّة، أنواع منوَّعة من الخشب، بلغني أنه يوجد مئة نوع من الخشب.
 خشب للاستعمال الصناعي مئة نوع تقريباً، خشب جميل جداً فاتح اللون كخشب السنديان، جميل لونه أشقر وفيه خطوط رائعة جداً، خشب كأنه حديد كالزان، خشب ليِّن كالشوح يستعمل في الكبريت وأقلام الرصاص، خشب من أجل صناعات أخرى، فهذا النبات نستخدم خشبه، وذلك نستخدم زهرته، كالزهرة، وآخر نستخدم جذره فالجزر جذر، وغيره نستخدم أوراقه فالملفوف أوراق، تارةً الأوراق، تارةً الزهر، تارةً الجذر، تارةً الأغصان، تارةً الجذع، نباتات زينة، ورود، أبصال، شيء لا ينتهي.

ملخص سريع لما ورد معنا من آيات كثيرة دالة على عظمة خلق الله سبحانه :

 توجد نباتات أواني مطبخ، جاءت لي إلى المسجد أخ قدَّمها لي، آنية مثل النحاس تماماً، في نباتات مسابح، حبات مسبحة مثقوبة، ما عليك إلا أن تضع الخيط فيها، كلها نباتات، ولا يزال البحث مفتوحاً، في إفريقيا نباتات مفترسة، إذا مرَّ فوقها الحيوان التقمته وأكلته، وهي نبات، والجزر المرجانيِّة قيل إنها نباتات، البحر الأحمر كله جُزر مرجانيَّة وهي نبات.
 على كلٍ فظاهرة النبات وحدها ظاهرةٌ تكفي لمعرفة الله، ظاهرة البذور وحدها تكفي لمعرفة الله، ظاهرة أن هذا النبات يأخذ غاز ثاني أكسيد الكربون الذي هو سام بالنسبة لنا، نطرح هذا الغاز كمادَّة سامة، ويأخذها النبات كمادة غذائيَّة أساسية ويطرح الأوكسجين، هذا التوازن من صمَّمه؟ الذي يعدُّ لك سُماً هو للنبات غذاءً، والذي يطرحه النبات هو لك مادَّة منعشة، إنه الأوكسجين، لذلك ينصح أصحاب العلل الرئويَّة، المصابون بالربو أن يسيروا تحت أشجار الصنوبر، فإذا مشى الإنسان في غابة في النهار يشعر بنشاط لأن هذا النبات يطرح الأوكسجين دائماً، فكأنك واضع على أنفك كمَّامة مليئة بالأوكسجين.

﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾

 أليست هذه الآيات دالَّة على عظمة الله؟

﴿ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ﴾

 قرب دمشق ينبوع الفيجة، أرادوا أن يقلِّدوا تصميم ربنا عزَّ وجل، فأنشؤوا مستودعات لهذه المياه، على عمق أربعمئة متر تحت سطح الأرض، من أجل أن يُحْفَظَ الماء برونقه؛ لا طعم، ولا رائحة، ولا لون، ولا تفسُّخ.

دورة حياة النبات تشبه دورة حياة الإنسان :

 قال تعالى:

﴿ فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾

 وبعد نزول الأمطار تتم هذه الدورة النباتية، أن أيّ شيء تزرعه ينبت أولاً غضَّاً طرياً، جميلاً، يزهر، يثمر، ثم ييبس، يتحطَّم، تذروه الرياح، وأنت كذلك، فانظر إلى الطفل الصغير؟ كتلة من الحيويَّة، جميل الصورة، يكبر، ويكبر، ويكبرْ، بعد هذا تجد أنه مال إلى الضعف، ثمَّ تقرأ نعوة الإنسان على الجدران، دورة، نحن بضعة أيَّام كلَّما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منَّه، كل واحد منا له صور تذكارية وهو صغير، فانظر إلى صورته عندما كان طفلاً فهل هو مثل الآن؟ ليست هناك أية نسبة، وهكذا الأيام، قال سيدنا عمر بن عبد العزيز: الليل والنهار يعملان فيك.
 وأوضح مثل على هذا الكلام: خذ صورةً لك وأنت طفل، وخذ صورة لك وأنت في الأربعين وضعهما بجانب بعضهما البعض، هذا فعل الزمان؛ "الليل والنهار يعملان فيك فإذا كنت عاقلاً فاعمل فيهما"، الأعمال الصالحة، حتى لا تندم على هذه الدنيا، لئلا يقول الإنسان: يا ليتني قدَّمت لحياتي.

﴿ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾

[ سورة المؤمنون: 99-100]

﴿ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ﴾

 أي أن الإنسان المؤمن هداه الله للإسلام، واستقرَّ عليه، والتزم الأمر والنهي..

﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾

القلب الرحيم من علامات الاتصال بالله :

 أين جواب أفمن؟

﴿ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ﴾

 الحقيقة الآية دقيقة، عندما اختار الإنسان الحق شرح الله له صدره، فالقلوب بيد الله عزَّ وجل يقلِّبها كما يشاء، إنك إذا اخترت الحق شرح الله صدرك للحق، وإن اختار الإنسان الباطل فعندئذٍ يجد قلبه قاسياً كالصخر؛ أجل ومن اختار الباطل، من اختار الشهوة، من اختار الدنيا، من اختار المادَّة، من اختار الدنيا على الآخرة، كان قلبه قاسياً كالصخر وويلٌ لهذا القلب.
 أطلّت الآن علينا قضيَّة دقيقة، أن علامة الاتصال بالله القلب الرحيم، وعلامة الانقطاع عن الله القلب القاسي، فهو أكبر مؤشّر لاتصالك بالله أو لبعدك عنه، الموصول بالله يرحم الخَلق، والمقطوع عن الله يقسو عليهم، وإيَّاكم أن تصدِّقوا مؤمناً متصلاً بالله بإمكانه أن يؤذي مخلوقاً، أو يكون سبباً في شقاء مخلوق، هو كلُّه خير، رحمته دفعته إلى الخير، وذاك قلبه القاسي حمله على الشر، إن رأيت إنساناً يقسو، يظلم، يأخذ ما ليس له، يبني سعادته على أنقاض الآخرين، يبني غناه على فقر الآخرين، يبني حياته على موت الآخرين، يبني أمنه على خوف الآخرين، إن رأيت هذا الإنسان فاعلم عِلم اليقين أنه مقطوعٌ عن الله عزَّ وجل، لأن انقطاعه عن الله سبَّب له قسوة قلبه، لذلك قال تعالى:

﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾

إذا شرح الله صدر الإنسان لمعرفة الحق والثبات عليه فهذه نعمةٌ كبيرة :

 المقطوع عن الله إذا ذكَّرته بآيات الله يَضْجَر، لا يحب أن يسمعها، لو أنه وهو يبحث عن الأخبار في المذياع مرَّ بتلاوة للقرآن الكريم، لا يحتمل أن يصغي له ولا ثانية واحدة، على الفور يحرك المؤشر إلى الغناء..

﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾

 لا يحتمل أن يسمع ذكر الله، ولا أن يدخل بيوت الله، ولا يحب مجالسة المؤمنين، هناك كراهيَّة ثابتة عند أهل الدنيا للمؤمنين، لأن المؤمن يذكِّره بتقصيره، المؤمن المستقيم يذكِّره بانحرافه، بخيانته، بكذبه، المُصلي بتركه للصلاة، الذي يغضُّ بصره بمعصيته بإطلاق بصره، فلماذا يكره أهل الدنيا المؤمن؟ لأنهم يرون أخطاءهم من خلاله، يرون انحرافهم، وتقصيرهم، وضياعهم، وشقاءهم من سلوكه واستقامته.

﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

 هذه الآية مؤدَّاها أنك مخيَّر، فإذا اخترت طريق الحق شرح الله صدرك له، فلا ترتاح إلا في المساجد، لا ترتاح إلا في طاعة الله عزَّ وجل، لا ترتاح إلا بالإنفاق، لا ترتاح إلا بغض البصر، لا ترتاح إلا بالصدق والأمانة والاستقامة، لا ترتاح إلا بنصيحة المُسلمين ما دمت قد اخترت رضوان الله عزَّ وجل يشرح الله لك صدرك، فيقبل الحق ويثبُت عليه، البطولة أن تثبت، شرح الصدر معناه قبول الحق والثبات عليه، لأنك اخترت الحق.
 فإذا اختار الإنسان الباطل يضيق صدره من ذكر الله، من تلاوة القرآن، من الموت، لا يستطيع أن يصلي صلاة الجنازة، يقف خارج المسجد يدخِّن، وكم رأيت بأُمِّ عيني عشرات من المُسلمين إذا شيَّعوا جنازة وقد دخلت إلى المسجد ليُصَلَّى عليها، وليُصلَّى الظهر قبل الصلاة عليها يقفون خارج المسجد لا يحتملون، لا يحبون ذكر الله، ولا مساجد الله، ولا بيوت الله، ولا القرآن، ولا أي شيء يذكِّرهم بالآخرة، منغمسون في الدنيا.
 إذاً إذا شرح الله لك صدرك لمعرفة الحق وللثبات عليه فهذه نعمةٌ ما بعدها نعمة، تؤكِّدها الآية الكريمة:

﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ﴾

[ سورة الحجرات: 7]

الآية التالية تتحدَّث عن القرآن الكريم أنه أحسن الحديث :

 

 ثمَّ يقول الله عزَّ وجل:

﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾

 هذه الآية تتحدَّث عن القرآن الكريم، أنه أحسن الحديث، هو الغنى الذي لا فقر بعده، ولا غنىً دونه، لا فقر بعده، ولا غنىً دونه، هو الكتاب المحكم الذي لا ريب فيه، ولا يأتيه الباطل لا من بين يديه ولا من خلفه.

((فَضْلُ كَلامِ اللَّهِ عَلَى كَلامِ خَلْقِهِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ))

[الدارمي عن شَهْرٍ بن حوشبٍ]

 فكم هي المسافة كبيرة جداً بين الخالق والمخلوق؟ هي نفسها بين كلامه وكلام خَلْقِهِ، فهو أحسن الحديث، فأجمل حديث تتحدَّث فيه كتاب الله، فمن الممكن أن تتوجَّه من خلاله الوجهة الصحيحة، وأن تتعظ من خلاله، بهذا الحديث توجِّه وتفكِّر، فيه نبأ من قبلكم، خبر ما بعدكم، حكم ما بينكم، فيه آيات دالَّة على عظمة الله، فيه أخبار الأمم السابقة، فيه أحكام شرعيَّة، فيه توجيهات تربويَّة، فيه نظرات مستقبليَّة، فيه وعد، فيه وعيد، فيه بشارة، فيه نذير، فيه كل شيء، هو أحسن الحديث ولا تنقضي عجائبه، كلَّما زدته فكراً زادك معنىً.

الصفات المُطلقة للقرآن قاسمٌ مشتركٌ بين آياته كلِّها :

 لا تنقضي عجائب القرآن، تجد الإنسان أمضى أربعين سنة مع هذا الكتاب ولا يملَّه، يتلوه أناء الليل وأطراف النهار، وكلَّما قرأ آيةً كشف الله له معنىً لم يكن يعرفه من قبل، الشيء العجيب فيه أن القرآن غَني، والذي يقرؤه يشعر بالغنى، مبادئ أساسيَّة من قِبَل خالق الكون، مقياس دقيق تقيس فيه كل نظريَّة، كل شيء وافق القرآن صحيح، وإن خالفه فهو باطل، وطلع الفجر انتهى الأمر، إنه كلام الخالق، هو:

﴿ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً ﴾

 كل آياته يشبه بعضها بعضاً في الخير، في الصِدق، في الصواب، في التسديد الصحيح:

﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾

[ سورة الإسراء:9 ]

 كل الآيات الكريمة في مستوى واحد؛ من الدقَّة في التعبير، من الإعجاز، من الروعة، من البيان، من العُمق، من الصحَّة، من الصواب، الصفات المُطلقة للقرآن قاسمٌ مشتركٌ بين آياته كلِّها، هذه الصفات توضح معنى " متشابهاً "، أي أن هذه الآية ولو كانت في المواريث فهي دقيقة جداً، تشبه الآيات الكونيَّة، هذه الآية الكونيَّة تشبه آيات التشريع، كلُّها دقيقة، وكلُّها صحيحة، وكلُّها نافعة، وكلُّها خيِّرة، وكلُّها مُباركة، هذا معنى "متشابهاً"، يشبه بعضها بعضاً في الخير.

معنى كلمة (مثاني) :

 قال تعالى:

﴿ مَثَانِيَ ﴾

 وصفٌ لأهل الجنَّة وأهل النار، وصفٌ للحق وللباطل، للدنيا والآخرة، للخير والشر، لما قبل الموت وما بعد الموت، فدائماً القرآن فيه اثنينيَّة، هذا معنى أول.
 المعنى الثاني: أن كل آيةٍ تنثني على أُختها فتوضِّحها، القرآن ليس متناقضاً، الآيات توضِّح بعضها بعضاً.

﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾

[ سورة الحجر:99 ]

 أي يقينٍ هذا؟ قال: هو الموت، من أين عرفنا ذلك؟ قالوا:

﴿ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ ﴾

[ سورة المدثر:47 ]

 أتانا الموت، فالآية الأولى توضِّحها الآية الثانية، فمعنى مثاني أي أن كل آيةٍ تنثني على أختها فتوضِّحها:

﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ﴾

[ سورة البقرة: 223 ]

 معنى (أنَّى) موضَّحة بآيات ثلاث أخرى، فالآيات الثلاث توضِّح معنى أنَّى، وأنَّى توضِّح معنى الحرث، فإذا قرأت القرآن كلَّه واستوعبته استيعاباً جيداً تجد أن كل آيةٍ تفسِّر أختها، وهذا أعلى أنواع التفسير أن تفسِّر القرآن بالقرآن.
 فكلمة (متشابهاً) أي تشبه الآيات بعضها بعضاً في الخيريَّة، والصدق، والدقَّة، والإعجاز، والكمال، والبَرَكَةِ، والعظمة. و(مثاني) إما أن القرآن فيه اثنينيَّة؛ الخير والشر، الحق والباطل، الجنَّة والنار، الدنيا والآخرة، أو كل آيةٍ تنثني على أختها فتوضِّح معانيها.

المؤمن يقرأ القرآن وهو يتفاعل مع الآيات :

 قال تعالى:

﴿ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾

 أي أن المؤمن إذا قرأ آيات العذاب بكى، أو تباكى، أو اقشعرَّ جلده، يتأثَّر لأنه يصدق هذا الكتاب، أشد أنواع الكفر التكذيب العَملي؛ أي ألا تبالي بالقرآن، أن تتخذه وراءك ظِهريّاً، أن تهجره، أن تقرأه دون أن تعمل به؛ لكن المؤمن يتعامل معه بصدق، يتعامل مع القرآن بواقعيَّة، فإذا وصف الله عذاب أهل النار انخلع قلبه، واقشعرَّ جلده، وأصابته الخَشْيَة، فإذا قرأ أحوال أهل الجنَّة..

﴿ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾

 فالمؤمن بين خشيةٍ ورجاء، بين خوفٍ ورجاء، بين وعدٍ ووعيد، بين وعدٍ بالجنَّة ووعيدٍ بالنار، فالمؤمن يقرأ القرآن وهو يتفاعل مع الآيات.

﴿ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ ﴾

 هناك معنى آخر: إذا خفت من وعيد الله عزَّ وجل فتبت إلى الله، واصطلحت معه، واستقمت على أمره، فإن القرآن يصبح ربيع قلبك، وجلاء همِّك، ونور بصرك، به تطمئن، به ترتاح، بتلاوته تتفاءل، القرآن صاحبه غَنِيّ.
 بالمناسبة: من تعلَّم القرآن متَّعه الله بعقله حتَّى يموت، فما من شيءٍ يُزعج الرجل في خريف حياته إلا الخَرَف، يسقط اعتباره الاجتماعي، يتطاول عليه من حَوله، يسخرون منه، يتندَّرون به، لكنَّه إذا قرأ القرآن في شبابه متَّعه الله بعقله حتَّى يموت، والله ألتقي مع أناس في الخامسة والتسعين، يقول لك: الحمد الله، لا يعيد القصَّة مرَّتين، فمنذ صغره حفظ القرآن، احفظ كتاب الله يحفظك، هناك أمراض تصيب الشيوخ المتقدِّمين بالسن، تضيق شرايين الدماغ فيخرف، أما هذا الذي يقرأ القرآن دائماً، ويصلي دائماً هو في نشاط دائم، ونحن عندنا قاعدة تتعلق بالجسم وهي أن العضو الذي لا يعمل يَضْمُر، فإذا الإنسان كُسِرَت يده ثم وُضِع حولها الجبصين، ستة أشهر تقريباً، إذا نُزِعَ الجبصين تصبح عضلاته ضامرة، العضو الذي لا يعمل يضمُر، والدماغ عضو، فإذا نشَّطته بالقرآن لا يضمر، فهل هناك أجمل من إنسان عمره تسعين سنة ولا ينسى؟!

فضل تلاوة القرآن :

 والله سمعت عن رجل عاش في هذه البلدة قرابة مئة عام، وكان يعلِّم ثلاثة أجيال، كان يقول لمن يراه في الطريق من تلاميذه: يا بني لقد كنت أنت تلميذي أعرفك جيِّداً، وكان أبوك تلميذي، وكان جدُّك تلميذي، بدأ في التعليم في الثامنة عشرة من عمره، ومات في السادسة والتسعين وهو على رأس عمله، وكان مديد القامة، منتصب القامة، أسنانه في فمه، الآن في الخامسة والثلاثين أسنانه محشوة لم تبقَ سن واحدة سليمة في فمه، أما ذلك صاحب القامة المنتصبة فسمعه مرهف، وبصره حاد، يقال له: يا سيدي ما هذه الصحَّة؟ يقول: "يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكِبَر، من عاش تقياً عاش قوياً".
 فهل هناك أغلى من الصحَّة؟ ثمنها الطاعة لله عزَّ وجل، استقم على أمر الله، هذه العين التي تَغُضُّ عن محارم الله، أو التي تسهرُ في سبيل الله، فالله أكرم وأعز من أن يفجعك بها، هذه الأذن التي تستمع الحق وتصغي إليه، فالله أكرم وأعز من أن يصيبك بها، ترثك ولا ترثها، كما قال النبي:

((اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا))

[من رياض الصالحين عن ابن عمر]

 والله أسمع حكايات عن بعض الخرفانين، يضع أمَّه على كرسي مربوطة من أطرافها، قلت له: لماذا؟ قال: لئلا تأكل من غائضها.

﴿ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً ﴾

[ سورة النحل: 70 ]

 هناك حالات خرف لا تحتمل، الإنسان يأكل الغائط، أما المؤمن الذي نشأ في طاعة الله، شَبَّ على طاعة الله، هذا ينتظره خريفٌ مشرق، كلَّما ازداد عمره سنةً ازداد تألُّقاً، وازداد مكانة، وازداد عقلاً، وازداد وضاءة، وازداد شخصيَّة قويَّة، وقد يتوفَّاه الله عزَّ وجل وهو في أوج مكانته، تجده إنساناً مرموقاً، المؤمن عزيز غالٍ على الله عزَّ وجل، لذلك من تعلَّم القرآن متَّعه الله بعقله حتى يموت، هذه ضمانة، تلاوة القرآن ضمانة لخريف عمرك، نور للقلب، والقرآن أيضاً نورُ البصر، وفيه جلاء الهَم والحزن.

القرآن الكريم هو كتابنا المقرَّر طوال حياتنا :

 قال تعالى:

﴿ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

[ سورة الرعد: 28 ]

 لذلك فهذا القرآن الكريم كتابنا المقرَّر طوال حياتنا، إنه غنىً لا فقر بعده، ومن آتاه الله القرآن فظنَّ أن أحداً أوتي خيراً مما أوتي فقد حقَّر ما عظَّمه الله، فالذي الله آتاه القرآن حفظاً، أو تلاوةً وتجويداً، أو فهماً وتفسيراً، أو عملاً، والأكمل أن تتلوه مجوَّداً، وأن تفهم تفسيره، وأن تعمل به، وهو كتابنا، هذا الذي آتاه الله القرآن اجتباه الله إليه:

﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً ﴾

 في الخير:

﴿ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾

 المسلمون حينما تخلَّفوا جعلوا هذا الكتاب فقط للمآتم، بعض المسلمين يقولون لك إذا سمعوا قرآناً يتلى: هل مات أحد؟ شيء مؤلم والله، لا يتلى هذا الكتاب إلا عند الموت فقط، اقرأه وأنت حي يا أخي، وأنت في أوج شبابك افهمه، لذلك حضور هذا المجلس في سبيل ماذا؟ في سبيل فهم هذا الكلام كلام الله عزَّ وجل.

درجات تلاوة القرآن :

 قال تعالى:

﴿ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ ﴾

 كيف يهديك الله؟ هذا كتابه، إذا أردت أن تُحَدِّث الله فادعه، وإذا أردت أن يحدِّثك الله عزَّ وجل فاقرأ القرآن، والتلاوة درجات ذكرها الإمام الغزالي بالإحياء، أولى الدرجات أنك إذا استمعت إلى كتاب الله فكأنَّه يُتلى عليك من قِبَلِ الله عزَّ وجل، وكأن هذا الآيات أُنْزِلت لتوِّها، طريَّة، وأنت كلَّما ازددت استقامةً، وبذلاً، والتزاماً، وإقبالاً ازددت سعادةً بكتاب الله، فالإنسان إذا قرأه:

﴿ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ﴾

[ سورة الإسراء: 78]

 بعض العلماء قال: (قرآن الفجر) صلاة الفجر في المسجد، عندما تقف وتستمع إلى كتاب الله في صلاة الفجر يضاعف انشراح صدرك، نحن من فضل الله عزَّ وجل صلاة الفجر عندنا على مدار العام فيها ختمة بأكملها، من الأول من شوال إلى العشرين من شعبان يُتلى كتاب الله بأكمله في الفجر، إذا إنسان داوم على الفجر فمعنى ذلك أنه يستمع إلى كتاب الله كلِّه خلال عام، وفي رمضان نعيده مرَّة ثانية والفضل لله عزَّ وجل، وأرقى حالة للتلاوة أن تتلو القرآن في صلاةٍ قائماً في المسجد، أعلى درجات الثواب أن تتلو القرآن في صلاةٍ قائماً في المسجد، ومثله أن تستمع له، بأن تكون مأموماً، فقراءة الإمام قراءةٌ لك، فالإنسان عندما يصلي التراويح ويصلي الفجر، ماذا يفعل؟ يستمع إلى كتاب الله يُتلى عليه فيزداد انشراحاً كما يزداد ثواباً:

﴿ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾

 في الدرس القادم إن شاء الله تعالى ننتقل للآية التي بعدها:

﴿ أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018