الدرس : 15 - سورة الشورى - تفسير الآيات 47-53 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 15 - سورة الشورى - تفسير الآيات 47-53


1994-05-13

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون... مع الآية السابعة والأربعين من سورة الشورى.

دعوة الله عز وجل لعباده أن يطيعوه و يستجيبوا له:

 مع الدرس الخامس عشر من هذه السورة، الآية الكريمة وهي قوله تعالى:

﴿ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنْ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ(47)﴾

( سورة الشورى)

 أيها الأخوة...

 

﴿ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ (47) ﴾

 

( سورة الشورى)

 الله سبحانه وتعالى يدعونا في هذه الآية إلى أن نستجيب لله، ومعنى أن نستجيب له أي أن نتوب إليه، أو أن نطيعه.

الإيمان حياة القلوب:

 الله سبحانه وتعالى في آيةٍ أخرى يقول:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ (24) ﴾

( سورة الأنفال)

 فالإنسان قبل أن يؤمن ميِّت، أما إذا عرف الله سبحانه وتعالى فأصبح حياً، فالإيمان حياة القلوب، وهذا الجسد يحتاج إلى طعامٍ وشراب حتى يحيا، أو حتى يستمرَّ في حياته، ولكن النفس البشريَّة تحتاج إلى الإيمان حتى تحيا، فصدِّقوني أن كل إنسانٍ غفل عن ربه في حكم الميِّت. قال: " يا بني مات خُزَّان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة ".

من عاش لمآربه الدنيوية إنسان ميت و لو كان على قيد الحياة:

 يجب أن نفهم أيها الأخوة أن للقلب حياةً، وأن للجسد حياةً، والجسد قد نفحصه بمعايير طبيَّة فإذا هو في أعلى درجات نشاطه، ولكن لو فحصنا قلب الإنسان (قلب نفسه) فقد نراه ميِّتاً، وربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

(سورة النحل: من آية " 21 " )

 ميِّت، هذا الذي يعيش لحظته، يعيش لمآربه الدنيويَّة، ولا يعرف ربَّه، ولا يأتمر بأمره، ولا ينتهي بنهيه، ولا يسعى للآخرة فهذا ميِّت، بل إن بعض الأجانب الذين قالوا: كل إنسانٍ لا يرى في هذا الكون قوّةً هي أقوى ما تكون، عليمةً هي أعلم تكون، حكيمةً هي أحكم ما تكون هو إنسانٌ حي ولكنَّه ميّت. قال هذا الكلام أعلم علماء الفيزياء، فيجب أن نفرِّق بين حياة الجسد وحياة القلب.: " يا بني مات حُزَّان المال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر ".

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ (24) ﴾

( سورة الأنفال)

﴿ أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ (122) ﴾

[ سورة الأنعام]

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾

(سورة النحل: من آية " 21 " )

 أسوق لكم الآيات الكريمة، والأحاديث الشريفة، وأقوال الصحابة الكرام من أجل أن تتضح لنا الحقيقة..

أمراض الجسد تنتهي عند الموت وأمراض النفس تبدأ بعد الموت:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾

(سورة الشعراء)

 معافى من الأمراض، فأمراض الجسد أيها الأخوة تنتهي عند الموت ولكن أمراض النفس تبدأ بعد الموت، ويستمرُّ عذاب الإنسان بأمراضه النفسيَّة إلى أبد الآبدين، لكن أمراض الجسد مهما تكن وبيلةً فتنتهي عند الموت، ويقول لك: مات واستراح. لكن الكافر يبدأ عذابه بعد الموت والناس نيام إذا ماتوا انتبهوا، فالإنسان حينما لا يستجيب لله عزَّ وجل يموت قلبه، وإذا مات قلبه ضلّ عقله وشقيت نفسه، والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى(123) ﴾

( سورة طه )

 ومن لم يتبع هدى الله عزَّ وجل ضلَّ عقله وشقيت نفسه.

من اتبع رضوان الله سعد في الدنيا و الآخرة:

 والإنسان أيها الأخوة قد ينطلق من منطلق نفسي، ما منَّا واحدٌ إلا ويحب نفسه ؛ ويحب وجوده، وسلامة وجوده، وكمال وجوده، واستمرار وجوده.و انطلاقاً من حبه لنفسه عليه أن يستجيب لله عزَّ وجل، فالإنسان يحب استمرار الوجود، والإنسان يحب أن يعمَّر مئة سنة، ما من إنسان إلا ويشتهي ذلك، ولكن ما الذي يجعلك تسعد إلى أبد الآبدين ؟ أن تستجيب لله عزَّ وجل، لكن لو أراد الإنسان الدنيا وحدها فهو يقامر، لأن كل آماله متعلِّقة بضربات قلبه، فلو وقف القلب فجأةً انتهى كل شيء، وتحوَّل عنه كل شيء، وخسر كل شيء، خسر الدنيا وخسر الآخرة، ولذلك لا يرتاح الإنسان ولا تطمئن نفسه إلا إذا شعر أنه إذا توفَّاه الله فله عند الله جنَّة وسعادة، قال تعالى:

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(61)﴾

( سورة القصص )

من ابتعد عن الله عز وجل شعر بقلق يأكل قلبه:

 في أعماق الإنسان البعيد عن الله قلق، وشعور بالخوف من المستقبل، تُرى ماذا يخبِّئ له المستقبل ؟ يخبئ له مرضاً عضالاً ؟ تُرى هل المرض في قلبه، وفي كبده ؟ أو في كليتيه ؟ وفي الخلايا ورم غير طبيعي ؟ تُرى هل ينتظره حادث ؟ هل في شيخوخة يُردُّ إلى أرذل العمر ؟ هذا القلق المخيف الذي يأكل قلوب العباد سببه البعد عن الله عزَّ وجل.
 والآن يوجد أمراض متفشِّية في العالم من أبرزها مرض الكآبة، يقول لك: نوبات كآبة. لأن خطُّه البياني نازل وليس صاعداً، وكلَّما تقدَّمت به السن ضعفت إمكانيَّته في الاستمتاع بالحياة، ويكون في أوج عطائه، فتقاعد وأصبح على الهامش، والكلام لأولاده، قال:

﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا (23) ﴾

( سورة الإسراء)

 كان ابنك عندك، فصرت عنده، فهذا الخط البياني حينما ينزل فالمؤمن العاقل الأريب الموفَّق، هو الذي يسعى ليكون خطه البياني صاعداً باستمرار، فإذا عرفت الله عزَّ وجل فخطُّك البياني صاعد، وإذا تقدَّمت بك السن فلك شيخوخةٌ متألِّقة ؛ فيها العطاء، والوقار، والحب، والقوَّة والنبي عليه الصلاة والسلام من أدعيَّته:

 

(( ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا ))

 

[من كنز العمال: عن " ابن مبارك " ]

المؤمن متفائل لا ينتظر من الله إلا الخير:

 المؤمن متفائل، لا ينتظر من الله إلا الخير، والسعادة، والسلامة، ولكن بشرط أن تستجيب له، وأن تعقد الصلح معه، وأن تعود وتنيب إليه، وأن تأتمر بأمره، وتنتهي عمَّا عنه نهاك..

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ (24) ﴾

( سورة الأنفال)

 ومعنى هذا دعوة الله عزَّ وجل أنه يدعوك لحياة القلب، فإذا أصبح قلبك حياً عشت به سعيداً في الدنيا وبعد الموت، ولا يوجد ما يجذب نظر قارئ السيرة أكثر من أن أصحاب رسول الله رضوان الله تعالى عليهم ما منهم واحدٌ إلا وكان يعيش أسعد لحظات حياته عند مفارقة الدنيا. ولو سألت الآن طبيباً يعمل في أمراض عضالة يقول لك: حينما يشعر المريض بأنه قد أُصيب بهذا المرض تنهار أعصابه، ويصبح كالأطفال، لأنه سينتقل من كل شيء إلى لا شيء، أما المؤمن فسينتقل من شيء إلى كل شيء.

شعور العبد أن الله يحبٌّه شعور لا يقدَّر بثمن:

 النبي عليه الصلاة والسلام صوَّر انتقال المؤمن من الدنيا إلى الدار الآخرة فقال:

(( كما ينتقل الجنين من رحم أمِّه إلى سعة الدنيا ))

[ورد في الأثر]

 كان الجنينُ يعيش في سبعمئة وخمسين سنتيمتراً مكعَّباً في الرحم فانطلق إلى الدنيا، والمؤمن كذلك ينتقل بالموت من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، كما ينتقل الجنين من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا. فنحن نسعى إلى الراحة النفسيَّة، والراحة النفسيَّة لا تكون إلا بمعرفة الله، في فراغ.
 والله أقول لكم هذا الكلام: لا يملؤه لا المال، ولا الجاه، ولا السلطان، ولا الصحَّة، ولا الذكاء، ولا العلو في الأرض، لا يملؤه إلا أن تعرف الله، وأن تكون متبعاً لأمره، فشعور العبد أن الله يحبٌّه شعور لا يقدَّر بثمن، وشعوره أنه في ظل الله، وفي رحمته، والله يدافع عنه..

المؤمن كل جهده في الدنيا يتجه إلى حُسن العلاقة بالله:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَانُ وُدًّا(96) ﴾

( سورة مريم )

 هذا الشعور بالانتماء إلى خالق الأكوان، شعور بالانتماء إلى رب العالمين، وأنك في ظل الله، وأن الله لا يتخلَّى عنك، وأنه يحبُّك، وأنك كما قال الله عزَّ وجل:

﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾

( سورة الطور: من آية " 48 " )

 وهذا الشعور لا يقدَّر بثمن، وإذا شئتم عليه دليلاً: فالإنسان أحياناً يعقد صلة مع إنسان قوي أو ذي شأن في المجتمع، فالأرض عندئذٍ لا تسعه، فإذا كان معه صورة مع شخص مهم يضعها في صدر بيته، ويطلع عليها الزوَّار تأكيداً لهذه العلاقة، ولكن المؤمن علاقته الطيِّبة بربِّه، فالمؤمن ربَّاني أي أن كل جهده في الدنيا يتجه إلى حُسن العلاقة بالله والقضيَّة سهلة جداً، وكل هؤلاء الذين تقع عينك عليهم هم عباد الله، فإذا أكرمت واحداً منهم فكأنَّك أكرمت ربَّك، وإذا نصحت الناس يرضى الله عنك، وإذا كنت لهم وفياً وخدمتهم وصدقتهم يرضى الله عنك.

على كل إنسان أن يصطلح مع نفسه:

 الإنسان إذا صدق مع عباد الله قاطبةً (دون تعيين) كان صادقاً، ومخلصاً، وأميناً، وخيِّراً، ومعطاءً، فالخلق كلُّهم عيال الله وأحبُّهم إلى الله أنفعهم لعياله. أما آن الأوان أن يصطلح الإنسان مع نفسه ؟ وأن يدخل معها في سلام، لأن الفطرة عالية، فعندما ينحرف الإنسان فهناك عذاب داخلي، وهناك غليان داخلي، ووخز، وتأنيب، وتضييق، يقول لك: متضايق، الأرض كلُّها لا تسعني، وأكاد أنفجر. فلماذا تنفجر ؟ إنك آكل شارب نائم، تملك كل شيء، فلماذا الضيق ؟ هذا ضيق البُعد عن الله، أو ضيق العذاب النفسي، وضيق تعذيب الفطرة لذاتها.

يوم الدين لا يستطيع أحدٌ أن يردَّه:

 لذلك فربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ (47) ﴾

( سورة الشورى)

 ومعنى:

﴿ لَا مَرَدَّ لَهُ ﴾

 أحياناً يكون الإنسان على موعد مع شخص فيلغي الموعد، وأن يقف أمام فلان في اليوم الفلاني، فيعمل واسطة ويؤخِّر اليوم إلى شهر، أخي أجِّل لي الدعوى لأسباب مرضيَّة، فيأتي بتقرير طبي يؤجِّل الدعوى، فالأيام الحاسمة في حياة الإنسان قد تؤجَّل أو قد تُلغى، فإذا كنت أقوى من خصمك فتلغي الدعوى كلِّها فتنشطب مثلاً، وإن كان عليك مسؤوليَّة وسؤال وجواب، فإذا كان لك شخص أقوى من الذي سيسألك فيلغي لك اللقاء كله، فهذا اليوم الحاسم هل يُلغى، فالإنسان بحياته الدنيا يحتال أحياناً على إلغاء الأيام الحاسمة في حياته، إما أنه يغادر، أو يلغي، أو يتوسَّط، أو يكون أقوى من الشخص الذي سيحاسبه فلا يأتي فهذه الأيام الحاسمة أيام الحساب، وأيام دفع الثمن، وأيام الحُكم، فهذا اليوم قد يُرد، أو يُدفع، أو يُلغى، أو تهرب منه، أو تبعده عنك ولكن يوم الدين لا يستطيع أحدٌ أن يردَّه..

 

﴿ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ ٍ(47) ﴾

 

( سورة الشورى)

يوم القيامة هو اليوم الحاسم عند كل إنسان:

 هذا اليوم الحاسم، هذا اليوم الذي تُسأل فيه عن مالك من أين اكتسبته ؟ وفيم أنفقته ؟ وتُسأل عن شبابك فيم ضيَّعته ؟ وتسأل عن عمرك فيم أفنيته ؟ وتسأل عن علمك ماذا عملت به ؟ هذا اليوم:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7) ﴾

( سورة الزلزلة )

 تحاسب فيه على الابتسامة، وعلى الإعطاء، والأخذ، والكلمة والنظر..

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ﴾

(سورة غافر: من آية " 19 " )

 هذا اليوم لا مردَّ له..

﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾

( سورة فصلت: من آية " 40 " )

 فهذا أمر تهديد:

﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾

 كل شيء محسوب..

 

(( عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ))

 

[ من الجامع الصغير: عن " علي " ]

 والله هذا الحديث الشريف يكفي العباد:

(( عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به))

 يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَر))

 

[ من سنن الترمذي: عن " أبي هريرة " ]

على كل إنسان أن يستجيب لله قبل فوات الأوان:

 كلام خالق الكون بين يدينا، يقول: يا عبادي استجيبوا قبل فوات الأوان، وقبل أن يأتي يومٌ لا بيعٌ فيه ولا شراء، وقبل أن يأتي يومٌ..

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾

(سورة الشعراء)

 وقبل أن يأتي يومٌ تقول فيه:

﴿ يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي( 24 ) ﴾

( سورة الفجر)

﴿ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا( 27 ) ﴾

( سورة الفرقان )

﴿ يَاوَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا( 28 ) ﴾

( سورة الفرقان )

 قبل أن يأتي يومٌ تقول:

﴿ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيه(25)وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيه(26)يَالَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ(27)مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيه(28)هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيه(29)﴾

( سورة الحاقة )

 من رحمة ربنا عزَّ وجل أن هذه المواقف الحاسمة أخبرنا ربنا عنها قبل فوات الأوان، وهذه المواقف التي لابدَّ أن تقع أُخْبِرْنَا عنها قبل أن تقع.

خيار الإنسان مع الإيمان خيار وقت فقط:

 إذاً:

﴿ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ (47) ﴾

( سورة الشورى)

 هذا ينقلنا إلى الحقيقة الثانية، إخواننا الكرام أنت لك خيار، وخيارك مع أشياء كثيرة خيار قبول أو رفض، أتشتري هذا البيت ؟ تقول لا. أتسافر لهذه الجهة ؟ تقول: نعم أسافر. فخيارك مع أشياء كثيرة خيار قبول أو رفض، إلا أن خيارك مع الإيمان خيار وقت فقط، أي أنك لابدَّ من أن تؤمن الآن أو بعد فوات الأوان، فلا ينجو من هذا الخيار ولا فرعون، قال:

﴿ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ(90) آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ(91)﴾

( سورة يونس )

من لم يؤمن الآن فلابدَّ من أن يؤمن بعد فوات الأوان:

 هذه النقطة دقيقة جداً، يجب أن تبعث الإنسان إلى مزيد من الطاعة إلى الله، خيارك خيار وقت، إن لم تؤمن الآن فلابدَّ من أن تؤمن بعد فوات الأوان..

﴿ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ (47) ﴾

( سورة الشورى)

 هذا اليوم لا نهرب منه، ولا نستطيع أن تؤخِّره، ولا أن تتحاشى المسؤوليَّة فيه، هذا اليوم..

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾

( سورة الحجر)

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) ﴾

( سورة الزلزلة )

 قالت السيدة عائشة:

(( يا رسول الله أيعرف بعضنا بعضاً يوم القيامة ؟ قال: نعم يا أمَّ المؤمنين إلا في أربعة مواضع: عند الصراط، وعند الميزان، وإذا الصحف نُشِرَت، وفيما سوى ذلك قد تقع عين الأم على ابنها تقول له: يا ولدي جعلت لك بطني وعاءً، وحجري وطاءً، وصدري سقاءً فهل من حسنةٍ يعود عليَّ خيرها اليوم ؟ يقول: ليتني أستطيع ذلك يا أمَّاه إنما أشكو مما أنتِ منه تشكين))

[ورد في الأثر]

 التركيز على هذا اليوم..

 

﴿ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ (47) ﴾

 

( سورة الشورى)

العاقل من هيأ لله جواباً عن كل عمل قبل أن يلقاه:

 إخواننا الكرام... قبل أن تقول كلمة، وقبل أن تُعطي، وأن تغضب، وأن تبتسم، وأن تصل، وتقطع، وتُسافر، وتؤسِّس هذا المشروع هيِّئ الجواب لله، لماذا فعلت هذا يا عبدي هل معك حجَّة ؟ أو دليل ؟ وهل هناك آية تجيز عملك ؟ فالمؤمن العاقل دائماً عنده هاجس واحد: ماذا أقول لربي يوم القيامة ؟.
 دخلت زوجة عمر بن عبد العزيز عليه فرأته يبكي قالت له:" مالك تبكي ؟ ". قال لها: " دعيني وشأني " فلمَّا أصرَّت عليه قال: " وُليت هذا الأمر فنظرت إلى الفقير الضائع، وابن السبيل، والشيخ العاجز (وذكر أصنافاً من المعذَّبين) فعلمت أن الله سيسألني عنهم جميعاً، وأن حجيجهم يوم القيامة هو رسول الله، فلهذا أبكي ".
 يجب عليك ولو كنت في أية وظيفة ظلمت إنساناً، أو اعتديت عليه أو ألبسته تهمة بالباطل، أو ابتززت ماله، فيما إذا كنت قوياً، أو ذكياً بالاحتيال، أو أوهمته أن معه مرضاً خبيثاً، وأنه يحتاج إلى تحاليل كثيرة فالإنسان أحياناً يكسب المال حراماً إما بقوَّته أو بحيلته، فإذا قوي فبقوَّته ادفع، وإذا لم يكن قوياً فبحيلته، فقبل أن تأخذ المال هل أخذته حلالاً طيِّباً ؟ وهل أخذته وفق الشرع إن كنت تاجراً ؟ أم هل غششت الناس ؟ أم أوهمتهم أن هذه البضاعة من نوع خاص وهي أقل بكثير من ذلك ؟

الله عز وجل لا يكلف الإنسان إلا بما أقدره عليه:

 فيا أيها الأخوة الكرام... هذه آيةٌ حاسمة:

﴿ اسْتَجِيبُوا (47) ﴾

( سورة الشورى)

 النجاة النجاة، ما دام القلب ينبض، ومادام الإنسان يمشي على قدميه وبإمكانه أن يحضر مجلس علم، وبإمكانه أن يغض بصره، ويضبط لسانه، وينزِّه سمعه عن كل ما لا يرضي الله عزَّ وجل، ويصلح بيته، ويقيم فيه الإسلام، ويصلح عمله، وكله بيده، فأنت لا يكلِّف الله نفساً إلا وسعها الله لا يكلِّفك إلا بما أقدرك عليه.

على كل إنسان أن يتلافى أموره الخاطئة من قبل أن يأتي يوم لا مرد له:

 فيا أيها الأخوة...

﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ (47) ﴾

( سورة الشورى)

 يعض على إصبعه ندماً. أضرب هذا المثل دائماً: وأحياناً إنسان يرتكب جريمة، ويُساق إلى المحكمة، ويحاكم، ويحكم عليه بالإعدام، ويصدَّق الحكم، ويساق إلى المشنقة. والآن أمام المشنقة هو مرتكب جريمة، ومعترف بها، والحكم مستأنف ومميَّز، والقرار مصدَّق من أعلى سلطة في البلد، والآن تنفيذ الحكم إعدام، أيحب أن يبكي فيبكي، أيحب أن يضحك فيضحك، أيحب أن يتماسك فيتماسك، أيحب أن ينهار أتركه يسقط، فلابدَّ من تنفيذ الحكم فيه، وهذا هو الطريق المسدود، وهذا هو اليوم الذي لا مردَّ له، فنحن الآن في بحبوحة، ويمكن أن نتلافى أمورنا كلها، والإنسان يجب أن يضحك.

كلمة ليت لا تنفع الإنسان يوم الحساب:

 أستطيع أن أعمل مراجعة دقيقة لدخلي، ولإنفاقي، ولبيتي، ولضبط البيت، ولكن يأتي يوم لا مرد له، ويقف الإنسان أمام طريق مسدود مهما فعل، لو قال:

﴿ يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي( 24 ) ﴾

( سورة الفجر)

 كلمة ليت لا تنفعه، ولو قال:

﴿ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا( 27 ) ﴾

( سورة الفرقان)

 لا تنفعه..
 ويا ليتني أرد ولا أكذِّب، لا تنفعه:

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ(99)لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾

( سورة المؤمنون )

 لا تنفعه..

﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ(34) ﴾

( سورة المطففين )

﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ(104)أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ(105)قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ(106)رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ(107)قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ(108)﴾

( سورة المؤمنون )

 هذا اليوم ما له مرد، وهذا الطريق المسدود لا توصل نفسك إليه، وبالعمر بقيَّة، وبحبوحة، وأنت نشيط الآن..

يوم القيامة ليس بإمكان أي إنسان أن يتهرب منه:

﴿ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ (47) ﴾

( سورة الشورى)

 قال لك: غض بصرك، قال لك: نزِّه سمعك.. من استمع إلى صوت قينةٍ صُبَّ في أذنيه الآنك يوم القيامة، قال لك: اضبط بيتك..

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾

( سورة التحريم )

 آيات قرآنيِّة كلها..

 

﴿ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾

 

( سورة النساء: من آية " 29 " )

 لو كان فيها احتيال فليس فيها تراض، ولو كُشف للطرف الآخر أنك احتلت عليه أيرضى عنك ؟ إنه لا يرضى، فليس هناك بيع عن تراضِ فهذا البيع صار مشبوهاً، فالأمر بيدنا الآن، ولكن عند الموت ليس بيدنا، والآن باختيارك أن تهتدي، وأن تستقيم، وأن تصدق، فهذا اليوم الذي لا مردَّ له ليس هناك إمكان أن تتهرَّب منه، ولا أن تهرب منه، ولا أن تدفعه، ولا أن تستصدر استثناء خاصاً بك: ولا أن فلاناً يطوى من الحساب، فهذا اليوم لا مردَّ له..

عدم وجود أي ملجأ يلجأ إليه الإنسان هرباً من الحساب:

﴿ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ(47) ﴾

( سورة الشورى)

 إذاً اليوم لا مردَّ له فهل هناك ملجأ، إذا وجد قصف صاروخي وهناك ملجأ فنصف مصيبة، أما هذا اليوم فلا مردَّ له ولا ملجأ تلجأ إليه من هذا اليوم، ولا جهة في الخلق جميعاً تُنكر عليك، أو تنكر على من يصيبك ما أصابك. فأحياناً الإنسان يُعاقب، ولكن له ناساً يحتجون، ويعترضون، ويكتبون، وينشرون مقالة، ويتجمَّعون، ويطالبون ويتوسَّطون، ففي الدنيا لو أصاب إنساناً ظلم فهناك من ينكر هذا الظلم الذي لحق به، فالعلماء قالوا:

 

﴿ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ(47) ﴾

 

( سورة الشورى)

 أي لا أحد يستطيع أن يستنكر ما حلَّ بهذا الإنسان.

كل إنسان يوم القيامة يحاسب بمفرده:

 لأنه:

﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾

( سورة الأنعام: من آية " 94 " )

 ففي الحياة الدنيا يوجد تجمُّعات، وجماعات، يقول لك: هذا من جماعتي والله إذا أحد اقترب عليه نعمل كذا وكذا. لا يوجد ذلك يوم القيامة ففي الدنيا أحياناً ينتمي الإنسان إلى جماعة فتحميه، وقد تحميه على الحق إذا كانت جماعة مؤمنة، وعلى الباطل إذا كانت جماعة غير مؤمنة، وفي الآخرة:

 

﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾

 

( سورة الأنعام: من آية " 94 " )

 لا يقدر أحد أن يتكلَّم بكلمة.

عدم استطاعة الإنسان إنكار ذنوبه يوم القيامة لأن أعماله كلها مسجلة عليه:

 لذلك:

﴿ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ(47) ﴾

( سورة الشورى)

 لا أحد يستنكر ما يحل بكم من عذاب، وليس بإمكانكم أن تنكروا الذنوب التي وقعت، وفي الدنيا إذا لم يوجد على الإنسان مستمسك، أو وثيقة، أو سند، أو صورة مثلاً فينكر، ويقول: هذا اتهام المتهمين وافتراء المفترين، وهذه محاولة تشويه لسمعتي. أما إذا وجد مستمسك، أو صورة، أو كتاب، أو مكالمة هاتفية مسجَّلة فصار مداناً، ولكن يوم القيامة لا يستطيع الإنسان أن يُنكر أي ذنبٍ اقترفه، لأن هذا الذنب يعرض عليه. والآن أحدث المخالفات تُرسل الصورة مع التاريخ والساعة إلى البيت، وهذه المخالفة، لا يستطيع أن يتكلَّم ولا كلمة.
 حدَّثني شخص فقال لي: كنَّا في بلد أجنبي، فجاءتني مخالفة بسعر غالٍ كثيراً، فأنا على عادتي اعترضت أن هذا غير معقول، وأنا ما كنت في هذا المكان في هذه الساعة. فذهب لكي يحتج على المخالفة ذات الرقم العالي فقابلوه بأعصاب باردة، قال له: انتظر. دخل وعاد بالصورة صورة المركبة وهي تخالف بالساعة والتاريخ، فخجل، ولكن الآن تضاعفت المخالفة لأنك لم تصدِّقنا، فجعلوه يدفعها مرة أخرى فالصورة مسكتة.
 فأن تقول: أنا لم ارتكب هذا الذنب. تعرض أعمال الإنسان على الإنسان متحرِّكة، ملوَّنة بأحجامها الحقيقيَّة، فالآن لا تستطيع أن تنكر الذنوب التي اقترفتها، ولا أحد يستنكر ما يحل بك.

من عدَّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت:

﴿ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ (47) ﴾

( سورة الشورى)

 متى هذا اليوم ؟ هل هناك إنسان يضمن أن يعيش ساعة بعد هذه الساعة ؟ قال: " من عدَّ غداً من أجله فقد أساء صحبةالموت ".
 كلُّكم يسمع من حين لآخر موت فلان وموت فلان، اسألوا أقرباءه وليس هناك إنسان يموت إلا وهو يفاجأ بموته، وفي مخيلته أشياء لعشرين سنة، أو خمس عشرة، أو ثلاث عشرة. وقد رويت لكم قصَّة لا أنساها: جلست مع إنسان في التعليم قال لي: أريد أن أستقيل وأذهب إعارة لبلد شمالي إفريقيا (بلد عربي) فهناك العمل مريح جداً والمعاش ثلاثة أمثال. وأنا أستمع له. ويقول: وسأقضي أول صيفيَّة في فرنسا، والثانية في إنكلترا (حافظهم) والثالثة في إسبانيا، والرابعة في إيطاليا، وسأقضي الصيفيَّة بأكملها أتملَّى معالم هذا البلد، ريفه، ومتاحفه، وعادات أهله وتقاليده، وأنا لا أحب هذه الزيارة المستعجلة، وقال ثم أرجع بعد خمس سنوات أقدِّم استقالة وأتقاعد، فشيءٌ جميل ! وأفتح محلاً تجارياً وأضع فيه تحفاً، ولا أريد هذه الأشياء التي لها انتهاء مدَّة وعطبها سريع بل تحف جيدة، ويكون أولادي قد كبروا فأضعهم في هذا المحل. وأنا أسمع له وضيَّفني كأساً من الشاي وخرجت من عنده وذهبت إلى بيتي، وعندي بعد الظهر ساعات ليلاً، وأنا أعود إلى البيت مشياً رأيت نعوته على الجدران، والله في اليوم نفسه وليس غداً ثاني يوم. قال: " من عدَّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت ".

 

على كل إنسان أن يستعد للقاء الله عز وجل:

 هذا اليوم الذي لا مردَّ له متى ؟ لو كان بعد سنة (فجيِّد ماشي الحال) ولكنك لا تعرف متى، أترى فجأةً ؟ أم خثرة في الدماغ فجأةً ؟ أو سكتة قلبيَّة. واحد ينتظر أن يأخذ مئة وعشرين مليوناً ميراثه من شخص ثري وحصَّته من الميراث هذه، وهو يعمل ليلاً ونهاراً، ويغسل وجهه وقع ميِّتاً ولم يقبض قرشاً واحداً. فالحياة ملأى بهذه القصص ؛ بيت لا يُسكن، وصاحبه معه شهادة عُليا لا يستخدمها، ويكتب كتابه ولا يتزوَّج، فهذا اليوم متى ؟ لا نعرف، من منا يضمن أن يعيش بعد ساعة ؟ أبداً، فما دام اليوم الذي لا مرد له، نهاية الحياة هذا اليوم ليس بيدي، إذاً عليَّ أن أكون مستعدَّاً دائماً للقاء الله عزَّ وجل.

كل إنسان مخير و ما على الرسول الكريم إلا التبليغ:

 قال:

﴿ فَإِنْ أَعْرَضُوا (48) ﴾

( سورة الشورى)

 الإنسان مخيَّر، أنت يا محمَد عليك أن تبلِّغ..

﴿ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ(18) ﴾

( سورة العنكبوت )

﴿ يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ﴾

(سورة المائدة: من آية " 67 " )

 أنت عليك أن تبلِّغ..

 

﴿ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (48) ﴾

 

( سورة الشورى)

 فلست بمكلَّفٍ أن تسجِّل أعمالهم وأن تحاسبهم، فأنت مبلِّغ فقط، فإذا بلَّغت فقد انتهى أمرك، والإنسان يقف بعد الحج أمام قبر النبي اللهمَّ صلِّ عليه يقول له: " أشهد أنك بلَّغت الرسالة وأديت الأمانة، ونصحت الأمَّة وكشفت الغُمَّة، وجاهدت في الله حقَّ الجهاد، وهديت العباد إلى سبيل الرشاد ". انتهى، بلَّغ، لأن الإنسان مخيَّر..

من آثر دنياه على آخرته إنسان تافه شارد عن الحق:

﴿ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ (48) ﴾

( سورة الشورى)

 لكن هذا الإنسان الشارد، الذي لم يستجب لله عزَّ وجل، الذي آثر الدنيا إنسان تافه، ودليل تفاهته قال:

 

﴿ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا (48) ﴾

 

( سورة الشورى)

 يختل توازنه، تجد الإنسان إذا نجح في الحياة فقلما يبقى متماسكاً، يحكي عن حاله، وعن إنجازاته، وأمواله، ودخله الكبير، ونجاح شركته، ومبيعاته المُتنامية، ورحلاته، وصفقاته، وبيته، ويعزمك إلى البيت ليريك كم متر مساحته، فالبلاط أتى به من إيطاليا، وهذا القوس عمله له فلان، ودائماً يحكي لك عن حاله، والذي عنده هذه الإمكانيَّة يفتخر ويتباهى ويعرض منجزاته على الناس قال: هذا الإنسان..

 

﴿ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا (48) ﴾

 

( سورة الشورى)

 ولكن هذا فرح غير مرغوب فيه..

على كل إنسان ألا يفرح بالدنيا لأنها سريعة الزوال وشيكة الانتقال:

﴿ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ(76) ﴾

( سورة القصص )

 أي لا تفرح بالدنيا لأنها سريعة الزوال وشيكة الانتقال، من عرفها لم يفرح لرخاء، لأنها مؤقَّتة، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عُقبى..

﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ(48) ﴾

( سورة الشورى)

 فوضعه مضطرب، على العطاء يختل توازنه، ويستخفُّه الفرح، وعلى المُصاب ينهار وييئس، وهذا الإنسان البعيد عن الله بين اليأس القاتل وبين الفرح المُضحك، خفيف.

ثقة المؤمن بالله عز وجل ثقة كبيرة:

 أما المؤمن فلا تستخفُّه الدنيا، ولا تسحقه الآلام، متماسك، في البلاء صابر في الرخاء شاكر..

(( عَجِبْتُ لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ إِنْ أَصَابَهُ مَا يُحِبُّ حَمِدَ اللَّهَ وَكَانَ لَهُ خَيْرٌ وَإِنْ أَصَابَهُ مَا يَكْرَهُ فَصَبَرَ كَانَ لَهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ أَمْرُهُ كُلُّهُ لَهُ خَيْرٌ إِلا الْمُؤْمِنُ ))

[ من مسند أحمد: عن " صهيب " ]

 فهذا التماسك، مع المصاب له أمل بالله عزَّ وجل، واثق، بأن يفرجها عليه الله، وقد حدَّثني أخ فقال لي: ذهبت لأجري عملية في القلب في بلد أجنبي، وكنت أنتظر إجراء العمليَّة فدخلت ممرِّضة تحمل دكتوراه نسَّقت الأزهار، وسألتني دون أن تلتفت إلي: ما عمليَّتك ؟ فقلت لها: العملية الفلانيَّة، ومن طبيبك ؟ فقلت فلان، وهو من أشهر أطبَّاء بريطانيا قالت له: غير معقول هل قبل ؟ قال لها: نعم قبل. قالت له: غير معقول هذا من الصعب أن يقبل. قلت لها: قبل وأنا جئت على موعد. قالت: هذا عمل مئة ألف عمليَّة ولا واحدة خابت معه، وقد تكلمت بهذا الكلام فارتاح له، وبعدما دفع الفاتورة فإذا فيها مكتوب: ألفا جنيه رفع للمعنويات.
 المؤمن لا يحتاج لأن يدفع ألفين لرفع المعنويات، معنوياته عالية سلفاً، ولا حاجة لمن يرفع له معنوياته، هو واثق بربِّه، فهم أدركوا أن الإنسان عندما يكون عنده معنويات عالية يشفى سريعاً، فالعضويَّة تعينه على الشفاء، والمؤمن وحده عنده معنويات عالية، فله ثقة بالله عزَّ وجل وأكبر ثقته أن الله لا يتخلَّى عنه، وأن الله لا يسلمه، وأن الله لا يقدِّر له إلا الخير..

 

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا﴾

 

( سورة التوبة: من آية " 51 " )

 هذه المعنويات العالية لا تجدها ولا بمئة مليون، أن تشعر أن خالق الكون يحبَّك ولا يتخلَّى عنك، وهو أقوى الأقوياء، وكل خصومك بيده..

المؤمن غال على الله عزَّ وجل و لن يضيعه أبداً:

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(56)﴾

[ سورة هود]

 سُجل عليه ألفين مقابل أنها قالت له: كيف قبل غير معقول !. قال لها: معقول أنا جئت على موعد. قالت له: عمل كذا عمليَّة ولا واحدة أخطأ فيها. فارتاح، وعندما وثق من الطبيب وارتاح أن العملية ناجحة سلفاً، فهذه العضويَّة المتفائلة تعين على شفاء ذاتها، هكذا القاعدة الطبيَّة. أما المؤمن وهو في أشد الحالات تجده واثقاً من الله عزَّ وجل، فالله لا يضيعني، ولن يتخلَّى عني، فالنبي عليه الصلاة والسلام مرِض فأعطي دواء ذات الجنب، فغضب غضباً شديداً، وقال: ذلك مرضٌ ما كان الله ليصيبني به.
 استنبطوا من هذه الواقعة أن المؤمن غال على الله عزَّ وجل، فهو يؤدِّبه، في أمور كبيرة كثيرة صعب أن يسوقها الله عزَّ وجل للمؤمن، فهو يرحمه ولا يفضحه، ودائماً يسبل عليه ستره، وخاصة في غيبته، وكان سيدنا علي إذا سافر يقول: "اللهمَّ أنت الرفيق في السفر، والخليفة في الأهل والمال والولد ". تُرى أي جهة في الكون تكون معك في السفر ومع أهلك في الحضر ؟ مستحيل إلا الله عزَّ وجل. فعندما يدعو الإنسان ربه عزَّ وجل بهذا الدعاء إذا سافر، أحياناً في غيبة الإنسان تصير مشكلة، ويصير حادث دهس، ومرض مفاجئ، وحالة خطرة، فأحياناً تشوُّه بوجه ابنته بسبب وقوع إبريق الشاي عليها، فالإنسان إذا سافر يكون قلقاً، أما إذا دعا هذا الدعاء: " اللهمَّ أنت الرفيق في السفر، والخليفة في الأهل والمال والولد "، يستريح.

من عرف ربه و استقام على أمره ألقى في قلبه السكينة و الأمن:

 هذه راحة النفس لا تقدَّر بثمن، وإذا عرف الإنسان الله عزَّ وجل واستقام على أمره يلقي الله في قلبه السكينة، فتجد في قلب المؤمن سكينة لو وزِّعت على أهل بلدٍ لكفتهم، فهو واثق من الله عزَّ وجل، فلن يضيِّعه ولن يخذله، ولن يسلمه، ولن يجعل لكافرٍ عليه سلطاناً، أنت خائف من الله في البيع والشراء، فهل يخيفك من إنسان ترجف أمامه ؟ حاشا لله، إذا كنت خائفاً منه لا يخيفك من أحدٍ آخر، أما إذا لم تخف منه، فتستغل ثقة الناس فيك، وتقتنص أموالهم بالباطل، وتغشَّهم، فيأتيك شخص لا تقيم له وزناً يجعلك تضطرب، فكثير من الأشخاص دخل عندهم موظف ليحاسبهم على السعر وما السعر، فسقطوا أرضاً وإسعاف إلى العناية المشدَّدة رأساً، ما تحمَّلوا، فأنت تخاف من الله فيما بينك وبين العباد فالله لن يخيفك من عبدٍ مثلك ؟ لا والله حاشا لله (من هاب الله هابه كل شيء) " ومن خاف من الله خافه كل شيء، ومن لم يخف من الله أخافه الله من كل شيء ".

الإنسان مخير في الدنيا لا مسير:

 المؤمن متماسك، والله يلقي في قلبه الثبات، ويلقي في قلبه الأمن..

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾

( سورة الأنعام)

 فالإنسان مخيَّر..

﴿ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا(48)﴾

( سورة الشورى)

 فرحه بهذه الرحمة يستخفُّه..

الله سبحانه وتعالى يملك كل شيء خلقاً وتصرُّفاً ومصيراً:

﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ (48) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

 سابقاً قلت لكم كلمة أن الله يملك السماوات والأرض وهذه أوسع أنواع المُلكيَّة، إنها مُلكيَّة خَلْق، ومٌلكية تصرُّف، وملكية مصير، ونحن بني البشر أحياناً نملك التصرُّف ولا نملك المصير، أو نملك المصير ولا نملك حق الانتفاع (بيت مؤجِّره بسعر رخيص) وقد تملك الانتفاع والرقبة ولكن لا تملك المصير (قد ينظَّم هذا المكان فيعطونك عشر قيمة بيتك) إذاً الإنسان ملكيَّته محدودة، لكن الله سبحانه وتعالى يملك كل شيء خلقاً وتصرُّفاً ومصيراً..

 

تكريماً للبنات قدَّم الله عز وجل الإناث على الذكور في هذه الآية:

 

﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ(49)﴾

 فالله عزَّ وجل قدَّم الإناث على الذكور تقديم تكريم، لأن العرب كانوا يكرهون البنات في جاهليَّتهم..

 

﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ(58) ﴾

 

( سورة النحل )

 ولذلك فربنا عزَّ وجل تكريماً للبنات قدَّم الإناث على الذكور، ولكن جعل الإناث نكرةً..

 

﴿ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا (49) ﴾

 

( سورة الشورى)

 ويجب أن تكون المرأة محجَّبةٌ لئلا تُعْرَف، من هنا جاء التنكير..

تعريف الذكور في هذه الآية تعريف تشريف:

﴿ وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ(49) ﴾

( سورة الشورى)

 أخَّر الذكور لكن الله عزَّ وجل عرَّف الذكور، والتعريف تعريف تشريف، قال:

 

﴿ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ(50)﴾

 فالعقيم من الله، والذي عنده خمسة بخمس أو ثلاث باثنين، أو اثنتين بثلاثة، واحد بواحدة فمن الله، والذي عنده ست بنات فمن الله، والذي عنده ثمانية ذكور فمن الله..

 

 

﴿ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ(50)﴾

 

الله عز وجل جعل صفوة خلقه بأحوال متفاوتة تغطي كل البشر:

 سيدنا لوط آتاه الله الإناث وحدهن، وسيدنا إبراهيم آتاه الله الذكور، وسيدنا محمَّد آتاه الله الذكور والإناث، وسيدنا يحيى جعله الله عقيماً، فهؤلاء الأنبياء صفوة الخلق واحد آتاه الله ذُكراناً، وواحد آتاه إناثاً، وواحد جعله عقيماً، وواحد آتاه ذكوراً وإناثاً، وكل واحد منا كيفما كان وضعه يوجد نبي عظيم يشبهه، ونبي ابنه سيئ كابن سيدنا نوح، ونبي والده كان كافراً، ونبي زوجته كافرة، ونبي كان قوياً، ونبي كان ضعيفاً ونبي كان غنياً، ونبي كان فقيراً، والذي كان فقيراً فله أسوة بالنبي عليه الصلاة والسلام، كان راعي غنم.
 فهذه الدنيا لا قيمة لها، فالله جعل صفوة خلقه بأحوال متفاوتة تغطي كل البشر، ولو أن امرأة تُكلِّم في شرفها وهي بريئةٌ براءةً حقيقيَّة فلها في السيدة عائشة أسوة حسنة، وزوجة النبي عليه الصلاة والسلام تكلَّم الناس عنها كلاماً لا يرضي، ولكن الله برَّأها، فكيفما تحرَّكت فهناك نبيٌ أو صحابيٌ، أو تابعيٌ يُغَطِّي هذه الحالة..

كل ما جاء من عند الله عز وجل وحي لا يملك النبي استقدامه ولا دفعه:

﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50) وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا ﴾

 والآن ظاهرة الوحي ختم الله بها هذه السورة، أي أن هذا الذي جاء من عند الله عزَّ وجل هو وحي، وليس شيئاً تراءى للنبي، عندما كان يأتيه الوحي وكانت الناقة تبرك لثقله، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يتفصَّد عرقاً، ومرَّةً كانت رُكبة النبي فوق ركبة ابن عبَّاس فكادت تَنْحَطِم، فالوحي شيء ثقيل جداً يأتي، ولا يملك النبي استقدامه ولا دفعه، فلمَّا تحدَّث الناس عن عائشة رضي الله عنها تأخَّر الوحي شهراً، فماذا يفعل النبي ؟ الوحي تأخَّر، إلى أن جاء الوحي ببراءتها بحكمةٍ بالغة.

 

أنواع الوحي:

 

1 ـ إما أن يأتي الوحي على شكل إلهام:

 إذاً:

 

﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ(51)﴾

 إما أن يأتي الوحي على شكل إلهام، كما قال عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( إن روح القدس نفثت في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها فاتقوا الله عباد الله، وأجملوا في الطلب واستجملوا مهنكم))

 

[ورد في الأثر]

 هذا وحي على شكل إلهام.

 

2 ـ أو إيحاء عن طريق التكليم:

 أو إيحاء عن طريق التكليم، كما كلَّم الله موسى من وراء حجاب.

 

 

3 ـ أو عن طريق سيدنا جبريل:

 

 أو أن يأتي سيدنا جبريل فيوحي للنبي ما يريد الله أن يوصله إليه.

عدم استطاعة أي إنسان أن يرى الله في الدنيا:

﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ(51)﴾

 بعضهم قال:

 

﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا ﴾

 عن طريق جبريل..

 

 

﴿ أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ (51) ﴾

 كما كلَّم الله موسى، ولكن ما رآه، ولا يستطيع بشرٌ على الإطلاق ولو كان نبياً أن يرى الله في الدنيا، وهذه حقيقة..

 

﴿ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾

( سورة الأعراف: من آية " 143 ")

 إذاً عندما كلَّم الله سيدنا موسى كلَّمه من وراء حجاب.

لا طريق نأخذ منه الحق إلا عن طريق الأنبياء:

 الاتجاه الآخر في الآية أن الله عزَّ وجل..

﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا ﴾

 عن طريق سيدنا جبريل..

 

﴿ أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ (51) ﴾

 كما كلَّم الله موسى تكليماً..

 

 

﴿ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ﴾

 فنحن الآن نحن نُبلَّغ عن طريق رسول الله، وبقية البشر يبلَّغون عن طريق الرسل، والله عزَّ وجل يبلِّغ الأنبياء وصفوته من خلقه عن طريق سيدنا جبريل، أو التكليم، وهم يبلِّغون البشر، وهذا اتجاه آخر بالآية..

 

اختار الله تعالى الأنبياء لتبليغ رسالته لأنهم معصومون وقِمَمٌ في معرفة الله وطاعته:

﴿ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51) ﴾

 فالوحي تبليغ السماء للأرض، خالق الكون خلق الخَلق ألا ينبغي لهم أن يبلِّغهم ؟ لماذا خلقهم ؟ وماذا يريد منهم ؟ ألا ينبغي لهم أن يعرِّفهم بذاته ؟ وبأمره ونهيه، بما أعدَّ لهم بعد الموت ؟ فالله سبحانه وتعالى عن طريق الوحي بلَّغ الخلق لماذا خلقهم ؟ وماذا أوجب عليهم ؟ وما الذي يشقيهم ؟ وما الذي يسعدهم ؟ وماذا بعد الموت ؟ وأين كانوا بعد الموت ؟ ومن الذي خلقهم ؟ وأسماؤه وصفاته، هذا هو مضمون الوحي..

 

﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا ﴾

 أما عن غير طريق الأنبياء فهذا كلَّه دَجَل، فالسماء لا تتصل بالأرض (أي بالخلق) إلا عن طريق الأنبياء والمرسلين، وكل العلماء يجب عليهم أن يأخذوا عن الأنبياء، فالعالم ناقل ولكن لا يوجد عالم يأتيه الوحي أو يبتدع شيئاً، لأن الأنبياء معصومون..

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ(33) ﴾

(سورة آل عمران )

 فالأنبياء معصومون، وهم قِمَمٌ في محبة الله، وقِمَمٌ في معرفة الله وطاعته، والإخلاص له، ولذلك اصطفاهم وجعلهم أنبياءه ورسله، وأوحى إليهم، وأيَّدهم بالمعجزات، وأمرهم بالتبليغ، وعصمهم عن الخطأ إذاً لا طريق نأخذ منه الحق إلا عن طريق الأنبياء، أما أي شخص آخر مهما كان عظيماً، ومهما كان عبقرياً، أو ذكياً، أو مُطَّلعاً، أديباً كبيراً أو مصلحاً اجتماعياً فهو يخطئ ويصيب، ونأخذ ما هو حق وندع ما هو باطل.

دور العلماء دور التبيين فقط:

 هناك نقطة مهمَّة جداً، إذا اعتقدنا أن هناك جهة أخرى يمكن أن تستقي منها المعرفة، والمَنهج، والحقائق نكون دخلنا في متاهات لا تنتهي، ونحن لا نعتقد إلا أن الحق من عند الله، وعن طريق الأنبياء، ومهمة العلماء التبيين فقط، فالعالِم الحقيقي عبارة عن لوح بلور شفَّاف، يشفُّ عن دعوة الأنبياء، فلا شيء من عنده إطلاقاً، وكما قال سيدنا الصديق: " إنما أنا متبع ولست بمبتدع ". أي إنسان مهما علا شأنه في الحياة لا يمكن أن يأتي بجديد..

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا﴾

( سورة المائدة: من آية " 3 " )

 وانتهى الأمر، فدور العلماء دور التبيين، ولا يجوز لإنسان أن يقول لك شيئاً من دون دليل، ومن هو حتَّى يقول لك: هذا من عندي ؟ وما جاءنا عن صاحب هذه القبَّة الخضراء فعلى العين والرأس، وما جاءنا عن غيره فنحن رجال وهم رجال، كل رجلٍ يؤخذ منه ويُردُّ عليه إلا صاحب هذه القبَّة الخضراء، لأنه معصوم.

أمانة الأنبياء أمانة التبليغ وأمانة العلماء أمانة التبيين:

 قال لك:

﴿ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

( سورة الحشر: من آية " 7 " )

 وانتهى الأمر، قال لك:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾

( سورة الأحزاب: من آية " 21 " )

 هو يأمرك وينهاك، وتقتدي بسيرته، ونأخذ عنه جميعاً، والعلماء كلُّهم عالةٌ على رسول الله يأخذون منه، ويوضِّحون للناس سُنَّته، وانتهى دورهم، أما هل يستطيع عالم أن يقول لك: خذ هذا من عندي ؟ لا، فالعلماء دورهم دور النقل والتبيين، والأنبياء دورهم دور تلقِّي الوحي والتبليغ، فأمانة الأنبياء أمانة التبليغ، وأمانة العلماء أمانة التبيين..

﴿ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾

( سورة آل عمران: من آية " 187 " )

 هذا هو الوحي، فليس هناك حق من غير طريق الوحي، وهناك دجاجلة مضللون، وأصحاب أهواء، وأصحاب مصالح، ودجَّالون، ومنحرفون، وأفَّاكون، فلا نأخذ الحق إلا من الله عن طريق الوحي، وعن طريق فهم الأنبياء لهذا الوحي. وعندنا أصلان كتاب الله وسنة رسوله، ما إن تمسَّكنا بهما فلن نضلَّ بعدها أبداً، ولا يمكن أن يستمر الدين كما بدأ إلا بهذه الطريقة، ألا نضيف عليه شيئاً وألا نحذف منه شيئاً.

حياة قلب الإنسان لا تكون إلا بهذا الدين العظيم:

 وآخر آية:

﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا (52) ﴾

( سورة الشورى)

 كلمة:

﴿روحاً﴾

 أي أن هذا الوحي بمجمله، فالقرآن بمجمله، والسنة التي بيَّنته بمجملها سمَّاه الله روحاً، أي يهبك الحياة، كنت ميتاً قبل هذا الوحي، فأحياك الله بهذا الوحي، إذاً هو روح..

 

﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا (52) ﴾

 

( سورة الشورى)

 هذا روح، أي أن حياة القلب بهذا الدين، وهذا القرآن..

عدم معرفة النبي الكريم تفاصيل الدعوة إلى الله حتى جاءه أمر الله تعالى:

﴿ مَا كُنْتَ (52) ﴾

( سورة الشورى)

 يا محمَّد..

 

﴿ مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ (52) ﴾

 

( سورة الشورى)

 النبي عليه الصلاة والسلام وبقية الأنبياء معصومون قبل البعثة، أما هنا..

 

﴿ مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ (52) ﴾

 

( سورة الشورى)

 تعني شيئاً آخر، أي أنت مؤمن بالله، محبٌ له، محسن لخلقه، لكن تفاصيل الشريعة ما كنت تعرفها، وطريق الدعوة إلى الله لا تعرفه..

 

﴿ مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ (52)﴾

 

( سورة الشورى)

 فهذا الكتاب بتفاصيله، بالعبادات الشعائريَّة، وبالعبادات التعامليَّة، وبالأمر، والنهي، والأخلاق، والمعاملات، والعقائد، وهذا الكتاب ما كنت تعلمه يا محمَّد.
 وما كنت تعلم أيضاً كيف تدعو إلى الله.

قدوم الوحي بتفاصيل الشريعة و الطريقة في الدعوة إلى الله:

 جاءك الأمر: افعل كذا، ادع كذا، خاطب الناس بهذه الطريقة..

﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾

( سورة النحل: من آية " 125 " )

﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾

( سورة آل عمران: من آية " 159" )

 أي جاء الوحي بتفاصيل الشريعة وبتفاصيل الطريقة في الدعوة إلى الله..

الدعوة إلى الله تعالى مآلها صراطٌ مستقيم:

﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾

 نور.
 تصوَّر إنساناً ماشياً في طريق فيه ظلام دامس، وبهذا الطريق حفر، وأكمات، وصخور، ومنزلقات، ووحوش، وحشرات قاتلة، فلو أن معك مصباحاً منيراً، فهذا المصباح المنير يقيك الوقوع في الحفرة، والارتطام بالصخرة، ويقيك أن تلدغك الحشرة، وكل هذه الأخطار تتلافاها بهذا النور.

من سار إلى الله تعالى وصل إلى طريق الجنة:

 الصلاة نور كما قال عليه الصلاة والسلام، والمؤمن مستنير يرى الحق حقاً والباطل باطلاً، قال:

﴿ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(52) ﴾

( سورة الشورى)

 هذه الدعوة مآلها صراطٌ مستقيم ومعنى مستقيم أي أقصر الطرق إلى الله..

 

﴿ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ(53) ﴾

 

( سورة الشورى)

 أي أنت يا محمَّد تهدي إليَّ، وكل دعوتك مآلها إليَّ، وأنتم أيها المؤمنون حينما تتلقون هذا الوحي بالفهم للقرآن والتطبيق، فأنتم تسيرون في الطريق إلى الله، فبالتعبير الدارج: فهل تعرف مع من أنت ماشٍ ؟ أنت ماشٍ بطريق يوصل إلى الجنَّة..

 

(( إِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ ))

 

[ من سنن الترمذي: عن " صفوان بن عسَّال المرادي " ]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018