الدرس : 13 - سورة الشورى - تفسير الآيات 38-43 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 13 - سورة الشورى - تفسير الآيات 38-43


1994-04-29

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثالث عشر من سورة الشورى.

الدنيا شيء عابر سريع الزوال:

 مع الآية السادسة والثلاثين وهي قوله تعالى:

﴿ فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(36)﴾

( سورة الشورى)

 إلى آخر الآيات. هذه الآيات أيها الأخوة تحدِّد خصائص المؤمنين المؤمن فرد، والمؤمنون مجتمع، فمجتمع المؤمنين لهم خصائص.
 وأول شيءٍ أيها الأخوة فالله سبحانه وتعالى يخاطب المؤمنين فيقول:

﴿ فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(36)﴾

( سورة الشورى)

 أي أن الدنيا بمجملها، بكل ما فيها من متع، وشهوات، ومباهج، وحظوظ، وأموال، ونساء، وأطعمة، وبيوت، وبساتين، مما فيها قال:

﴿ فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (36) ﴾

( سورة الشورى)

 والمتاع هو الشيء المؤقَّت، شيءٌ عابر، وسريع الزوال، لا يبقى ولا يستقر.

الدنيا بكل ما فيها من متع لا تغني عن الآخرة شيئاً:

 الإنسان أحياناً يشتري شيئاً يأكله في الطريق، وقد يشتري قطعة ماس ثمنها نصف مليون، فهذا الشيء الذي يأكله في دقائق وانتهى الأمر، لقد أكل هذه الشطيرة وهذه الحلوى وبقيت في فمه دقيقة، وكان استمتاعه بها ثانية واحدة إنه متاع، أي شيءٌ سريع الزوال، لا يستقر وليس له أثر يبقى.
 ولكن عندما يشتري الإنسان قطعة ماس بنصف مليون ليرة، فهذه باقية ؛ فحجمها، وشكلها، وصفاؤها، وبريقها، وضوؤها باقٍ، وقد يتوارثها رجل عن رجل، وامرأة عن امرأة، وجيل عن جيل ومن باب التقريب شيءٌ عابر لا يستقر وطارئ ليس له أثر مستمر، وشيءٌ غير باقٍ، والدنيا بمجملها وبكل ما فيها من مال، ومُتَع، وبيوت، وبساتين وقصور، ومركبات، وأماكن عَلِيَّة، ومباهج فهذه كلُّها..

﴿ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (36) ﴾

( سورة الشورى)

 وليست فيها قيمةٌ في ذاتها، بل شيءٌ طارئ عابر والدنيا ساعة سريعة الزوال، وشيكة الانتقال، تغر وتضر وتمر وهذا معنى:

﴿ فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ (36) ﴾

( سورة الشورى)

قدرة الإنسان على الاستمتاع بالدنيا محدودة جداً:

 إنسان أوتي مالاً عريضاً، ومن كل هذا المال، ماذا يأكل ؟ لا يستطيع أن يأكل فوق حجم معدته، وعلى كم سرير ينام ؟ إنه ينام على سرير واحد، وتكفيه غرفةٌ واحدة، فهذا المال الوفير لا يستطيع أن يستمتع به، فالقدرة على الاستمتاع بالدنيا محدودة جداً وهذا معنى..

﴿ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (36) ﴾

( سورة الشورى)

 وما أوتيتم من شيءٍ تنكير تحقير..

﴿ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (36) ﴾

( سورة الشورى)

 ولحكمةٍ أرادها الله أبى أن يجعلها مكافأةً لأوليائه، وأبى أن يجعل الحرمان منها عقاباً لأعدائه، وقد تُعطى الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، فتعطى للمؤمن والكافر وليس في إعطائها أي دليلٍ على أن هذا الإنسان محبوبٌ عند الله، وليس في الحرمان منها أي دليل على أن هذا المحروم منها لا يحبه الله عزَّ وجل، هكذا..

 

﴿ فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى (36) ﴾

 

( سورة الشورى)

 خيرٌ في ذاته وأبقى في أمده..

مجتمع المؤمنين يقوم على القيَم و المبادئ لا على المتع و الحاجات:

﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(36) ﴾

( سورة الشورى)

 إذاً فالجماعة المؤمنة ليس همُّها الدنيا وجماعة المؤمنين ومجتمع المسلمين لا يبني مجده على الدنيا، ولا على المُتَع، ولا على الرفاهية، ولا على توفير الحاجات التي عندما يستخدمها الإنسان يشعر أنه فوق البشر، فهذه الجماعة المؤمنة أي مجتمع المؤمنين يقوم على القيَم لا على المتع، ويقوم على المبادئ لا على الحاجات، لأن الدنيا بمجملها لا تعدل عند الله جناح بعوضة.
 أيعقل أن النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام الذين اختارهم له، هذا الإنسان العظيم الذي بلغ قمَّة الكمال الإنساني، أيعقل أن ينام في غرفةٍ صغيرة، وأن يأكل خشن الطعام، وأن يرتدي خشن الثياب، وأن تكون حياته بسيطة ؟ " ما لي وللدنيا". وهؤلاء الذين جاؤوا في آخر الزمان يأكلون ألوان الطعام ويشربون ويتمتَّعون بأجمل البيوت، ويركبون أجمل المركبات..

 

(( لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ))

 

[ من سنن الترمذي: عن " سهل بن سعد " ]

الدنيا دار عمل و تكليف و الآخرة دار جزاء و تشريف:

 للإمام عليٌ كرَّم الله وجهه قولٌ فيصلٌ في هذا الموضوع، يقول هذا الإمام الجليل: " فلينظر ناظرٌ بعقله أن الله أكرم محمَّداً أم أهانه حين زوى عنه الدنيا ؟ فإذا قال أهانه فلقد كذب، وإن قال أكرمه فلقد أهان غيره حيث أعطاه الدنيا ".
أي أنه لا يقلِّل من شأنك عند الله أنك فقير، ولا أنك من عامة الناس، ولا ممن إذا حضروا لم يُعرفوا ولا إذا غابوا لم يُفتقدوا.
 ولا أنسى كلمة قالها سيدنا عمر حينما كانت غزوة نهاوند، وكان عدد المسلمين يقلُّ عن الثلاثين ألفاً، وكان عدد جيش الكُفْرِ يزيد عن مئة وثلاثين ألفاً، وكان من قلق هذا الخليفة العظيم على جنوده المسلمين أنه أمضى وقتاً طويلاً يمشي في أسواق المدينة دون أن يجرؤ أحدٌ على أن يكلِّمه من شدة قلقه، ثمَّ جاء رسولٌ من معركة نهاوند، وسأله عمر رضي الله عنه عن واقع المسلمين فقال: " مات فلان وفلان واستشهد فلان وفلان وفلان ". وذكر له أسماء الذين يعرفهم قال: "ومن أيضاً ؟ " قال: " وهناك أناس لا تعرفهم بالاسم قد استشهدوا ". فما كان من هذا الخليفة الراشد إلا أن قال قولاً: "وما ضرَّهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم ".
 فلذلك أيها الأخوة مجتمع المؤمنين لا يقوم على الدنيا ؛ ولا على المال، والترف، والمتع، لا، إنه يقوم على المبادئ، وعلى أن الدنيا دار عمل وأن الآخرة دار جزاء، والدنيا دار تكليف والآخرة دار تشريف، وأن هذه الحياة هي حياةٌ دنيا، وأحياناً ننسى معنى الكلمة، حياةٌ دنيا وأن الإنسان مخلوقٌ لحياةٍ عُليا..

(( إن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب أحد ))

[ من الجامع الصغير: عن " سهل بن سعد " ]

خصائص المؤمنين:

 لذلك نحن الآن مع آيات تصف خصائص المؤمنين، فمجتمع مؤمن ما خصائصه ؟ يقول لك: مجتمع الكفاية والعدل أو مجتمع القانون لا المحسوبيات ومجتمع تكافؤ الفرص مثلاً، والعدل وهذه كلمات حديثة، والآن إذا عُدنا إلى كتاب الله فما الأوصاف التي وصف بها جماعة المؤمنين ؟ مجتمع مؤمن، أليس لهذا المجتمع خصائص تميِّزه عن بقية المجتمعات ؟ الآن مجتمع المؤمنين مجتمع فيه صدق، ووفاء، وأمانة، وإخلاص، وليس فيه غش، ولا حسد، ولا غيبة، ولا نميمة، بل فيه تعاون، وتكاتف، وحُب، وإخلاص، وتناصح، وتلاقٍ، وتزاور، ومؤاثرة.
 ومجتمع الكفَّار مجتمع فيه تباعد، وتباغض، وحسد، وتآمر، واحتيال، وكراهية، وحقد، فنحن الآن أمام آياتٍ تصف مجتمع المؤمنين وهذا المجتمع أساسه يقوم على المبادئ لا على المادَّة، ويقوم على القيم لا على الحاجات.

تفوق الفاسق لا يرفعه عند الله عز وجل:

 لذلك يقول الله عزَّ وجل:

﴿ فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ (36) ﴾

( سورة الشورى)

 هذا ينقلنا إلى أن الأجانب حينما تفوَّقوا في الدنيا فهذا لا يرفعهم عند الله عزَّ وجل:

﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(24)وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ﴾

( سورة يونس )

متاع الحياة الدنيا قاسم مشترك بين كل الناس:

﴿ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ (36) ﴾

( سورة الشورى)

 في ذاته..

 

﴿ وَأَبْقَى (36) ﴾

 

( سورة الشورى)

 أمداً، لكن هذا ليس لكل الناس، متاع الدنيا لكل الناس، والدنيا عرضٌ حاضر يأكل منه البر والفاجر، والآخرة وعدٌ صادق يحكم فيه ملكٌ عادل. فمتاع الحياة الدنيا للكفَّار وللمؤمنين، فالكافر يأكل والمؤمن يأكل،والكافر يسكن في بيت مريح والمؤمن يسكن في بيت مريح، والكافر يتزوَّج والمؤمن يتزوَّج والكافر يُنجب والمؤمن ينجب والكافر يستمتع بالشمس الساطعة والمؤمن كذلك، فمتاع الحياة الدنيا قاسم مشترك بين كل الناس..

 

﴿ فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (36) ﴾

 

( سورة الشورى)

المؤمن له عطاء خاص يتميز به عن بقية الناس:

 لكن الآخرة خالصةٌ للمؤمنين ولذلك قالوا: إن الله يعطي الصحَّة (تجد أحياناً شخصاً ملحداً قوي البنية) وإن الله يعطي الصحَّة والذكاء والمال والجمال للكثيرين من خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين، فالمؤمن له عطاءٌ خاص يتميَّز به عن بقية الناس..

﴿ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(36) ﴾

( سورة الشورى)

 فإذا لم تتوكَّل على الله فعلى من تتوكَّل ؟

 

من توكل على الله تكفل الله عز وجل بالدفاع عنه:

 

 مجتمع المؤمنين مجتمع أولاً يطيع الله عزَّ وجل، يقيم فيما بينه منهج الله، ومن لوازم هذا المجتمع أنه إذا جاءت قوةٌ طاغية يبذل المؤمن ما في وسعه لكنَّه في النهاية يتوكَّل على الله، والله سبحانه وتعالى أخبره أنه يدافع عنه:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

( سورة الحج الآية: 38 )

﴿ إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 160 )

﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الروم )

 هكذا..

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا (55)﴾

( سورة النور)

 إذاً التوكُّل على الله من صفات الجماعة المؤمنة، ومن صفات الفرد المؤمن.

على كل مؤمن أن يعدّ ما استطاع من قوة و على الله الباقي:

 لو فرضنا جماعة مؤمنة إمكاناتها محدودة، وعلى أبوابها عدوٌ شرس، فماذا تفعل ؟ تطبِّق قوله تعالى:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾

( سورة الأنفال )

 والفارق بين القوة المُتاحة والقوَّة الكافية يتولاَّها الله عزَّ وجل، فهناك فارق بينهما، وهذا الكلام يدعو للتفاؤل، وهناك من المسلمين من يدعو إلى اليأس يقول لك: يا أخي هناك مسافة حضاريَّة كبيرة بيننا، فلو عشنا ألف عامٍ آخر لا نستطيع أن نلحق بهم، وهذا كلام غير مقبول لأن الله عزَّ وجل قال:

﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141) ﴾

( سورة النساء)

 فأنت عليك أن تأخذ بكل قوَّةٍ متاحةٍ بين يديك وعلى الله الباقي..

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 123 )

المجتمع المؤمن مركز الثقل فيه في الآخرة بعكس المجتمع الفاسق:

 إذاً الآية الأولى تبيِّن مركز الثقل في الآخرة، فالمجتمع المؤمن مركز الثقل فيه في الآخرة لا في الدنيا، لكن أهل الدنيا كل إمكاناتهم، وكل مكتسباتهم، وكل إنجازاتهم في الدنيا ؛ بناء بنوه وجسر عمَّروه وبيوت أنشؤوها ولكن مجتمعاً متفسِّداً منحلاً أخلاقياً، فيه تحاسد وفيه تباغض، وتدابر، وتطاحن، وحقد، إنه مجتمع متفتِّت ولو كان المظهر جميلاً.
 والآن من ذهب إلى بلدٍ غربي يأخذه العجب من شوارعهم العريضة، وحدائقهم الغنَّاء، وأبنيتهم الشاهقة، والمواصلات، وأماكن البيع والشراء، لكن لو دخلت إلى بيوتهم فمرض الإيدز يفتك بهم، والانحراف الأخلاقي لا حدود له، وزنى المحارم مُتَفَشٍ بشكل مذهل، وثلاثون بالمئة من حالات الزنى زنى محارم، بين الابن وأمه، والأم وابنها، والأخ وأخيه، والأب وابنته، فهذا المجتمع منحل، ولذلك فمجتمع المؤمنين يقوم على القيَم ولا يقوم على المظاهر الماديَّة، فالمظاهر الماديَّة مقبولة وليس فيها نقص، أما أن نكتفي بالمظاهر الماديَّة فلا يجوز هذا، وهؤلاء هم المؤمنون قال:

﴿ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(36) ﴾

( سورة الشورى)

خصائص المؤمنين الجماعية:

 من هم المؤمنون ؟ وما خصائصهم ؟ الآن خصائصهم الجماعيَّة قال:

﴿ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ (37) ﴾

( سورة الشورى)

 ماذا يفهم من هذه الكلمة ؟ يفهم منها أن الإنسان إذا اجتنب كبائر الإثم فيما بينه وبين الله، والفواحش فيما بين العبد وبين بقية الناس، إذا اجتنب الكبائر فالله سبحانه وتعالى غفورٌ رحيم، أي يتجاوز عن الصغائر، والصغيرة هي العمل الذي تهمُّ به ولا تعمله، من بعض تفسيراتها والصغيرة هي الذنب الذي لا تصرُ عليه، وسريعاً تندم على فعله وسريعاً ما تستغفر الله عزَّ وجل، أو حينما تحدِّثك نفسك بمعصيةٍ ولا تفعلها فهذه صغيرة، فما كان في نفس الإنسان من وساوس ومن خطرات ومن رغبة في معصية معيَّنة ولا يفعلها فهذه صغيرة يعفو الله عنها، بدرت منك غلطةٌ لا تقصدها فسرعان ما استغفرت الله عليها، أو أعلنت توبتك منها، أو ندمت عليها فهذه صغيرة ولكن لو أنك أصررت على أدق المعاصي فتغدو كبيرة، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار ))

 

[ من الجامع الصغير: عن " ابن عباس " ]

قبول الله عز وجل التوبة عن عباده:

 على كلٍ فالآية توحي بشيء، أي أن الله عزَّ وجل غفور رحيم ويقبل التوبة عن عباده، فإذا قال العبد: يا رب، قال الله: لبيك يا عبدي..

(( إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها))

[ الجامع الصغير: عن " أبي موسى " ]

(( ينزل الله كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول عز وجل من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له ؟))

[ من أحاديث الإحياء عن " أبي هريرة " ]

 إذاً..

 

﴿ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ (37) ﴾

 

( سورة الشورى)

 تعني أن الله سبحانه وتعالى يغفر الزلاَّت، والصغائر، والذنب الذي لا تُصِرُّ عليه، والذنب الذي تندم على فعله، والذي تستغفر الله منه والذي لا تقصده، والخطأ والذنب الذي تحدّثك نفسك به دون أن تفعله، فهذه كلُّها صغائر، وربنا عزَّ وجل رفع عن أمة النبي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه..

على كل إنسان أن يتجاوز عن أخيه إذا غضب لأن الله عفو رحيم:

﴿ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ(37) ﴾

( سورة الشورى)

 وقد يسأل سائل: ما العلاقة بين الآيتين ؟ إنها علاقةٌ متينة، أي أيها المؤمن كما أن الله سبحانه وتعالى تجاوز عنك في الصغائر، فأنت إذا غضبت تجاوز عن أخيك المؤمن، كما أن الله عاملك بالمغفرة والعفو والحلم فأنت خليفته في الأرض، فإذا وقع تحت يدك إنسان وقد أذنب لا تكن قاسياً، ولا حاقداً، ولا منتقماً..

 

﴿ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ(37) ﴾

 

( سورة الشورى)

 هذا هو المؤمن، فالمؤمن يُسترضى ويعفو، فأُناسٌ كثيرون أمر النبي بقتلهم لأنهم أساؤوا خلال عشرين عاماً لهذا الدين، ولأصحاب رسول الله وقتَّلوا منهم، وهجوا الإسلام والمسلمين، وفعلوا كل ما يؤذي الله ورسوله، فلمَّا فتح النبي مكَّة عفا عن كل أهل مكَّة وقال:

(( اذهبوا فأنتم الطلقاء ))

 إلا بعض النَفَر الذين بلغت إساءتهم حداً لا يعقل، فهؤلاء حياتهم كلُّها شر فالنبي أهدر دمهم، ويكفي أن تأتي امرأة أحدهم إلى النبي وتقول له: " يا رسول الله أنا زوجة فلان أمِّنه أمنك الله " فيعفو عنه. فتقول له: " أريد علامةً على ذلك "، فيعطيها عمامته الشريفة. أصحابٌ كرام.

من علامات المؤمن:

1 ـ لا يوجد عنده حقد أبداً:

 عمير بن وهب قال لصفوان بن أميَّة: " لولا هؤلاء الأولاد الذين أخشى عليهم العَنَت، ولولا ديون ركبتني لذهبت إلى محمَّدٍ وقتلته وأرحتكم منه "، فهذا قول عمير بن وهب لصفوان بن أميَّة زعيم الشِرك في مكَّة فصفوان انتهزها فقال له: "يا عمير أولادك هم أولادي ما امتدَّ بهم العمر، وديونك علي بلغت ما بلغت، فامضِ لما أردت".
 فسقى سيفه سُماً وعلَّقه على كتفه، وركب ناقته وتوجَّه إلى المدينة ليقتل محمَّداً عليه الصلاة والسلام، فرآه سيدنا عمر فقال:"هذا عدو الله عمير جاء يريد شراً". ساقه للنبي، وكَتَفَ بحمَّالة سيفه وجرى حوار لطيف قال له النبي عليه الصلاة والسلام: "ما الذي جاء بك يا عمير؟" قال: " لأفدي أخي أو ابني ". قال: " وهذا السيف الذي على عاتقك؟ " قال: " قاتلها الله من سيوف وهل نفعتنا يوم بدر ؟ " قال له: " ألم تقل لصفوان لولا ديون ركبتني وأطفال أخاف عليهم العنت لذهبت وقتلت محمَّداً وأرحتكم منه ؟" وقف وقال: " أشهد أنك رسول الله لأن هذا الذي جرى بيني وبين صفوان لا يعلمه أحد إلا الله وأنت رسوله". وأسلم.
 ويقول سيدنا عمر: " دخل عمير على رسول الله والخنزير أحبّ إليّ منه وخرج من عنده وهو أحبّ إليّ من بعض أولادي". فما في الإسلام عداوة دائمة أبداً، المسلم لا يكره الإنسان الكافر بل يكره كفره فقط ويكره انحرافه، أما كإنسان يحبَّه ولذلك الإنسان إذا رجع إلى الله أصبح أخاك وانتهى الأمر، وعلامة المؤمن لا يوجد عنده حقد أبداً وأعدى أعداء المسلمين لو أنه اصطلح مع الله يجب أن تحبَّه من أعماق أعماقك..

 

2 ـ يغفر إذا غضب:

 

﴿ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ(37) ﴾

( سورة الشورى)

 فالله عزَّ وجل قال: كما أنني أعفو عنكم وأسامحكم وأتجاوز عن خطاياكم وأغفر لكم، فأنتم إذا غضبتم اغفروا..

 

﴿ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ(37) ﴾

 

( سورة الشورى)

 فهذا المنتقم إيمانه ضعيف، والله عزَّ وجل وصف أهل الكفر بأنهم إذا بطشوا بطشوا جبَّارين، لا يرحمون. وسيدنا رسول الله في الطائف لا يوجد إساءة وجِّهت إليه أبلغ من هذه الإساءة، جاءهم على قدميه مشياً( ثمانين كيلو متر على رجليه، والطُرُقات إلى الطائف طرقات وعرة جداً فحينما رصفوا طريقاً إلى الطائف قبل سنوات، جبال كأنها جُزر) فالنبي وصل إليهم ودعاهم إلى الإسلام، وبيَّن لهم، وهداهم إلى سبيل الله، ما كان منهم إلا أن كذَّبوه، وسخروا منه، وأغروا صبيانهم بإيذائه، قال له جبريل: "لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين ". قال:

(( اللهمَّ اهدٍ قومي إنهم لا يعلمون عسى الله أن يُخرج من أصلابهم من يوحِّده ))

من وصل إلى الله صَغُرَ عنده كل شيء:

 إذاً:

﴿ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ(37) ﴾

( سورة الشورى)

 فهؤلاء المؤمنون، ليس عندهم تشفٍ وما يجري في العالم اليوم شيء والله لا يحتمل، فالإنسان رخيص جداً، شيء بسيط يقول لك: عشرة آلاف قتيل بيومين قتلوا في إفريقيا. فالقتل على قدمٍ وساق، وهذه من قسوة الإنسان، ومن بُعده عن الله عزَّ وجل. " ما تظنون أني فاعلٌ بكم ؟ ". قالوا: " أخٌ كريم وابن أخٍ كريم ". قال:

((اذهبوا فأنتم الطلقاء))

 وسيدنا يوسف ماذا فعل به إخوته ؟ وضعوه في غيابة الجب ليموت، عندما دخلوا عليه قال:

﴿ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ﴾

( سورة يوسف: من آية " 92 " )

﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنْ السِّجْنِ ﴾

( سورة يوسف: من آية " 100 " )

 لم يذكر الجُب لئلا يحرجهم، ولئلا يذكِّرهم بجريمتهم، ويخذلهم ولم يقل: وأنتم مخطئون، قال:

﴿ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ﴾

(سورة يوسف: من آية " 100 " )

 فالمؤمن عنده عفو، ورحمة، وصدره واسع جداً، فهو حينما وصل إلى الله صَغُرَ عنده كل شيء، فمن هذا الذي تهجَّم عليه ؟ هو إنسان جاهل اعفُ عنه وانتهى الأمر..

الإنسان في الدنيا يتعامل تعاملاً واقعياً مع الحياة:

﴿ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ(37)وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ (38)﴾

( سورة الشورى)

 كنت اليوم في حفل فألقيت كلمة ذكرت فيها مثلاً جديداً أنه: لو إنسان يحمل دكتوراه لكن بلا عمل، ثم قرأ في الصحيفة إعلاناً عن شاغر في الجامعة فالمؤهِّل هي الشهادة التي يحملها، والأوراق الثبوتيَّة كلها يمكن أن يأتي بها، وهو بلا عمل وينتظر عملاً بفارغ الصبر، وقد قرأ الإعلان في الصحيفة، وشهادته مناسبة، وسِنه، وجنسيَّته، وأوضاعه كلها مناسبة، والمعاش كبير جداً، والمنصب رفيع. يا ترى إذا قرأ الإعلان عصر يوم السبت فصباح الأحد ماذا يفعل ؟ إلى أي ساعة يبقى في سريره ؟ والله يمكن ألا ينام الليل أبداً، فإذا ما أصبحت الساعة الثامنة خرج من البيت ليحصل على هذه الوثائق، ويقدِّم الطلب لينال هذا المنصب الرفيع. فالإنسان في الدنيا يتعامل تعاملاً واقعياً، والله عزَّ وجل يقول:

 

﴿ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ (38) ﴾

 

( سورة الشورى)

على كل إنسان أن يستجيب لله و للرسول و يلزم جماعة المؤمنين:

 أنت ماذا فعلت ؟ الحق واضح كالشمس، تستمع إلى الحق ناصعاً كضوء النهار، وأنت ماذا فعلت ؟ هل استجبت لله عزَّ وجل ؟ وهل أجريت تعديلات في بيتك، وعملك ؟ وهل جعلت لنفسك منظومة ؛ هذه تجوز وهذه لا تجوز ؟ وحاسبت نفسك يومياً ؟ ماذا فعلت من أجل أن تصل إلى الله ؟ وهل ابتغيت إليه الوسيلة ؟ وهل تعرَّفت إليه ؟ وتعرَّفت إلى منهجه ؟ وعملت العمل الصالح الذي يُرضيه ؟ ولزمت جماعة المؤمنين ؟ وهل تلقَّيت العلم الشرعي ؟ وتعلَّمت القرآن، وعلَّمته ؟ وهل أمرت بالمعروف ؟ وماذا فعلت بزوجتك ؟ هل تركتها على انحرافها أم لزمت نصحها وتوجيهها ؟ وتركت بناتك يفعلن ما يشأن أم ربَّيتهن تربيةً صالحة ؟

﴿ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا (38) ﴾

( سورة الشورى)

 مثل آخر: إنسان لا يوجد لديه بيت وهو بأشد الحاجة إلى بيت خطب فتاة ومضى على الخطبة سنتان، ولا يوجد بيت، ومعه مبلغ نصف مليون، والبيت مليون فما فوق ولو بلغه أن هناك بيتاً سعره نصف مليون ومناسب، وجاهز للبيع، وفارغ، وتسجيل رسمي، لا ينام هذه الليلة أبداً ولو أن العلاقة مع صاحب هذا البيت وهو في أقصى مكان في الأرض لذهب إليه، وهكذا طبيعة الإنسان، هل أدركت أن الدين شيء عظيم جداً ؟ وهل انطلقت مستجيباً لله ولرسوله ؟ إذا أذَّن المؤذِّن فماذا تفعل ؟ يناديك هَلُمَّ إلى طاعتي، هَلُمَّ إلى الاتصال بي.

 

المسلم حركة يتحرَّك لمعرفة الله و تطبيق أوامره:

 

 لذلك:

﴿ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ (38) ﴾

( سورة الشورى)

 فالإسلام حركي، والإيمان حركي فليس هناك إيمان سكوني، إيمان إنسان مضَّجع في سريره، قابع في بيته، ويقول ما دخلنا، لا توجع رأسك، ليس هذا هو المسلم، المسلم حركة يتحرَّك لمعرفة الله ويحضر مجلس علم وينقل ما تعلَّم إلى الآخرين، كما قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( بلغوا عني ولو آية ))

 

[ من الجامع الصغير: عن " ابن عمرو " ]

 يحاول أن يهدي أولاده، وزوجته، وإخوانه، وجيرانه، وزملاءه ومن حوله، ومن فوقه، ومن دونه، هكذا هو المؤمن.

العمل الصالح أساس وصول الإنسان إلى الله عز وجل:

 كما قلت سابقاً: في اللحظة التي يستقر فيها الإيمان في قلب المؤمن يعبِّر عن ذاته بذاته، عن طريق العمل الصالح. فليس هناك مؤمن مكتوف اليدين، فلا يوجد مؤمن سلبي، أو متقوقع، أو انهزامي، فالمؤمن متحرِّك، يطلب العلم والله عزَّ وجل قال:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ﴾

( سورة المائدة: من آية " 35 " )

 فأنت هدفك حِمص وتحتاج إلى وسيلة (سيارة) فإذا كنت مصرَّاً على أن تصل إلى هذه المدينة فلابدَّ من أن تبحث عن وسيلة تنقلك إلى حمص. فإذا أردت أن تصل إلى الله فأنت بحاجة إلى وسيلة، ومن معاني الوسيلة أن تتعرَّف إليه، ومن معاني الوسيلة أن تتعرَّف إلى منهجه، وأن تلزم جماعة المؤمنين..

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ﴾

( سورة الكهف: من آية " 28 " )

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ(119) ﴾

( سورة التوبة )

 فهذه من لوازم الوسيلة، ومن لوازمها العمل الصالح، وأن تقدِّم شيئاً، وأن تبني حياتك على العطاء لا على الأخذ، وأن تبحث عمن تعلِّمه، عمن تقدِّم له خدمةً، ومن تعينه كي يرضى الله عنك..

الاستجابة لأمر الله طريق الإنسان للاتصال بالخالق سبحانه:

﴿ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ (38) ﴾

( سورة الشورى)

 وبعد أن استجابوا لربِّهم أصبح الطريق إلى الله سالكاً..

 

﴿ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ (38) ﴾

 

( سورة الشورى)

 لن تستطيع أن تتصل بالله إلا إذا استجبت لأمره، فحينما تطبِّق أمر الله عزَّ وجل تشعر أن الطريق إلى الله صار سالكاً..

 

(( ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا ))

 

[ من صحيح مسلم: عن " عبد المطلب " ]

 الاتصال بالله ثمنه طاعة الله..

العاقل من استشار غيره في كل عمل يُقْدِمُ عليه:

﴿ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ (38) ﴾

( سورة الشورى)

 فالمؤمنون ليس عندهم كبر، ولا تسلُّط، ولا استبداد بالرأي..

 

﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ (38) ﴾

 

( سورة الشورى)

 ولذلك ورد في الحديث الشريف أنه:

 

(( ما ندم من استشار ولا خاب من استخار ))

 

[ ورد في الأثر]

 فأنت حينما تستشير ماذا تفعل ؟ تستعير عقل أخيك الإنسان، لك أخ له أربعون سنة خبرات في البيع والشراء، فأنت إذا استشرته استعرت كل خبرته بلا مقابل، فالمؤمن يستشير في كل عمل يُقْدِمُ عليه ويسأل أهل الخبرة من المؤمنين.

عدم استبداد المؤمن برأيه:

 في معنى أوسع من ذلك: المؤمنون ليس بينهم من يستبد برأيه. فشاءت حكمة الله أن تجري هذه الحادثة في عهد النبي، ليقف النبي عليه الصلاة والسلام الموقف الكامل من أصحابه: وحين أنزل النبي عليه الصلاة والسلام جيش المسلمين في موقعة بدر في مكانٍ ما، جاءه صحابيٌ جليل اسمه الحُباب بن المنذر (أي أن هذا الصحابي في أعلى درجات الحب، وفي أعلى درجات الأدب، والغيرة على المسلمين فجاء النبي عليه الصلاة والسلام وأنا أقول: يقطر أدباً ويقطر تواضعاً ) قال:
" يا رسول الله أهذا الموقع وحيٌ أوحاه الله إليك أم هو الرأي والمشورة ؟ " قال عليه الصلاة والسلام:

((بل هو الرأي والمشورة ))

 قال: " يا رسول الله ليس بموقع " ماذا فعل النبي ؟ هل غضب منه ؟ لا. وهل أبعده ؟ لا. وهل قال: اغرب عن وجهي تجرَّأت علي ؟ لا أبداً بل قال له:

(( الرأي والمشورة ))

 قال: " يا رسول الله ليس بموقع". لذلك أعطى النبي أمره للجيش أن يستقرَّ في الموقع الذي أشار عليه الحُباب.
 لماذا شاء الله أن تقع هذه الحادثة ؟ كان من الممكن أن يوحي الله لنبيِّه الموقع المناسب وحياً عن طريق جبريل، لأن جبريل جاءه في آلاف المرَّات بموضوعاتٍ أقل من هذا الموضوع، وكان من الممكن أن يلهمه المكان المناسب، لكن شاءت حكمة الله أن يكون هذا الأمر على ما كان ليقف النبي الموقف الكامل ممن نصحه، وليُعَلِّم النبي أصحابه، وأمَّته من بعده، والدعاة إلى الله من بعده، والأمراء المؤمنون بعضهم لبعضٍ نصحةً متوادون، أي إذا جاءك إنسان مخلص ناصح فأصغِ إليه، واشكره وأعطه أذناً صاغية، تفهَّم نصيحته، فهذه صفات المؤمنين..

المؤمنون نصحة متوادون لا استعلاء بينهم:

﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ (38) ﴾

( سورة الشورى)

 استبداد بالرأي لا يوجد، واستعلاء، وتشنُّج، وسيطرة كلها لا توجد، قال له: " الخليفة أنت أم هو ؟ ". قال له: " هو إذا شاء". انتهى الأمر..

 

﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ (38) ﴾

 

( سورة الشورى)

 سيدنا الصديق على جلال عظمته قال لسيدنا عمر:" مدَّ يدك لأبايعك ". قال: " أنا ؟ (غير معقول يوجد قول لا أذكره الآن لكن بمعنى) " والله لأن أُقطَّع إرباً إرباً أهون من أن أكون أميراً على قومٍ فيهم أبو بكر " هل أكون أميراً ؟، قال له: "امدد يدك لأبايعك ". فقال سيدنا عمر: " أنت أفضل مني " قال له: " بل أنت أقوى مني " قال له: " قوتي لك مع فضلك " وأنا بخدمتك وهكذا المؤمنون..

 

﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ (38) ﴾

 

( سورة الشورى)

 هذه صفة جماعة المؤمنين، إذا عزَّ أخوك فهُن أنت، فأنت في خدمة إخوانك، " وما ضرَّهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم ؟ ". فأنت جندي تعمل في خدمة الحق، أعرفك الناس أم لم يعرفوك، أرفعك الناس أم لم يرفعوك، أنوَّه الناس بفضلك أم لم ينوِّهوا به، ماذا يعنيك ؟ يعنيك أنك تفعل عملاً يرضي الله عزَّ وجل.

فوائد الشورى:

 إذاً:

﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ (38) ﴾

( سورة الشورى)

 يا إخواننا الكرام الأب يسأل أولاده أحياناً، الشورى لها مجموعة فوائد، أولاً: قد تكون غافلاً عن فكرةٍ تأتيك ممن هو أدنى منك، والإنسان دائماً إذا كان في موقع اتِّخاذ القرار، يكون عليه ضغط، فإذا سأل إنساناً بعيداً عن الضغط يعطيه رأياً صحيحاً وكل إنسان بموضع اتخاذ القرار في عليه ضغط شديد، وهذا الضغط أحياناً يبعده عن الحقيقة، فلو أن كل إنسان كان حوله جماعة مستشارين.
 فسيدنا عمر بن عبد العزيز بحث عن أرقى إنسان علماً وورعاً وتُقى اسمه عمر بن مهاجر، قال له:" يا عمر اجلس إلى جانبي وراقب أحكامي، فإذا رأيتني ضللت فأمسكني من تلابيبي وهُزَّني هزَّاً شديداً وقل لي: اتق الله يا عمر فإنك ستموت".
 استشر يا أخي، قبل أن تقدم على عمل استشر أولي الخبرة من المؤمنين، واستشر من هم أعقل منك ومن هم أطول منك خبرةً، وأكثر منك قرباً من الله عزَّ وجل، ولا تفعل شيئاً ارتجالاً..

 

﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ (38) ﴾

 

( سورة الشورى)

 فالإنسان بأسرته يستشير، وإذا كان موظَّفاً في دائرة وحولهُ موظَّفون آخرون عليه أن يستشيرهم، ما قولكم سنفعل كذا ؟ قد تأتيك أفكار لم تكن تعرفها. فأولاً الشورى حقيقيَّة، والشورى أيضاً تؤلِّف القلوب، وتزيل الأحقاد، فالقلوب تتألَّف، والأحقاد تتلاشى، والآراء تتضافر وهذه هي الشورى، والمؤمن الصادق يستشير ؛ على مستوى أسرته وعلى مستوى عمله، وجامعه، لا يقدم، وأحياناً يسافر الإنسان ويكون السفر ليس فيه خير، فيسأل من سافر قبله وغادر..

العطاء و الإنفاق من أبرز صفات المؤمن:

﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ(38)﴾

( سورة الشورى)

 فجماعة المؤمنين أساسها العطاء والإنفاق وأبرز صفة بالمؤمن الإنفاق، ينفق وقته، وماله، وعلمه، وخبرته. أنا مرَّة استشارني أخ كريم بعمل صناعي، فقلت له: والله أنا لا أعرف مدى جدوى هذه الصنعة، استشر من تجد فيه الأهليَّة. قال لي أنه ذهب إلى أحد الأسواق التي تبيع هذه السلعة، وسأل أصحاب المحلات واحداً واحداً، وأكثرهم أشار عليه أن هذه المصلحة ليس فيها نفع إطلاقاً، ولها مشكلات، فجاء إلي مرَّة ثانية وقال لي: هكذا قالوا. قلت له: أعرف واحداً في هذا السوق أظنَّه مؤمناً فاذهب إليه واسأله. أعطاه كلاماً آخر وقال له: مصلحة جيِّدة جداً وأرباحها مجزية وموادِّها الأوليَّة متوافرة، ومشكلاتها قليلة. قلت: سبحان الله المؤمن نصوح !! فهذا المؤمن نصحه أما هؤلاء لضعف إيمانهم ظنوه أنهم سينافسهم فأبعدوه عن هذه المصلحة، فالمؤمن نصوح وهذا ما ورد في الحديث الشريف:

 

(( إن المؤمنين قوم نصحة بعضهم لبعض متوادون وإن بعدت ديارهم وأبدانهم، وإن المنافقين قوم غششة بعضهم لبعض))

 

[ كنز العمال]

ليس من حق المسلم أن يخنع ولا أن يذِل:

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ(39) ﴾

( سورة الشورى)

 وهل جماعة مؤمنة فيها ذل، وخنوع، وضعف !! لا..

﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة المنافقون: من آية " 8 " )

 استعن بالله ولا تعجز..

 

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ(39) ﴾

 

( سورة الشورى)

 فالإسلام لا يأمرك أن تدير خدِّك الأيسر لمن ضربك على خدِّك الأيمن، يقول لك:

 

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ(39) ﴾

 

( سورة الشورى)

صاحب الحق له أن يأخذ حقَّه أو أن يعفو:

 الإسلام أيها الأخوة وسطٌ بين أن تدير خدِّك الأيسر لمن ضربك على خدِّك الأيمن، وبين أن تكيل له الصاع صاعين، الإسلام يقول لك:

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ(39) ﴾

( سورة الشورى)

 فالمسلم حينما يُبغى عليه ويرضى، ويخضع، و يتطامن سقطت قيمته بين الناس، فالناس يحبون العزيز القوي، فلذلك ليس من حق المسلم أن يخنع، ولا أن يذِل، ولا أن يخضع..

 

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ(39) ﴾

 

( سورة الشورى)

 لكن إذا أراد أن ينتصر ليس له أن يبغي، ولا أن يزيد الصاع صاعين..

 

﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا (40) ﴾

 

( سورة الشورى)

 إخواننا الكرام صاحب الحق له أن يأخذ حقَّه، وهو مخيَّر أن يعفو وأما الذي عليه الحق فيجب أن يؤدِّي الحق ولذلك قالوا: " العدل قَسْرِيّ والعفو والإحسان طَوْعِيّ "..

 

﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ (40) ﴾

 

( سورة الشورى)

من أيقن أن عفوه عن المذنب يصلحه فليعفُ عنه:

 لكن دقِّقوا في هذه الآية:

﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ (40) ﴾

( سورة الشورى)

 ما معنى:

﴿ وَأَصْلَحَ ﴾

 هنا ؟ أحياناً عفوك عن هذا المذنب يصلحه، فإذا أيقنت أنك إذا عفوت عن هذا المُذنب تأخذ بيده إلى الله وسيدنا الرسول اللهمَّ صلِّ عليه، أحد الصحابة واسمه حاطب بن بلتعة ارتكب في العرف الحديث جريمة الخيانة العُظمى، والنبي عليه الصلاة والسلام يزمع فتح مكَّة، فهذا الصحابي أرسل رسالة إلى أهل مكَّة يخبرهم فيها أن محمَّداً يريد أن يأتيكم غازياً فخذوا حذركم وهذه الرسالة في كل الأنظمة في العالم، وفي كل أطوار البشريَّة تعدُّ خيانةً عظمى توجب القتل.
 فالنبي عليه الصلاة والسلام جاءه الوحي: أن فلاناً قد أرسل رسالةً مع امرأةٍ اسمها فلانة، وهي في طريقها إلى مكَّة، يخبرهم بأن محمداً يزمع أن يغزوكم، أرسل أحد الصحابة أو صحابيّان، وعثرا على الرسالة في شعر هذه المرأة في مكان اسمه الروضة بين مكَّة والمدينة، وجيء بالرسالة وقُرئت، وجيء بحاطب، ما كان من عمر إلا أن قال: " يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق ".

 

 قال النبي عليه الصلاة والسلام كلمة لو دقَّق الإنسان في مضمونها لذابت نفسه حباً بهذا النبي الكريم، قال له:

((يا عمر إنه شهد بدراً ))

أي إن النبي عليه الصلاة والسلام لشدَّة وفائه ورحمته ما أراد أن يهدِر عمل هذا الصحابي، قال:

((يا عمر إنه شهد بدراً ))

قال:

((يا حاطب ما حملك على ما فعلت ))

 قال: " والله يا رسول الله لا كفرت ولا ارتددت ولكن ليس لي يدٌ عند قريش ولي هناك أموال، فخشيت أن يأخذوا أموالي وأن يؤذوا أهلي، وأردت أن يكون لي عندهم هذه الصنيعة، والله ما كفرت ولا ارتددت، واغفر لي ذنبي يا رسول الله ". فقال عليه الصلاة والسلام:

((إني صدَّقت ما قاله حاطب فصدِّقوه ولا تقولوا فيه إلا خيراً))

 قال كُتَّاب السيرة: إن عمر بن الخطَّاب نظر إلى الذنب فرآه خيانةً عظمى ولكن النبي عليه الصلاة والسلام نظر إلى صاحب الذنب فرآها لحظة ضعفٍ طارئة، فبدل أن يسحقه مدَّ يده وأنهضه من كبوته. وهذا الصحابي الجليل قام من كبوته، وجدَّد إيمانه، وتألَّق في عهد النبي، وبعثه النبي بعد حين مبعوثاً شخصياً له إلى بعض الملوك، تجاوز العقبة.

عفو الإنسان عن أخيه يعطيه معونةً على أن يلتزم الحق و يستقيم:

 إخواننا الكرام هذه الآية دقيقة جداً:

﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ (40) ﴾

( سورة الشورى)

 فأحياناً عفوك عن أخيك تعطيه معونةً على أن يلتزم الحق وعلى أن يستقيم. وأنا أعرف رجلاً (سمعت هذه القصَّة ممن أثق به) عاش في الأربعينات في هذه البلدة، خطيب مسجد من الخطباء اللامعين رأى النبي عليه الصلاة والسلام، قال النبي له في الرؤيا: " قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنَّة ". جاره سَمَّان، فهذا الخطيب اللاَّمع تأثَّر، وطرق باب جاره وقال له: لي عندك كلامٌ قليل، دخل إلى البيت وقال له: لك عندي بشارةٌ من رسول الله، ولكنني والله لن أقولها لك إلا إذا أخبرتني بماذا فعلت.
 طبعاً تمنَّع أن يقول وبعد أخذٍ ورد تكَّلم هذا الجار عن العمل الذي فعله واستحق به هذه البشارة من رسول الله. قال: تزوَّجت امرأةً وبعد دخولي بها بخمسة أشهر وجدت بطنها يحمل مولوداً في الشهر الثامن أو التاسع، فعلمت أنها زلَّت قدمها قبل أن أتزوَّجها. قال له: بإمكاني أن أطلِّقها وبإمكاني أن أسحقها، وأفضحها لكن شعرت أنني إذا عفوت عنها لعلَّها تتوب توبةً نصوحاً، فجاء بقابلةٍ في الليل وولَّدت له امرأته، وأخذ هذا المولود تحت عباءته، ولمَّا أذَّن الفجر وانتظر حتى أُقيمت الصلاة ؛ ولمَّا نوى الإمام الصلاة دخل إلى المسجد ووضع المولود وراء الباب، فلمَّا انتهت الصلاة بكى الطفل الصغير المولود حديثاً وتحلَّق حوله المصلون وجاء هو واحداً منهم وقال: ما القصَّة ؟ قالوا هناك طفلٌ وراء الباب، قال: أعطوني إياه أنا أكفله. وأعاده إلى أمِّه وسترها ولم يفضحها. فقال النبي عليه الصلاة والسلام لهذا الخطيب:

(( قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنَّة ))

من عفا عن أخيه شعر بنشوة الظَفَرِ على ذاته:

 أحياناً الإنسان بعفوه يشتري أخاه وينقذه وبعفوه يرفعه وينهضه، أما إذا انتقم منه فقد أعان عليه الشيطان، وإذا عفا عنه أعانه على الشيطان..

﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ (40) ﴾

( سورة الشورى)

 وسيدنا الرسول اللهمَّ صلِّ عليه، حاطب بن بلتعة ارتكب خيانةً عظمى، يستحقُّ عليها القتل في كل الأنظمة والقوانين، ومع ذلك قال له:

(( لا يا عمر إنه شهد بدراً))

 فأنت أحياناً يسيء إليك إنسان تملك أن تصلحه إذا عفوت عنه، قال:

 

﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ (40) ﴾

 

( سورة الشورى)

 يزداد عزَّاً ويزداد رفعةً، وتألُّقاً، وقرباً، قال العلماء في هذه الآية:

﴿ مَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ ﴾

 الذي يعفو يصلح نفسه، والذي يعفو يشعر بنشوة، ويحسُّ أنه انتصر على ذاته، وعلى شهوة الانتقام، فهذه شهوة، من عفا عن أخيه شعر بنشوة الظَفَرِ على ذاته وعلى نفسه وشعر بقيمته الإنسانيَّة، ولذلك فالذي يعفو هو نفسه يصلح نفسه، والذي عفا عنه يصلحه.

بطولة المؤمن أن يعفو عمن ظلمه عند قدرته على ذلك:

 إذاً:

﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ (40) ﴾

( سورة الشورى)

 الإصلاح للذي تعفو عنه، تنهضه من كبوته، والإصلاح لنفسك بمعنى أنك انتصرت على شهوة الانتقام..

 

﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ (40) ﴾

 

( سورة الشورى)

(( ما تجرَّع العبد جرعةً أعظم عند الله من غيظٍ كتمه في سبيل الله ))

[ ورد في الأثر ]

 قال الله:

﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(134) ﴾

( سورة آل عمران )

 فسهل جداً إذا كنت قوياً وأساء إليك إنسان أن تبطش به وتسحقه سحقاً، ولكن البطولة أن تعفو عنه، عفو المُقتدر، فالعفو عند المقدرة.

الإسلام دين خُلُق و رحمة:

 اللهمَّ صلِّ عليه عندما فتح مكَّة (طبعاً التاريخ كلمات نقرأها أما الوقائع فصعبة كثيراً) وكفَّار قريش كادوا للنبي عليه الصلاة والسلام عشرين عاماً قتلاً، وتعذيباً، واغتصاب أموال، وتشهيراً، وهجاء، ثلاثة حروب قادوها ضده، ائتمروا على قتله، وائتمروا على إخراجه، وائتمروا عليه مع اليهود، فلمَّا فتح النبي مكَّة بعشرة آلاف سيفٍ متوهِّجة تنتظر كلمةً من فمه الشريف.
 والله أيها الأخوة كان بإمكانه أن يلغي وجود قريش كلِّها، وهم عرفوا أنهم تحت رحمة كلمةٍ تخرج من فمه، قال:

(( ما تظنُّون أني فاعلٌ بكم ))

 قالوا: " أخٌ كريم وابن أخٍ كريم ". قال:

((اذهبوا فأنتم الطلقاء))

 فعندما دخل مكَّة فاتحاً قال كتَّاب السيرة: كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله عزَّ وجل. وأبو سفيان عندما رأى منه هذا الموقف قال له: " يا بن أخي ما أرحمك، وما أكرمك، وما أوصلك، وما أحلمك ". فهذا هو الإسلام، الإسلام كله خُلُق.

الإنسان الذي يعفو عن غيره يزداد تألقاً عند الناس و عند الله:

 لذلك أيها الأخوة..

﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ (40) ﴾

( سورة الشورى)

 فالذي يعفو عن أخيه يصلحه، ويأخذ بيده، وينهضه، ويعينه على الشيطان ؛ والذي ينتقم من أخيه يسحقه، ويفضحه، ويعين الشيطان عليه، فإذا عفوت عن أخيك أصلحت نفسك وانتصرت على شهوة الانتقام، ولذلك فالإنسان الذي يعفو يزداد تألُّقاً عند الناس وعند الله، وبالمناسبة فبعض العلماء قالوا: لا يكون العفو عفواً إلا عن إنسان بالغ في الإساءة إليك ثم أصبح في قبضتك، وبإمكانك أن تسحقه فعفوت عنه. أما الذي يقول: أنا عفوت عنه. وهو أقوى منك هذا كلام فارغ، ولذلك العفو عند المقدرة فقط أما إن لم تكن قادراً عليه فاصبر أو لا تصبر فهذا هو الواقع.

من أراد أن يأخذ حقه عليه أن يأخذه دون أن يزيد عليه:

﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(40) ﴾

( سورة الشورى)

 أي إذا أردت أن تأخذ حقَّك يجب أن تأخذ الحق فقط دون أن تزيد عليه، أما سأكيل له الصاع صاعين. فهذه لا آية ولا حديث وهذا كلام شيطاني، فإذا أردت أن تكيل له الصاع كِل صاعاً بصاع..

 

﴿ وَلَمَنْ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ (41) ﴾

 

( سورة الشورى)

﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا (40) ﴾

( سورة الشورى)

 لو أراد أحدهم أن يأخذ حقَّه، قال:

 

﴿ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ(41) ﴾

 

( سورة الشورى)

 العدل قسري أما العفو فطوعي..

 

﴿ وَلَمَنْ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ(41)إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(42)وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ(43)﴾

 

( سورة الشورى)

من كان إيمانه بالله قوياً وتوحيده قوياً عليه أن يؤمن بالقضاء و القدر:

 آخر آية:

﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ(43) ﴾

( سورة الشورى)

 إخواننا الكرام، أحياناً يأتي القضاء والقدر مباشرةً من الله مثلاً: شخص وقع ابنه من الشرفة فمات، فلمن يتجه الأب ؟ وسوف يحاكم من ؟ وسينتقم ممن ؟ ويقيم دعوى على من ؟ لا يوجد أحد، ابنه وقع من الشرفة إلى الأرض فمات، ولكن حينما يُدهس سائق سيارة ولداً، فبالحالتين الابن مات ولكن مرَّة مات قضاءً وقدراً ومرَّة مات بفعلٍ بشري، فالإنسان عندما يكون إيمانه بالله قوياً جداً، وتوحيده قوياً جداً ولو أن الفعل المؤلم جاءه على يد إنسان فيبقى موحِّداً ويبقى مؤمناً وإن الله وحده هو الذي شاء ذلك، ولذلك فليس عنده حقدٌ دفين على هذا الذي جرى على يده هذا العمل.

من صبر على قضاء الله و قدره فأجره على الله:

 الآية الكريمة:

﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ (43) ﴾

( سورة الشورى)

 على قضاء الله وقدره..

 

﴿ وَغَفَرَ (43) ﴾

 

( سورة الشورى)

 لمن كانت هذه الإساءة على يديه، قال:

 

﴿ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ(43) ﴾

 

( سورة الشورى)

 إن يحتاج إلى إيمان قوي وإلى توحيد قوي والآية الكريمة:

﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ(17) ﴾

( سورة لقمان )

من عاقب المذنب أو عفا عنه عليه أن يرى أن الله وحده هو الذي سمح له أن يفعل هذا:

 أما هذه الآية:

﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ(43) ﴾

( سورة الشورى)

 لذلك المؤمن لو جاءه مكروهٌ على يد إنسان يرى أن الله وحده هو الذي سمح له أن يفعل هذا وتبقى علاقته مع الله، ويقف من هذا الذي ساق الله على يده الشر موقفاً حكيماً، إما أن يعاقبه لمصلحته، وإما أن يعفو عنه ولكن بالحالتين ليس في قلبه حقدٌ عليه. إنسان تلقَّى ضربة من العصا فهل ألمه من العصا أم من الذي ضرب ؟ بل من الضارب، فإذا صبَّ كل نقمته على العصا يكون جاهلاً، وعليه أن يتألَّم ممن ضرب لا من العصا لأنها أداة، وينبغي أن تعلم أن كل البشر الذين يُخافُ منهم إنهم عصيٌ بيد الله، والدليل:

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)﴾

( سورة هود )

الإيمان الكامل أن تقف موقفاً حكيماً من دون حقد ولا إشراك بالله ممن تلقيت منه الأذى:

 الإيمان الكامل حتَّى لو جاءك لا سمح الله شر على يد إنسان، فهذا الإنسان لا يستطيع أن يفعل ما فعل إلا بعد أن يأذن الله، وهذا الإنسان سيحاسب ولكن شاءت حكمة الله أن يكون الأذى على يده، إذاً يجب أن تقف موقفاً حكيماً من دون حقد، ولا إشراك بالله، فمع التوحيد الكامل تقف الموقف الكامل، فإن كانت الحكمة أن تعاقبه لتردعه عن أن يعود لمثلها فلا مانع ولكن بالحالتين بدون حقد..

﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ(43) ﴾

( سورة الشورى)

آيات تصف جماعة المؤمنين:

 إخواننا الكرام هذه الآيات آيات تصف جماعة المؤمنين:

﴿ فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ(43)﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018