الدرس : 12 - سورة الشورى - تفسير الآيات 32-37 ،البحار همزة وصل لا همزة قطع بين القارات - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 12 - سورة الشورى - تفسير الآيات 32-37 ،البحار همزة وصل لا همزة قطع بين القارات


1994-04-22

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثاني عشر من سورة الشورى.

الجوارِ في البحر كالأعلام من آيات الله الدالة على عظمته:

 مع الآية الواحدة والثلاثين وهي قوله تعالى:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (32) ﴾

(سورة الشورى)

 مرةً ثانية من تفيد التبعيض، أي ومن بعض آياته الدَّالّة على عظمته الجواري في البحر كالأعلام، والجواري جمع مفردها جارية وهي التي تجري، أي السفينة، كالأعلام ؛ كالجبال، فهذه السفينة التي تمخر عباب الماء ما الذي يحملها ؟ هذا الذي كشفه بعض علماء الغرب وقال: وجدتها وجدتها. حين وضع يده في الماء، فشعر أن قوةً تدفعها إلى الأعلى، فالسائل متماسك، ومعنى متماسك أي أنه لا يقبل بسهولة أن ينغمس فيه جسم، فالإنسان لو ملأ وعاءً من الماء ووضعه في بركة ماء لشعر أن نصف وزنه قد ذهب، أو أكثر من ذلك، فأين ذهب الوزن ؟ إن قوةً في الماء تدفع نحو الأعلى، ولولا هذه القوة، لكانت البحار أداة قطعٍ بين القارَّات، بينما هي همزات وصل.

البحر ما هو إلا أداة اتصالٍ بين اليابسة:

 لو أردنا أن نُعَبِّد طريقاً إلى أمريكا، أو طريقاً إلى أفريقيا، أو إلى آسيا، أو إلى أوقيانوسيا، نحتاج إلى أموال لا يعلمها إلا الله، لكن البحر في الحقيقة طرقٌ معبدة، وما عليك إلا أن تصنع سفينةً وأن تتحرك أينما تشاء.
 فهذا البحر بقوّة تماسك الماء، أو بقوة الدفع نحو الأعلى، له قانون يعرفه الذين درسوه، فهذا البحر بهذه الخصائص أصبح أداة اتصالٍ بين اليابسة، ولولا هذه الخاصة لكان سبباً في القطيعة التامّة بين القارات.

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ(32) ﴾

(سورة الشورى)

أرقى أنواع الذكر التفكر في خلق السماوات والأرض:

 إذاً الماء وحده هذا آية يدل على عظمة الله، فلو أن الإنسان فكر لأن الآيات التي بثَّها الله في الكون لا تعدُّ ولا تحصى، ولكن ربنا جلَّ جلاله ذكر في القرآن بعض الآيات الكونية، فالذي ينبغي أن نذكره أن الله حينما ذكر بعض هذه الآيات، إذاً هي موضوعاتٌ مثالية للتفكُّر، ولما حدثنا ربنا عزّ وجل عن الماء فقال:

﴿ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ(22) ﴾

( سورة الحجر: من آية " 22 " )

 فالمؤمن عليه أن يمشي في هذا الطريق، والإشارات القرآنية إلى الآيات الكونية هذه موضوعاتٌ للتفكر، وحبَّذا لو أن كل مؤمنٍ جمع الآيات الكونية في القرآن الكريم، وجعلها عنوانات لموضوعات التفكر، فإذا أراد أن يصلي الفجر وبعد الفجر أراد أن يذكر الله، فمن أرقى أنواع الذكر التفكر في خلق السماوات والأرض، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾

 

( سورة الزمر: من آية " 67 ")

 فكيف نقدره حق قدره ؟ إذا تعرفنا إليه، وكيف نتعرف إليه ؟ من خلال خلقه.
 إذاً العلماء قالوا: أرقى عبادة على الإطلاق التفكر في خلق السماوات والأرض، لأن هذه العبادة تضعك وجهاً لوجهٍ أمام عظمة الله عزَّ وجل، وأنا أقول دائماً مئات المرات بل ألوف المرات: إن التفكر في خلق السماوات والأرض أسرع طريقٍ إلى الله، وأوسع بابٍ تدخل منه على الله (وأوسع باب وأقصر طريق) فلذلك الآن مهمتنا أن نحصي الآيات الكونية في القرآن الكريم.
 وشيء جميل جداً أن تقرأ القرآن الكريم قراءة تدبر، وتأمل وبحث، ودرس، وإحصاء، وأن تُحصي الآيات الكونية، وأن تجعل منها موضوعاتٍ مثالية للتفكر.

الماء من آيات الله الدالة على عظمته:

 واليوم الآية هي الماء، وهذا الماء آية من آيات الله العظمى الدالة على وجوده وحكمته، وعلمه، فالماء ؛ هو سائل لا لون له، تصور لو أن للماء لوناً. ولا طعم له، تصور لو أن للماء طعماً، ولو كان طعماً طيِّباً فكل أنواع الطبخ فيها ماء، وكل أنواع الشراب فيها ماء، ولو أن للماء طعماً لخرجت من جلدك بسبب هذا الطعم، ولو أن للماء لوناً لا تحتمل ذلك، فلا لون له ولا طعم له ولا رائحة.
 ولو أن الماء أيها الأخوة يتبخَّر بدرجة مئة، أي لو أن الإنسان غسل بيته لبقي الماء في أرض البيت أشهراً طويلة، فغير معقول أن تصل الحرارة لدرجة مئة في البيت، وهذا مستحيل، لكن الماء يتبخر بدرجة أربع عشرة، ويغلي بدرجة مئة، ويحافظ على هذه الدرجة. بينما الزيت تصل حرارة الزيت إلى درجات عاليةٍ جداً، ولذلك فالإنسان إذا طبخ بالماء يطمئن، ولو بقيت على الموقد ساعاتٍ طويلة، فالماء عند الغليان تثبت حرارته. والنفوذ نفوذ الماء شيء عجيب، ينفذ من أدق المسامات ومهما كان المسام ضيقاً ينفذ منه الماء، ومستوى سيولته لو أنه لزج لا يحتمل، ولو أنه كالقطر في لزوجته فكيف تغسل الأواني ؟ فتصور أنه لا لون له، ولا طعم، ولا رائحة، يتبخر بدرجة أربع عشرة، وهو سريع النفوذ في المسام الدقيقة.

خواص الماء:

 هذا الماء إذا أراد أن يتوسَّع، وأن يتمدد، فليس في الأرض كلها قوةٌ تقف أمام توسعه، فلو جئت بأرقى أنواع المعادن، بسبائك، بخلائط معادن قاسية جداً، وأدخلت فيها ماءً وتجمد الماء، لانشطر المعدن شطرين، واليوم أحدث وسيلة لاقتلاع الرخام من مناجمه أن تحفر أنبوباً وأن تملأه ماءً وأن تبرد الماء، من أربع جهات تجد هذا الصخر قد نزع من مكمنه.
 فالماء إذا تمدد، لا قوة في الكون تقف أمامه، وإذا أردت أن تضغطه لا تستطيع.
 وقد سمعت من أحد الإخوان الكرام عن تجربة أجروها، فضغطوا بمكبس وزنه ثمانمئة طن على متر مكعب من الماء، فهذا الوزن البالغ ثمانمئة طن ما تمكنت أن تضغط الماء ولا ميلي، لأنه لا يضغط. وإذا تمدد لا شيء يقف أمامه، فهو كثير النفوذ، يتبخر في درجة أربع عشرة ولا لون له، ولا طعم، ولا رائحة.

الماء شأنه كشأن كل العناصر يتمدد بالحرارة و ينكمش بالبرودة:

 هذا الماء فيه خاصّة أيها الأخوة، يجب على الإنسان أن يعرف لولا هذه الخاصّة لما كنا جميعاً على سطح الأرض، ولما رأيت في الأرض نباتاً واحداً، ولا حيواناً واحداً، ولا إنساناً، ولولا هذه الخاصَّة لانعدمت الحياة على وجه الأرض، ما هذه الخاصَّة ؟ هي أن الماء شأنه كشأن كل العناصر، بالحرارة يتمدَّد، وبالبرودة ينكمش.
 وتفسير هذه الظاهرة تفسير دقيق، فالحرارة من خصائصها أنها تباعد بين الذرَّات، والبرودة تقرِّب بين الذرَّات، فالجسم في الحرارة ينتقل من حالة الصلابة إلى اللزوجة ثم إلى الميوعة فإلى السيولة فإلى التبخُّر فنظرياً أي معدن يمكن أن يصبح بخاراً، ففي الدرجات العالية جداً البازلت يصبح سائلاً، فالبراكين في الأساس سائل أسود، فما هذا السائل ؟ إنه صخر، وعند التبرُّد يعود صخراً من أقسى أنواع الصخور، فالحرارة من شأنها أن تباعد بين الذرَّات، وأن تحوِّل الجسم من حالة صُلبة إلى حالة سائلة، فإذا جاءت البرودة تقاربت الذرات، فانتقل الجسم من الحالة الغازيَّة إلى الميوعة إلى التجمُّد.
 والهواء يمكن أن يصبح سائلاً، فحينما يأتون للمريض بأسطوانة أوكسجين، إذا حملت هذه الأسطوانة تحس أن بها سائلاً، فالغاز بالبرودة يصبح سائلاً.

ظاهرة انكماش الماء و تمدده وراء ظاهرة الحياة على سطح الأرض:

 بالمناسبة: البرودة تلتقي مع الضغط في إحداث النتيجة، والحرارة تلتقي مع رفع الضغط في إحداث النتيجة، فيمكن أن نجعل من السائل مادةً جافَّةً كالحليب المجفَّف، وقهوة مجفَّفة، نغلي القهوة فتصير مجفَّفة، إما برفع الضغط أو برفع الحرارة، ونقل العنصر من الحالة الغازيَّة إلى الحالة السائلة إما بالضغط أو بالتبريد، ونحن نقول هذا تميز لخاصَّةٍ خطيرة، إن الماء شأنه كشأن أي عنصر، إذا سخَّنته يتمدَّد وإذا برَّدته يتقلَّص(ينكمش) الماء ويمتاز بخاصَّة أنك إذا برَّدته ينكمش كأي عنصر، لكن عند الدرجة زائد أربعة تنعكس الآية، بدل أن ينكمش يتمدَّد.
 ويمكن أن تعرف فتح الشيء بتجربة بسيطة جداً، املأ قارورة ماء وأحكم إغلاقها، وضعها في غرفة التبريد في الثلاجة، وانظر بعد حين كيف أن الزجاج قد انكسر، فالماء حينما يتبرَّد يتمدَّد، وهذه الخاصَّة هي وراء انتشار الحياة على سطح الأرض، لأن البحار إذا بردت في أيام الشتاء، أو في القطبين الشمالي والجنوبي تجمَّدت، فإذا تجمَّدت حسب القانون انكمشت، فزادت كثافتها فغاصت إلى الأعماق، فالطبقة الثانية تتجمَّد وتزيد كثافتها وتغوص إلى الأعماق، إلى أن تصبح البحار كلُّها متجمِّدةً، وعندئذٍ ينعدم التبخُّر، ومع انعدام التبخُّر ينعدم المطر، ومع انعدام المطر ينعدم نمو النبات، ومع انعدام النبات ينعدم الحيوان الذي يعيش على النبات، وإذا انعدم الحيوان وانعدم النبات تبعهما الإنسان، فهذه الظاهرة (ظاهرة انكماش الماء) وتمدُّد الماء عند التبريد في الدرجة زائد أربع هي وراء ظاهرة الحياة على سطح الأرض، فربنا عزَّ وجل في هذه الآية يشير إلى ظاهرة الماء..

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ(32) ﴾

(سورة الشورى)

الله عز وجل لحكمة بالغة خصّ كل بلد بمحصول معين:

 هذه السفينة التي تمخر عُباب الماء، الآن بعض السفن حمولتها مليون طن (كلام دقيق) مليون طن حمولة بعض السفن، وقد سمعت مرَّة تسعمئة حصان قوة المحرِّك لدفَّة السفينة كي تحرفها يميناً أو يساراً، فهذه المدينة العائمة ما الذي يحملها ؟ وهي مصنوعة من أمتن أنواع الحديد وتحمل مليون طن..

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ(32) ﴾

(سورة الشورى)

 وهناك آيات كثيرة، قال:

﴿ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ﴾

(سورة فاطر: من آية " 12 " )

 فأنت تشرب شاياً، والشاي يأتي من سيلان، وليس عندنا شاي فتجد أنه بهذه البحار وتلك السفن تنتقل الحاجات، والأغذية، والمحاصيل، والقمح، والمصنوعات من بلدٍ إلى بلد، ومن قارةٍ إلى قارة، ولو أننا حاصرنا بلداً حصاراً اقتصادياً فإنه ترتفع فيها الأسعار إلى درجة جنونيَّة إذاً ما معنى الحصار الاقتصادي ؟ أي منعنا السفن أن تصل إلى هذا البلد محمَّلةً بالبضائع التي يحتاجها الناس، وربنا عزَّ وجل لحكمةٍ أرادها جعل كل بلد يختص بشيء، فهذا البلد يزرع الرُّز، وهذا عنده محصول قطن، وهذا بن، وهذا سكَّر، فخصَّ كل بلد بمحصول تمتاز به، وجعل العلاقات بين الشعوب هو الذي أرادها الله سبحانه وتعالى.

البحار همزة وصلٍ لا همزة قطعٍ بين القارات:

 إذاً هذه البحار أصبحت بهذه الخاصَّة لأنها تحمل السفن، فأصبحت همزة وصلٍ لا همزة قطعٍ بين القارات..

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ(32)إِنْ يَشَأْ يُسْكِنْ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ(33)﴾

(سورة الشورى)

 والآيات نزلت يوم كانت السفن شراعيَّةً، ونحن عندنا قاعدة عندما قال ربنا عزَّ وجل:

﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾

( سورة النحل: من آية " 8 " )

 إذا ركب الإنسان الآن طائرة حديثة جداً مثلاً (كونكورد) أو ركب قطاراً سرعته ثلاثمئة وخمسون كيلو متراً في الساعة، أو ركب حوَّامة تحوم فوق الماء، أو مركبة حديثة جداً فقد يتساءل: أين..

﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾

 فالله عزَّ وجل هو الذي أنزل هذا القرآن، قال:

﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ(8) ﴾

( سورة النحل)

 لأن هذا كلام خالق الكون، وهو علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون.

كلام الله عزَّ وجل يغطي الماضي والمستقبل معاً:

 إذاً قال:

﴿ وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ(8) ﴾

( سورة النحل)

 فإذا قرأت هذه الآية قلت:

﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾

( سورة النحل: من آية " 8 " )

 ولو وقفت هنا تقول: فأين الطائرة ؟ وأين القطار السريع ؟ وأين هذه المركبات الفارهة ؟ قال:

﴿ وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ(8) ﴾

( سورة النحل)

 فهذه الآية غطَّت المستقبل، فهذا ليس كلام بشر، ولو أنه كلام بشر لما رأى إلا خيلاً، وبغالاً، وحميراً، فإذا وقف عند هذه الكلمة وقرأ هذا الكتاب أناسٌ بعد ألف عامٍ، أو ألفي عام، وركبوا الطائرات، وركبوا القطارات، وركبوا السفن العملاقة وكأنها مدن تتحرَّك فوق سطح الماء يقولون: هذا ليس كلام الله عزَّ وجل. لكن كلام الله عزَّ وجل يغطي الماضي والمستقبل، قال:

﴿ وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ(8) ﴾

( سورة النحل)

الريح هي القوَّة الدافعة للسفن عن طريق الأشرعة:

 كذلك:

﴿ إِنْ يَشَأْ يُسْكِنْ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ (33) ﴾

(سورة الشورى)

 فالمقصود بالريح هنا الطاقة التي تحرِّك هذه السفينة، وقتها كانت الرياح لسفن شراعيَّة، قال:

 

ما كل ما يتمنَّى المرء يدركه  تجـري الرياح بما لا يشتهي السَفِنُ
* * *

 السَـفِنُ أي صاحب السفينة (أو تجري الرياح بما لا تشتهي السُفُنُ. وهذه رواية ثانية للبيت ).

 

الطاقة التي أودعها الله في الأرض عن طريق الأشجار:

 الآن يوجد طاقة بتروليَّة، والله أشار إليها فقال تعالى:

﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ(80) ﴾

( سورة يس )

 فقد يعجب الإنسان، ما هذه المفارقة التي جعلت من الشجر الأخضر ناراً ؟! الشجر الأخضر لا يشتعل فهو يعس عسيساً، والله قال:

﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ (80) ﴾

( سورة يس )

 الحقيقة إحدى نظريات البترول أنه في العصور المطيرة التي شكَّلت نباتاتٍ عملاقة، فهذه النباتات بفعل الزلازل طُمِرَت تحت سطح الأرض وشكَّلت حقول البترول، وكلمة أخضر إشارة إلى أن هذا النبات ما كان له أن يكون نباتاً إلا بفضل المادَّة الخضراء في الأوراق، فهذا وصف سببي لأن في الورقة الخضراء معملاً (وهكذا قرأت عنها في موسوعةٍ علميَّة) أن الورقة الخضراء فيها معمل تبدو أعظم المعامل التي صنعها الإنسان تافهةً أمامه، وشيء عجيب، أن ثمانية عشر معدناً مذاباً بالماء تصعد على خلاف جاذبيَّة الأرض من الأسفل نحو الأعلى، عن طريق خاصَّة الشعريَّة، فتصل إلى الورقة فيها الآزوت تأخذه من الجو، وفيها اليخضور وفيها الفوتونات مخزَّنة بها الطاقة الشمسيَّة، وفيها مواد عديدة تصنع هذه الورقة بشيءٍ معجز نُسُغَاً نازلاً، وهذا النسغ النازل هو سائل، ومنه تتكوَّن الجذور الجديدة، ومنه تتكوَّن فروع الجذور، والجذوع ونموَّها، والأغصان والأوراق والثمار، وكلها من هذا النسغ النازل.
 وليس في مقدور الإنسان أن يصنع سائلاً يحقنه مرَّةً فإذا هو خشب أو يحقنه مرَّةً فإذا هو كاوتشوك، أو هو معدن، فهذا شيء فوق طاقة الإنسان، لكن هذا النسغ النازل يفعل هكذا. فربنا عزَّ وجل جعل هذه الطاقة التي أودعها في الأرض عن طريق الأشجار..

﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ(80) ﴾

( سورة يس )

 ً إذا أشارت هذه الآية إلى أن الريح هي القوَّة الدافعة لهذه السفن عن طريق الأشرعة، فالسفن الحديثة تتحرَّك عن طريق الوقود السائل الذي خلقه الله في الأرض.

الله عز وجل خالق كل شيء:

 وحينما قال الله عزَّ وجل:

﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ(8) ﴾

( سورة النحل: من آية " 8 " )

 والعلماء قالوا: عُزِيَت هذه الوسائل الحديثة في خلقها إلى الله، لأن الله هو الذي ألهم، وهو الذي أودع الطاقات في الأرض، وهو الذي يسَّر صناعتها، ولذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام كان إذا ركب دابَّةً يقول:

 

(( سبحان الذي سخَّر لنا هذا وما كُنَّا له مُقرنين ))

 

[ من الأذكار النوويَّة ]

 والإنسان إذا ركب سيَّارة يقول: " اللهمَّ إني أسألك خيرها وخير ما صنعت له، وأعوذ بك من شرِّها وشرِّ ما صُنِعَت له " فأحياناً يركب الإنسان مركبة فتكون سبب دماره، أو سبب عاهة دائمة، أو شلل، أو انقطاع النخاع الشوكي في العمود الفقري فيصبح مشلولاً " فأسألك خيرها وخير ما صنعت له، وأعوذ بك من شرِّها وشرِّ ما صُنِعَت له "..

 

﴿ إِنْ يَشَأْ يُسْكِنْ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ (33) ﴾

 

(سورة الشورى)

 إذاً نعمة السفينة، ونعمة قوة دفع الماء، ونعمة تحريكها كله بيد الله عزَّ وجل..

 

الإيمان صبرٌ عند البلاء وشكرٌ عند الرخاء:

 

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ(33) ﴾

(سورة الشورى)

 أي للمؤمن، فالمؤمن صبَّارٌ شكور..

 

(( والإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر ))

 

[ من أحاديث الإحياء: عن " ابن منصور الديلمي " ]

(( الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد، فإذا ذهب الصبر ذهب الإيمان ))

[ورد في الأثر]

 فيجب أن تُعَرِّف الإيمان بأنه صبرٌ وشكرٌ، صبرٌ عند البلاء وشكرٌ عند الرخاء، وصبرٌ على المصائب وشكرٌ على النعم، وهذا المؤمن في المصائب صبور، وفي الرخاء شكور، قانعاً بالذي له، ولا يبتغي ما ليس له..

 

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ(33) ﴾

 

(سورة الشورى)

امتحان الشكر أهون على الإنسان من امتحان الصبر:

 الحقيقة امتحان الشكر أهون من امتحان الصبر، فالإنسان أحياناً ينطلق إلى الله مع النِعَم، فإذا حُجِبَت عنه النعم فقد يسقط، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾

( سورة الحج: من آية " 11 " )

 ولذلك فالامتحان يجب أن يكون مع الشكر ومع الصبر..

عقاب الله عز وجل لمن قصّر في عبادته و توحيده:

﴿ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا (34) ﴾

(سورة الشورى)

 ومعنى يوبقهنَّ أي يهلكهنَّ، أو يغرقهنَّ بما كسبوا، وقصَّةٌ أرويها كثيراً أن باخرةً بُنيت في عام ألفٍ وتسعمئة واثني عشر، وقيل عندما بُنيت: إن القدر لا يستطيع إغراق هذه السفينة، لأنها بنيت بطرائق غريبة جداً، فقد بنيت على طبقتين وبين الطبقتين حواجز كثيرة، فلو أنها خُرقَت من جانبٍ أُغلقت الأبواب الداخليَّة فأصبح الخرق محصوراً، ومن شدة ثقة الذين بنوا هذه السفينة لم يصنعوا لها قوارب نجاة، لأن القدر لا يستطيع أن يغرقها، كما زعموا في نشرتها، وأبحرت أول رحلةٍ لها من بريطانيا إلى أمريكا، وقد ركب في هذه السفينة أغنياء أوروبا، وقدَّر بعض العلماء أن ثمن حلي النساء التي كُنَّ يتزيَّن بها تصل إلى ألوف الملايين، وهي من الروعة والجمال والأناقة بشكلٍ لا يوصف.
 وفي أول رحلةٍ لها اصطدمت بجبلٍ ثلجي فشطرها شطرين، وحول هذه السفينة عشرات بل مئات السفن، ولا سفينة بادرت إلى إنقاذ ركَّابها لأن كل السفن ما صدَّقت أنها تغرق، فلمَّا أرسلت هذه السفينة إشارات استغاثة ظنوها احتفالات، فهي تحتفل، وشُطرت شطرين وغرق ركَّابها، وقبل عدة أشهر فيما أذكر عثروا عليها، واسمها تيتانيك..

 

ما من مصيبة إلا وراءها معصية:

 

﴿ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا (34) ﴾

(سورة الشورى)

 وهذه الباء هي باء السبب، قال تعالى:

﴿ فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ ﴾

( سورة النساء: من آية " 160 " )

 باء السببيَّة، الباء لها معان كثيرة وأحد معانيها السبب، مثلاً بتقصيرك عاقبتك وبتفوِّقك أكرمتك، هذه باء السبب..

 

﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ(34) ﴾

 

(سورة الشورى)

 كما قلنا في الدرس الماضي: كل مصيبةٍ وراءها معصية، لكن ما كل معصيةٍ وراءها مصيبة، لأن الله يعفو عن كثير..

 

(( ما من عثرة ولا اختلاج عرق ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يغفر الله أكثر))

 

[ من الجامع الصغير: عن " ابن عساكر عن البراء " ]

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ(30) ﴾

( سورة الشورى )

من يجادل في أحقية هذه العقيدة و يشكِّك بها خياره خيار وقت فقط:

﴿ وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ(35) ﴾

( سورة الشورى )

 هذا الذي يقول مثلاً: يا أخي الدين غيبيات، والناس دخلوا في عصر العلم، وهذا الدين لا يصلح لنا. فهذا الذي يجادل في القرآن، ويجادل في أحقِّية الدين، وفي جدوى الدين، وفي الطرح الديني، وفي التصورات الإسلاميَّة، إن الله بدأ الخلق بآدم، والإنسان في الدنيا في مرحلة إعداد لحياة أبديَّة، فهذه هي النظريَّة الإسلاميَّة، والنظرة الإسلاميَّة لحقيقة الكون والحياة والإنسان، فهذا الذي يجادل في أحقية هذه العقيدة يشكِّك بها ويأخذ عليها بعض المآخذ، ولا يجعل من الإسلام نظاماً يصلح لكل مكان وزمان، أي أن له طروحات لا يرضى بها عن الإسلام، قال:

 

﴿ وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ(35) ﴾

 

( سورة الشورى )

خيار الإيمان ليس خيار قبول أو رفض إنما هو خيار وقت فقط:

 إخواننا الكرام، الإنسان أحياناً في شبابه يكون قوياً شديداً عتيداً يتفلسف على الله عزَّ وجل ويطرح طروحات وينتقد فيقول: لست مقتنعاً بهذا الأمر ولست مقتنعاً بهذا الحكم وهذا التفسير غير مقبول. ولكن كلَّما تقدَّمت به السن، ورأى أنه لابدَّ من أن يغادر الدنيا، وماذا بعد الموت ؟ أنا أعرف عشرات الأشخاص، بل مئات في بداية حياتهم كانوا ملحدين، فلمَّا تجاوزوا الأربعين بدؤوا بالصلاة، فهذا الخيار خيار وقت.
 دقِّقوا في هذا الكلام أيها الأخوة: فأنت أحياناً تخيَّر خيار قبول أو رفض. أتشتري هذا البيت ؟ تقول: نعم أو لا، أتسافر إلى هذا البلد ؟ تقول: نعم أو لا، أنت حينما تتخيَّر أن تسافر أو أن تشتري فأنت أمام خيار قبول أو رفض، إلا أن خيار الإيمان ليس خيار قبول أو رفض أبداً فخيار الإيمان خيار وقت، أي إن لم تؤمن وأنت في رَيْعان الشباب لابدَّ من أن تؤمن وأنت في خريف العمر، ولكن والله الذي لا إله إلا هو شتَّان (والكلام لإخواننا الشباب موجَّه) شتَّان بين من ينشأ في طاعة الله وبين من يأتي إلى ربه وقد انحنى ظهره، وشاب شعره، وضعف بصره فهو جيِّد لا بأس.

شتَّان بين من ينشأ في طاعة الله وبين من يأتي إلى ربه وقد انحنى ظهره:

 أي أن خيار الإنسان في الإيمان ليس خيار قبولٍ أو رفض والدليل من هو أكفر كفَّار الأرض الذي قال صراحةً، وبأعلى صوته:

﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾

 فرعون ولكن ماذا قال حينما أدركه الغرق ؟ قال:

﴿ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾

( سورة يونس: من آية " 90 " )

 ومعنى هذا أنه آمن، لكن متى آمن ؟ بعد فوات الأوان عندما مات، فلا يوجد إنسان مخيَّر بالإيمان إلا خيار وقت فقط، خيار الإنسان بالإيمان ليس خيار قبول أو رفض، لأن ربنا عزَّ وجل قال يوم القيامة:

﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ(22) ﴾

( سورة ق )

﴿ يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي(24)فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ(25)وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ(26)﴾

( سورة الفجر )

بطولة الإنسان أن يؤمن في ريعان شبابه:

﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيه(25)وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيه(26)يَالَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ(27)مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيه(28)هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيه(29)خُذُوهُ فَغُلُّوهُ(30)ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ(31)ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ(32)﴾

( سورة الحاقَّة )

 خيارنا خيار وقت فقط ولكن البطولة أن تؤمن وأنت شاب في رَيْعَان الشباب، لأنك إذا آمنت وأنت شاب شكَّلت حياتك تشكيلاً إسلامياً، واخترت المهنة الشريفة التي فيها نفعٌ للناس واخترت الزوجة الصالحة وربَّيت أولادك التربية الإسلاميَّة، فإذا تقدَّمت بك السن وأنت محاط بأناس مؤمنين، وبأناس مُحبِّين، وموالين وبيتك إسلامي وعملك إسلامي وزوجتك وأولادك وبناتك وأصهارك، أما إذا عاد الإنسان إلى الله في سنٍ متأخِّرة فقد ينجو بنفسه، لكن ينظر حواليه فإذا أهلٌ متفلِّتون من أمر الله عزَّ وجل، وإذا حرفةٌ قد لا ترضي الله عزَّ وجل، يتمزَّق كل يومٍ ألف مرَّة فلذلك خيارنا خيار وقت.

على كل إنسان أن يعرف ربه قبل فوات الأوان:

 هناك خيار آخر، فلو أن الإنسان آمن في الحياة الدنيا فكلَّما تقدَّمت به السن يميل إلى الإيمان، لكن البطولة وأنت شاب، وأنت تغلي والشهوات مستعرة، والطاقة عالية، والعضلات مفتولة، في هذا السن إذا آمنت بالله عزَّ وجل نفعك إيمانك نفعاً لا حدود له، لذلك:

﴿ وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾

( سورة النساء: من آية " 18 " )

 هذه ليست توبة..

﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾

( سورة الأنعام: من آية " 158 " )

 فنحن مدعوون إلى أن نعرف الله قبل فوات الأوان، وفي سنٍ مبكِّرة جداً كي تُشَكَّل حياتنا تشكيلاً إسلامياً.

 

﴿ وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ(35)﴾

 

( سورة الشورى )

كل إنسان مصيره إلى الله عز وجل:

 ما لك إلا الله عزَّ وجل، يموت الإنسان ويُوضع في قبره وأنا أقول لكم أيها الأخوة: من أدق العبر أن تمشي في جنازة، وأن ترى بعينك كيف يُفتح النعش، وكيف يُحمل هذا الإنسان وقد لُفَّ بالقماش الأبيض مقيَّد اليدين والرجلين، وكيف يُلقى في هذا القبر، وكيف تُوضع فوقه البلاطة وكيف يُهال عليه التراب، وكيف يعود أولاده إلى البيت وقد دفنوا أباهم. ويقول الله عزَّ وجل لهذا الإنسان في أول ليلة: " عبدي رجعوا وتركوك " وأحياناً الناس يفرحون، فواحد له عمة معها أموال طائلة، فلما توفيت لبس الأسود وعمل نفسه حزيناً وأحد الذين عزَّوه قالوا له: تهانينا. وكثير من الناس يفرحون بموت أشخاص معينين ويحزنون حزناً شكلياً قال له:عبدي رجعوا وتركوك وفي التراب دفنوك ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت.
 إلى الله المصير، النهاية عنده، فالبطولة أن تقيم معه علاقةٌ طيبةٌ من الآن.

الرباني من يقيم علاقةً طيبة مع الله عزَّ وجل أساسها الطاعة و البذل:

 من هو الربَّاني ؟ قال الله:

﴿ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ﴾

( سورة آل عمران: من آية " 79 " )

 من هو الرباني ؟ هو الذي يقيم علاقةً طيبة مع الله عزَّ وجل أساسها الطاعة، والبذل، والعبادة الصحيحة، والتصدق، وطلب العلم ونشره.

الله عز وجل يعلم كل من يطعن و يقلل من شأن الدين و يتكفل هو بحسابه:

﴿ وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا (35) ﴾

( سورة الشورى )

 يطعن وينتقد ويقلل من أهمية الدين..

 

﴿ مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ(35) ﴾

 

( سورة الشورى )

 كلنا إليه..

 

﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ(17)وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ(18)وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ(19)وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ(20)فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ(21)لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ(22)إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ(23)فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ(24)إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26)﴾

 

( سورة الغاشية )

 هذه الآية تكفي:

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26) ﴾

( سورة الغاشية )

 المصير إلى الله.

 

الآخرة خير و أبقى للإنسان من الدنيا:

 

﴿ فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (36) ﴾

( سورة الشورى )

 ما هذه:

﴿ مِنْ شَيْءٍ ﴾

 لو إنسان يسكن في بيت ثمنه بضع عشرات الملايين، والله سماه شيئاً، هذا التنكير تحقير، ولو كان عنده أموال منقولة أو غير منقولة بألوف الملايين، فهو شيءٍ تنكير تحقير ولو يتمتع بكل ما في الحياة الدنيا من مباهج فهو شيء تنكير تحقير، من دون تفاصيل ولو أنه ملك الدنيا بحذافيرها ؛ المال والنساء، والبيوت، والقصور، والبساتين، والمركبات، واليخوت، والطائرات، ولو أنه يملك أكبر الشركات..

 

﴿ فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(36)﴾

 

( سورة الشورى )

 دققوا في عبارة:

﴿ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾

 أي أن الآخرة خير من الدنيا وأبقى خيرٌ نوعاٌ وأبقى زمنا ولو خيرنا إنساناً (هذا مثل أضربه دائماً) لو خيرنا إنساناً بين دراجة تتملكها دائماً وسيارة تركبها ساعةً، فتختار الدراجة طبعاً، لأنها الأبقى، ولو خيرنا إنساناً بين دراجةٍ يملكها دائماً، وسيارةٍ تملكها دائماً، هل يحتاج الإنسان إلى تردد ؟ مباشرةً يختار السيارة، ولو خيرناه بين دراجةٍ يركبها ساعةً، وسيارةً يتملكها دائماً، فإذا اختار الدراجة فيكون يحتاج إلى القصير (مشفى المجانين) إذاً قال تعالى:

 

﴿ فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى (36) ﴾

 

( سورة الشورى )

 وهذا الإيمان.

من عرف ربه و طبق منهجه ارتاح من عناء الدنيا:

 إذا آمنت باليوم الآخرة ارتحت من عناء الدنيا " إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي ".
 إخواننا الكرام لا تنحل مشاكلنا كلها إلا إذا نقلنا أهدافنا إلى الدار الآخرة، ترضى من الدنيا باليسير، فماذا تحتاج من الدنيا ؟ لقمةً تقيم بها صلبك، وغرفة تؤويك، وثوباً يستر عورتك. مرة قلت لكم سابقاً ملك كبير سأل وزيره قال له: من الملك ؟ فالوزير خاف ما هذا السؤال ؟ قال له: أنت. قال له: لا، الملك رجلٌ لا نعرفه ولا يعرفنا، له بيتٌ يؤويه وزوجة ترضيه ورزقٌ يكفيه، إنه إن عرفنا جهد في استرضائنا، وإن عرفناه جهدنا في إذلاله لا يعرفنا ولا نعرفه.
 وكذلك المؤمن إذا عرف ربه وطبق المنهج، له غرفة يسكن فيها وقميص يرتديه ووجبة طعام يأكلها، وعنده زوجة وله دخل يكفيه بصعوبة فيمشي الحال، فهو ملك الدنيا بحذافيرها، مالي وللدنيا إذا لم ينقل الإنسان أهدافه إلى الآخرة، فالدنيا تغر وتضر وتمر، متعبة، أوحى ربك إلى الدنيا أنه من خدمك فاستخدميه، ومن خدمني فاخدميه..

﴿ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(36) ﴾

( سورة الشورى )

 يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ))

 

[ من سنن الترمذي: عن " سهل بن سعد " ]

نيل الدنيا ليس مقياساً للتفاضل بين الناس:

 أبى الله عزَّ وجل أن يجعل الدنيا مكافأةً لأوليائه، وأن يجعل الحرمان منها عقاباً لأعدائه، قد يعطيها أعداءه، يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، أعطاها سيدنا سليمان..

﴿ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ﴾

( سورة ص: من آية " 35 " )

 وأعطاها فرعون، أعطاها سيدنا عبد الرحمن بن عوف، وأعطاها قارون، فإذا كانت الدنيا تعطى لأعدائه ولأوليائه إذاً ليست مقياساً إطلاقاً.

على كل إنسان أن يجعل بينه و بين المعصية هامش أمان:

 

 إذاً:

 

﴿ فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(36)وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ(37)﴾

 

( سورة الشورى )

 ومن صفات المؤمن أنه يجتنب، ومعنى يجتنب أي أنه يترك هامشاً بينه وبين المعصية وهذا معنى قوله تعالى في الحديث عن الخمر:

﴿ فَاجْتَنِبُوهُ ﴾

 أي دع بينك وبينه هامشاً ولذلك فالنبي قال:

 

(( إن الله لعن الخمر ولعن شاربها ولعن عاصرها ولعن مؤديها ولعن مديرها ولعن ساقيها ولعن حاملها ولعن آكل ثمنها ولعن بائعها))

 

(من كنز العمال: عن " ابن عمر " )

 وكل شيء متعلق بالخمر محرم، وهذا معنى فاجتنبوه، فالاجتناب أبلغ من التحريم وأبلغ بكثير، والدليل:

﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا ﴾

( سورة البقرة: من آية " 187 " )

 وفي آية:

﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا ﴾

( سورة البقرة: من آية " 229 " )

 فلا تقربوها اجعل بينك وبين المعصية هامش أمانٍ.

 

كل معصية لها قوة جذب فيكون الأمر بالاجتناب:

 

 

 قال:

﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى ﴾

( سورة الإسراء الآية: 32 )

﴿ وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ ﴾

( سورة الإسراء: من آية " 324" )

﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا ﴾

( سورة البقرة: من آية " 187 " )

 هذا معنى الاجتناب، أن تدع بينك وبين المعصية هامشَ آمان. وأوضح مثل لو أن تياراً كهربائياً شدته ثمانية آلاف فولط، فالمسؤولون عن الكهرباء هل يضعون الإعلان على الشكل التالي أم على شكلٍ آخر: يمنع مس التيار، أم الاقتراب منه. التيار ثمانية آلاف فولط يجذب الشخص من بعد ثمانية أمتار، فيجعله فحمة، فالإعلان ليس ممنوعاً مس التيار أو ممنوعاً الاقتراب منه، ويوجد معاص لها قوة جذب وكل معصية لها قوة جذب جاء الأمر باجتنابها لا بتركها والأمر باجتنابها، لأن فيها قوة جذب، منها الزنى قال:

﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى ﴾

( سورة الإسراء الآية: 32 )

 والنظر طريق للزنى وصحبة الأراذل طريق له والمشي بأماكن موبوءة كذلك ومطالعة موضوعات ساقطة طريق أيضاً.

﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى ﴾

 فغض البصر طريق للعفة والبعد عن الأماكن المشبوهة كذلك وعدم الخلوة والزواج طريق للعفة، إذاً كل معصية لها قوة جذب فيكون الأمر بالاجتناب.

 

على كل مؤمن أن يبتعد عن أسباب المعصية:

 

﴿ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ (37) ﴾

( سورة الشورى )

 أي أن هؤلاء المؤمنين يهربون لا من المعصية بل من أسبابها، وهناك مثل دقيق أضربه دائماً: الشهوة تشبه صخرة في قمة جبل، فأنت مخير أن تدفعها إلى الوادي أو أن بقيها على قمة الجبل، لكنك إذا دفعتها لا تقف إلا في قعر الوادي، فإذا دفعتها قليلاً ورجوت أن تبقى في مكانٍ متوسط لا تستطيع.
 فأنت مخير، أن تبتعد عما يقربك من الزنى، فإذا اجترأت وجلست في جلسة مختلطة وخلوة، وصاحبت الأراذل فهذا الأمر ينتهي بك إلى الفاحشة، ولذلك فالشريف هو الذي يهرب من أسباب الخطيئة لا من الخطيئة نفسها، إذاً هذا معنى الاجتناب، فالمعصية لها قوة جذب، إذاً لابد من أن تجعل بينك وبينها هامش أمان.

الإيمان والقرآن قيَّدا المؤمن عن كثيرٍ من هوى نفسه:

﴿ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ(37) ﴾

( سورة الشورى )

 أي أنه ملك نفسه عند الغضب، فالإنسان المؤمن يملك نفسه ولا تملكه، فالإيمان قَيْد، والقرآن قيَّد المؤمن عن كثيرٍ من هوى نفسه، والإنسان ليس دابة يفلت كما يريد، فمن يقول: لا أقدر. فمن أنت حتى لا تقدر ؟ ومعنى ذلك أنك لست إنساناً، وكل إنسان يقول: لا أقدر. فعنى ذلك أنه ليس إنساناً، فالإنسان يتميز بالسيطرة على أعضائه، وعلى جوارحه، وعلى ملكاته.

 

﴿ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ(38)﴾

 

( سورة الشورى )

 وفي درسٍ قادمٍ إن شاء نتابع شرح هذه الآيات.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018