الخطبة : 1042 - الفتن2 ، انقسام العالم إلى قسمين - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 1042 - الفتن2 ، انقسام العالم إلى قسمين


2007-06-29

الخطبة الأولى
 الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِ وسلم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

تذكير بالخطبة السابقة

 أيها الإخوة الكرام، متابعة لموضوع الخطبة السابقة التي كانت حول الفتن ما ظهر منها وما بطن، وبينت لكم في الخطبة السابقة، وبينت لكم في الخطبة السابقة كيف أن العالم انقسم إلى قسمين مؤمن وكافر، محسن ومجرم، صادق وكاذب، رحيم ومتجبر، وهذا الانقسام إلى قسمين يتضح من حديث كان محور الخطبة السابقة:

(( تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا... ))

 وذكرت أنواع الفتن التي ابتلي بها المسلمون، وقلت: الشاشة فتنة، والإنترنت فتنة، والجوال فتنة، يستخدم استخدامات خطيرة جداً، وقلت: المرأة في الطريق فتنة، والصحف فتنة، والمجلات فتنة، والاختلاط فتنة.

(( تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ ؛ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ، مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا، لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ ))

(( كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا ))، إناء مقلوب على فمه، لا يعي على خير، ولا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً، وأي قلب أنكرها كان هذا القلب أبيض صافياً لا تضره فتنة.

العالم قسمان

 الموضوع الأول: انقسام العالم إلى قسمين، المساحة الرمادية بين الأبيض والأسود اختفت الآن

من سمات العصر انقسام العالم لقسمين

فإما أن ترى امرأة شبه عارية، أو ولية لله عز وجل، في حجابها وعلمها، وفقهها وقرآنها وطاعتها لربها، وإما أن ترى شاباً معلقاً بالمساجد، معلقاً بفعل الخيرات، معلقاً بمتابعة العلم، معلقاً بأن يقدم لأمته شيئاً، أن يكون شيئاً مذكوراً، أو شابا ساقطا في وحل الرذيلة، هذا من سمات العصر، وقد أشار النبي عليه الصلاة والسلام إلى هذا المعنى.

أحاديث نبوية في موضوع الفتن

الحديث الأول:

 أيها الإخوة الكرام، متابعة لهذا الموضوع:
 يقول رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ، أَلَا ثُمَّ تَكُونُ فِتْنَةٌ ـ يبدو أن هذه الفتنة شيء خطير جداً ـ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي فِيهَا، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي إِلَيْهَا، أَلَا فَإِذَا نَزَلَتْ، أَوْ وَقَعَتْ فَمَنْ كَانَ لَهُ إِبِلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ، قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِبِلٌ وَلَا غَنَمٌ وَلَا أَرْضٌ ؟ قَالَ: يَعْمِدُ إِلَى سَيْفِهِ فَيَدُقُّ عَلَى حَدِّهِ بِحَجَرٍ، ثُمَّ لِيَنْجُ إِنْ اسْتَطَاعَ النَّجَاة ))

[ مسلم، أبو داود، أحمد عن أبي بكرة]

إياك أن تكون طرفاً في فتنة

 المعنى الإجمالي: إياك، ثم إياك، ثم إياك، في زمن الفتن أن تكون طرفاً في خطة لإفقار المسلمين، أن تكون طرفاً، أن تكون مساهماً، لإضعافهم، أو لإضلالهم، أو لإفسادهم، أو لإذلالهم، أو لإبادتهم، فالمسلم الذي يتعامل مع أعداء المسلمين لإضعاف المسلمين، لكشف عوراتهم لاكتشاف أماكن الضعف فيهم، الذي يتعاون مع أعداء المسلمين مثله كهذا المنديل، تمسح به أقذر عملية، ثم يرمى في المهملات.
 إياك أن تكون طرفاً في فتنة
أيها الإخوة الكرام، أتمنى على الله عز وجل أن تسهم في بناء هذه الأمة، أن تحمل همومها، أن تخفف من متاعبها، لا أن تكون طرفاً في إضعافها، أو إفقارها، أو إضلالها، أو إفسادها، أو إذلالها، أو إبادتها، قال تعالى:

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

( سورة إبراهيم:46 )

 هذه نقطة أولى.
 قَالَ أَبُو أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيُّ: سَأَلْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ فَقُلْتُ: يَا أَبَا ثَعْلَبَةَ، كَيْفَ تَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ؟ ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾، قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا، سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:

(( بَلْ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا ـ مادية مقيتة، يبيع الرجل أباه بدريهمات ـ وَهَوًى مُتَّبَعًا ـ غرق الناس في الشهوات إلى قمة رؤوسهم ـ وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ الْعَوَامَّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فِيهِ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِمْ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا، يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ ؟ قَالَ: أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ ))

 يخاطب أصحاب رسول الله.

[ أبو داود ]

 القابض على دينه كالقابض على الجمر، لكن أجره كأجر خمسين ممن عاشوا مع النبي عليه الصلاة والسلام، لماذا ؟ قال: لأنكم تجدون على الخير معواناً، ولا يجدون.

(( شُحًّا مُطَاعًا ))

 مادية مقيتة:

(( إِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِه ))

يقولون هذا عندنا غير جائز  فمن أنتم حتى يكون لكم عندُ

 كل واحد يجعل نفسه محور العالم، هو يحلل ويحرم باجتهاد منه، ولا يرجع إلى العلماء الربانيين، ولا إلى الصراط المستقيم، ولا إلى القرآن الكريم.
 أيها الإخوة الكرام، هناك رواية أحفظها:

(( إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوىً متبعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فالزم بيتك، وأمسك لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بخاصة نفسك ـ من يلوذ بك من أهلك، من أصدقائك، من إخوانك، من زملائك ـ ودع عنك أمر العامة ))

[ أبو داود عن أبي ثعلبة الخشني]

الحديث الثاني:

 أيها الإخوة الكرام، عن أُسَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَشْرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ:

(( هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى ؟ إِنِّي لَأَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ ))

[ أخرجه البخاري ]

فتنة لا تترك بيتاً إلا دخلته

 إِنِّي لَأَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ
لو أردنا أن نسقط هذا الحديث على بيئتنا: اصعد إلى جبل قاسيون، وانظر إلى مدينة دمشق، وانظر ماذا على أسطحها ؟ باستثناء قلة قليلة جداً ممن ضبطت هذه الشاشة، ماذا يفعل أهل البيوت إلى ساعة متأخرة من الليل ؟ ماذا يرون ؟ بماذا يستمتعون ؟ ما الذي يتغذون به ؟ ما هي المواقف الذين يتغذون بها ؟ ما هي الممارسات التي يعجبون بها ؟ قل لي ما الذي يغذيك من ثقافة أو من فكر أقل لك من أنت، إذا كانت شاشة الصغار فيها واحد وخمسون بالمئة من مشاهد العنف في شاشات العالم، وتسعة وثلاثون بالمئة من مشاهد الجنس في شاشات العالم، وما تبقى سحر وشعوذة، فماذا تنتظر من هذا الجيل ؟ هذا أيضاً من الفتن الكبرى، ما يعرض على الشاشة من مواقع هابطة، مواقع إباحية أو سحر وشعوذة، وهناك محطتان تدعيان علم الغيب، وتقولان لمن يشاهد: بعد عشرين يوما سيكون معك كذا، وخالق الأكوان يخاطب نبيه العدنان فيقول:

﴿ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾

( سورة الأنعام)

 إذا كان سيد الخلق وحبيب الحق لا يعلم الغيب أهناك أحدٌ في الأرض يعلم الغيب ؟
 أيها الإخوة الكرام، هذه قضية كبيرة فلذلك:

(( إِنِّي لَأَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ ))

 لا بد من الضبط، لا بد من الحازم، الضبط الشديد، وإلا الذي يغذي الصغار تراه في سلوكهم، وفي تصوراتهم، وفي مبادئهم المنحرفة، وفي قيمهم المهترئة.

الحديث الثالث:

 وفي الصحيح عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَال:

(( تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، فَقَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، قَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، قَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ ))

[ مسلم ]

الدجال، الغائب المنتظر

 الدجال من خالفت أعماله أقواله
أعماله خلاف أقواله، أعماله على عكس أقواله، يدخل جندي مع رفاقه إلى بيت فيغتصبون الفتاة، ويقتلون الأب والأم، ويحرقون المنزل بدعوى الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، فالذي نسمعه من الأقوياء يفعلون عكسه، أتوا إلى بيت، ونهبوا ثرواته من أجل أسلحة الدمار الشامل، واستخدموا هم أسلحة الدمار الشامل، استخدموا اليورانيوم المخضب، والقنابل الفسفورية لإبادة الناس، هذا هو الدجال، وكأن الوصف النبوي لإنسان في آخر الزمان هو الأعور الدجال، مع الاحتفاظ بالمعنى الذي جاء به العلماء حول هذا الإنسان، كلمة أعور دجال لها معنى واسع جداً، الذي يرى مصلحته، ولا يرى مصالح الآخرين، يحافظ على كرامته، ولا يحافظ على كرامة الآخرين، يرسخ ثقافته، ويمحو ثقافة الآخرين، يغني بلده، ويفقر الآخرين، هذا أعور ودجال، يتكلم بخلاف الواقع.

الحديث الرابع:

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا، هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا ؟ أَوْ غِنًى مُطْغِيًا ؟ أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا ؟ أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا ؟ أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا ؟ أَوْ الدَّجَّالَ ؟ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوْ السَّاعَةَ ؟ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ))

[ أخرجه الترمذي والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة ]

الحديث الخامس:

 أيها الإخوة الكرام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ، وَلَا الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ، فَقِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ ؟ قَالَ: الْهَرْجُ، الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ ))

[ مسلم ]

 واليوم يومياً في مئة قتيل يومياً وإلى ما شاء الله، هذه فتنة القتل.

فتنة الفتاوى المضلة:

 image
وتكثر الفتن، ويكثر الهرج، ويرفع العلم، أن يصدر كتاب في بلد عربي مسموح به يصف إله محمد بأنه قمعي، لم يقبل إلها آخر معه، لا إله إلا الله، أما آلهة قريش فهم ديمقراطيون، كل واحد منهم يقبل الآخر، أيّ جهل هذا ؟!
أما أن يقال لموظفة من أجل أن تصح خلوتها بموظف: أرضعيه، عمره خمس وثلاثون سنة، وهي عمرها خمس وعشرون، أرضعيه لتصح الخلوة بينكما، هذا كلام من ؟ فَهِم من حديث شريف له شرح طويل، وله ملابسات كثيرة، وفيه توجيهات رائعة، ولكن أخذ هذا الحديث على ظاهره، وأصدرت فتوى في هذا الموضوع.
 تكثر الفتن، ويكثر الهرج، ويرفع العلم، فلما سمع عمر أبا هريرة يقول: يرفع العلم قال عمر: << أما إنه ليس ينزع من صدور الرجال، ولكن يذهب العلماء >>.
 كلما ذهب عالم لم يظهر بعده عالم شبيهاً له.


الحديث السادس:

 من الفتن أيضاً يقول عليه الصلاة والسلام:

((سيكون بعدي سلاطين الفتن، على أبوابهم كمبارك الإبل، لا يعطون أحداً شيئاً إلا أخذوا من دينه مثله ))

[ الجامع الصغير بسند ضعيف ]

كلمة الحق عند السلطان الجائر

 عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ:

(( بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ ))

[ متفق عليه ]

 لذلك عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ ))

[ أبو داود ]

لا بد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

لابد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

(( إِنَّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقُولُ: يَا هَذَا اتَّقِ اللَّهَ، وَدَعْ مَا تَصْنَعُ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكَ، ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنْ الْغَدِ فَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، ثُمَّ قَالَ: ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ إِلَى قَوْلِهِ فَاسِقُونَ ﴾، ثُمَّ قَالَ: كَلَّا وَاللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيْ الظَّالِمِ، وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا، وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا ))

[ أبو داود ]

 قال تعالى:

﴿ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾

( سورة الزخرف)

 لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( وَاللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيْ الظَّالِمِ، وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا.... أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ بِقُلُوبِ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ، ثُمَّ لَيَلْعَنَنَّكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ ))

فتنة الحروب الأهلية والفتن الطائفية

 أيها الإخوة الكرام، الآن الظاهرة الخطيرة الحروب الأهلية، قال تعالى:

﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾

( سورة الأنعام)

 بل إن فرعون ورقته الرابحة كانت الفتن الطائفية، قال تعالى:

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً ﴾

( سورة القصص)

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾

( سورة الأنعام)

﴿ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ *مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾

( سورة الروم)

الحديث السابع:

 أيها الإخوة الكرام، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( تَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا، وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا، وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ أَقْوَامٌ دِينَهُمْ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا ))

[ الترمذي]

ييع أقوام دينهم بعرض من الدنيا

 هذا الذي يملك خارطة لبلدة في فلسطين، وعلى كل بيت رقم، ويخبر أعداء المسلمين أن فلانا الفلاني في بيت رقمه سبعة وعشرون، ويأتي صاروخ فيدمر البيت، ويقتل هذا الإنسان الذي أراد أن يهز كيان العدو، ويأخذ خمسة آلاف دولار، ألم يبع دينه بعرض من الدنيا قليل ؟
يَبِيعُ أَقْوَامٌ دِينَهُمْ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا
والله هناك أمثلة لا تعد ولا تحصى، هذا الذي يعاون الأعداء مقابل مبلغ كبير جداً، ألم يبع دينه بعرض من الدنيا قليل ؟ ألم يصبح مؤمناً، ويمسي كافراً، ألم يمسِ مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل.
 هل تصدقون أيها الإخوة أن جزءًا كبيراً من قوة العدو المعلومات التي معه، من أين أخذها ؟ نحن إذاً مخترَقون، من أين أخذها ؟ من أناس باعوا دينهم وآخرتهم ومبادئهم وقيمهم وإسلامهم بعرض من الدنيا قليل.
 مرة ثانية، الذي يتعاون مع أعداء المسلمين من أجل إضعاف المسلمين، أو إفقار المسلمين، أو إضلال المسلمين، أو إفساد المسلمين، أو إبادة المسلمين، أو إذلال المسلمين، كهذا المنديل تمسح به أقذر عملية، ثم يلقى في المهملات.
 أنت مؤمن، يجب أن تحمل همّ هذه الأمة، يجب أن تصون كرامتها، يجب أن تصون مصالحها، يجب أن يكون ولاءك لها، الدين في النهاية ولاء وبراء، يجب أن توالي المؤمنين، ولو كانوا ضعافاً وفقراء، ولو كان الحديث عنهم لا يرضي كثيراً، ولو أن سمعتهم في العالم لا ترضي كثيراً، يجب أن توالي المؤمنين، وأن تتبرأ من الكفار والمشركين، ولو كانوا أذكياء جداً، ولو كانوا أقوياء، ولو كانوا أغنياء جداً، الدين ولاء وبراء، لذلك:

(( تَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا، وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا، وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ أَقْوَامٌ دِينَهُمْ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا ))

 الذي يوافق على عرض سيئ جداً مقابل عمولة عالية جداً ألم يبع دينه بعرض من الدنيا قليل ؟

لماذا تخلى الله عنا ؟

 لعلكم تقولون: لماذا تخلى الله عنا ؟ هناك أسباب كبيرة جداً توجب أن يتخلى الله عنا، حينما يقول الله عز وجل:

تخلى الله عنا لانحرافنا عن منهج الحق

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾

( سورة النور)

 نحن لسنا مستخلفين، ولسنا ممكَّنين، ولسنا آمنين، لأنه:

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

( سورة مريم)

 أيها الإخوة الكرام، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( إِنَّ مِمَّا أَخْشَى عَلَيْكُمْ شَهَوَاتِ الْغَيِّ فِي بُطُونِكُمْ وَفُرُوجِكُمْ وَمُضِلَّاتِ الْفِتَنِ ))

[ أحمد ]

 الآن تطرح فتن عقدية لا تعد ولا تحصى، منها إلغاء السنة، منها التأويل المنحرف للنصوص الثابتة، منها تمييع الإسلام، الإسلام كيان واضح متمايز، صار الإسلام غازًا يدخل في كل شيء، يقبل أي معصية، يقبل أي انحراف، يقبل أي تفلت، ويبقى في الإسلام.

هكذا يعمل أعداءنا لتفجير الإسلام

 لذلك أيها الإخوة، حينما احتال أعداء الإسلام على الإسلام عن طريق الفتاوى، وعن طريق إلغاء السنة، وعن طريق التأويل الخاطئ المنحرف فجروه من الداخل، فجروه من الداخل.
 أيها الإخوة الكرام، همّ الطرف الآخر أن يبدل هذا الدين، أن يبقى دين فلكلورٍ، دين إطار فني، دين تقاليد، دين عادات، يبقى دينًا يسمى تراثاً عند أعداء الدين.

الحديث الثامن:

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))

[ مسلم ]

فتنة السحر والشعوذة والخزعبلات

 دول إسلامية عديدة تعتمد برامج تؤمن بالنجوم، يسألونك: أي برج أنت ليحدثوك عن مستقبلك ـ هذا كلام لا أصل له، كلام دجل وشعوذة، محطات إذاعية، فضائيات تعتمد الدجل والسحر والشعوذة، وعليها إقبال شديد، يستغلون جهل العامة، اسمعوا الحديث:

من الجهل في الدين اتباع المنجمين

(( مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))

 وفي حديث آخر عَنْ صَفِيَّةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ))

[ مسلم ]

 برامج في الإذاعة والمجلات، وحظك هذا الأسبوع، وفضائيات متخصصة بهذا الموضوع، والناس يقبلون عليها إقبالا شديدا، هذا برج الثور، وهذا برج العقرب، وهذا برج يحسب له، والآن هناك دورات على الاسم، يأخذ اسمه واسم زوجته، يقول: ليس هناك وفاق، حتى صار الوفاق الزوجي لا علاقة له بالاستقامة، ولا علاقة له بالعفة، له علاقة بحروف الاسم، والإنسان اسمه ما بيده، أبوه سماه بهذا الاسم، وتقام دورات حتى يتعلم الناس مثل هذا، ويأخذ حروف الاسم مع حروف المخطوبة، يدرسها، ويقول له: لا وفاق بينكما، ولا سعادة زوجية، كلهم مثقفون، واختصاصيون، ومعهم شهادات عليا.
 والله هناك هبوط ثقافي أيها الإخوة، وهناك جهل بالدين لا يعلمه إلا الله، فكما أن عالم الدين قد يكون أمياً إذا أعطِي تخطيط قلب لا يفهم منه إطلاقاً، نقول: أنت يا عالم الدين مع احترامنا الكبير أنت أمي في فهم هذا التقرير، هذا تمهيد، وبالمقابل وأنت أيها المثقف الكبير لأنك لم تطلب العلم من علماء ربانيين فأنت أمي لا تفقه شيئاً.

قصة وعبرة

 أيها الإخوة الكرام، استمعوا إلى هذه القصة التي جرت مع الإمام علي رضي الله عنه، قال مسافر بن عوف بن الأحمر لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه حين انصرف من الأنبار إلى أهل النهروان: << يا أمير المؤمنين، لا تَسِر في هذه الساعة، وسر في ثلاث ساعات تمضين من النهار، قال علي: ولمَ ؟ قال: لأنك إذا سرت في هذه الساعة أصابك أنت وأصحابك بلاء وضر شديد، وإن سرت في الساعة التي آمرك بها ظفرت، وظهرت، وأصبت ما طلبت، فقال علي رضي الله عنه: ما كان لمحمد صلى الله عليه وسلم منجِّم، ولا لنا بعده، هل تعلم ما في بطن فرس هذه ؟ قال: إن حسبت علمت، قال: من صدقك بهذا كذب القرآن، لا تسر في هذه الساعة، فيها مشكلة كبيرة، سر بعد ثلاث ساعات، من صدقك بهذا فقد كذب القرآن، قال تعالى:

﴿ إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾

 ما كان محمد صلى الله عليه وسلم يدعي علم ما ادعيت علمه، تزعم أنك تهدي إلى علم الساعة التي يصيب السوء من سافر فيها ؟ قال: نعم، قال: من صدقك بهذا القول استغنى عن الله، وعن صرف المكروه عنه، وينبغي للمقيم بأمره أن يوليك الأمر من دون الله ربه، لأنك تزعم هدايته إلى الساعة التي ينجو بها من السوء من سافر فيها، فمن آمن بهذا القول كمن اتخذ من دون الله نداً وضداً، اللهم لا طائر إلا طائرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك، نكذبك، ونخالفك، ونسير في هذه الساعة التي تنهانا عنها، ثم أقبل على الناس، فقال: أيها الناس، إياكم وتعلم هذه النجوم، إلا ما يهدي في ظلمات البر والبحر، فإن المنجم كالكافر، والكافر في النار، ولئن بلغني أنك تنظر في النجوم، وتعمل بها لأخلدنك في الحبس ما بقيتُ وبقيتَ، ولحرمناك العطاء ما كان لي سلطان، ثم سار في الساعة التي نهاه عنها فأتى أهل النهروان، وانتصر عليهم، ثم قال: لو سرنا في الساعة التي أمرنا بها فظفرنا لقال قائل: سار في الساعة التي أمره به المنجم، وألغي نصر الله عز وجل، ما كان لمحمد صلى الله عليه وسلم منجم، ولا لنا بعده، ففتح لنا الله بلاد كسرى وقيصر وسائر البلاد، أيها الناس توكلوا على الله، وثقوا به فإنه يكفي مما سواه >>.
 والله لولا أن هذه القضايا قضايا الأسماء والأرقام، وقضايا البروج منتشرة في تسعين بالمئة من المسلمين وحتى عند مثقفيهم لما ذكرت هذا، وهناك نكسة إيمانية كبيرة جداً، وتخلف عقدي عند المسلمين.

طرق الحرام ميسرة

(( أَلَا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ثَلَاثًا ـ يحتاج إلى جهد، فيه متاعب وكلفة، أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ ـ وفي رواية بشهوة، يكفي أن تسترخي، وأن تأكل ما تشتهي، وأن تلتقي مع من تشتهي، وتبصر ما تشتهي من دون رادع، من دون قيم، من دون مبادئ ـ أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ ))

 الكسب الحلال من نعم الله عز وجل
يقول عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه الإمام البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ ))

 الذي له حرفة نظيفة لا علاقة لها بمشكلات المسلمين، لا تبنى هذه الحرفة على ابتزاز أموال الناس، ولا على إدخال الرعب في قلوبهم، له حرفة، يقدم للناس طعاماً أو شراباً أو كساءً، حرفته نظيفة، ولا علاقة لها بمصير المسلمين، وليس طرفاً في مؤامرة قذرة، الذي له حرفة شريفة فيها نفع عام فليسجد لله شكراً له على أنه أقامه في هذه الحرفة، لذلك عَنْ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: وايْمُ اللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنِ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنُ، وَلَمَنْ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ فَوَاهًا ))

[ أبو داود ]

 وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي عليه الصلاة والسلام:

((إن لله تعالى ضنائن من خلقه، يغذوهم في رحمته، يحييهم في عافية، ويميتهم في عافية، وإذا توفّّاهم توفّاهم إلى جنته، أولئك الذين تمر عليهم الفتن كقطع الليل المظلم، وهم منها في عافية ))

[ الطبراني ]

 بيتك الآن كهف، وجامعك كهف، قال تعالى:

﴿ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً ﴾

(سورة الكهف)

 آوِ إلى بيتك، واعبد ربك، وربّ أولادك، وآوِ إلى مسجدك، استمع إلى العلم، ونفذ هذا العلم، واتصل بالله عز وجل.

من فضائل بلاد الشام

 وإذا كنت من أهل الشام فهذه والله نعمة كبيرة، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( بَيْنَا أَنَا فِي مَنَامِي أَتَتْنِي الْمَلَائِكَةُ فَحَمَلَتْ عَمُودَ الْكِتَابِ مِنْ تَحْتِ وِسَادَتِي فَعَمَدَتْ بِهِ إِلَى الشَّامِ، أَلَا فَالْإِيمَانُ حَيْثُ تَقَعُ الْفِتَنُ بِالشَّامِ ))

[ أحمد عن عمرو بن العاص ]

 وترون ماذا يحصل لما حولنا، ونحن إن شاء الله نسأل الله، ونشكره على نعمة الأمن في هذا البلد، وابتعدوا عن كل مواطن الفتن ما ظهر منها وما بطن،

(( بَيْنَا أَنَا فِي مَنَامِي أَتَتْنِي الْمَلَائِكَةُ فَحَمَلَتْ عَمُودَ الْكِتَابِ مِنْ تَحْتِ وِسَادَتِي فَعَمَدَتْ بِهِ إِلَى الشَّامِ، أَلَا فَالْإِيمَانُ حَيْثُ تَقَعُ الْفِتَنُ بِالشَّامِ ))

 كأن هذه البلدة في حفظ الله عز وجل إن شاء الله.

فضل جماعة المسلمين

 لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

الخير كله في الجماعة

(( يا أيها الناس، عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمر به، وإنما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة ))

[ ورد في الأثر ]

 لا تقل: أنا لا أحب أن أنضم إلى جماعة، أنا حر مستقل، لو أن لها متاعب، لكن خيراتها أضعاف مضاعفة عن متاعبها، لعل من متاعبها الالتزام، إذا ما جئت إلى درس يسألون عنك من محبتهم لك، ليس لك جماعة، لا أحد يسألك إطلاقاً.
 حدثنا أخ كنا معه في أمريكا، في بلدة منها رجل مسلم ما زار المسجد أبداً، مات، سبعة أيام ما عرف أحد حتى فاحت رائحته النتنة، لو كان له صلات بالمركز الإسلامي لتفقده أصحابه، وكانوا غسلوه، ودفنوه، وشيعوه تشييعا معقولا، فأنت لا تقل: لا علاقة لي بأحد، يجب أن تكون مع المؤمنين، لكن ما لم يكن انتماءك لمجموع المؤمنين فلست مؤمناً، الانتماء لمجموع المؤمنين، لكن لك جامع قريب من بيتك تأوي إليه، لك ثقة بخطيب، بإمام، لا مانع كإنسان له أم، وهناك آلاف الأمهات الصالحات غير أمه، الانتماء إلى مجموع المؤمنين، لكن لك جامع، لك مرجع، لك إنسان تثق بعلمه، بورعه، باستقامته، تسأله.

المخرج من الفتنة

 آخر شيء في الخطبة: عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قِيلَ:

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمَّتَكَ سَتُفْتَتَنُ مِنْ بَعْدِكَ، قَالَ: فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ سُئِلَ: مَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا ؟ قَالَ: الْكِتَابُ الْعَزِيزُ الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ، مَنْ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ وَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ مِنْ جَبَّارٍ فَحَكَمَ بِغَيْرِهِ قَصَمَهُ اللَّهُ، هُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ، وَالنُّورُ الْمُبِينُ، وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، فِيهِ خَبَرُ مَنْ قَبْلَكُمْ، وَنَبَأُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، وَهُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ، وَهُوَ الَّذِي سَمِعَتْهُ الْجِنُّ فَلَمْ تَتَنَاهَ أَنْ قَالُوا: ﴿ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ ﴾، وَلَا يَخْلَقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا تَنْقَضِي عِبَرُهُ، وَلَا تَفْنَى عَجَائِبُهُ ))

 

المخرج من الفتنة أن نصطلح مع الله ونعود إلى القرآن الكريم

الحل أن نصطلح مع الله وأن نعود إلى القرآن الكريم كمنهج كبير.
 أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المستغفرين، أستغفر الله.

* * *

الخطبة الثانية
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أحدث الفتن من علم الغيب

 أيها الإخوة الكرام، هذه الأحاديث من نوع أن النبي عليه الصلاة والسلام أعلمه بما سيكون، النبي عليه الصلاة والسلام لا يعلم بذاته إلا أن يعلمه الله، وإعلام الله لنبيه الكريم يبعث في النفس طمأنينة، إلا أن هذا الذي يجري هو في علم الله، وهو فتنة كبيرة، لكن البطل هو الذي ينجو منها، حينما تأوي إلى بيت من بيوت الله، حينما تطلب العلم، حينما تلتزم بهذا العلم، حينما تجعل بيتك إسلامياً، حينما تجعل عملك إسلامياً، حينما تقيم الإسلام في نفسك، وفي بيتك، وفي عملك، حينما تربي أولادك، حينما يكونون قرة عين لك، عندئذ تعرف قيمة المرجعية الإسلامية للمؤمنين.
 هناك ظاهرة ذكرتها قبل قليل: قد يحمل الرجل الدكتوراه، يحمل شهادة، يظن نفسه أحاط بعلم الأولين والآخرين.

قل لمن يدعي في العلم فلسفة  حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء
***

 مرة إنسان عاد من الحج لتوه، ويحمل دكتوراه، ويشغل أعلى منصب في بلد عربي، قال: والله الحج رائع، ولكن أنا أقترح على الإخوة في بلاد الحج أن يجعلوه على خمس دورات دفعاً للتزاحم، وهو يحمل الدكتوراه، ويحمل شهادة عليا، ويحتل منصبًا رفيعًا، وظن قضية الحج قضية بيد العلماء، أن يجعلوه على خمس دورات، كل شهرين دورة، فيخف الازدحام، إذاً هو يجهل ما علم من الدين بالضرورة.

البطولة في التطبيق

 البطولة في التطبيق
أيها الإخوة، هذه الأحاديث والآيات ليست لأخذ العلم، ولكن للتطبيق، والبطولة أن تطبق ما سمعت، تماماً كما لو قلت: ألف مليون، بين أن تنطق بها وأن تملكها مسافة كبيرة جداً، مسافة لا تقدر بين أن تنطق بألف مليون بالعملة الصعبة، وبين أن تملكها، أن تنطق بها، وقد تكون أفقر الناس، الحديث في الدين سهل، لا يكلف شيئًا، أما حينما تطبق أحكام الدين تقطف ثماره.
 الحقيقة من يمنعك أن تكون صادقاً، وأن تكون أميناً، وأن تكون عفيفاً، ومن يمنعك أن تربي أولادك، من يمنعك أن تقيم الإسلام في بيتك، هذا كله ضمن إمكانيتنا، المشكلة أن المسلمين أهملوا ما هم قادرون عليه، وحشروا أنوفهم فيما ليسوا قادرين عليه، والله عزوجل ما كلفك فوق ما تطيق، قال تعالى:

﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾

( سورة الزمر )

﴿ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾

( سورة الأعراف)

 تنتهي مهمتك حينما تقيم أمر الله في نفسك، وفي بيتك، وفي عملك، انتهى الأمر، وعندئذ نكون قد دفعنا ثمن النصر، أنا أدعو وأقول: اللهم انصرنا على أنفسنا حتى ننتصر لك، حتى نستحق أن تنصرنا على أعدائنا.

الدعاء

  اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، خذ بيد ولاة المسلمين لما تحب وترضى يا رب العالمين، إنك على ما تشاء قدير، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، لا تأخذنا بالسنين، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين، اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، دمر أعداءك أعداء الدين اجعل تدميرهم في تدبيرهم، اجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين، انصر عبادك المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها، وفي شمالها وجنوبها، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018