الدرس : 03 - سورة الزمر - تفسير الآية: 5- 6، طبيعة الإنسان وتذليل الأنعام. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 03 - سورة الزمر - تفسير الآية: 5- 6، طبيعة الإنسان وتذليل الأنعام.


1993-01-29

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

كلمة (بالحق) كلمةٌ هادفة لأن الله حق :

 أيها الأخوة الأكارم، مع الدرس الثالث من سورة الزُمَر، ومع الآية الخامسة، ربنا جلَّ جلاله يقول:

﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ﴾

 كلمة الحق كلمةٌ دقيقة جداً، لو قلت: حَكَمْتُ بالحق، أي حكمت بالعَدل، لو قلت: قلت حقاً، أي قلت صدقاً، لو قلت: خلق الله السموات والأرض بالحق، أي خلقها لهدفٍ كبير.

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ﴾

[ سورة الأنبياء: 16 ]

 لو قلت: خلق الله السموات والأرض بالحق، أي خلقها خلقاً ثابتاً، لأن خلق الله أساسه العِلم فخلقه ثابت، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ﴾

[ سورة ص: 27 ]

 فيتضح لكم من هذه الأمثلة أن كلمة الحق إن جاءت مع القول تعني الصدق، أي القول المطابق للحقيقة، إن جاءت إخباراً فهي مطابقةٌ للواقع، إن جاءت في معرِض الخلق أي أنه خلقٌ له هدفٌ كبير، إن جاءت في معرضٍ آخر أي بعيدٍ عن اللعب والعَبَث، فكلمة بالحق كلمةٌ هادفة لأن الله حق، إذا قلت: وفَّقت بينهم بالحق، أي بالحكمة، إذا قلت: فعلت الحق، أي فعلت ما يرضي الحق، لأن الله هو الحق.

كلمة الحق تدور مع السياق حيثما دار :

 كلمة (بالحق) دقيقة لأن لها معان كثيرة بحسب السياق، فمن أول معانيها أن الشيء إما أن يقوم على عِلم، وإما أن يقوم على جهل، فإذا قام شيءٌ على جهلٍ فلا بد من أن ينهار، إذا قام مذهبٌ على أساسٍ من الجهل، أو على أساسٍ من الهوى، أو من المصلحة فهذا المذهب لا يلبث أن ينهار، لأنه قام على مصلحة، أو قام على جهل، أو قام على هوى.
 أما إذا قام على الحق، أي أنه قام على أسسِ علميَّة، والعلم علاقاتٌ ثابتة، الشيء الحق هو الشيء الذي بُنْيَ على علم، وكل شيءٍ بني على علم يحمل طابع الاستمرار، إذاً الشيء الحق هو المستمر، الباطل هو الذي سينهار، جدارٌ بني على الحق، بني وفق الشاقول، وضِعَت المواد بشكلٍ مدروس وكافٍ هذا الجدار لا يقع، أما إذا بني من غير شاقول، أي بني مائلاً، والمواد غير جيِّدة فهذا الجدار لا بد من أن يسقط، فبادئ ذي بدء أن الشيء الحق هو الذي بني على أسسٍ علميَّة.
 ربنا سبحانه وتعالى بكل شيءٍ عليم، لذلك خلقه كامل، خلقه كامل لأنه عليم، عَلِمَ ما كان، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، هذا الشيء أُسِّسَ بالحق، أي أسِّسَ لهدفٍ نبيل، لا تؤسَّس الملاهي لهدفٍ نبيل، لكن الجامعات مثلاً تؤسَّس لترسيخ الحقائق ولترسيخ القيَم، نقول: هذه الجامعة أُنْشِئت بالحق، جامعةٌ أساسها الحقيقة والفضيلة، أما الملهى فقد أُسِّسَ بالباطل، لإفساد النفوس، لترويج الباطل، لتزيين المعصية.
 كلمة الحق إذاً لها معانٍ كثيرة، إذا وردت مع الخَلق أي أن هذا الكون بني على علم، على علم الله عزَّ وجل، وأن هذا الكون خُلِقَ لهدفٍ نبيل، لهدفٍ كبير.

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِي ﴾

[ سورة الذاريات: 56]

 هذا الكون خُلِقَ ليبقى، لأن الإنسان خُلق ليبقى بمعنى أنه خُلِقَ لجنَّةٍ عرضها السموات والأرض، لو أن الإنسان خُلق لأمدٍ قصير وبعد ذلك ينتهي كل شيء، فهناك إذاً سؤالٌ كبير، إن هذه الأعمار القصيرة لا تستأهل كل هذا الكون، لكن الإنسان خُلق ليبقى في جنَّةٍ عرضها السموات والأرض، كلمة بالحق في اللغة أي لابس الحق خلق السموات والأرض، وكلمة الحق تعني الله جلَّ جلاله، إذاً إذا فعلت شيئاً بالحق أي فعلته وفق أمر الله، وفعلته بما يرضي الله، وفعلته لهدفٍ نبيل، وفعلته بعيداً عن اللعب والعبث، وإذا قلت الحق قلت قولاً صادقاً مطابقاً للحقيقة، وإذا قلت: بني هذا الشيء وفق الحق أي على أسسٍ علميَّة، فكلمة الحق تدور مع السياق حيثما دار.

كل أسماء الله الحُسنى ظاهرةٌ في خلق الله عزَّ وجل :

 ربنا جلَّ جلاله يقول:

﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ﴾

 أي أن هذا الكون العظيم ليس من أجل أن تعيش سنواتٍ معدودة وينتهي كل شيء، هذا الكون العظيم ينبئُك أن بعد هذه الحياة الدنيا حياةً أبديَّة تسوَّى فيها الحسابات، هذا معنى بالحق، خُلق وفق أسسٍ علميَّة، خُلق لهدفٍ نبيل، خُلق الكون ليكون للإنسان دليلاً إلى الله عزَّ وجل، وليبقى الإنسان في جنَّة الله إلى أبد الآبدين، خُلق وفق الحكمة، خُلق وفق الرحمة، خُلق وفق أسماء الله الحُسنى لأن الله هو الحق.
 وذكرت لكم في درسٍ سابق: أن كلمة السموات والأرض هي التعبير، القرآن الذي يرادف الكون، الكون ما سوى الله، وفي القرآن تأتي كلمة السموات والأرض لتعبِّر عن كل شيءٍ سوى الله، والخَلق بالحق، تأمل وانظر، يجب على المرء أن يصل إلى الحق من خلال خلق الله عزَّ وجل، لأن الحق لابس خلق الله، فتصل إلى الحق، إلى الذات الكاملة كمالاً مطلقاً، خلق هذا الكون يعبِّر عن العَدل، وعن الرحمة، وعن اللطف، وعن القدرة، وعن الجَمَالِ، وعن القهر، كل أسماء الله الحُسنى ظاهرةٌ في خلق الله عزَّ وجل، وبعدُ:

﴿ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ ﴾

 الشيء المكوَّر هو الشيء المنحني، الشيء المُلْتَف، فالأرض كرة، فإذا قابلت الشمس أصبح نصف سطحها منيراً، وخط النور خطٌ منحنٍ، فإذا دارت الأرض انتقل الخط المنحني من النور إلى الظلام، فكأن النور يدخل في الظلام بشكلٍ منحنٍ، وهذه الآية فيها إشارةٌ لطيفةٌ إلى كرويَّة الأرض، قد يسأل سائل: لماذا لم يذكر الله في القرآن الكريم آيةً قطعيَّة الدلالة تشير إلى أن الأرض كرة؟ لأن هذا الأعرابي، الذي عاش زمن نزول القرآن الكريم، يرى الأرض مُنبسطة، فإذا جاءت آيةٌ قطعيَّة الدلالة تبيِّن أنها كرة، فقد لا يحتمل عقلك ذلك، وإذا أغفل القرآن كرويَّة الأرض نهائياً، نأتي نحن وقد رأيناها كرة فنتعجَّب، خالق الكون ألا يعلم أنها كرة؟! لمَ لمْ يخبرنا؟ فهذا الموضوع موضوعٌ حسَّاسٌ جداً، ولذلك جاء التعبير عنه بطريقة الإشارة لا بطريقة العبارة.

الحكمة من عدم تفصيل النبي الكريم للآيات الكونية التي وردت في القرآن الكريم :

 قال تعالى:

﴿ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا ﴾

[ سورة الحجر: 19 ]

 وليس في الهندسة شكلٌ هندسي يمتدُّ الخطُّ عليه إلى ما لا نهاية إلا الكرة:

﴿ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا ﴾

[ سورة الحجر: 19 ]

﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾

[ سورة النازعات: 30 ]

 الدُحية هي الكرة، والتكوير هو الالتفاف والانحناء، فتداخل الليل بالنهار لا يكون إلا في شكل الكرة، لو أن شكل الأرض مكعَّبٌ ودارت حول نفسها فإن الضوء يأتي فجأةً، ويغيب الضوء فجأةً، لأن المكعَّب له حروف، لكن الشكل الكروي شكل متصل ليس له حروف، إذاً إذا دار هذا الشكل الكروي تداخل الليل والنهار، ولا يتداخل الضوء والظلام بفعل دوران حجمٍ من الحجوم إلا إذا كان كرةً، فهذه إشارةٌ لطيفة من الله عزَّ وجل إلى أن الأرض كرةٌ كما هي في الحقيقة.
 وقد يعجب الإنسان إذ يرى أن النبي عليه الصلاة والسلام قد فصَّل آيات التكليف تفصيلاً شديداً، لكن النبي عليه الصلاة والسلام لم يُفَصِّل في الآيات الكونية، وقد يسأل سائل ما السبب؟ الجواب: هو أن النبي عليه الصلاة والسلام بوحيٍ من الله عزَّ وجل امتنع عن بيان تفاصيل هذه الآيات الكونيَّة، لماذا؟ لأنه لو فسَّرها تفسيراً بسيطاً يتناسب مع عقول من كان حوله لتساءلنا نحن لأن هذا التفسير البسيط لا يرضينا، ولو فسَّرها تفسيراً عميقاً يتناسب مع حقيقتها لعجب أصحابه من هذا التفسير، ولكن الآيات الكونيَّة في القرآن الكريم تركها النبي عليه الصلاة والسلام، ليكون التقدُّم العلمي في كل عصرٍ هو الذي يكشف خبايا هذه الآيات وإعجازها.

القرآن الكريم معجزةٌ مستمرَّة :

 كتاب القرآن الكريم معجزةٌ مستمرَّة، لأنه كلَّما تقدَّم العلم، وكلَّما حلَّق في أجواء المعرفة، وكلَّما خاض في أعماق الأسرار، وجد أن القرآن أشار إلى هذا، فإلى أمدٍ قصير كان الكتاب الأول في علم الأجنَّة - الكتاب الأول الذي يُدَرَّس في معظم جامعات العالَم - يبيِّن أن تشكيل العَظم يأتي بعد تشكيل اللحم، لكن القرآن يذكر عكس ذلك.

﴿ فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ﴾

[ سورة المؤمنون: 14]

 العظم قبل اللحم، ثم يخرج أستاذٌ في جامعةٍ غربيَّة ليقول لطلابه: خبراً كأنه مفاجأة، أو كأنه قنبلة، ويخبرهم أن كل شيءٍ تعلَّمتموه عن تسلسل تشكيل الأنسجة في الجنين غير صحيح، والصواب هو هكذا، فيقوم طالب مسلم ويقول: يا أستاذ هذه الحقيقة أشار إليها القرآن من قبل، لا يصدِّق ما يسمع، فطلب القرآن، وطلب ترجمته، فإذا الآية تقول:

﴿ فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ﴾

[ سورة المؤمنون: 14]

 فما كان من هذا الأستاذ إلا أن أعلن إسلامه، لأن هذه الحقيقة التكوينية لا يمكن إلا أن تكون من عند خالق الكون.

كلَّما تقدَّم العلم كشف حقيقةً ذكرها القرآن الكريم :

 ربنا عزَّ وجل قال:

﴿ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾

[ سورة الرحمن: 19-21]

 الآية واضحة، كلمة مرج، مرج الشيء أي اضطرب، والبرزخ هو الحاجز، فالآية مفهومة لكن الواقع لا يؤكِّدها، بحران متصلان ولا سيما عند المضائق، البحر الأحمر مع البحر العربي، البحر المتوسِّط مع المحيط الأطلسي، البحر الأبيض المتوسِّط مع البحر الأسود، وبين كل بحرين مضيق، فما معنى هذه الآية؟ إلى أن اكتُشِفَ من خلال الأقمار الصناعيَّة، ومن خلال تصوير البحار من طبقات الجو العُليا، أن هناك ألواناً متباينةً في البحار، تباين الألوان لفت نظر العلماء إلى أن هذا الماء غير ذاك الماء، هذا الماء له كثافة، وله مكوِّنات، وله درجة ملوحة، وله درجة حرارة، غير ذاك الماء، والدليل تباين الألوان، فلمَّا وصلوا إلى هذه المناطق الحرجة بين البحار وجدوا أن هذا البحر لا يطغى على ذاك البحر، وأن ذاك البحر لا يطغى على هذا البحر والأمر عجيب، فكلَّما تقدَّم العلم كشف حقيقةً ذكرها القرآن الكريم، وعندما قال ربنا عزَّ وجل:

﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾

[ سورة يس: 40]

 هذه (كلٌ) كلمة مبهمة، وإذا كان الإبهام في اللغة يعني الشمول تقول: إنسانٌ عربي، هذه معرفة، أما إذا قلت: إنسان فهي نكرة، والكلمة إذا كانت نكرةً اتَّسع معناها، ربنا عزَّ وجل قال:

﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾

[ سورة يس: 40]

 أي كل شيءٍ خلقه الله عزَّ وجل يدور في مدارٍ وفي فلكٍ يسبح، من الذرَّة وإلى المجرَّة، وقد تعجب العلماء لماذا تنجب هذه الأسرة أطفالا ذكوراً وتلك أطفالاً إناثاً؟ ففي نهاية المطاف اكتُشِفَ أن تحديد جِنْسِ الجنين يتعلَّق بالحوين لا بالبويضة، قال تعالى:

﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى*مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ﴾

[ سورة النجم: 45-46]

 فقط،

﴿ مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ﴾

العلم يصحُّ ويتقدَّم إذا وافق القرآن :

 ربنا عزَّ وجل وصف السماء بصفةٍ واحدة فقال:

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴾

[ سورة الطارق: 11]

 معنى هذا أن كل شيء في الكون يدور في مسار مغلق، لو كان المسار حلزونياً لما رجع إلى مكانه، فكل نقطةٍ تنطلق منها الأرض لا بد من أن تعود إليها بعد عام، فمسار الأرض مُغْلَق، إذاً نحن أمام كتابٍ يُعدُّ إعجازه مستمرَّاً، فكلَّما تقدَّم العلم اقترب من القرآن الكريم، ومن ضعف الإيمان أن تفرح إذا جاء في القرآن آيةٌ تطابق حقيقةٌ علميَّة، هذا من ضعف الإيمان، لكن ينبغي أن تفرح إذا وردت حقيقةٌ علميَّةٌ مطابقةٌ للقرآن، بالعكس العلم يصحُّ ويتقدَّم إذا وافق القرآن، ربنا عزَّ وجل قال:

﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى ﴾

[سورة آل عمران: 36]

 هذه آية موجزة، فإذا أردنا أن نجري مساواةً مُطلقةً تامةً بين الرجل والمرأة، فهذا مخالفٌ للقرآن الكريم، طبيعة المرأة بتفكيرها، ونفسيَّتها، وقدراتها الخاصَّة، ونَمط حياتها، حتى وبنيتها تختلف اختلافاً كبيراً عن الرجل، فربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى ﴾

[سورة آل عمران: 36]

 فأي نظامٍ اجتماعي، أو نظامٍ اقتصادي، يقيم مساواةً تامَّةً في العمل، والأجور، وما إلى ذلك بين المرأة والرجل فهذا مخالفٌ للحقيقة، مخالفٌ للواقع، أي نظريَّةٍ تقوم على جهلٍ فلا بد من أن تنهار، هذه ليست في الحق ولا من الحق، إذاً أي نظامٍ يُوضَع خلاف بنية النفس لا ينجح، ولا يستمر، ولا بد من أن ينهار، هناك أمثلة كثيرة جداً تدلُّ على أن هذا القرآن فيه إعجازٌ مستمر.

كلَّما تقدَّم العلم اقترب من القرآن الكريم لأنه كتابٌ من عند خالق الكون :

 الشيء الثابت أنه كلَّما تقدَّم العلم اقترب من القرآن الكريم، لأنه كتابٌ من عند خالق الكون، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والباطل هو الشيء المتغيِّر، فأحياناً يكون كاتب عظيم الشأن لكنه ما أحاط بكل العلوم، ما من كتابٍ من صنع البشر إلا والزمن يكشف بعض أغلاطه، أبداً، اقرأ مقالةً قبل خمس سنوات ترى فيها أشياء غير صحيحة، وفي وقتها بدت لك صحيحة، أما الآن فطبيعة التطوُّر تكشف خطأها، فهذا الشيء ثابت ـ أنا قرأت مرَّة كتاباً لعالِمٍ جليلٍ جليل كبيرٍ كبير، يقول: إن الإنسان إذا أكل فبخار الطعام يصعد إلى الدماغ. وكأن البطن جوف متصل، هذا شيء مناقض للعلم، لكنه طبعاً لا يؤاخذ لأن معطيات العلم وقتها لم تكن تسمح له أن يعرف الحقيقة.
 فهناك علماء أفتوا بأن التدخين حلال، اليوم ذكرت في الخطبة أن الدخان فيه أشياء خطيرة جداً، أول شيء أن الكريَّة الحمراء عند المدخنين تحب أول أكسيد الكربون أكثر مما تحب الأوكسجين، فإذا دخَّن المرء فإن هذا الغاز السام يتعلَّق بالكريَّة الحمراء، وقلَّل من قدرتها على حمل الأوكسجين، فالإنسان الذي يدخِّن يشعر بوهنٍ في قِواه، لياقته البدنيَّة أقل مما سواه، قدرته على بذل الجهد أقل من غيره، هذا أول شيء.
 الشيء الثاني: هذه المادَّة في التبغ تسبِّب رفع ضربات القلب، من خمس عشرة إلى عشرين ضربة، تسبِّب لزوجة في الدم، هذه تجعل الإنسان معرَّضاً للإصابة بجلطات دمويَّة، الضغط يرتفع خمس عشرَة ضربة بالمئة عن ضغط الإنسان غير المدخِّن بالضبط، فأحياناً الشعيرات التي في الأطراف تُسَد بفعل الدخان، وإذا سُدَّت توقَّفت التروية، فاسودَّ العضو فلا بد من بتره، وبالقصبة الهوائيَّة أهدابٌ تتحرَّك نحو الأعلى دائماً، فأي شيءٍ غريب دخل إلى القصبة، فهذه الأهداب تدفعه نحو الأعلى، لكن إذا دخَّن الإنسان أصيبت هذه الأهداب بالشلل. ذكرت اليوم بالخطبة أكثر من ثمانية بنود خطيرة؛ بعضها يصيب الدم، بعضها يصيب القلب، بعضها يصيب العضلات، بعضها يصيب الأعصاب، هناك رجل عالم رأى أن الدخَّان مباحٌ وليس في التدخين حرج، فحينما قال هذا الكلام لم تكن معطيات العلم بين يديه، إذاً ما من إنسانٍ من بني البشر إلا ويغفُل عن بعض الحقائق، فإذا كُشِفَت له الحقائق عاد إلى الصواب، هذا القرآن الكريم هل رأيتم فيه شيئاً كشف العلم خطأه؟ مستحيل لأنه كلام خالق الكون، تشعر بكل خليَّةٍ في جسمك، وبكل ذرَّةٍ في دماغك أن هذا القرآن كلام الله.

الله عز وجل سخّر الشمس :

 قال تعالى:

﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ ﴾

 كلمة سخَّر، الشمس مسخَّرة لمن؟ أنت أيها الإنسان بنصِّ القرآن الكريم ترى أن الكون مسخَّرٌ لك، فأيهما أعظم شأناً عند الله المُسَخَّر له أم المسخَّر؟ المسخَّر له، إذاً أنت المخلوق الأول، أنت المخلوق المكرَّم الذي سخَّر الله لك ما في السموات والأرض، إذاً:

﴿ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ ﴾

 هذه الشمس النجم الملتهب، الذي يمدُّ الأرض بالحرارة، يمدُّها بالضوء ويمدُّها بأشياءٍ لا نعلمها، ربنا عزَّ وجل قال:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ*وَمَا لَا تُبْصِرُونَ ﴾

[سورة الحاقة: 38-39]

 حجم الشمس يزيد عن حجم الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرَّة، أي أن مليون وثلاثمئة ألف كرة أرضية تدخُل في جوف الشمس، وجوف الشمس تزيد حرارته عن ستة ملايين درجة، بينما سطح الشمس لا يتجاوز العشرين ألف درجة، لو أُلقيت الأرض في جوف الشمس لتبخَّرت في ثانيةٍ واحدة، هذه الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرَّة، لهيب الشمس يخرج عن سطحها إلى أكثر من نصف مليون كيلو متر، وفي بعض الحالات مليون كيلو متر، أجل، لسان اللهب الذي يخرج من الشمس يزيد طوله عن مليون كيلو متر. وبين الأرض والشمس ما يزيد عن مئة وستَّةٍ وخمسين مليون كيلو متر، يقطعها الضوء في ثماني دقائق، الشمس مسخَّرة، لو أنها انطفأت فجأةً، لأصبحت الأرض قبراً متحرِّكاً، لأن الأرض من دون شمس تصل حرارتها إلى درجة الصفر المُطلق، والصفر المطلق مئتان وسبعون درجة تحت الصفر، وفي هذه الدرجة ربَّما توقَّفت الذرَّات عن الحركة، وإذا توقَّفت عن الحركة تلاشى الجسم وانتهى، كل جسم له ذرَّات، والذرَّة فيها نواة وكهارب، وأساس الحياة هي الحركة الدائمة.

﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾

[ سورة يس: 40]

من قواعد التفكير أن يفكِّر الإنسان بالشيء وعدمه :

 إذاً الله عزَّ وجل سخَّر الشمس، وهناك أقوامٌ عبدوا الشمس من دون الله، ربنا عزَّ وجل قال:

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾

[ سورة فصلت: 37]

 في آسيا أقوام عبدوا البقر، وأقوام عبدوا الشمس، والأولى أن يعبد الإنسان خالق الشمس والقمر، وأن يعبد خالق هذه الأنعام التي سُخِّرت لنا.

﴿ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ ﴾

 الإنسان كيف يفكِّر؟ من قواعد التفكير أن يفكِّر بالشيء وعدمه، تصوَّر الأرض بلا شمس انتهت الحياة، الحياة تنتهي فجأةً، تصوَّر أن الشمس أقرب إلى الأرض مما هي عليه.

﴿ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾

[ سورة الرحمن: 5]

 هذه المسافة مسافة دقيقة جداً، لو أنها زادت لاحترق كل ما على الأرض، لو أنها ابتعدت لمات كل ما على الأرض من شدَّة البرد، إذاً الحجم مناسب، والمسافة مناسبة، والحرارة مناسبة، والأرض حجمها مناسب، ودورتها مناسبة، ومحورها مناسب، وسطوحها المائيَّة الواسعة جداً مناسبة، لولا هذا المُسَطَّح المائي الضخم لما كانت الأمطار، لو كانت أربعة أخماس الأرض قارَّات يابسة والخمس بحر، البحر لا يكفي عندئذٍ لإنزال الأمطار، لكن أربعة أخماس سطح الأرض بحر، وشمس، وتبخُّر، ورياح من أجل أن تنعقد الأمطار، فتبنت الزرع والكلأ، وكما قال الله عزَّ وجل:

﴿ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴾

[ سورة النازعات: 33]

الكون نصبه الله عزَّ جل ليكون أداةً للتعريف به :

 قال تعالى:

﴿ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ﴾

 معنى هذا أن الكون له نهاية، وهذا هو الزمن، الشيء له بعد طولي هو الطول، وله بعدان سطحيَّان هو الطول والعرض، له بعدٌ حجمي هو الارتفاع والعمق، ولكل شيءٍ بعدٌ زماني هو حركته، الشيء إذا تحرَّك نتج عنه الزمن، فالأرض بدورتها حول الشمس ينشأ العام، بدورة الأرض حول نفسها ينشأ النهار والليل، بتنقُّل الأرض على مسارها حول الشمس تنشأ الفصول، فالحركة أساس الزمان، لذلك:

﴿ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ﴾

 فهذا الكون نصبه الله عزَّ جل ليكون أداةً للتعريف به:

﴿ إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ*وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ*وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ*وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ﴾

[ سورة الانفطار: 1-4]

 انتهت الحياة الدنيا، وبقي يوم الدين.

﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ﴾

[ سورة الانفطار: 5]

الكون تنتهي وظيفته مع انتهاء الدنيا ويبدأ الحساب :

 هذا الكون تنتهي وظيفته مع انتهاء الدنيا، ويبدأ الحساب، نحن في دار ابتلاء، وهناك أدلَّة عظيمة وكثيرة ومتنوِّعة، قال تعالى:

﴿ وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ﴾

[ سورة الذاريات: 20]

 وبعد هذه الأدلَّة، وبعد انقضاء العمر، لا بد من وقفةٍ بين يدي الله عزَّ وجل ليحاسب فيها الإنسان، إذاً:

 

﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ ﴾

 معنى هذه الآية أن الأرض كرة، ومعناها تدور حول نفسها، ومعناها أنَّ الشمس متألِّقة، وهي منبع الضوء والحرارة، ومعناها أن الأرض لها دورة حول نفسها ودورة حول الشمس، هذا كلُّه مستفاد من قوله تعالى:

 

 

﴿ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ﴾

 

من أدقِّ تعريفات (العزيز) :

 من أدقِّ تعريفات العزيز، إذا قلت: هذا الشيء عزيز، أي يحتاجه الناس جميعاً، مادَّة أوليَّة، الخيوط مثلاً، يقول لك: هذه مادَّة أوليَّة، السكر في أكثر الصناعات الغذائيَّة، فالشيء العزيز الذي تشتدُّ الحاجة إليه، والشيء العزيز، يقول لك: هذه بضاعة عزيزة أي نادرة، قليلة، والشيء العزيز هو الذي يندُر وجوده، والشيء العزيز المنال هو الذي يصعب الوصول إليه، إذا وصفت الأشياء بأنها عزيزة، فتشتدُّ الحاجة إليها، ويقلُّ وجودها، ويندر وجودها، ويصعب الوصول إليها.
 أما إذا وصفنا الذات الإلهيَّة، وصفنا الله بأنه عزيز كما وصف نفسه، نقول: يحتاجه كل شيء في كل شيء، هذا الافتقار، يحتاجه كل شيء في كل شيء، أنت أحياناً تحتاج شخصاً لشيء واحد، يعطيك مالاً، شخص يعالجك، الأشخاص تحتاجهم في حاجةٍ واحدة، لكن الله عزَّ وجل تحتاجه في كل شيء، لست أنت وحدك بل كل المخلوقات بل الكائنات كلُّها؛ الجماد، والحيوان، والإنسان، يحتاجه كل شيء في كل شيء.
 وإذا قلت: يندر وجوده في الأشياء، الله عزَّ وجل لا ثاني له، لا شريك له، لا نِدَّ له، لا مثيل له.
 والمعنى الثالث: أنه يستحيل أن تحيط به، يمكن أن تصل إليه بعقلك، يمكن أن تتصل به بنفسك، أما أن تحيط به فهذا مستحيل.

التفرقة لا وجود لها عند الله عزَّ وجل فالبشر جميعاً مدعوّون لفضل الله عزَّ وجل :

 ربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ﴾

 مع كل هذه العظمة هو غفَّار، هذا اسمه متكاملاً، هو عظيمٌ عظيم لا مثيل له، لا ثاني له، لا شبيه له، لا شريك له، يحتاجه كل مخلوق، كل شيء في كل شيء، يستحيل الوصول إليه، ومع ذلك خلقكم ليغفر لكم.

﴿ أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ﴾

 لو تأمَّلت في خلق السموات والأرض لوجدت أن الله عزيزٌ غفَّار، أي أنه عظيم ومن جهةٍ ثانية خلقك ليغفر لك.

﴿ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾

 فالتفرقة لا وجود لها عند الله عزَّ وجل، البشر جميعاً مدعوّون لفضل الله عزَّ وجل، لا طبقيَّة، كل البشر مخلوقون للجنَّة، لو أن الله عزَّ وجل - كما يزعم بعض الجهلة - خلق النار وخلق لها من يدخلها، وخلق الجنَّة وخلق لها من يدخلها، فكان هذا يتناقض مع هذه الآية:

﴿ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾

 من طبيعةٍ واحدة، لذلك طبيعة الإنسان واحدة، والإنسان إذا كان جاهلاً يطغى.

﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾

[سورة العلق: 6-7 ]

 هذه طبيعته، إذا كان في غفلةٍ عن ربِّه وشعر بقوَّته، أو بغناه، أو بتفوقه، يطغى، هذه حقيقة بالإنسان، وهذه من طبيعة الإنسان.

طبيعة الإنسان :

 قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ ﴾

[ سورة الانشقاق: 6 ]

 طبيعة الحياة الدنيا أنه لن تصل إلى شيء إلا ببذل جهدٍ كبير.

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ ﴾

[ سورة الانشقاق: 6 ]

 طبيعة الإنسان أنه مبتلى.

﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾

[ سورة الإنسان: 2]

(( يا داود ذكر عبادي بإحساني، فإن القلوب جبلت على حبِّ من أحسن إليها وبغض من أساء إليها ))

[ ورد في الأثر ]

 لو تتبعتم طبيعة الإنسان من خلال القرآن، فالإنسان.

﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾

[ سورة المعارج: 19-22]

 الإنسان خُلِق من عجل، الإنسان خُلق ضعيفاً، الإنسان حادث.

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾

[ سورة الإنسان: 1 ]

 الإنسان مبتلى، الإنسان كادح، الإنسان أوتي القدرة على الإدراك، فيه قوَّة مدركة، الإنسان علَّمه الله البيان، الإنسان كما قلت: عجول، يطغى أن رآه استغنى، خُلِقَ البشر جميعاً من طبيعةٍ واحدة، هذه الطبيعة لصالحهم، لصالح إيمانهم، لصالح إقبالهم على الله، لصالح تحقيق الهدف الكبير الذي خُلِقوا له في الدنيا.

الإنسان مبدع ومشرِّع وفرد لا ثاني له والإنسان مريد وهذا كلُّه تكريمٌ للإنسان :

 قال تعالى:

﴿ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾

 هذه الآية دقيقة جداً، خذها من الناحية الماديَّة، تجد شركة في شمال كندا تصنع دواء، هذا الدواء يُصدَّر إلى جنوب أستراليا، فيه مادَّة مسكِّنة، يأخذه إنسان في جنوب أستراليا، وبين البلدين بحارٌ شاسعة، وهناك انقطاعٌ بين البلدين، ومع ذلك المادَّة الفعَّالة في شمال كندا تؤثِّر وتفعل فعلها في جنوب أستراليا، معنى هذا أن بنية الإنسان واحدة، بنية جسمه واحدة.
 وربنا عزَّ وجل في خلقه إشارتان، الإشارة الأولى أنه واحد، الأساس واحد، وفي خلقه تنويع، ربنا عزَّ وجل واحد وواسع في وقت واحد، فكل إنسان له شكل، وله لون، وله نبرة خاصَّة، وله رائحة جلد خاصة، وله قُزحيَّة خاصَّة، وله زمرة دمويَّة خاصة، وله زمرة نسيجيَّة خاصَّة، وله بصمة خاصَّة، هذه هويَّة، رائحة جلده هويَّة، لا يتشابه إنسانان في الأرض برائحة جلدهما، القُزحيَّة توقيع. أحدث بحث علمي الآن، شكل القزحيَّة لا يشركك فيه أحد، حتى الآن توجد أجهزة، أقفال لا تُفْتح إلا على شكل قزحيَّتك، تضع عينيك على القفل فيفتح الباب، لأن الإنسان ينفرد بنسيجٍ خاصٍّ في قزحيَّته، وينفرد ببصمةٍ خاصَّة، وينفرد بتركيبٍ دمويٍ خاص، وينفرد برائحةٍ خاصَّة وبنبرةٍ صوتيَّةٍ خاصَّة، هذه كلِّها هويَّات له، فالإنسان فرد تكريماً له، الله جعله فرد لا شبيه له، وهذا من اسم الله جلَّ جلاله " الواسع ".
 فتكريماً للإنسان جعله فرداً، وجعله مختاراً، وجعل الإنسان فوق هذا وذاك مشرِّعاً، أي أعطاه آيات احتماليَّة ظنيَّة الدلالة، فالإنسان يجتهد باستنباط الأحكام، إذاً سمح الله له أن يكون مشرِّعاً، حينما كلَّفه أن يجتهد من نصوصٍ ذات طابع كُلِّي جاءت الأحكام التفصيليَّة، وسمح للإنسان أن يُبدع لأن طبيعة الكون فيها إمكان لأن تبدع؛ لديه مورِّثات، لديه كروزومات، وعنده أشياء كثيرة، تجد أنهم اخترعوا وردة سوداء، اخترعوا أشجاراً مقزَّمة، اخترعوا أشجاراً مُعَمْلَقَة، أجروا تطويرات كثيرة جداً، هذا ليس سبقاً من الإنسان، لا إنه بعلم الله، ربنا عزَّ وجل صمَّم الكون بطريقةٍ تمكن الإنسان من أن يبدع بها، فالإنسان مبدع، والإنسان مشرِّع، والإنسان فرد لا ثاني له، والإنسان مريد، هذا كلُّه تكريمٌ للإنسان.

المرأة من حيث التشريف والتكليف مساويةٌ للرجل تماماً لكنها تختلف عنه بالبنية :

 قال تعالى:

﴿ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَة ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾

 المرأة من طبيعة الرجل، نفسٌ بشريَّةٌ فُطِرَت كفطرته، وكُلِّفَت بما كُلِّف، طُلبَت بالإسلام والإيمان، مشرَّفةٌ ومكلَّفةٌ، لها مشاعر، لها أحاسيس، كل ما يحسُّ به الرجل تحس به المرأة، إذاً هي مخلوق، والدليل أنَّ الله عزَّ وجل قال:

 

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

 

[ سورة النحل: 97 ]

﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ﴾

[ سورة آل عمران: 195 ]

 إذاً المرأة من حيث التشريف والتكليف مساويةٌ للرجل تماماً، لكن من حيث البنيَّة الفيزيولوجيَّة والبنية النفسيَّة تختلف عنه باختلاف مهمَّتها في الحياة، لذلك قال تعالى:

﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ﴾

[ سورة آل عمران: 36]

الله عزَّ وجل سخَّر لنا الأنعام :

 الله عزَّ وجل قال:

﴿ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ﴾

 الضأن، والماعز، والبقر، والإبل، ذكور وإناث صارت ثمانية، هذه مسخَّرة، أخٌ كريم ذكر لي، في بعض القرى المحيطة بدمشق بقرةٌ جمحت وخرجت عن تذليلها، فقتلت رجلين وجرحت أربعة، فاضطُّر صاحبها ـ وقد دفع ثمنها سبعين ألف ليرة ـ أن يمسك مسدَّساً ويطلق عليها الرصاص لتقف عند حدِّها، هذه قصَّة عميقة جداً، لو أن البقر كله أصبح متوحِّشاً لاضطرب شأن الإنسان واختلت بعض معاييره، من جعل البقرة مذلَّلة؟ تعطيك الحليب، لحمها تأكله، وجلدها تستعمله، وضَرْعُها تتغذَّى منه، والألبان أساسٌ في قِوام حياة الإنسان؛ السمن، والجبن، واللبن، والحليب، والقشطة، والزبدة، أصناف منوَّعة جداً، تجد على المائدة عشرة أصناف كلُّها أساسها اللبن، تحضر عقد قران فيقدِّمون لك بوظة في الصيف، هذا من الحليب، في الشتاء محلاية من الحليب، كثير من الأكلات أساسها الحليب، معظم الحلويات أساسها الحليب، إذاً الله عزَّ وجل سخَّر هذه الأنعام.

﴿ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ﴾

الأنعام كلها مذلَّلة وهذه من نعم الله عزَّ وجل :

 التذليل، لو أن الله عزَّ وجل ركَّب طِباع الضبع في الأغنام، هل تستطيع أن تحضرها إلى البيت في العيد؟ يلعب بها الصغار؟ لا يستطيعون، لو أنه سبحانه لم يذلِّلها لما استفدنا منها، إذاً هي مخلوقةٌ تكريماً لنا، وفيها شيء قد لا تنتبه إليه، هو أنها منذ البدء مذلَّلة، مخلوقة مذلَّلة، قال:

﴿ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ ﴾

[ سورة يس: 42]

 انظر إلى الجمل، فهو يزن ثلاثة أطنان أحياناً، أو طنين، أو طناً ونصف الطن تقريباً، لو كان غير مذلَّل لدمَّر ما حوله، تجد طفلاً صغيراً يقوده، ينيخه شابٌ يافع، ويركب عليه ويمشي به لأنه مذلَّل، الأنعام كلها مذلَّلة، هذه من نعم الله عزَّ وجل، فعندما يقرأ الإنسان قوله تعالى:

﴿ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ ﴾

[ سورة يس: 42]

 ألا يشعر بعظمة هذه الآية؟ ألا يمتلئ قلبه امتناناً لله عزَّ وجل أن الحيوان مذلَّل؟ معنى (أنزل) إذاً أي سخَّر لكم، تفضَّل عليكم، الله عزَّ وجل عظيم، فإذا أعطى شيئاً فهو بمعنى أنزل، يقول لك: أنا تنازلت عن حقي أي هناك نزول، الفضل ينزل من الأعلى، هذا معنى:

 

﴿ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴾

 

علم الأجنَّة وحده يكفي كي تؤمن بالله عزَّ وجل :

 هذا الطفل الصغير، أي إذا أُتيح للإنسان أن يقرأ علم الأجنَّة، فعلم الأجنَّة وحده يكفي كي تؤمن بالله عزَّ وجل، فالطفل الصغير تراه كائناً جميل الصورة، له جمجمة، صندوق عظمي مغلق بمفاصل ثابتة، فيه تحرُّك بسيط ليمتص الصدمات، لو لم يكن هناك مفاصل بشكل خطوط منكسرة في الجمجمة لكان الطفل أول ما يقع على الأرض ويكسر رأسه يكسر، لكن أنت تسمع رنين رأسه على الأرض بشكلٍ صارخ، ومع ذلك ينجو من كسر الرأس، هذا بفضل وجود مفاصل بشكل خطوط منكسرة متداخلة، فإذا تلقى صدمةً تداخلت هذه المفاصل وامتصَّت الصدمة، والآن أحدث الأجهزة تبنى على هذه الطريقة، تجد فيها شيئاً من المرونة، وذلك لامتصاص الصدمات، تصميم من؟ وهذا الدماغ الذي فيه مئة وأربعون مليار خليَّة سمراء لا تُعرف وظيفتها بعد، وأربعة عشر مليار خليَّة قشريَّة فيها المحاكمة، والتفكُّر، والتذكُّر، والتخيُّل، والتصوُّر، ومركز السمع، والبصر، والرؤية، والحركة، وتوازن السوائل، والتوازن الحراري، ومركز الغدَّة النخاميَّة، موصول بها مئة وخمسون ألف عصب، ملكة الجهاز الهرموني، تفرز اثني عشر هرموناً، ملكة تسيطر على كل الغدد الصمَّاء في الجسم وزنها نصف غرام، مربوطة مع الجهاز العصبي بمئة وخمسين ألف عصب، تفرز مادَّة واحدة هي هرمون النمو مؤلَّف من مئة وثمانية وثمانين حمض أميني، والحمض الأميني أعقد تركيب كيماوي، ويجب أن يكون بالدم عشرة ميكرو غرام من هذا الهرمون لينمو النمو الطبيعي، وإلا يتعملق الإنسان أو يتقزَّم، أجل هذه النُخاميَّة تفرز اثني عشر هرموناً؛ هرمون النمو، والهرمون الجنسي، هرمون الثدي، إفراز الحليب، هرمون توازن السوائل، هرمون التوازن الحراري، أشياء لا يعلمها إلا الله.

الله عزَّ وجل يلفت نظرنا إلى آياته في أجسامنا :

 قال تعالى:

﴿ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ﴾

 أساسه نطفة صارت جمجمة، وأعصاباً، وخلايا عصبيَّة، وصار مخاً ومخيخاً، وبصلة سيسائيَّة، ونخاعاً شوكياً، وأعصاباً محوريَّة، أعصاب حركة، وأعصاب حس، وأوردة وشرايين، وقلباً، ودسَّامات محكمة تماماً، وثقب بوتال ينغلق عند الولادة، وتكون لديه دورة صغرى ثم تصير دورة كبرى، ورئتان، وشُعَب هوائيَّة، ومعدة فيها خمسة وثلاثون مليون عصارة هاضمة، تفرز لتراً ونصف اللتر من حمض كلور الماء، وهذا الحمض يتم الهضم به، وحتى الآن السؤال المحيِّر: لماذا لا تهضم المعدة نفسها؟ أنت أحياناً تأكل أبوات،وهي عبارة عن معدة الخروف، فلماذا معدة الخروف هضمتها معدة الإنسان وبينما معدتك لم تنهضم ذاتها؟ هذا سؤال كبير، لماذا لا تهضم المعدة نفسها؟ فالله عزَّ وجل يلفت نظرنا إلى آياته في أجسامنا:

﴿ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ ﴾

 نطفة، هذه النطفة عبارة عن حوين يتألَّف من رأس وعنق وذنب، إذا دخل إلى البويضة التصق بها، فيه مادَّة نبيلة لها غشاء رقيق يتمزَّق الغشاء، وهذه المادَّة تؤثِّر بجدار البويضة، تثقبه وتدخل، ثم تغلق البويضة الباب، لقد اكتفت بواحد، لا تعدُّد أزواج عند البويضَّة، دخل أقوى حوين، الحوين فيه مورِّثات، الحوين فيه خمسة آلاف مليون معلومة مبرمجة، أجل خمسة آلاف مليون معلومة مبرمجة في الحوين، وخمسة آلاف مليون معلومة مبرمجة في البويضة.

﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾

[ سورة الإنسان: 2]

 وبعد ذلك يجري الانقسام، تنقسم البويضة الملقَّحة إلى عشرة آلاف قسم دون أن يزيد حجمها، فهي تسير داخل أنبوب، والأنبوب رقيق، ودقيق جداً لو زاد حجمها لحبست، وفي الرحم يزداد حجمها؛ من نطفةٍ، إلى علقةٍ، إلى مضغةٍ مخلَّقةٍ، وغير مخلَّقةٍ، إلى عظمٍ، إلى لحمٍ، إلى طفلٍ صغير يبكي، ويبارك الأحبة لبعضهم، رزقوا مولوداً، طفل له عينان، وله أذنان، وله شعر، وله أنف، وله فم، وله لسان، وله يدان، وله أصابع، وله سُلاميَّات، يتحرَّك، يبكي، يضحك، يشرب حليباً، والطريق سالك ومفتوح، يحتاج إلى من ينظفه بعد ذلك، انهضم الحليب، فكل الآيات بين أيدينا، بين أيدينا جميعاً.

الظلمات الثلاث :

 قال تعالى:

﴿ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ﴾

 ظلمة غشاء الجنين، الغشاء الذي يحيط بالجنين هذا هو الخلاص، وظلمة الرَحِم، وظلمة بطن المرأة، البطن مظلم، بداخله الرحم، بداخل الرحم الجنين.
 الرحم هذا العضو في المرأة، حجمه سبعة ونصف سنتيمتر مكعَّب، أي كالإجاصة تماماً، بعد الحمل يكبر حجمه ويأخذ كل حيّز البطن، لكن كيف يخرج الجنين؟ قال تعالى:

﴿ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ﴾

[ سورة عبس: 20]

 هناك هرمون يأمر عظم الحوض فيتباعد، الولادة عمليَّة في منتهى التعقيد، لو درستم عِلم الأجنَّة وعلم الولادة شيءٌ لا يُصدَّق، الجهاز العظمي، الحوض يتمفصَّل ويتباعد قال:

﴿ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ﴾

[ سورة عبس: 20]

 تجد أن الطفل الصغير رأسه تقريباً قريب من عرض كتفيه، له نسب غير نسب الكبير، لو كان رأسه بحجم كتفيه لما استطاع الخروج، لكن له شكل انسيابي تقريباً يخرج بواسطته.

﴿ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ﴾

[ سورة عبس: 20]

قلب الأم المؤمنة وحده آيةٌ من آيات الله عز وجل :

 قيل: إن الرحم عندما يضغط جراء الطلق فلو أن الطريق مفتوح أمامه لقذف الطفل اثني عشر متر، أقوى عضلة في النوع البشري هي عضلة الرحم، هذا الرحم يتقلَّص تقلُّصاً خفيفاً لطيفاً ليخرجه شيئاً فشيئاً، بعد أن يولد يتقلَّص الرحم تقلُّصاً شديداً، قالوا: هذا التقلُّص الشديد من أجل أن يغلق عشرات ألوف الأوعيَّة الدمويَّة التي فُتِحَت، الطبيب أو القابلة تضع يدها على الرحم فتراه كالصخر فتقول: ولادة سليمة، الرحم بعد الولادة يصبح صخرياً، تقلُّصه قبل الولادة تقلُّص لطيف لئلا يموت الطفل، بعد الولادة تقلُّص عنيف، العلماء قالوا: لو انقلب حال هذه التقلُّصات لماتت الأم ووليدها، لو كان التقلُّص قبل الولادة تقلُّصاً حادَّاً لمات الطفل، ثم بعد الولادة لو كان التقلُّص لطيف لماتت المرأة من النزيف، فتصميم من؟ تصميم الله عزَّ وجل، هذا خلق الله، قال:

﴿ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ ﴾

 هذا هو الله، هذه أفعاله، هذا خلقه، يتبدَّى من خلال خلقه علمه، وحكمته، وخبرته، ورحمته، ولطفه، ومحبَّته، هناك حيوانات تأكل أطفالها، لكن الإنسان مكرَّم، ربنا عزَّ وجل أودع في قلب الأم رحمةً ما بعدها رحمة، قلب الأم وحده آيةٌ من آيات الله، طبعاً أعني المؤمنة، قلبها وحده آيةٌ من آيات الله عزَّ وجل.

﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴾

 لا إله غيره، إلى أين أنتم ذاهبون؟

كل الخير والسعادة من طريق الإيمان :

 قال تعالى:

﴿ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴾

 فأين تذهبون؟ السعادة من هنا، السعادة، والسلامة، والراحة النفسيَّة، والطمأنينة، وسعادة الآخرة، والبرزخ، والقبر، والتوفيق في الدنيا بالزواج، وبالعمل، وبالصحَّة، كل الخير من طريق الإيمان، وهو والكافر يسير بالعكس، فإلى أين يمضي؟ إذا رأى الوالد ابنه وقد هيَّأ له أسباب الدراسة في مدرسة من أرقى المدارس، وأعطى له كل لوازمه، ثم رأى الوالد ابنه يمشي في طريق آخر يقول له: إلى أين ذاهب؟ تعال إلى هنا، إلى أين تجري؟ إن هذا الطريق الذي أنت فيه طريق اللهو والضياع، هنا طريق العلم، طريق المستقبل، ربنا عزَّ وجل قال:

 

﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴾

 لا إله إلا هو، لا إله غيره، فأنَّى تصرفون؟! والآياتٍ الأخرى نتابعها إن شاء الله تعالى في الدرس التالي يقول الله عزَّ وجل:

 

 

﴿ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾

 هذه الآية إن شاء الله نؤخِّرها إلى درسٍ قادم.

 

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018