الدرس : 14 - سورة الشورى - تفسير الآيات 44-46 ،الدنيا ليست مقياساً للتفاضل بين الناس - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 14 - سورة الشورى - تفسير الآيات 44-46 ،الدنيا ليست مقياساً للتفاضل بين الناس


1994-05-06

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الرابع عشر من سورة الشورى.

على الإنسان أن يعفو عمن يعتقد أنه بالعفو عنه يقربه من الله:

 مع الآية الكريمة الرابعة والأربعين وهي قوله تعالى:

﴿ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ(44)﴾

( سورة الشورى )

 أيها الأخوة... قبل أن أمضي في الحديث عن هذه الآية الكريمة، سُئلت سؤالاً في الأسبوع الماضي حول آيات الدرس السابق، والسؤال هو: يبدو أن في الآية مفارقةً بين قوله تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ(39)وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ (40)﴾

( سورة الشورى )

 كأن الله سبحانه وتعالى يثني على المؤمنين الذين إذا أصابهم البغي ينتصرون، ثم يقول:

 

﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(40) ﴾

 

( سورة الشورى )

 فكيف نوفِّق بين أن ينتصر المؤمن على من بغى عليه، وبين أن يعفو عنه ؟ ذكرت في الدرس الماضي جانباً من تَبْيَان المفارقة بين الجزئين، والحقيقة إذا غلب على ظنِّك أنك إذا عفوت عن إنسانٍ أساء إليك سيجعله يجترئ على ظلم الآخرين فيجب ألا تعفو عنه، ويجب أن تنتصر منه، أما إذا غلب على ظنِّك أنك إذا عفوت عنه أصلحته وقرَّبته إلى الله عزَّ وجل فيجب أن تعفو عنه، وهذا هو المقياس.

من عفا عن غيره أجره على الله لا يقدر بثمن:

 المؤمن لقوة التوحيد الذي ملأ كيانه ليس له حظٌ وليس له رغبةٌ في الانتقام، ولكن إذا كان الأصلح، والأكمل، والأحكم أن تنتصر من هذا الذي بغى عليك كي تردَعه عن أن يظلم إنساناً آخر، فالحكمة أن تنتصر منه، أما إذا رأيته قد نَدِم، وكان ضعيفاً أمامك، ورأيت فيه جانباً من الخَير بحيث أنك إذا عفوت عنه تقرِّبه من الله عزَّ وجل، وتُنْهِضُهُ وتعينه على نفسه فالأولى أن تعفو عنه، فهذا هو المقياس..

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ(39)وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ (40) ﴾

( سورة الشورى )

 الأجر ما بيَّن، قال:

 

﴿ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ (40) ﴾

 

( سورة الشورى )

 ولو أن أحداً (من باب التقريب) قال لك: أجرك من الملك. ماذا تعني كلمة مَلِك ؟ هل سيعطيك قلم رصاص ؟ وهل ليرة واحدة سيعطيك ؟ فماذا تعني أجرك من الملك ؟ شيء لا يقدَّر..

 

﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ (40) ﴾

 

( سورة الشورى )

على كل مسلم أن يوقع الجزاء العادل بمن بغى عليه إن كان العفو لا ينفع معه:

 أنت حينما تكون قادراً على أن توقع الجزاء العادل بمن بغى عليك، لكنك رأيت أنك إذا عفوت عنه تنهضه من كبوته، وتعينه على شيطانه، وتقرِّبه من ربِّه ومن المسلمين، وتجعله ينضمُّ إلى المؤمنين بعفوك عنه فيجب أن تعفو عنه ولكن أين حقُّك ؟ أجرك على الله. إذا كان لك مع واحد ألف، وقال لك شخص: سامحه وخذ مني مليوناً. ألا تسامحه ؟..

﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ (40) ﴾

( سورة الشورى )

 إذاً الذي يجمع بين طرفي الآية هو أنه إذا غلب على ظنِّك أنك بعفوك عنه تقرِّبه، فيجب أن تعفو عنه، أما إذا غلب على ظنِّك أنك بعفوك عنه تجعله يجترئ، ويعتدي على إنسان آخر فيجب عليك أن توقفه عند حدِّه.

الله تعالى منتقم إذا أساء الإنسان يوقفه عند حدِّه ويحمله على الاستقامة:

 لعمري إن معنى المنتقم، المنتقم اسمٌ من أسماء الله عزَّ وجل، فإذا قلنا: فلان انتقم. لا نشعر أننا نثني عليه، فكأننا نَذُمُّهُ، فالله سبحانه وتعالى منتقم بمعنى إذا أساء الإنسان يوقفه عند حدِّه ويحمله على الاستقامة وعلى التوبة والانتقام من الله ليس بالمعنى الذي نفهمه فيما لو نُسِبَ هذا الاسم إلى الإنسان، الانتقام من الله عزَّ وجل يعني أن الله إذا رأى عبداً طغى وبغى، واستمرأَ الظلم، وتجاوز الحدود، واعتدى يعالجه معالجةً يوقفه بها عند حدِّه رحمةً به، لأن الله عزَّ وجل قال:

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180) ﴾

( سورة الأعراف )

 أسماؤه كلُّها حسنى، وكماله مُطْلَق، وكل ما في الكون ينطق بوجوده ووحدانيَّته وكماله، فهذا التوضيح من الدرس السابق..

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ(39)وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(40)﴾

( سورة الشورى )

الله عز وجل خلق الإنسان ليهديه لا ليضله:

 أما الدرس الذي بدأنا به..

﴿ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ(44)﴾

( سورة الشورى )

 إخواننا الكرام... لا يعقل أن يَخْلِقَ الله الإنسان ليهديه إليه ثمَّ يضلِّه، هذا الشيء لا يتناسب مع روح القرآن، ولا يتناسب مع سرِّ الوجود..

﴿ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

( سورة هود: من آية: " 119 " )

 فكيف يضلُّهم ؟ ماذا نفعل بالآيات التي تعزو الإضلال إلى الله عزَّ وجل ؟
 الحقيقة أن الله جلَّ جلاله سمَّى القرآن الكريم مثاني ومعنى مثاني أي أن كل آيةٍ تنثني على أختها فتفسِّرها.

إذا عُزي الإضلال إلى الله فهو:

1 ـ الإضلال الجزائي المبني على الضلال الاختياري:

 قال تعالى:

﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾

( سورة الصف: من آية: " 5 " )

 فإذا عُزيت إزاغة القلب إلى الله، قال العلماء: هذه الإزاغة الجزائيَّة المبنيَّة على زيغٍ اختياري. وإذا عُزي الإضلال إلى الله فهو الإضلال الجزائي الذي بني على ضلالٍ اختياري.
 وأنا دائماً أوضِّح هذه الآية بمثل في متناولكم جميعاً: عندما لا يداوم طالب بالجامعة، ولا يشتري كتباً، ولا يؤدي امتحاناً، لقد أعطي فرصةً ليسجِّل فلم يسجِّل وأُنْذِر فلم يستجب وأُعطي فرصة استثنائيَّة ليقدِّم الامتحان من خارج الجامعة فلم يقدِّم، أرسل له مندوب شخصي ليقنعه بمتابعة الدراسة فلم يستجب، اسمه داخل السجلات وعندئذٍ صدر قرارٌ بترقيم قيده من الجامعة، فهل هذا الترقيم ظلمٌ له ؟ إن هذا الترقيم تعبيرٌ عن موقف الطالب، إنه ترقيمٌ جزائيٌ مبنيٌ على اختيارٍ ذاتيٍ من الطالب، فكلَّما عُزي الإضلال إلى الله عزَّ وجل، فهو الإضلال الجزائي المبني على ضلالٍ اختياري ويؤكِّد هذا المعنى قوله تعالى:

﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾

( سورة الصف: من آية: " 5 " )

 وهذا هو المعنى الأول الذي يمكن أن نَلْمَحَهُ من الضلال.

 

2 ـ أو هو الضلال الحُكْمِيّ:

 المعنى الثاني كما قال بعض العلماء: هو الضلال الحُكْمِيّ. كيف ؟ يضربون على ذلك مثلاً يوضِّح الفكرة: فأنت في الطريق إلى بلدةٍ بعيدة، وفي منتصف الطريق رأيت فرعين رئيسين للطريق، يا ترى أحمص من أي الفرعين ؟ رأيت رجلاً يقف على المفرق فسألته: أين حمص ؟ قال لك: من هنا. فقلت له: جزاك الله خيراً. وعندما رأى منك هذا الود وهذه الاستجابة، وهذا التقدير أعطاك عشرات المعلومات الإضافيَّة قال: انتبه بعد كذا كيلو متر يوجد تحويلة، وبعد كذا كيلو متر يوجد حاجز وبعد كذا كيلو متر هناك سؤال، وهنا في الطريق مُنزلق. فأنت عندما قبلت هذا الإرشاد من هذا الإنسان أعطاك معلوماتٍ كثيفةً كثيرةً، قال تعالى:

 

﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى(13) ﴾

( سورة الكهف )

 جاء إنسان آخر فرأى طريقين متشابهين من دون لوحة، ورأى رجلاً يقف فقال له: من أين حمص ؟ قال له: من هنا. قال له: أنت كاذب. فهل بإمكان هذا الدليل أن يعطيك المعلومات الإضافيَّة ؟

 

من رفض الدين سيرفض تفاصيله أيضاً:

 

 الإنسان عندما رفض الدين أصلاً فكل الميزات، والتفاصيل، والأحكام، والأدلَّة، والقواعد، وأصول التعامل، وأصول التربية، وأصول كسب المال، وكل هذه الحقائق والقوانين حُرِم منها حكماً وأضلَّه الله ورفض الإنسان أصل الدين ورفض جوهر الدين، إذاً تفاصيل الدين، وأحكام الزواج، وأحكام الطلاق، والبيع، والشراء، وطريق تربية الأولاد والسعادة في النفس. إنه رفض الأصل وكان مع رفضه الأصل رفضه للتفاصيل، إذاً هذا أيضاً إضلال، ولذلك قال الله عزَّ وجل:

﴿ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ (44) ﴾

( سورة الشورى )

 الحالة الثانية.

 

3 ـ أو أن الله تعالى يضل عن شركائه و لا يضل عن ذاته:

 الحالة الثالثة دقيقة جداً، أن الله سبحانه وتعالى لا يضل عن ذاته بل يضلُّ عن شركائه، فأنت حينما تتخذ إنساناً إلهاً لا تقول: هو إله. لا لكن تعتمد عليه، وتثق به، وتطيعه في كل شيء ولو عصيت الله عزَّ وجل، فحينما ترى أن هذا الإنسان ينفعك، ويرفعك، ويعطيك، ويغنيك، وأن رضاه جنَّة وغضبه نار، فلو تركك ربنا عزَّ وجل على ما أنت عليه لمتَّ مشركاً، ماذا يفعل ؟ لا يضلِّك عن ذاته بل يضلُّك عن هذا الشريك. أي وأنت في أحوج ما تكون إليه يتخلَّى عنك، وأنت في أشد الشعور بأنه قوي يريكه ضعيفاً متخاذلاً، وأنت تظنُّ أنه وفيّ يبدو لك لؤمه، فالله أضلَّك ولكن ما أضلَّك عن ذاته بل أضلَّك عن شركائه.

 

الإنسان حمل الأمانة ومن لوازمها أنه مُنِح حريَّة الكسب:

 لو أن معلِّماً مخلصاً رأى طالباً يروِّج بين زملائه أسئلةً يدَّعي أنها من المدرِّس، وهو كاذب بهذه الدعوى، فلو جاء المدرِّس بهذه الأسئلة في الامتحان، لقوَّاه ودعَّمه، فماذا يجب أن يفعل المدرِّس ؟ أن يأتي بأسئلةٍ لا علاقة لها إطلاقاً بهذه الأسئلة التي يروِّجها هذا الطالب، كي يكشف كذبه ويجعله صغيراً، هذا معنى آخر من معاني الضلال. فالله سبحانه وتعالى يضلُّ عن شركائه.
 فالمعنى الأول: هو الضلال الجزائي المبني على الضلال الاختياري.
 والمعنى الثاني: هو الضلال الحُكْمِيّ، بمعنى أن الإنسان رفض أصل الدين فخسر تفاصيل الدين، والأحكام الدينيَّة، وأساليب الحياة السعيدة.
والمعنى الثالث: هو أن الله سبحانه وتعالى يضلُّ عن شركائه، ولا يضلُّ عن ذاته.
 وهذه المعاني الثلاثة تليق بأسماء الله الحسنى، مضلٌ عن شركائه، مضلٌُ أي يحقِّق اختيار العبد، أنت جئت إلى الدنيا على أساس أنك مختار، وأن لك إرادةً، فإذا أصررت على شيء فلابدَّ من أن يُنَفَّذ وهذه طبيعة الأمانة، فالإنسان حمل الأمانة، ومن لوازمها أنه مُنِح حريَّة الكسب، فلو أصرَّ على الضلال فلابدَّ من أن يسمح الله به، ليس معنى أنه أراد أي رضي، قد يريد ولا يأمر وقد يريد ولا يرضى، أمرك بالطاعة ورضي لك الطاعة، لكنَّك إذا أصررت على المعصية سمح لك بها تنفيذاً لوعده (فالفكرة دقيقة جداً) ما أمرك بالمعصية، ولا رضي لك المعصية، لكنَّك إذا أصررت عليها سمح لك بها، لأن هذا هو التكليف، وهذه هي حرية الكَسْبِ، وهذه هي الأمانة التي حُمِّلتها.

كل إنسان خلقه الله تعالى في طور الاختيار و الابتلاء:

 إذاً فرَّق علماء التوحيد بين إرادته، وبين أمره، وبين رضاه، أراد ولم يأمر، وأراد ولم يرضَ..

﴿ إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ(8) ﴾

( سورة إبراهيم )

﴿ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ﴾

( سورة الزمر: من آية: " 7 " )

﴿ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ(28) ﴾

( سورة الأعراف )

 لم يأمر ولم يرضَ، ولكنَّه أراد بمعنى أنه سمح. أي إذا كنت صيدلياً وتحتاج إلى موظَّف على مستوى عالٍ من العلم، فجاءك موظَّف متمرِّن وأردت أن تمتحنه، فجئت بكمية من الأدوية ووضعتها على الطاولة وقلت له: هذه الخزانة فيها مضادات حيويَّة وهذه الخزانة فيها فيتامينات وهذه فيها سموم وهذه فيها كذا، فهذه الأدوية ضعها في أمكنتها. فإذا مسك دواء الفيتامينات ووضعه مع السموم، وتحرَّك باتجاه هذه الخزانة، فأنت إذا منعته ألغيت اختياره وهو الآن في طور الامتحان، فيجب أن تسمح له بالتحرُّك الخطأ، فالآن أنت تمتحنه، فيجب أن تسمح له بذلك. فأنت في طور الاختيار والابتلاء.

كل إنسان يحاسب يوم القيامة على اختياره في الدنيا:

 لمَّا يختار الإنسان المعصية ويصرُّ عليها يُسمح له بها، فهذا معنى أن الله سبحانه وتعالى أراد من هذا العبد أن يعصيه وبمعنى أنه سمح له وبمعنى أن الله سبحانه وتعالى حينما جاء به إلى الدنيا، جاء به على هذا الأساس، فما هو الأساس ؟

﴿ كُلا نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا(20)﴾

(سورة الإسراء )

 اطلب تُعطَ..

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا(18)وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا(19)كلا نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا(20)﴾

( سورة الإسراء )

 كلام واضح كالشمس، بيِّن، قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( تُرِكتُمْ على الواضِحَةِ، لَيلُها كَنَهَارِها ))

 

[أخرجه الموطأ.الحديث موقوف إسناد صحيح]

من يصرّ على الضلال و يرفض الدين فالنار مثوى له:

 إذاً:

﴿ وَمَنْ يُضْلِلْ (44) ﴾

( سورة الشورى )

 فعندما يصر الإنسان على الضلال، ويضلُّه الله جزاء اختياره، أو عندما يرفض الدين أصلاً، ويضلُّه الله ضلالاً حكمياً، أو أن الله سبحانه وتعالى يضلُّه عن شركائه..

 

﴿ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ (44) ﴾

 

( سورة الشورى )

 هو أرحم الراحمين وهو العليم، والرحيم، والحكيم، والقريب، والقوي، والغني، فعندما يرى الله عزَّ وجل بعلمه بهذا الإنسان أنه مصرٌ على المعصية، فمن في الأرض بإمكانه أن يهديه ؟

 

﴿ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ(44)﴾

 

( سورة الشورى )

الإنسان كلَّما ارتقى مستواه يخاف بعقله:

 أيها الأخوة... شيءٌ دقيقٌ جداً، من تعاريف العقل: أن العاقل لا يفعل شيئاً يندم عليه، وحينما تفعل شيئاً ثمَّ تندم عليه فهذا ضعفٌ في عقلك فهؤلاء الظالمون..

﴿ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ(44) ﴾

( سورة الشورى )

 إخواننا الكرام... الإنسان كلَّما ارتقى مستواه يخاف بعقله، وكلَّما هبط مستواه يخاف بعينه والإنسان العاقل يصل إلى الشيء بعقله قبل أن يصل إليه حقيقةً، ودائماً العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها، ويعيش المستقبل والأقل عقلاً يعيش الحاضر والغبي يعيش الماضي. فالإنسان عندما يكون قوياً ويتحرَّك حركة وَفق شهواته، ثم يدفع ثمن انحرافه كبيراً عندئذٍ يندم وحالة الندم دليل ضعف العقل، فمن هو الإنسان الذي لا يندم ؟ هو العاقل والنبي عليه الصلاة والسلام فيما روي عنه أنه يقول:

 

(( أرجحكم عقلاً أشدُّكم لله حبَّاً ))

 

[ورد في الأثر]

(( الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ ))

[ من سنن الترمذي: عن " شداد بن أوس" ]

العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها:

 إذاً يُمتحن العقل فيما إذا فعلت فعلاً فهل تندم عليه أو لا تندم ؟ وكلَّما ندمت على شيءٍ فحينما فعلته كان هناك ضعفٌ في العقل، ولذلك فهؤلاء الظالمون..

﴿ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ (44) ﴾

( سورة الشورى )

 والإنسان أحياناً يدخِّن مثلاً يقول لك: ليس في جسمي شيء فماذا حصل ؟ وهناك إنسان واحد عاش مئة وثلاث عشرة سنة وكان مدخِّناً يتخذه حجَّة. لكن الأطبَّاء يؤكِّدون أن الدخَّان له آثار واضحة جداً في القلب، والرئتين، والضغط، والشرايين، والأوردة.. إلخ، ولكن متى يتخذ قراراً صارماً بالإقلاع عنه ؟ حينما يُعطب، فهل هذا دليل عقله ؟ لا فكل إنسان يخاف بحواسِّه فهذا يدلُّ على ضعف عقله، وكل إنسان يخاف بعقله فهذا يدل على رجاحة عقله، فالطلاب الكُسالى متى يندمون على كسلهم ؟ في أثناء الامتحان، فهذا السؤال لم يعرفه، وهذا ما قرأه، وهذا لم يتوقَّعه، ولكن الطالب النبيه من أول يوم بالعام الدراسي يتصوَّر الامتحان وصورة الامتحان لا تفارقه إطلاقاً، فيتوافق أو يتكيَّف مع الامتحان في أول يومٍ في العام.

المؤمن يعيش المستقبل و الملحد يعيش اللحظة:

 المؤمن يعيش المستقبل، تُرى هل في حياتنا جميعاً حدث سيقع أشد واقعيَّةً من الموت ؟ وهل واحد منَّا يجرؤ على أن يقول: أنا لن أموت ؟ لكن هذا الموت ما هو ؟ نقلة خطيرة من كل شيء إلى لا شيء. فكل واحد له بيت، وغرفة نوم، وغرفة طعام، ومطبخ، وحمَّام، وله زوجة، وأولاد، ووجبة غذاء، ووجبة عشاء، ومسليَّات، ومرفِّهات، وأماكن جميلة، وهذه المقابر أمامكم، فهل هناك قبر خمس نجوم ؟ لا يوجد، كله نجمة واحدة أو نجوم الظهر، فهذا الحدث الواقعي هل يستطيع واحد أن يتلافاه ؟ إذاً كل إنسان يخاف عند الموت يكون ضعيف العقل، أما النبي قال:

(( الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ))

[ من سنن الترمذي: عن " شداد بن أوس " ]

 ويقولون: الأغبياء يعيشون لحظتهم، فقوي ينكب على الشهوات فيعيش لحظته ويأكل ويشرب، ويستمتع ولا يصلي ولا يفكِّر في ربِّه ولا يتأدَّب معه ولا يطيعه مادام قوياً، فمتى يصيح ؟ عندما يمرض.

بطولة الإنسان أن يخاف من الله و يلجأ إليه عند الرخاء لا الشدة:

 أنا سمعت أن طائرة تقل أشخاصاً ملحدين، فلمَّا دخلت في غيمةٍ مكهربةٍ واضطربت وكانت على وشك السقوط، ما من هؤلاء المُلحدين إلا ويقول: يا رب أنقذنا. فالإنسان عند المصيبة يلجأ إلى الله والناس جميعاً كذلك ولذلك فالبطولة وأنت في الرخاء، وأنت في النَعيم، والصحَّة والقوَّة، والمال، وأنت شاب في رَيْعان الشباب، تتقِّد عزيمةً ومضاءً أن تخاف من الله، لذلك..

(( ابن آدم اعرفني في الرخاء أعرفك في الشدَّة ))

[ ورد في الأثر ]

(( اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك))

[ من أحاديث الإحياء: عن " ابن أبي الدنيا " ]

﴿ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ(44) ﴾

( سورة الشورى )

 فالأغبياء يتعظون بحواسِّهم، والعوام يخافون بعيونهم. أما العاقل فيخاف بالكلمة، يخاف من الوعيد فقط ويفكِّر في المستقبل.

كل ظالم يعالج بالذل و المهانة:

 يقول هذا الظالم بشكل يائس: هل هناك من أمل أن أعود إلى الدنيا فأؤمن ؟ وهل هناك من أمل أن أعود إلى الدنيا فأستقيم وأصلي ؟

﴿ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ(44) ﴾

( سورة الشورى )

 وفي الأعم الأغلب إن الظالم كان قوياً، وكان متكبِّراً، ومستبَّداً، ومسيطراً، فهذا القوي كيف يُعالج ؟ بالذل..

 

﴿ وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنْ الذُّلِّ (45) ﴾

 

( سورة الشورى )

 وليس خشوع التقوى ولا خشوع العبادة ؛ ولكن خشوع الذل والمهانة فأن يكون إنسان رئيس عصابة سرقة، مجرماً عاتياً، متكبِّراً، فَظاً غليظاً وحينما يقع في قبضة العدالة تراه صغيراً، متطامناً، نظره في الأرض فأين عُنْجُهِيَّته ؟..

 

﴿ وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنْ الذُّلِّ (45) ﴾

 

( سورة الشورى )

 من شدَّة خوفهم..

 

﴿ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ (45) ﴾

 

( سورة الشورى )

 تُرى ماذا سيُفْعَلُ بهم ؟

المؤمنون يوم القيامة هم سادة الموقف:

 أحياناً الإنسان إذا كان مجرماً وألقي القبض عليه يضطرب اضطراباً شديداً، ولا ينظر إلا بطرفٍ خفي..

﴿ وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنْ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا(45)﴾

( سورة الشورى )

 لمن السيطرة في اليوم الآخر ؟ للذين آمنوا، هم سادة الموقف وأحياناً في الدنيا يكون الكفار هم سادة الموقف، فالكلام لهم والرأي لهم..

﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى ﴾

( سورة غافر: من آية: " 29 " )

 فالحق الذي يقولون والباطل الذي لا يقولون، فالكفار هم سادة الموقف في الدنيا (أحياناً طبعاً) ولكن المؤمنين يوم القيامة هم سادة الموقف..

 

﴿ إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ(1)لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ(2)خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ(3) ﴾

 

( سورة الواقعة )

 فالذي كان في الأوج تراه في الحضيض، والذي كان في الحضيض تراه في الأوج.

الحظوظ في الدنيا توزَّع توزيع ابتلاء و في الآخرة توزيع جزاء:

 ذكرت اليوم في الخطبة أن الحظوظ في الدنيا توزَّع توزيع ابتلاء، وسوف توزَّع في الآخرة توزيع جزاء، فأنت لك حظ من المال معيَّن، فقد يكون وفيراً وقد يكون قليلاً وقد يكون معدوماً، فحظُّك من المال هو مادَّة امتحانك مع الله، فأنت ممتحن بوفرة المال، وفلان ممتحن بقلَّة المال، وهذا وسيم الطَلعة ممتحن بوسامته، وآخر دميمٌ ممتحنٌ بدمامته وهناك ذكيٌ جداً ممتحنٌ بذكائه، أو محدود التفكير ممتحنٌ بمحدوديَّة التفكير القوي ممتحنٌ بقوَّته، والضعيف ممتحنٌ بضعفه، والصحيح ممتحنٌ بصحَّته وغير صحيح ممتحنٌ بمرضه، وهذا له زوجةٌ وأولاد ممتحنٌ بأسرته، وذاك حُرِمَ إلى حين من الزوجة والأولاد فممتحنٌ بالحِرمان، فالحظوظ في الدنيا موزَّعةٌ توزيع ابتلاء، فأنت ممتحن مرَّتين: ممتحن بما في يديك وممتحن بما ليس في يديك، لكن هذه الحظوظ توزَّع في الآخرة توزيع جزاء.

الغنى غنى العمل الصالح والفقر فقر العمل الصالح لأن الموت ينهي كل شيء:

 كنت أوضِّح هذا، لو أن إنسانين عاشا ثمانين عاماً بالتمام والكمال واحد كان غنياً وواحد كان فقيراً، وأن الأول رسب في الامتحان فتاهَ بماله على عباد الله، وأنفق ماله على شهواته وانحطاطه وملذَّاته الرخيصة، وأن الفقير امتحن بالفقر فنجح فكان عفيفاً صابراً متجمِّلاً، لم يحمله الفقر على أن يأكل مالاً حراماً، ولا عن أن يكفر بالله عزَّ وجل، وماتا والموت أنهى غنى الغني وفقر الفقير.
 وإذا شئتم أنهى الموت قوَّة القوي وضعف الضعيف، وصحَّة الصحيح ومرض المريض، ووسامة الوسيم ودمامة الدميم، وأنهى الموت كل شيء وبقي العمل، وهذان الشخصان هل سيعيشان حياةً إلى ما لانهاية، فالذي نجح في امتحان الفقر سيكون غنياً إلى الأبد، والذي رسب في امتحان الغنى سيكون فقيراً إلى الأبد، إذاً الدنيا لا عبرة لها، وهذا ما قاله سيدنا علي كرَّم الله وجهه: "الغنى والفقر بعد العرض على الله ". فالغنى غنى العمل الصالح، والفقر فقر العمل الصالح. وعندما سقى سيدنا موسى للمرأتين قال:

﴿ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ(24) ﴾

( سورة القصص )

 أنا مفتقر لهذا.

الموت ينهي كل شيء:

 إخواننا الكرام... لو واحد عنده تجارة رابحة، يبيع في اليوم بمليون ليرة، وربحه بالمئة خمس وثلاثون، وكل يوم ثلاثمئة وخمسون ألف، ومضى عليه يومٌ لم يزدد علماً، ولم يزدد قرباً، ولم يدعُ إلى الله، ولم يصبر على ما ابتلاه الله فهو خاسر رغم الدخل الكبير، لأن الله عزَّ وجل يقول:

﴿ وَالْعَصْرِ(1)إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2) ﴾

( سورة العصر )

 كلام خالق الكون، لو عندك شركة متعدِّدة الجنسيَّات، لها في كل العالم فروع، بعض الشركات في العالم فائضها مليار دولار وسمعت أن بعض الشركات (رقم فلكي) ربحت هذا العام ألف مليار دولار، ربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ وَالْعَصْرِ(1)إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2) ﴾

( سورة العصر )

 لأن الموت يُنهي هذه الثروة، وأنتم ترون بأعينكم أحياناً يحضر الإنسان تعزية في بيت ثمنه خمسون مليوناً، وتزييناته خمسة ملايين، وفرشه بثلاثين مليوناً، وصاحبه قاعد في مقبرة باب الصغير. فالموت ينهي كل شيء، ينهي الغنى، والفقر، وينهي المرض والصحَّة.

بطولة الإنسان أن يكون على منهج الله وفي طاعة الله والإقبال عليه:

 إذاً ليست هذه نعمة، هذا ما قاله الله عزَّ وجل:

﴿ فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ ﴾

( سورة الفجر )

 هو يقول:

﴿ رَبِّي أَكْرَمَنِ(15)وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ(16)كَلا﴾

( سورة الفجر )

 ليس عطائي إكراماً ولا منعي حرماناً، عطائي ابتلاء وحرماني دواء. وانتهى الأمر وبطولتك أن تكون على منهج الله وفي طاعة الله وفي الإقبال عليه والصبر على قضائه وفي التقرُّب إليه، والدعوة إليه، وفي طلب العلم، وتعليمه، هذه بطولتك، وهذا الذي يبقى.
 وأحدهم قال: إذا أردت أن تعرف ما إذا كنت من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة فانظر ما الذي يفرحك، أن تأخذ أم أن تعطي ؟ فهناك إنسان عندما يقبض يَشْرَئب، وإذا كان عليه دفع يماطل ويتضايق كثيراً من الدفع فالمؤمن يسعد إذا أعطى، لأن العطاء خلود في الجنَّة، فمن قدَّم ماله أمامه سرَّه اللحاق به.

المؤمن أكبر من أن يحزن على فقد الدنيا:

﴿ وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنْ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ(45)﴾

( سورة الشورى )

 فقد تخسر كل شيء وأنت الرابح، وتفقد مالك كله وبيتك وتجارتك وكل شيء وأنت الرابح الأول، وسيدنا عمر كان إذا أصابته مصيبةٌ قال: "الحمد لله ثلاثاً، الحمد لله إذ لم تكن في ديني " فالدين سليم فليس هناك مشكلة، وما خرقت الاستقامة، وما ارتكبت معصية، وما أكلت مالاً حراماً، وما تركت الصلاة، وما تركت مجلس علم، فالدنيا إن أقبلت أقبلت وإن أدبرت أدبرت، اللهمَّ صلِ عليه قال:

 

(( عَجِبْتُ لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ إِنْ أَصَابَهُ مَا يُحِبُّ حَمِدَ اللَّهَ وَكَانَ لَهُ خَيْرٌ وَإِنْ أَصَابَهُ مَا يَكْرَهُ فَصَبَرَ كَانَ لَهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ أَمْرُهُ كُلُّهُ لَهُ خَيْرٌ إِلا الْمُؤْمِنُ))

 

[ من مسند أحمد: عن " صهيب "]

 المؤمن أكبر من الدنيا وأكبر من أن يفرح بها، وأن يحزن على فقدها، وقد قرأت عن سيدنا الصديق، والله هذه الكلمة قرأتها أكثر من أربعين عاماً كأنها حُفرت في نفسي أنه: ما ندم على شيءٍ فاته من الدنيا قط.

 

الدنيا أحقر من أن يجعلها الله ثواباً للمؤمنين أو عقاباً للكافرين:

 الدنيا لا قيمة لها..

(( لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ))

[ من سنن الترمذي: عن " سهل بن سعد " ]

 هي أحقر من أن يجعلها ثواباً للمؤمنين، أو عقاباً للكافرين والدليل:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

(سورة الأنعام )

﴿ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾

 الأموال، مع البيوت، والبساتين، والنساء..

﴿ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44) ﴾

(سورة الأنعام )

﴿ لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(197)﴾

( سورة آل عمران )

﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ(126)﴾

( سورة البقرة )

 فقط.

الدنيا ليست مقياساً لأنها تعطى للمؤمن و الكافر:

 ربنا عزَّ وجل قال:

﴿ وَمَنْ كَفَرَ﴾

 وكذلك الكفَّار..

﴿ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(126) ﴾

( سورة البقرة )

 فالدنيا عرضٌ حاضر يأكل منه البَرُّ والفاجر، والآخرة وعدٌ صادق يحكم فيه ملكٌ عادل. والله أعطى الملك من لا يحب وأعطاه من يحب، أعطاه من لا يحب لفرعون، وأعطاه من يحب لسيدنا سليمان..

﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾

( سورة ص: من آية: " 35 " )

 أعطى المال من لا يحب أعطاه لقارون، وأعطاه من يحب ابن عوف، قال: "ماذا أفعل ؟ والله لأدخلَّن الجنَّة خبباً (أي هرولةً) ماذا أفعل إذا كنت أنفق مئةً في الصباح فيؤتيني الله ألفاً في المساء ؟ " ما له ذنب. الدينا ليست مقياساً، تُعْطَى للكافر وتعطى للمؤمن، ويُحرم منها الكافر ويحرم منها المؤمن، إذاً ليست مقياساً..

 

رأسمال الإنسان نفسه:

 

﴿ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا (45) ﴾

( سورة الشورى )

 دقِّقوا في هذا القول:

 

﴿ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ (45) ﴾

 

( سورة الشورى )

 لسيدنا علي كلمة دقيقة جداً، يقول لسيدنا حسن: "يا بني ما خيرٌ بعده النار بخير (الحياة إذا انتهت إلى النار ما خيرٌ فيها إطلاقاً ) ما خيرٌ بعده النار بخير (أموالها، ونساؤها، ومكانتها، ووجاهتها إذا انتهت إلى النار فليست خيراً ) وما شرٌ بعده الجنَّة بشر (مرض، وفقر، وقهر، إذا انتهى بك الأمر إلى الجنَّة فأنت الرابح الأول) وكل نعيمٍ دون الجنَّة محقور، وكل بلاءٍ دون النار عافية ". " فلينظر ناظرٌ بعقله أن الله أكرم محمَّداً أم أهانه حين زوى عنه الدنيا ؟ فإن قال أهانه فقد كذب، وإن قال أكرمه فلقد أهان غيره حيث أعطاه الدنيا ". ماذا أعطي النبي من الدنيا ؟ لم يُعطِ منها شيئاً، غرفة صغيرة جداً، ما ترك شيئاً " ما لي وللدنيا ؟ ".

من عرّف نفسه بالله و حملها على طاعته ربح الدنيا و الآخرة معاً:

 إذاً:

﴿ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ (45) ﴾

( سورة الشورى )

 رأسمالك نفسك، فإن عرَّفتها بالله وحملتها على طاعته فأنت الرابح الأول، ولو كنت فقيراً، أو ضعيفاً مستضعفاً، أو تعاني من مشكلات الحياة الدنيا..

 

﴿ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ (45) ﴾

 

( سورة الشورى )

 لك زوجة، وأولاد، وبنات، فممكن أن ترقى إلى الله بزوجتك، عرِّفها بالله واحملها على طاعته ترق بها، وزادُك إلى الله أولادك تنفق عليهم، ولو تركتهم هملاً ولم تربهم لخسرت، ولو أنك ربيتهم، وعرَّفتهم بكتاب الله وسنة رسوله، ونشَّأتهم على حب النبي عليه الصلاة والسلام وآل بيته، حتى صاروا أعلاماً من بعدك فأنت الرابح الأول.

أبواب الخير و العمل الصالح مفتوحة أمام كل إنسان:

 الله عزَّ وجل أعطاك فرصاً، وهذه الفرص لم تستفد منها وأعطاك زوجة، وأولاداً، وبنات، فإذا جاء للإنسان بنتان فربَّاهما تربيةً صالحة يقول عليه الصلاة والسلام:

(( أنا كفيله في الجنَّة ))

 وواحد عنده واحدة فقال له: وواحدة ؟ قال له:

((واحدة فأنا كفيله في الجنَّة))

 كل بيت فيه بنت، فهذه البنت يمكن أن تكون سبب الجنَّة لأمها وأبيها ولكن ربِّها تربية عالية، ربِّها على كتاب الله، وسنة رسوله، والصلاة والحجاب، والحياء، وأن تُبعد عنها المغذيات الثقافيَّة الفاسدة، فهذه تفسدها، إذا اطلعت على عمل فني ففيه المتدينة محتقرة والفاجرة هي المحترمة، فتشتهي أن تكون مثل الفاجرة، أما كل بيت فيه بنت فالبنت وحدها يمكن أن تدخل أبويها الجنَّة، واحدة حتى يزوجهما أو يموت عنهما فأنا كفيله في الجنَّة فالله عزَّ وجل أعطاك أبواباً للخير ؛ زوجتك باب، وأولادك الذكور باب، لأنه:

 

(( إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ))

 

[ من صحيح مسلم: عن " أبي هريرة "]

 فعملك باب للخير، ومهنتك باب للخير، وأولادك، وزوجتك، وكل حركاتك جعلها الله مهيَّأة لأن تكون أعمالاً صالحة..

 

﴿ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ (45) ﴾

 

( سورة الشورى )

الابن استمرار لأبيه إن رباه تربية صالحة:

 الآية التي تقابلها:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾

( سورة التحريم: من آية: " 6 ")

 انظر فهذه آية ثانية، خسروا أنفسهم وأهليهم..

﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾

( سورة الطور: من آية: " 21 " )

 فإذا ربَّى الإنسان ولده تربية صالحة لا يموت، ولن يموت لأن هذا الولد استمرار، إذ صار خليفته، فهذا ولد صالح يدعو له فليس هناك موت بالنسبة له، يقول لك: غابت عينه فقط. وهذا صحيح، أما هو فلم يمت، بل ترك أثراً مستمراً، هذه تأكيد على كلمة أهليهم..

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾

( سورة التحريم: من آية: " 6 ")

في الآخرة لا يوجد مس بل عذاب مقيم:

﴿ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ(45)﴾

( سورة الشورى )

 عذاب مقيم، والإله يقول: عذاب مقيم، عذاب من الإله، قال الله:

﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ(175) ﴾

( سورة البقرة )

 سأل واحد رسول الله اللهمَّ صلِّ عليه فقال له: "عظني ولا تطل ". قال له:

((قل آمنت بالله ثمَّ استقم ))

 قال: "أريد أخفَّ من ذلك "(هذه ثقيلة عليَّ). قال له:

((إذاً فاستعدَّ للبلاء ))

 إذاً لا تحب أن تستقيم تحمَّل، وكل إنسان يعصي الله يتحمَّل، وأحياناً آلام الدنيا لا تحتمل، ويقول لك: جاءتني كريزة رمل فلم أنم منها طوال الليل، صحت واسترحت. وآلام الضرس لا تحتمل، وآلام الأمعاء والشقيقة لا تحتمل، والله عزَّ وجل يمس الإنسان بالعذاب، ومعنى المس معنى دقيق جداً، فإذا أمسك إنسان مكواة ووضع اللعاب على إصبعه، أقل مساحة ممكنة، وأقل وقت ممكن، ومخفّف وهو اللعاب، يقول لك: مثل النار. فهذا المس، والله في الدنيا يمسُّنا مساً، ولكن في الآخرة لا يوجد مس بل عذاب مقيم أي دائم، والفرق كبير جداً، ولذلك قال تعالى:

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(21) ﴾

( سورة السجدة )

الولي من دلّ الآخرين على الخير:

﴿ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ (46) ﴾

( سورة الشورى )

 فالولي هو الذي يدُل على الخير، والله عزَّ وجل أودع فيك العقل وسخَّر لك الكون، وفطرك فطرة عالية، وأنزل لك كتاباً، وبعث الأنبياء، وسخَّر العلماء، وعلَّمك بالأحداث، وعلَّمك بالتربية النفسيَّة، وكل شيء فالله سخَّره للهدى ولم تهتدِ بهدى الله، فهل من المعقول جهة ثانية تهديك ؟ لذلك:

 

﴿ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ(46) ﴾

 

( سورة الشورى )

 وعندما يقع الإنسان، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟ ما معك أحد، فالدنيا فيها وحشة، والإنسان لا يعتز بشبابه، في خريف عمره، إما في عمر ثمانين، وإما في أرذل العمر، والإنسان أحياناً يرخي الله عزَّ وجل له الحبل، ولكن عندما يستحق العقاب تجده صار يعاني ما يعاني.

كل إنسان بإمكانه أن يتوب إلى الله تعالى قبل أن يَأْتِيَ يَوْمٌ لا رجعة فيه:

 أيها الأخوة... مطلع الآيات يقول الله عزَّ وجل:

﴿ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ(44)﴾

( سورة الشورى )

 هذا موقف الظالمين يوم القيامة، فالله عزَّ وجل يخاطبنا ونحن في الدنيا فيقول: أنتم بإمكانكم أن تتوبوا..

﴿ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ (47) ﴾

( سورة الشورى )

 أيها الناس..

 

﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ (47) ﴾

 

( سورة الشورى )

 والآن نحن في بحبوحة، وهذا قول الظالمين يوم القيامة..

 

﴿ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ(44) ﴾

 

( سورة الشورى )

 أما نحن فالمرد موجود، والصلحة بلمحة.

العاقل من تاب إلى ربه قبل فوات الأوان:

 إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنؤوا فلاناً فقد اصطلح مع الله، تماماً كما كان يفعل بعض الصالحين، يشتري قبراً في حياته ويضجع فيه يوم الخميس ويتلو قوله تعالى:

﴿ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾

( سورة المؤمنون الآية: 100 )

 يقول لنفسه: قومي قد أرجعناكِ، الآن يمكن أن نرجعك، وربنا يقول:

﴿ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ (47) ﴾

( سورة الشورى )

 أيها الناس، الأحياء طبعاً..

 

﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ (47) ﴾

 

( سورة الشورى )

 وهؤلاء قالوا:

 

﴿ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ(44) ﴾

 

( سورة الشورى )

 الجواب: لا. أما فالآن المرد موجود، ونحن في الدنيا الآن والقلب ينبض، ونحن الآن في بحبوحة وبإمكاننا أن نتوب..

 

﴿ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنْ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ(47) ﴾

 

( سورة الشورى )

خاتمة:

 وفي درسٍ قادمٍ إن شاء الله نفصِّل في هذه الآية الدقيقة، وأدق ما فيها كلمة:

﴿ نكير﴾

﴿ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنْ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ(47)﴾

( سورة الشورى )

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018