الدرس : 06 - سورة الزمر - تفسير الآية: 10 العبودية لله والتوحيد. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 06 - سورة الزمر - تفسير الآية: 10 العبودية لله والتوحيد.


1993-02-19

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الله عزَّ وجل نسب العِباد إلى ذاته تكريماً لهم وتشريفاً :

 أيها الأخوة الأكارم، مع الدرس السادس من سورة الزُمَر، ومع الآية العاشرة وهي قوله تعالى:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

 أولاً كلمة قل، أي يا محمد قل لهم فإنما أنت مبلِّغ، الشيء الثاني:

﴿ يَا عِبَادِ ﴾

 طبعاً هناك ياء محذوفة تخفيفاً، فبالأساس يا عبادي، (قل يا عبادِ)، الله عزَّ وجل نسب العِباد إلى ذاته تكريماً لهم، تكريماً وتشريفاً، (قل يا عبادِ)، وكلكم يعلم أن كل إنسان عبدٌ لله شاء أم أبى، من العبودية بمعنى: أنه مقهور، أي أن حياة الإنسان ليست ذاتية، حياته متوقفة على ظروف كثيرة جداً بيد الله عزَّ وجل، فما من عضوٍ، ما من حاسةٍ، ما من جهازٍ، ما من غُدَةٍ، ما من عضلةٍ، ما من خليةٍ، ما من نسيجٍ إلا بيد الله، والأمراض لا تعدُّ ولا تحصى، النُسُج بيد الله، هذه النسج قد تنمو نمواً عشوائياً، وحتى هذه الساعة لا يزال العِلم عاجزاً عن إدراك سبب هذا المرض. هذه الغدد الصمَّاء أوزانها ضئيلة، لكن لها أعمالٌ خطيرة، فلو أن غدةً تعطَّلت، لانقلبت حياة الإنسان إلى جحيم، هذه الأعضاء؛ القلب، الرئتان، الكليتان، المعدة، الأمعاء، الدماغ، العمود الفقري، الأعصاب، آلاف آَلاف الأمراض، آلاف آَلاف أنواع الخَلَل التي إذا أصابت أحد الأعضاء، أو أحد الأجهزة، أو أحد الأطراف، أو أحد النُسُج، أو إحدى الخلايا انقلبت حياة الإنسان إلى جحيم.

كلّ إنسانٍ هو عبد لله بمعنى أنه مقهور :

 هذا الجهاز، جهاز المناعة الذي يكثر الحديث عنه اليوم لوجود مرضٍ يضعف هذا الجهاز، نقصٌ في جهاز المناعة المُكْتَسَب، هذا المرض يجعل حياة الإنسان جحيماً، إذاً فكل إنسان عبد لله عزَّ وجل، لكن الإنسان إذا عرف الله؛ عرفه من خلال الكون، من خلال القرآن، من خلال أفعال الله عزََّّ وجل، من خلال الاتصال بالله عزَّ وجل، إذا عرف الله عزَّ وجل وقدَّره حق قدره، وأتى إليه طائعاً، منيباً، راجعاً، مقبلاً، تائباً، هذا عبدٌ من نوعٍ آخر، هذا العبد جمعه عباد، وذاك العبد جمعه عبيد، فكل إنسانٍ مؤمناً كان أم كافراً هو عبد لله بمعنى أنه مقهور:

﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾

[سورة الأنعام: 18]

 العباد مقهورون بالموت، ما من إنسان إلا ويموت؛ عظيماً كان أو حقيراً، غنياً كان أو فقيراً، عالماً كان أو جاهلاً، قوياً كان أو ضعيفاً، كل مخلوقٍ يموت، فالإنسان مقهور بالموت، لكن العبد الذي أراده الله عزَّ وجل، هو ذلك العبد الذي أتاه طائعاً، الذي عرفه وهو في صحةٍ تامَّة، وفي بحبوحة، وفي مقتبل حياته، في شبابه، ريح الجنة في الشباب، إن الله ليباهي الملائكة بالشاب المؤمن، يقول: انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي. ذاك هو العبد، فربنا عزَّ وجل إذا قال:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِ ﴾

 أي يا محمد خاطب هؤلاء الذين آمنوا بي.

 

المؤمن كلما ارتقى إيمانه تعامل مع الله تعاملاً صادقاً وأصغى أذنه :

 

 

 

 قال تعالى:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

 الله عزَّ وجل كما تعرفون يخاطب الناس بأصول الدين، ويخاطب المؤمنين بفروع الدين؛ يا من آمنت بالله خالقاً، يا من آمنت به مُرَبِّيَاً، يا من آمنت به مسيِّراً، يا من آمنت بوحدانيِّته، يا من آمنت بكماله، يا من آمنت بعظمته، بحكمته، بلطفه، برحمته، بقوته، بعدله، بغناه، يا من آمنت بأنه أعد لك حياةً:

(( فيها ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 هذا الذي آمن:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

 لا أعرف أن أحداً من الناس إذا كان ماشياً في الطريق وقال له شخص: يا أخ، أو يا فلان الفلاني إلا ويلتفت حوله، ألا يتَّجه إليه، إنسان إذا خاطبك، وأحياناً طفلٌ صغير يقول لك: يا عم كم الساعة؟ تستحي أن تسكت، تستحي أن لا ترد عليه، وقد تكون حاملاً في يدك اليسرى حاجةً ثقيلة تنقلها إلى اليد الأخرى وتقول له: الساعة كذا، والإلهٌ العظيم خالق الأكوان يخاطبك فاستمع إليه: فهنا السؤال الوجيه: يا أيها المؤمن إذا قرأت هذه الآية ألا تشعر بشيء؟ ألا تشعر أنك معنيٌ بالخطاب؟ ألا تشعر أن الله يخاطبك؟ يطلب منك إلهك، ربك، خالقك، مرَبِّيك أن تصغي بسمعك إليه:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

 لذلك فالمؤمن كلما ارتقى إيمانه أُرْهِفَت أحاسيسه، كلما ارتقى إيمانه تعامل مع الله تعاملاً صادقاً، كلما ارتقى إيمانه أصغى أذنه.

علامة إصغائك إلى نداء الله توبتك :

 الآية الكريمة التالية هي من أروع الآيات:

﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾

[ سورة التحريم: 4 ]

 علامة إصغائك إلى نداء الله توبتك، علامة الإصغاء التوبة، فإن لم تتب أنت لم تصغِ إلى الله عزَّ وجل،

﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ ﴾

 والذي يستمع إلى الحق ولا يستجيب فكأنه ما استمع إليه، وتراهم يستمعون إليك وهم لا يسمعون:

﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾

[ سورة الأنفال: 21 ]

 الضال لا يسمع، مرة ضربت مثلاً أن إنساناً يقف على كتفه عقرب، والعقرب لدغتها قاتلة في أغلب الأحيان، قاتلة، أجل لدغتها قاتلة، وقال لك رجل: انتبه أيها الأخ العقرب على كتفك، فأنت إن استمعت إلى كلامه وبقيت هادئاً متوازناً، وابتسمت في وجهه وقلت له: أنا أشكرك على هذه الملاحظة القيَّمة، وأنا ممتنٌ من حرصك على سلامتي. يا ترى أهذا الكلام يدل على أن المتكلم سمع ماذا قال المُنَبِّه؟ لا والله، فما دام بقي هادئاً، وبقي مطمئناً، وابتسم ابتسامة مجاملةٍ، وقال للذي نبَّهَهُ: أشكرك على حرصك على سلامتي، فهو لم يعرف: ما معنى عقرب؟ ولا عرف أين هي العقرب؟ رغم أنه سمع الكلام ولكنه لم يدرك محتواه، والحق أن مقياس صحة السماع الاستجابة، فهنا:

﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾

[ سورة التحريم: 4 ]

علامة إيمان أحدكم أنه إذا قرأ أية آيةٍ مُصَدَّرَةٍ بـ (يا أيها الذين آمنوا) يصغي ويستجيب:

 طبعاً هنا:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

 أنتم معنيّون بالخطاب، بل إن علامة إيمان أحدكم أنه إذا قرأ هذه الآية، أو أية آيةٍ مُصَدَّرَةٍ بـ: (يا أيها الذين آمنوا) يصغي ويستجيب، أما إن لم يستجب فهو لم يصغِ، وإن لم يصغِ فما قرأ القرآن، رب تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه، تعلموا ما شئتم فو الله لن تؤجروا حتى تعملوا بما علمتم، كل علمٍ وبالٌ على صاحبه ما لم يعمل به.

((والعلم علمان: علم في القلب فذلك العلم النافع، وعلم على اللسان فذلك حجة الله على ابن آدم ))

[الجامع الصغير عن جابر]

 أجل، حجةً عليه، إذاً:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

 الآن ما هو الأمر؟ الأمر:

﴿ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ﴾

 فاتقوا فعل أمر، والمضارع يتَّقي، والماضي اتَّقى، واتقى فعل ماضٍ مزيد، على وزن افتعل، مجرَّده وقى، أي قِ نفسك من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة بطاعة الله، كلمة وقى فيها شيئان، فيها خوف من خطر، وفيها حركة لدرء هذا الخطر، نفهم من كلمة وقى أن إنساناً أدرك خطراً وبحث عن سبيلٍ للخلاص من هذا الخطر.

﴿ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ﴾

 أي أطيعوه كي تسلموا من عذاب الدنيا، اتقوا عذابه بطاعته، ولك أن توسِّع معنى هذه الآية؛ أي اتقِ الاضطراب النفسي بطاعته، اتقِ الشرك بالتوحيد، اتقِ الكُفر بالإيمان، اتقِ اضطراب النفس بتوجيهها إلى الله، اتقِ خسارةً محققةً في التجارة بتطبيق منهج الله، اتقِ شقاءً زوجياً بتحكيم القرآن والسنة في زواجك، اتقِ سقوطك بين الناس بتعلُّقِكَ بمكارم الأخلاق، هكذا، فكلما أطعت ربك في جهةٍ حصَّلت نتائج باهرة من جهةٍ أخرى.

يجب ألا نخالف قوانين وسنن الله عز وجل ونحترمها ونتخذها مقياساً :

 بالمناسبة نحن على أبواب رمضان، ورمضان شهر التقوى.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 183]

 لعلكم تتقون الله، لعلكم تطيعونه فتستحقون سلامة الدنيا وسعادتها، وسلامة الآخرة وسعادتها.

﴿ قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ ﴾

 الأمر واسع جداً، اتقِه في صحتك، مستحيل أن ترى إنساناً يطلب من الله الصحة وهو يخالف القوانين التي قنَّنها الله عزَّ وجل، من يعرف هذه القوانين؟ الطبيب، أسمع أحياناً من أخوان كرام أن والده يدخِّن تدخيناً كثيفاً، أسمع من بعض الأخوان أن والده لا يعبأ بكل تعليمات الطبيب، ثم يصاب فجأةً بمرضٍ عضال، فيقول: يا رب ماذا فعلت؟ نقول له بدورنا: لقد فعلت كل شيء، خالفت القوانين التي قننها الله عزَّ وجل، أنت خالفت السُنَن التي سَنَّها الله عزَّ وجل، حتى في أمر صحتك ما لم تأخذ بهذه القوانين وتحترمها وتتخذ هذا مقياساً، فأنت لست متقياً الله عزَّ وجل.
 لذلك النبي علمنا أن الإنسان إذا نام على سطح غير مسوَّر، فوقع فدقت عنقه مات عاصياً، والنبي عليه الصلاة والسلام مرةً قال لأصحابه: من كان جَمَلُهُ حروناً فلا يصحبنا. ولقد ركب صحابيٌ ناقةً حروناً، فرمته من على ظهرها فدقت عنقه، والنبي لم يصل عليه لأنه مات عاصياً، الله عزَّ وجل يقول:

﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾

[سورة البقرة: 195]

 ويقول أيضاً:

﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ﴾

[سورة النساء: 29]

بعض توجيهات النبي الكريم في الطعام والشراب والزواج والنظافة وما إلى ذلك :

 الآن نبدأ بالجسم، فإذا لم يطبق إنسانٌ تعليمات الطبيب، ولم يعتنِ بصحته، لأن رأسماله صحته، هي رأسماله في الدنيا، ومطيَّتُهُ إلى الآخرة، إذاً اتقوا ربكم أي نفذوا التعليمات النبوية، النبي الكريم له طب نبوي، وتوجيهات النبي عليه الصلاة والسلام في الطعام والشراب والزواج والنظافة وما إلى ذلك كثيرة، فمثلاً النبي الكريم قال:

((أبن القدح عن فيك ثم تنفس))

[لجامع الصغير عن أبي سعيد ]

((كان إذا شرب تنفس ثلاثاً ))

[لجامع الصغير عن أنس ]

 التعليمات النبوية دقيقة جداً، قال:

((إذا شرب أحدكم فليمص مصاً، ولا يعب عباً، فإن الكباد من العب ))

[لجامع الصغير عن ابن أبي حسين مرسلا]

 قال:

((بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ ))

[الترمذي عن مِقْدَامِ ابْنِ مَعْدِي كَرِبَ]

 التعليمات واسعة جداً، تعليمات متعلِّقة بصحتك، تعليمات متعلقة بزواجك، تعليمات متعلقة بتربية أولادك:

(( سووا بين أولادكم في العطية ))

[ أخرجه الحارث عن عبد الله بن عباس ]

 تعليمات متعلقة بجيرانك، تعليمات متعلقة بمن هم فوقك، بمن هم دونك، بمن هم حولك، تعليمات متعلِّقة بالمخلوقات.

(( إِنَّ اللهَ كتبَ الإحسانَ على كلِّ شيءٍ فَإِذا قَتلتُم فأحسِنُوا القِتلة، وَإِذا ذَبحتُم فأحْسِنُوا الذَّبحَ.. ))

[مسلم عن شداد بن أوس]

إذا عرفت الله وآمنت به فلا شيء يقدم على معرفة أمره :

 تجد الشرع كيفما تحرَّكت اهتم ببيان الأحكام شرعية: من أوامر، ومن نواهٍ، ومباحات، ومندوبات، وفروض، وسنن، فالله يخاطبك:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ ﴾

 وأنا أرى من السذاجة وضيق الأفق أن يمسخ الدين عند بعض الناس إلى صلاةٍ وصيامٍ وحجٍ وزكاة، الدين آلاف التعليمات، الدين منهج تفصيلي دقيق جداً يعلِّمك كيف تقلِّم أظافرك، يعلِّمك كيف تدخل على أهلك بعد سفر، يعلِّمك كيف تتاجر، كيف تُعامل، كيف تجاور، كيف تلهو، كيف تعامل أولادك، لذلك فالعلم ضروري، وطلب العلم فريضة على كل مسلم، وطلب الفقه حتم واجب على كل مسلم، كيف تطيع الله إن لم تعرف أمر الله؟ بعد أن آمنت بالله لا شيء يقدَّمُ على معرفة أمره، معرفته مقدمةٌ على معرفة أمره، لكن إذا عرفته وآمنت به فلا شيء يقدم على معرفة أمره، إنك بالكون تعرفه، وبالشرع تعبده، أنت آمنت بالله، آمنت به، طبعاً لم تؤمن الإيمان الكامل ولكن آمنت به، ما دمت قد آمنت به ابحث عن أمره كي تُطيعه، هكذا الآيات:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ ﴾

 اتقِ:

﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾

[سورة الإسراء:9 ]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ﴾

[سورة البقرة:282 ]

الإنسان إذا آمن بالله لا شيء في حياته يعلو على معرفة منهج الله :

 ابحث عن آلاف الحالات، آلاف المآسي التي سببها دينٌ غير مكتوب، خصومات، حالات طلاق، فساد أُسَر، لأن الناس خالفوا هذه التعليمات، شارك شريكاً بلا عقد، ديَّن بلا سند، اتفق اتفاقاً شفهياً بلا وثيقة خطِّية، فالأيام كشفت خسارة هذا المشروع، فالشريك غير المكلَّف بأعباء مالية ينسحب، يقول لك: أنا ليس لي علاقة. فتنشأ الخصومات والدعاوى والقضاء، فكل شيء سجِّله، وأنت بعد أن آمنت بالله لا شيء يعلو على معرفة منهج الله، بعد أن آمنت بالله لا شيء يعلو على معرفة الأحكام الفقهية، وكيف تعرفها من دون أن تأتي إلى بيوت الله لتتعلم، كيف تكون طبيباً وأنت لم تعرف أين كلية الطب؟ كيف تكون مهندساً زراعياً ولا تعرف أين مكان كلية الزراعة؟ كيف؟ بيت الله فيه تعليمٌ، وفيه عبادةٌ، وفيه ذكرٌ، لذلك فالإنسان إذا آمن بالله لا شيء في حياته يعلو على معرفة منهج الله، معرفة أمر الله، معرفة نَهي الله، معرفة دستور الله، معرفة قانون الله، معرفة سُنَّة الله، فهي منهج كامل.

﴿ قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ ﴾

 اتقِ الله في علاقتك به، اتقِ الله في علاقتك بالناس، اتقِ الله في علاقتك بالمخلوقات جميعاً، فالنبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم، رأى رجلاً يذبح شاةً أمام أختها، فغضب غضباً شديداً وقال: هلا حجبتها عن أختها، أتريد أن تميتها مرتين؟ أحياناً بائعو السمك الطازج يأخذون هذا السمك مباشرةً وينظفونه، بينما لا تزال هذه السمكة حيةً تتحرَّك، يفتح بطنها ويخرج أحشاءها، وهذا خلاف المنهج الإلهي، هذا خلاف السُنَّة، بائع الدجاج أحياناً يذبح الفروج ويضعه في طبقٍ من الماء الذي يغلي لكي ينتف ريشه، عذبه مرتين لأنه جاهل، فالإنسان عندما يؤمن بالله عزَّ وجل بدراسة منهج الشرع يعلم عندئذٍ أن اللحم إن لم يذكى، فكل المواد السامَّة والموبوءة والمجرثمة في الدم، فالذبيحة إن لم تذكى لا ينبغي أن نأكلها، لذلك لحم لا تعرف مصدره لا تأكله، ذبح في بلادٍ أجنبيةٍ لا يعرفون الله عزَّ وجل، حيث الدابَّة تصعق صعقاً كهربائياً ليزداد وزنها اثنين أو ثلاثة كيلو، وزن الدم الذي لم يخرج منها، فتأتينا معلَّبة بعلب، فمفروض على المسلم أن يعرف ماذا يُدخِل لفمه، وهذا منهج الإسلام الذي لا بد من دراسته وفهمه.

الحد الأدنى أن نعرف أمر الله سبحانه :

 أصعب شيء بالحياة أن يمسخ الدين إلى صلاةٍ وصيام وحجٍ وزكاة، الدين منهج تفصيلي، تعليمات الصانع واسعة جداً، بالقرآن أولاً، وبالسُنَّة ثانياً، باجتهاد الفقهاء ثالثاً، وبالقياس رابعاً، هناك مصادر تشريعية، وهناك علماء فطاحل أفذاذ، الإمام أبو حنيفة صلَّى صلاة الفجر بوضوء العشاء واستنبط من قول النبي:

(( يا عُمير ما فعل النُغَير ))

[ البخاري عن أنس ]

 استنبط سبعين حكماً فقهياً. فكيف يزهد الإنسان في أحكام الفقه؟!
 ذكرت لكم في درس الفقه من قبل عن موضوع الكفاءة في الزواج، فالذي أعرفه أن معظم حالات الشقاق الزوجي والخصومات أساسها عدم الكفاءة بين الزوجين، فالكفاءة بحث مُهم، ثم يأتي بحكمه الشرعي، أن امرأةً إذا تزوجها شابٌ غير كفء لها، من حقها أن تطالب القاضي بالتفريق بينه وبينها، إلا في حالةٍ واحدة إذا حملت منه، إذاً كم هذا المخلوق الذي في بطنها غالٍ على الله؟ كم في الطلاق بعد إنجاب الأولاد من جريمةٍ بحق الأولاد؟ إذا حملت الأم أُلغي موضوع الكفاءة حفاظاً على صحة هذا الجنين، صحته النفسية، إذا نشأ في الدنيا وأمه مطلقة وأبوه مشغولٌ عنه، فهذا تضييعٌ للإنسان.
 فالحقيقة موضوع الفقه موضوع خطير جداً، فالإنسان عندما يحضر مجلس علم يتعلم أمور دينه، نحن في دروس الفقه بفضل الله عزَّ وجل نتكلَّم في موضوعات الخطبة، موضوعات الطلاق، موضوعات ستر العورة، موضوعات الوصية، موضوعات الإرث، موضوعات النَفَقَة، هذه كلها موضوعات يعاني الناس منها جميعاً، فالحد الأدنى أن تعرف أمر الله، وبماذا يأمر الله سبحانه؟ وما هو حكم الله عزَّ وجل لأنه:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾

[ سورة الأحزاب: 36]

 أنت ليس لك خيار مع طبيب يقول لك: تحليل، ولا تجرؤ أن تناقشه أساساً، وإن ناقشته قد يغضب، فأنت مع طبيب لا تجرؤ أن تناقشه بينما تناقش خالق الكون، ومع مهندس لو قال لك: أحضر طنين من الحديد محلزن اثنا عشر ميلي، فلو قلت له: مالنا قليل واكتفِ بثلاثة ميلي فإنه يطردك من مكتبه، هذا علم بناء، ينهار البناء، لماذا أنت مع طبيب، ولماذا جئت بالمهندس، تتأدب بتعليماته ولا تناقشه، وبينما مع خالق الكون مع الذي خلقك ولم تكن شيئاً، مع الذي صوَّرك، مع الذي أودع فيك العقل والنفس والشهوة والاختيار، مع الذي صممك بهذا الخلق الكامل تناقش وقد تعترض.

ما من مخالفةٍ لمنهج الله إلا ووراءها جهل :

 قال تعالى:

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

[ سورة التين: 4]

 أنت آلة، بأبسط معنى، بالمعنى البسيط البديهي الساذج، أنت آلة معقدة ولك صانع وأصدر تعليمات، فمثلاً لماذا إذا اشتريت آلةً معقدة، جهاز كمبيوتر، فأنت تقول للبائع: أريد التعليمات؟ ثم ترجمها، فلماذا هذا الحرص الشديد على ترجمة التعليمات؟ يجيبك: الجهاز ثمين ولا مجال للتهاون، إذا استعملناه خلاف التعليمات نخربه، نترجمها، ثم تنتظر شهراً لكي تترجم التعليمات دون أن تستعمله، لأنك تريد أن تحافظ على سلامته، فهو باهظ الثمن.
 فهل أنت رخيص على الله؟ تطلق بصرك في الحرام، تتزوج زواجاً غير إسلامي، خطبة ثم قرأنا الفاتحة وعقد غير قانوني، وصار الخطيب يدخل متى يشاء ويجالس الخطيبة ويتحدث إليها بما يريد، هذا خلاف الشرع، وتنشأ المآسي، اذهب إلى القصر العدلي، اذهب إلى السادة المحامين وانظر كم مشكلة عندهم، ستة آلاف أو سبعة آلاف قضية في كل محكمة وكلها جراء مخالفة الشرع، إن كان الأمر بالزواج، وإن كان بعقود الشراكة، فإنك تجد تساهلاً، فأحياناً تجد أخوين اشتركا في معمل، مصروفهما غير مسجَّل في قيود المعمل، هذا أخذ سيارة كبيرة وهذا أصغر، النساء اختلفن: لماذا اشترى أخوك هذه السيارة بهذا الثمن؟، ثم تنشأ خصومة كبيرة في الأسرة، ثم قطيعة كاملة، بعد ذلك انهيار الشركة، لأنه تم على خلاف الشرع.
 أكاد أقول أيها الأخوة، والله الذي لا إله إلا هو، ما من مأساةٍ على وجه الأرض إلا وراءها مخالفة لمنهج الله، وما من مخالفةٍ لمنهج الله إلا ووراءها جهل، لذلك اعتبر الجهل عدوك الأول.

كل مشكلات الأمة أساسها الجهل الذي يؤدي إلى عدم تطبيق منهج الله عزَّ وجل :

 نحن لنا أعداء تقليديون، اللهم اهزم الصهاينة، نسأل الله أن يهزمهم والصهاينة باقون ويتغطرسون، ولكن نحن إذا طبقنا منهج الله عزَّ وجل هزمناهم لأن الله تعالى يقول:

﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 123 ]

 وهو ناصرهم، فكل مشكلات الأمة أساسها الجهل، الذي يؤدي إلى عدم تطبيق منهج الله عزَّ وجل، فالمرأة مثلاً إذا خرجت من بيتها متزيِّنة وخروجها على هذا النحو مخالفة صريحة لمنهج الله تعالى فإنها عندئذٍ فسدت وأفسدت.

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾

[ سورة الأحزاب: 33 ]

 أي إذا خرجتُنَّ:

﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾

[ سورة الأحزاب الآية: 33 ]

 كم مشكلة الآن تقع في المحلات التجارية من تساهل المرأة في حديثها مع البائع؟

﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً ﴾

[ سورة الأحزاب: 32 ]

﴿ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ﴾

[ سورة النور: 31 ]

 الثياب التي تبرز مفاتن المرأة هذه كلها محرمة.

من علامات قيام الساعة أن يرفع الحياء من وجوه النساء :

 حدثنا أخ طبيب مؤمن قال: أنا أعمل في مجال الأمراض التناسلية، ففي العشر السنوات الأخيرة ارتفعت الإصابات عشرة أضعاف لأن إثارة الشهوات في الطريق صارخة وسُبُل الزواج مغلقة، خالفنا منهج الله عزَّ وجل، لذلك كِدت أقول: كلما رخص لحم النساء ارتفع لحم الضأن، وكلما قلَّ ماء الحياء قل ماء السماء.
 فمن علامات قيام الساعة أن يرفع الحياء من وجوه النساء، لا حياء، تُحِدُّ النظر إليك عليك أنت أن تتحجب منها، هذا الذي بقي عليك، تُحِدُّ النظر إليك، يرفع الحياء من وجوه النساء، وترفع النخوة من رؤوس الرجال، تراه يمشي مع زوجته وهي في أبهى زينة ويفتخر بها، وكأنه يقول: هذا اختياري وقد أحسنت انتقاءها، انظروا، ليس لديه نخوة، وترفع الرحمة كذلك من قلوب الأمراء، فلا نخوة في رؤوس الرجال ولا حياء في وجوه النساء ولا رحمة في قلوب الأمراء، فأنا أشعر أن كلمة:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ ﴾

 أنت مؤمن اشعر أنها مادة دستورية إلهية لا بدَّ من إنفاذها، وتعمل في عمل تجاري، هل تعرف حكم الله في هذا العمل؟ هل تبيع بضاعةً محرمةً في الأصل، أخي هذا عملي والشغل عبادة، من قال لك ذلك؟ أن تبيع أشياء فاسدة تفسد الأخلاق وأن تقول لي: الشغل عبادة؟! أن تبيع مجلات مثلاً كلها تغضب الله عزَّ وجل فيها صور منحرفة، أخي أنا لدي مكتبة ومضطر لأن أبيع جميع ما يصدر من كتب ومجلات، ما معنى مضطر، هذا كلام فارغ، نحن نريد بيتاً مسلماً، حرفة صحيحة شرعية، راجع حساباتك، حرفتك التي أنت فيها هل ترضي الله أم تغضبه؟ نحن إذا لم نبع الدخان في المكتبة تنخفض الغلة للنصف، فنحن مضطرون لبيع دخان، يجب أن تجد لنا فتوى لهذه، يقول ابن عباس: "أيرتكب أحدكم أحموقته ويقول: يا ابن عباس يا ابن عباس". فهذا الأمر ليس من شأننا، راجع نفسك هل في ببيتي غلط؟ وهل بخروج زوجتي غلط؟ هل بلباس بناتي غلط؟ هل بتجارتي غلط؟ هل بعملي غلط؟ هل بوظيفتي غلط؟ أنا يا ترى هل أعين الظالم؟ وهل أقبض مالاً حراماً؟ هل بتجارتي بضاعة محَرَّمة؟ هل في بيتي انحراف؟ هل فيه شيء لا يرضي الله؟!!

المؤمن إنسان كامل وأمين ومُخلص ويطبِّق منهج الله في كل حياته :

 يدعو:

(( يا رب، يا رب ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، فأنى يستجاب له ))

[ الترمذي عن أبي هريرة]

 لذلك تجد دعاءه مختاراً، أدعية منمَّقة، أدعية بليغة على السجع، صوت نبراته حادَّة ولكن دونما استجابة، ندعو ويعلو صوتنا لكن لا استجابة، سيدنا زكريا حدثنا الله عنه قال:

﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾

[ سورة مريم: 3]

 أنت لو كنت صادقاً بإمكانك ألا تحرِّك شفتيك، بإمكانك أن تتوجه إلى الله بقلبك، تقول له: يا رب افعل كذا، أعني، ارزقني، ويستجيب لك، أي إذا لم يكن تعاملك مع الله مباشرةً، إن لم تدعه سراً وعلانيةً، ليلاً ونهاراً، في أعقاب الصلوات وفي السجود، إن لم تسأله سلامة الدنيا والآخرة، فكيف تشعر أنك مؤمن؟ أنا أركز على عنصر الإيمان فيك، فأنت لا شك أنك مؤمن، ما الذي جاء بك إلى هذا البيت بيت الله؟ إيمانك. فإيمانك جاء بك إلى هذا البيت، إلى هذا المسجد، إذاً مادمت مؤمناً فينبغي أن تستمع لقول الله عزَّ وجل:

 

﴿ قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ ﴾

 أحد أخواننا الكرام المحامين، والله أنا أُكْبِرُهُ وأعجب به، قال لي: جاءني رجل يطلب توكيلي في قضية، قلت له: يا أخي هذه القضية شملها قانون العفو وأنت لا تحتاج إلى محامِ إطلاقاً، يكفيك أن تقدم طلباً إلى المحكمة الفلانية، فيصدر الحكم لصالحك. ما إن انتقل إلى محامٍ آخر حتى أوهمه أن القضية خطيرة جداً وهذا الذي قال لك ذلك لا يفهم شيئاً، إلى أن ابتزَّ منه عشرين ألف ليرة. وبالطبع القضية منتهية بالعفو، فجاءني هذا المحامي من بعد وقال لي: يقولون عني إنني ساذج، قلت له: والله هذا وسام شرف بحقك.

 

سبب تخلّي الله عنا أنه قد هان أمر الله علينا فهنا على الله :

 هذا هو المؤمن، المؤمن لا يكذب، المؤمن لا يغش، المؤمن لا يحتال، المؤمن لا يأكل مالاً حراماً، أجل هذا المؤمن، كلمة مؤمن صفة كبيرة، وبالتعبير التجاري شيء عظيم، إنسان صادق، إنسان كامل، إنسان أمين، إنسان مُخلص، يطبِّق منهج الله في كل حياته، أما التغرير بالناس والمخاتلة، والغش، والخداع، وعبارات المجاملة، التي هي نفاق صريح، كانت سبباً لتخلّي الله عنا، لقد هان أمر الله علينا فهنا على الله، هذا مختصر مفيد.
إذا أردتم أن تفهموا السبب الذي من أجله تخلى الله عن المسلمين في العالم هو: أنه هان أمر الله علينا فهنا على الله. ألفٌ ومئتا مليون مسلم، أكثر من خمس سكان العالم، وكلمتنا ليست هي العُليا، وليست عليا، المعنى معروف، مُقَدَّراتنا ليست بأيدينا، هان أمر الله علينا فهنا على الله..

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

[ سورة مريم: 59]

 ولقد لقينا هذا الغَي، أصدق الله يَصْدُقْك، لله رجالٌ إذا أرادوا أراد، فأنت مؤمن تخاطب الله، استقم على أمره واسأله المعونة والتوفيق، ولكن هناك تقصير كثير، فعلى كل إنسان ولو رأى حوله المقصرين كُثُراً فعليه أن يستقيم، عليه أن يتلو قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾

[ سورة المائدة: 105 ]

المؤمن يطبق شرع الله تعالى في كل أفعاله :

 هناك سؤال ملحٌّ أيها الأخوة، وهو سؤالٌ كبير: أليس في القرآن الكريم وعود كثيرة جداً للمؤمنين، ألم يقل الله عزَّ وجل:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 كل هذا تحقيقه على الله، وعلى العباد:

﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 فليس عند الناس عبادة ولا طاعة ولا يرجون لله وقاراً، فمصمم أزياء يهودي بفرنسا، إذا صمم زياً للنساء يكشف كل مفاتنها، نحن نتبعه خطوةً خطوة، هؤلاء المسلمون اقرأ عليهم السلام، مصمم أزياء يهودي يتحكم بأعراضنا، يتحكم بزي نسائنا، يفرض علينا الانحراف تحت اسم الموضة، فتقول إحداهن: هذا هو الدارج في هذه السنة؛ أما المؤمنة فلا تبالي بكل هذا، طاعة الله فوق كل شيء، هذه الموضات تحت قدمها، ليقل عنها الناس ما يقولون، طاعة الله فوق كل شيء، وقبل كل شيء، هكذا كانت الصحابيات، " يا فلان اتقِ الله بنا فنحن بك نصبر على الجوع ولا نصبر على الحرام " هكذا كانت الصحابية تقول لزوجها إذا خرج يرتزق.
 قرش من حلال فهذا يبارك الله لك فيه، فيه بركة، فبين التجار وكلهم مسلمون قاعدة أصبحت قانوناً هي: إذا لم نكذب لا نبيع، هذه آية أم حديث؟ من قال هذا الكلام، إذا لم نكذب لا نربح؟ كذلك بعض المحامين: أخي إذا لم نكذب لا يأتينا بدل الأتعاب، هذا كله كلام الشرك، أما علمت أن على الله رزقك، هناك محل بمدينة بالشمال، فإذا كان بالمدينة تلك مئة مطعم فتسعون من هذه المطاعم تقدم الخمور، إلا هذا المحل وغيره قليل، فقد كتب صاحبه عند مدخله: الخمر ممنوعٌ بأمر الرب والرزق على الله. تأتي إلى المحل الساعة العاشرة فهو مليء، الثانية عشرة مليء!! وكذلك الساعة الواحدة مليء، والثانية ظهراً، والرابعة عصراً كذلك ثم الخامسة تجد الازدحام ملموساً، والآن أكثر محلات الأرمن صار أصحابها يكتبون: ممنوع شرب الخمر بأمر الرب. فالجماعة يريدون أن يربحوا، وسبيل الربح بيد الله تعالى، ونحن نريد مؤمناً هكذا، مؤمناً يطبق شرع الله تعالى.

على المؤمن أن يلغي الغش والكذب من حياته :

 قال تعالى:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ﴾

 للذين أحسنوا في هذه الدنيا، يا ترى الحسنة في الدنيا مطلقة، والمطلق على إطلاقه، ومعنى مطلقة أن الحسنة في الدنيا والآخرة:

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ﴾

 محسن، أخ يلف محركات، يأتيه محرك أجرته خمسة آلاف، فتحه فرأى فيه طاقاً مقطوعاً، لحمه في خلال خمس دقائق، جاء صاحبه فطلب منه صاحب المحل خمساً وعشرين ليرة فقط، وهو موطِّن نفسه أن يعطيه خمسة آلاف ليرة أجرة لفه، فتبين لصاحب المحل أنه ليس محروقاً بل مقطوع، فلحمه وقال له: أجرته خمس وعشرون ليرة فقط، هذا شأن المؤمن، وصاحب المحرك أخوك، فكيف تأكل ماله بالباطل؟ حبّذا لو ألغينا الكذب في حياتنا، وألغينا الغش في تعاملنا، حتى في المهن الراقية أصبح فيها غش، حتى في المهن التي لا يرقى إلى صاحبها الشَك صار فيها ابتزاز بسبب ضعف الإيمان، طبيب ووراءه ممرضة فقال لها: قولي له: عملية قيصرية لصالح المستشفى، وهي ولادة عادية تكلِّف ثلاثة آلاف، والقيصرية بستة عشر ألفاً، لصالح المستشفى، صار الإنسان يشك لعل هذه الولادة غير قيصرية؟ ولكن هكذا جاء التوجيه، حتى في المهن الراقية التي أصحابها فوق الشبهات إن لم نؤمن بالله انزلقنا إلى الابتزاز، فكيف يرضى الله عنا؟ كيف يرحمنا؟ كيف ينصرنا ونحن نعادي بعضنا بعضاً؟ يبتز بعضنا أموال الآخرين؟ يغش بعضنا بعضاً؟

الإنسان المؤمن لا يزهد ببلاد الإسلام بل يبقَى في هذه البلاد محافظاً على دينه :

 قال تعالى:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾

 أي أن طاعة الله لا يعلو عليها شيء، فإذا كنت في هذا المكان لا تستطيع أن تطيع الله فيه فتحوَّل إلى مكانٍ آخر، التعلق بالأرض على حساب دينك هذا سلوك وثني، سلوك غير صحيح، الأرض التي ترفع رأسك بها، الأرض التي تطيعُ الله بها هي أرضك، فنحن والحمد الله في بلدٍ تقام فيه شعائر الله، من أجل دُريهمات يغادر الإنسان المؤمن الطيِّب بلده إلى بلدٍ آخر تنتهك فيه الحرمات على قارعة الطريق..

(( من أقام مع المشركين فقد برئت منه الذمة ))

[أخرج ابن المنذر عن جرير بن عبد الله البجلي]

 يفرح أن البلاد رخيصة وكلها متنزهات وحدائق خضراء، يقول لك: الحاجات متوافرة بشكل عجيب، المواصلات، البيوت الجاهزة للإيجار ميسَّرة، ولكن حينما يرى أن ابنته مثلاً أحبت يهودياً في بلاد الغرب، وأنها تنحرف انحرافاً خطيراً، عندئذٍ يعتصر قلبه من الألم، ولكن لا ساعة مندم بعد فوات الأوان، فالإنسان المؤمن لا يزهد ببلاد المسلمين، لا يزهد ببلاد الإسلام، وليبقَ في هذه البلاد محافظاً على دينه، وليجعل خبرته في خدمة هذه البلاد، يجعل ذكاءه في خدمة هذه البلاد، أما قالوا لك: مئتان وسبعون ألف طبيب يعملون في بلاد الغرب من أصل عربي، فهؤلاء نخبة المجتمع، الأدمغة تعمل لصالح الغرب، فشيء مؤلم أن الإنسان يسخر طاقته، وعلمه، وذكاءه، وخبرته، وينقل أمواله إلى هناك كي تعود علينا مؤامراتٍ وأسلحة فتاكة.

الصابر يرى أن يد الله تعمل في الخفاء والأمر كله بيده وأفعاله كلها يحمد عليها :

 يا أيها الأخوة الأكارم:

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

 من هو الصابر؟ هو إنسان يعرف الله، يعرف أن الله يعالجه، فمثلاً بشكل أو بآخر، راقب طفلاً صغيراً على كرسي طبيب الأسنان، تجده يبكي، يتحرك حركات عشوائية، يمسك يد الطبيب، أحياناً إذا كان بلا تربية يسب الطبيب، راقب إنساناً راشداً تجده ساكت، الآلام شديدة، البنج ممنوع بالنسبة له لأسباب معينة، يعالج من دون بنج، يشد على الكرسي ولا يصيح، وبعد ذلك يشكر الطبيب ويعطيه أجرته كما يريد، انظر إلى العقل، الطفل يصيح ويسخط ويغضب، والكبير يسكت ويصبر، أي أن الصبر علم، لمَ الكبير صبر لأنه يعرف أن العملية لمصلحته، يعرف أن الطبيب عالم، والطبيب خبير، والطبيب دقيق، وهذا العمل بمجمله مع آلامه لصالحه، ويقول: وجع ساعة ولا كل ساعة.
فهذا إذاً سلوك الإنسان الراشد، فكل إنسان لا يصبر يعني أنه أحمق، لا يعرف الله أبداً؛ أما الصابر فهو يرى أن يد الله تعمل في الخفاء، يرى أن الأمر كله بيد الله، يرى أن أفعال الله كلها يحمد عليها، لذلك قالوا: الحمد لله الذي لا يحمد على مكروهٍ سواه.

((عَجِبْتُ مِنْ أَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَلِكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ كَانَ ذَلِكَ لَهُ خَيْراً وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ فَصَبَرَ كَانَ ذَلِكَ لَهُ خَيْراً ))

[أحمد عَنْ صُهَيْبٍ]

 فالمؤمن شيء عجيب، مثل المنشار على الحالتين شاكر، إذ أكرمه الله يقول: يا رب لك الحمد هذا فضلك علي، وإذا الله سلبه نعمة يا رب لك الحمد أنا أستحق، وأنت مربٍ، وأنت عالم، وأنت عادل، وأنت رحيم، وأنا طوعُ إرادتك، إن لم يكن بك غضبٌ علي فلا أبالي ولك العتبى حتى ترضى ولكن عافيتك أوسع لي. والله شيء جميل، لا تجد عند المؤمن حالات انهيار عصبي، تجد بالغرب أن أعلى نسب الانتحار في السويد، وهذا جهل فادح، إن لم تأته الدنيا كما يريد ينتحر، بينما المؤمن تجده يحتاج الكثير الكَثير ومع ذلك يرجو الله، ويدعوه، ويصبر على قضائه وقدره، فلذلك:

﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

معنى التوحيد :

 من هو الصابر؟ هو الذي يعرف الله، يعرف أن الأمر كله بيد الله، لا بيد زيد ولا بيد عُبيد، ولا عند فلان ولا عند علان، لا أحد يقدر إلا الله، أما هؤلاء فهم مجرد صور، مثلاً إن تلقى أحدٌ ضربةً بعصاً، والعصا بيد إنسان، هل يصب نقمته على العصا، يحقد عليها؟ لا، يجب أن يحقد على من ضربه بها، فإذا كان من ضربه بها إنسان عظيم وعادل ورحيم، معناها أنه هو الغلطان، انظر كيف التسلسل، إن جاءتك مصيبةٌ على يد إنسان، هذا الإنسان أداة بيد الله، العصاة بيد الله، فالله عزَّ وجل عادل ورحيم وحكيم، معنى ذلك أن شيئاً ما من عند نفسي أنا، والمؤمن دائماً يتَّهم نفسه، ليس عنده حقد إطلاقاً، يعلم أن الله بيده كل شيء، الإمام الشعراني قال: "أعرف مقامي عند ربي من أخلاق زوجتي". معناها أن الإنسان أموره كلها بيد الله، عليه أن يصدق مع الله، عليه أن يصطلح معه، عليه أن يتوب إليه، عليه أن يصلح فيما بينه وبين الله، اعمل لوجهٍ واحد يكفك الوجوه كلها، من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله الهموم كلها، هذا هو التوحيد وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
 راقب الله عزَّ وجل، ناجه، اسأله، ادعه، اقرأ كتابه، احضر مجالس العلم، تعلَّم أحكام الفقه، تعلم مواقف الصحابة من أجل أن تهتدي بهديهم، أن تستنير بنورهم، أن تقفُو أثرهم، أن تخطو خطوهم.
 إذاً:

﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ *قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ*وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾

 أيها الأخوة الأكارم، نحن مقدِمون على شهرٍ فَضيل، على شهرٍ كريم، ما من شهرٍ في القرآن الكريم ذكر اسمه إلا رمضان حصراً، هذا الشهر دورةٌ سنوية، دورةٌ سنوية روحية لقفزةٍ إيمانية، أجل قفزة، فأنا أتمنى على كل أخ كريم أن يفرغ نفسه في هذا الشهر لله عزَّ وجل.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018