الدرس : 11 - سورة الشورى - تفسير الآيات29-31 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 11 - سورة الشورى - تفسير الآيات29-31


1994-04-15

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الحادي عشر من سورة الشورى.

الإيمان بالله و التشريع أمران متكاملان:

 مع الآية التاسعة والعشرين وهي قوله تعالى:

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ(29)﴾

(سورة الشورى)

 أيها الأخوة المؤمنون... بادئ ذي بدء هناك آياتٌ دالَّةٌ على وجود الله، وعلى كماله، وعلى وحدانيَّته، وهناك آياتٌ تشريعيَّة، فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما دعا إلى الله بَثَّ في نفوس أصحابه الإيمان بالله عزَّ وجل، ثم جاء التشريع، فكان الإيمان بالله، وبوحدانيَّته، وكماله ووجوده مع التشريع متكاملان، ونحن إذا أردنا لأنفسنا الخير، أو أردنا أن ندعو إلى الله عزَّ وجل لابدَّ من وقفةٍ متأنيةٍ عند آيات الله الكونية، لماذا ؟ لأنها تعرِّفنا بالله، فإذا جاء أمر الله عزَّ وجل عرفنا من أين هذا الأمر، فشرف الأمر من شرف الآمر، فإذا أردنا أن نعرف الأمر مباشرةً دون أن نعرف الآمر، أغلب الظن أننا لن نُطبِّق الأمر، أو نحتال عليه.

من قصّر في معرفة الآمر انعكس هذا التقصير على إيمانه:

 إذا سألت هذا السؤال الدقيق: لماذا يعصي الناس ربَّهم ؟ الجواب البسيط لأنهم لا يعرفونه، ولو عرفوه ما عصوه، لقد عرفوا أمره ولكنهم ما عرفوه، فما من واحدٍ في العالم الإسلامي إلا وهو يعلم أن الكذب حرام، والغش حرام، والأمر معروف، لكن الناس قصَّروا في معرفة الآمر، فحينما قصَّر الناس في معرفة الآمر انعكس هذا الضعف في الإيمان بالله عزَّ وجل وانعكس تقصيراً في تطبيق أمره، وإلا فهذه الآيات التي تزيد عن ثلاثمئة آية في القرآن الكريم، والتي تحدِّثنا عن هذا الكون العظيم لنصل منه إلى خالقه العظيم، فماذا نفعل بها ؟ إذا أهملنا التفكُّر في خلق السماوات والأرض، أو أهملنا معرفة الله عزَّ وجل فماذا نفعل بهذه الآيات ؟

الكون أكبر آية من آيات الله الدالة على عظمته:

 أيها الأخوة الكرام، نحن في الكون، والكون بيننا تحت سمعنا وبصرنا، فالشمس معروفة، والقمر معروف، والليل معروف، والنهار معروف، والهواء، والماء، وأنواع النباتات، والطعام، والشراب، وأنواع الأطيار، والأسماك، والبحار، والبحيرات، والرياح، فهذا بين أيدينا جميعاً، والآية الكريمة:

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا ﴾

( سورة السجدة: من آية " 27 " )

 لكن ما الفرق بين الإنسان المؤمن وغير المؤمن ؟ الفرق أن غير المؤمن بقي في الكون، والكون حقيقة، وأهل الدنيا عرفوه أدقَّ المعرفة، فأهل الدنيا كما قال الله عزَّ وجل:

﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

( سورة الروم: من آية " 7 " )

 فقد عرفوا الكون، وعرفوا قوانينه، وغاصوا في أعماق البحار، ووصلوا إلى القمر، وجالوا في الفضاء الخارجي، وكشفوا الذرَّة، وكشفوا الخليَّة، ووصلوا إلى أدق المعلومات، إذاً فالكون بين أيدينا وتحت سمعنا وبصرنا.

الفرق بين المؤمن وغير المؤمن أن المؤمن تجاوز الحقيقة إلى حقيقة أكبر:

 فما الفرق بين المؤمن وغير المؤمن ؟ فالكون حقيقة والمؤمن تجاوز هذه الحقيقة إلى حقيقةٍ أكبر، وانتقل من الكون إلى المكوِّن، ومن النظام إلى المنظِّم، ومن الخَلْقِ إلى الخالق، ومن التسيير إلى المُسَيِّر، ومن التربية إلى المُربي، فهكذا المؤمن، فإذا بقينا في الكون فنحن والغربيون سواء، لقد درسوا المادَّة، والذرَّة، وأنواع التُرَب، والنباتات، والحيوانات، وغاصوا في أعماق البحار، ووصلوا إلى خليج مريانا في المحيط الهادي، فاستخدموا سفن أبحاث مصفَّحة تصوَّر، وصعدوا إلى الفضاء الخارجي، ونقلوا الصورة، والصوت، فالعلماء الأجانب درسوا الكون دراسة عميقة، ولكن خطأهم المُميت أنهم بقوا في الكون.
 لكن المؤمن ينتقل من الكون إلى المكوِّن، ألم يقل كبير من علمائهم الذي اكتشف النظريَّة النسبيَّة: " كل إنسانٍ لا يرى من هذا الكون قوَّةً هي أقوى ما تكون، رحيمةً هي أرحم ما تكون، عليمةً هي أعلم ما تكون، حكيمةً هي أحكم ما تكون، هو إنسانٌ حيٌّ ولكنَّه ميِّت ".
 والماء بين أيدينا، وابنك بين يديك، وتعرف أنه قد كان نطفةً من ماءٍ مهين، وتعرف كيف أصبحت هذه النطفة التي هي واحد من أربعمئة أو خمسمئة مليون في اللقاء، وقد تلقَّحت أو دخلت إلى البويضة وانقسمت وكلنا يعلم أنه على هذه النطفة توجد خمسة آلاف معلومة مبرمجة، وأن البويضة فيها خمسة آلاف مليون معلومة مبرمجة، وأن النطفة دخلت إلى البويضة وتمَّ الانقسام، وهذا الشيء معروف، ولكن الفرق بين المؤمن وغير المؤمن أن المؤمن خرج من هذه الحقيقة إلى حقيقةٍ أكبر.

من أغفل الآيات الكونية أغفل جانباً أساسياً في الدين وهو معرفة الله:

 النِعم هل هناك من ينكرها ؟ فنعمة الهواء، ونعمة الماء، والقلب والرئتين، والحواس الخمس، فالفرق بين المؤمن وغير المؤمن أن المؤمن انتقل من النعمة إلى المُنعم، وهذه أول نقطة، والكون حقيقة بين أيدينا، والكفَّار والأجانب وصلوا إلى معلومات في منتهى الدقَّة عن الكون، ولكنَّهم ما عبروا منه إلى الله، أما المؤمن فقد تكون معلوماته عن الكون أقل بكثير من معلومات غير المؤمن، ولكن هذه المعلومات المتواضعة وصل منها إلى الله.
 إذاً فحينما نغفل هذه الآيات الكونيَّة، التي تزيد عن ثلاثمئة آية في القرآن الكريم، وقد ذكرها الله عزَّ وجل ؟ كي تكون دليلاً لنا على الله، وعلى وجوده، وعلى أسمائه الحسنى، وصفاته الفضلى، ووحدانيَّته.
 فهذه الآيات أيها الأخوة حينما نغفلها نغفل جانباً أساسياً في الدين وهي معرفة الله، ولذلك فكل إنسان يعصي الله، فالجواب البسيط أنه لا يعرفه ولو عرفه ما عصاه، فقد عرف أمره ولكنَّه لم يعرفه، وأمر الله أيها الأخوة يُعْرَف بالمدارسة، وكتب الفقه بين أيديكم جميعاً ؛ فالطلاق والزواج، والإرث، والفرائض، والوصيَّة، وأحكام المرابحة، وأحكام المضاربة، والمتاجرة، والمُزارعة، والمساقاة، فأحكام الفقه بالمعاملات واضحة بين أيدي الناس، ولكن هذا أمره، فلمَ كان معظم الناس لا يطبِّقون أمره ؟ لا لأنهم لا يعرفونه.

آيات الكون آيات قرآنية و كونية في آن واحد:

 إذاً هناك آياتٌ كونيَّةٌ تدلُّ عليه، وآياتٌ قرآنيَّةٌ تدل عليه، وآيات كونيَّةٌ قرآنيَّةٌ في آنٍ واحد، وحينما يذكر القرآن الكريم آياتٍ في الكون فهي آياتٌ كونيَّةٌ قرآنيَّةٌ في آنٍ واحد، يقول الله عزَّ وجل:

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ (29) ﴾

(سورة الشورى)

 فهذه كلمة من للتبعيض، أي هذه بعض آياته، لأن آيات الله سبحانه وتعالى لا تعدُّ ولا تحصى..

 

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (29) ﴾

 

(سورة الشورى)

 فكلمة السماوات والأرض هذا مُصْطَلَح قرآني يعني الكون، والكون يعني ما سوى الله، فالله فوق الخلق فيها وحده، وما سوى الله هو الكون فالسماوات والأرض، فالله واجب الوجود، وما سوى الله فممكن الوجود وخلق السماوات والأرض، مجرَّات متحرِّكة، ولو سكنت لأصبحت كتلةً واحدة، وكل متحرِّك في الكون يسير في مسار مغلق، والله عزَّ وجل عبَّر عن هذه الحقيقة بشكلٍ معجز فقال:

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ(11) ﴾

( سورة الطارق )

 أي أن كل متحرِّك يعود إلى مكان انطلاقه النِسبي بعد حين..

 

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ(11) ﴾

 

( سورة الطارق )

دوران الأرض حول الشمس من آيات الله الدالة على عظمته:

 يقول لك: في السنة ألف وثمانمئة وستين (أو سبعين لا أذكر) مذنَّب هالي اقترب إلى الأرض، وفي السنة ألف وتسعمئة وست وسبعين (أو ست وثمانين) عاد إلى اقترابه من الأرض..

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ(11) ﴾

( سورة الطارق )

 فكم مجرَّة توجد في السماء ؟ بعضهم قال: قريب من مليون مليون مجرَّة. وبعضهم قال: في المجرَّة الواحدة قريب من مليون مليون نجم فهذا الكون كلُّه يتحرَّك، ولولا أنه يتحرَّك لأصبح كتلةً واحدة.
 ولكن يوجد شيء دقيق جداً، فالأرض تدور حول الشمس لكن المسار غير دائري، فهو إهليلجي أي مفلطح، والشكل الإهليلجي له بعدان عن المركز بعد أعظمي، وبعد أصغري، فإذا اقتربت الأرض من الشمس وصلت إلى البعد الأصغر فتزداد قوة جذب الشمس لها، فتزيد سرعة الأرض، ولكي ينشأ من هذه الزيادة قوة جديدة نابذة تكافئ القوة الجديدة الجاذبة، فتبقى الأرض على مسارها. فإذا ابتعدت فلئلا تتفلَّت من جاذبيَّة الشمس تُبَطِّئ سرعتها، حتى تزيد من جذب الشمس لها وتقلُّ القوَّة النابذة إنه شيء دقيق جداً. نظام هذه الأرض وعلى هذا فقس كل كوكبٍ في السماء.

دوران الأرض حول نفسها من عظمة الله عز وجل:

 إذا جئنا إلى الأرض، فهذه الأرض تدور حول نفسها بسرعة ألف وستمئة كيلو متر في الساعة، وتدور حول الشمس بسرعة ثلاثين كيلو متراً في الثانية، وبدرس علم صغير مقداره خمسون دقيقة قطعت في أثنائه مئة وثمانية آلاف كيلو متر، والمسافة إلى السعوديَّة ألفا كيلو متر، مئة وثمانية آلاف كيلو متر بمقدار درس من دروس الجمعة، فالأرض تدور حول الشمس ثلاثين كيلو في الثانية، والمجموعة الشمسيَّة تتحرَّك حول كوكب مركزي، وبعض المجرات تدور بسرعةٍ قد لا تُصدَّق إنها مئتان وأربعون ألف كيلو متر في الثانية، وأنت ترى أن الأرض مستقرَّة، وكل شيء مستقر، فهذه من عظمة الله عزَّ وجل، إذاً:

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (29) ﴾

(سورة الشورى)

اكتشاف أي حياة في الكواكب الأخرى القرآن الكريم أشار إليها في كلمة:( فيهما ):

 الآن توجد آية جديدة:

﴿ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ (29) ﴾

(سورة الشورى)

 هذه الآية هي الآية الوحيدة التي فيها إشارةٌ إلى أنَّه إذا اكتُشِف في المستقبل أن في الكواكب البعيدة حياة حيوانيَّة (كائنات حيَّة) فهذه الآية تشير إلى ذلك..

 

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ (29) ﴾

 

(سورة الشورى)

 أي في السماوات وفي الأرض من دابَّة، والدابَّة هي المخلوق الذي يتحرَّك، وكل شيءٍ يدبُ حركةً فهو دابَّة، والمخلوقات التي تدبُّ على وجه الأرض هي الدواب..

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾

( سورة هود: من آية " 6 " )

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ(55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(56)﴾

( سورة هود )

 دعونا من هذه المخلوقات التي قد توجد في الكواكب الأُخرى، والتي إذا اكتشف العلم هذه المخلوقات فالقرآن الكريم أشار إليها في كلمة:

﴿ فيهما ﴾

﴿ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ (29) ﴾

(سورة الشورى)

عالم الأسماك عالم واسع علينا التفكر به:

 لنقف عند الدوابِّ التي بثَّها الله في الأرض، فهذا الموضوع من أكبر الموضوعات، عالَم الحيوانات ولنأخذ عالم الأسماك. في بعض الموسوعات عن عالم البحار حقيقة تؤكِّد أن هناك مليون نوع من الأسماك فهناك أسماك صغيرة جداً إنها أسماك زينة، وهناك حيتان عملاقة وزن الحوت مئة وخمسون طناً، وجبته المعتدلة أربعة أطنان، وترضع أنثاه رضعة واحدة ثلاثمئة كيلو، فثلاث رضعات في اليوم تساوي طناً، جرَّ الحوت مرَّة باخرة ثماني وأربعين ساعة وهي تدير محرِّكاتها بعكس حركته فجرَّها ولم تستطع الإفلات منه، فهذا هو الحوت.
 وهناك أسماك صغيرة فسفوريَّة شفَّافة سُود، مفلطحة، كرويَّة متطاولة، لها أذناب، وأشعار، فدقِّق في أنواع الأسماك، فهذا كلام دقيق والعلماء حتى الآن اكتشفوا مليون نوع من الأسماك، وهناك أسماك تمشي على أرجل في قعر البحار، فكيف تتحمَّل هذا الضغط الهائل ؟ فالغوَّاصات العملاقة إذا انخفض غوصها في البحر عن مئتي متر فإنها تتحطَّم، أي إذا تعطَّل جهاز قياس البعد عن سطح الماء تتحطَّم الغواصة، ولكن هذه السمكة تعيش في قعر خليج مريانا، والبعد يزيد عن اثني عشر ألف متر تحت الأرض، فكيف لا تتحطَّم ؟ وربنا عزَّ وجل جعل بين أجوافها الداخليَّة والخارجيَّة منافذ حتى يتساوى الضغط، فهناك ضغط داخلي يكافئ الضغط الخارجي.
 وهناك أسماك تدافع عن نفسها بموجة كهربائيَّة تزيد عن ستة آلاف فولت، فلو أن هذه السمكة أصابت إنساناً لقتلته، ونحن بمئتين وعشرين تكون الكهرباء خطرة، بينما ستة آلاف فولت تطلقها هذه الأسماك، وهناك أسماك تدافع عن نفسها بسحابة دخَانيَّة فتغيب، وهناك أسماك تضيء طريقها في قعر البحار، وهناك أسماك تداوي الأسماك الأخرى، طبيبات فرتلٌ طويل من الأسماك التي تقرَّحت حراشِفُها تقف في نظام وتنتظر أن تعالجها هذه السمكة، وهذه السمكة لا أحد يلتهمها، لأنها (هلال أحمر) تقدِّم خدمات للأسماك جميعاً.

عالم البحار من آيات الله الدالة على عظمته:

 فيا أيها الأخوة عالم البحار عالم عجيب، فاقرؤوا، وشاهدوا، فالبحار لمن ؟ من أجل أن تعرف الله عزَّ وجل. والآن لا يحضرني أشياء كثيرة مرَّت بي، لكن والله هناك حقائق عن البحار لا تصدَّق، ولولا أن الأسماك الكبيرة تلتهم الصغيرة لأصبح البحر كما لو وضعت في وعاءٍ حمصاً ونشف الماء، ما بقي غير الحمُّص، ولو أن الأسماك لا تلتهم بعضها لغلب السمك ماء البحر (يصير البحر من دون مرقة) أي كله سمك وهذا الشيء مخيف، لأن جُراب البيوض في الأسماك ملايين الملايين، فالسمكة عندها خط تعرف أين هي من سطح البحر، وجهاز ضغط، وأنبوب مفرَّغ من الهواء، والسمكة فيها وعاء في أسفله بعض الرملات فإذا كانت على عكس اتجاهها نحو السطح فتعرف ذلك، فكيف تعرف السمكة أن الهواء فوقها وأن قعر البحر تحتها ؟ الله عزَّ وجل زوَّدها بطريقة تعرف بها ذلك.

إباحة الله عز وجل للإنسان أن يأكل لحم السمك دون أن يذبحه:

 الشيء الغريب هو أن الله سبحانه وتعالى أباح لنا أن نأكل السمك الذي نصطاده من دون أن نذبحه، مع أن بعض البلاد الأجنبيَّة التي تتملَّق المسلمين، وتظن أنهم ساذجون ترسل لهم معلَّبات أسماك كتب عليها ذُبِحَت على الطريقة الإسلاميَّة. أي طريقة إسلامية ؟! السمك لا يُذْبَح ويؤكل ميتاً كيف ؟
 شخص سأل سؤالاً: إذا كان ذبح الحيوان من أجل تزكيته حقاً فكيف نأكل السمك من دون ذبح ؟ إذا كان الذبح قضيَّة شكليَّة إذاً ليس له فائدة، ثم اكتُشِف أن السمكة حينما تُصطاد ينتقل كل دمها إلى غلاصمها وكأنها ذُبِحَت، فعندما سمح لنا النبي عليه الصلاة والسلام أن نأكل السمك من دون أن نذبحه، وهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى، فلحم السمك ما فيه دم أبداً، كل دماء السمكة تنتقل عندما نصطادها إلى غلاصمها، فعالم الأسماك..

﴿ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ (29) ﴾

(سورة الشورى)

 مليون نوع من الأسماك على شكل مزهريَّة، الأشكال التي للأسماك مهما حاول الإنسان أن يتخيَّل فهناك أشكال فوق تخَيُّله بالحجوم والأشكال وهناك أسماك متوحِّشة، فسمك القرش مخيف، وأحياناً يصطادوا القرش فيجدوا فيه رأس إنسان، يد إنسان، حاجات، فإذا شعر أن هناك دم إنسان حي فإنه يتوحَّش، وهناك سمك لطيف، وسمك لحمة طيِّب، وسمك كالأفاعي، وسمك كالخنازير، فأنواع منوَّعة من الأسماك، وليس القصد أن يكون هذا الدرس درساً علمياً، بل القصد..

 

﴿ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ (29) ﴾

 

(سورة الشورى)

 فما خطر في بال الإنسان أن يفكِّر في عالَم الأسماك !

عالم الطيور عالم واسع خلقه الله سبحانه و تعالى:

 وعالم الأطيار ؛ أنواعه، وأشكاله، الأطيار الجارحة وغير الجارحة، والتي تغرِّد، والتي هي للزينة، والمتوحِّشة، وأنواع منوَّعة فطير يطير سبعة عشرَ ألف كيلو متر بلا توقُّف !! وأي طائرة تفعل ذلك ؟ والطائرة التي وزنها مئة وخمسون طناً، ومئة وخمسون طناً وزن وقودها، وهذا الحجم من الوقود يكفيها لطيران أربع عشرة ساعة فقط (فهذه طائرة الجانبو العملاقة من أكبر قياس) أما هذا الطائر فيطير من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي بشكلٍ مستمر، ولكن كيف يهتدي ؟ طائر معشِّش في بيت في منطقة الشيخ مُحْي الدين، جاء فصل الشتاء فارتحل إلى جنوبي إفريقيا، والآن هو في طريق العودة ولو انحرف درجة واحدة فإنه يأتي في لبنان، ودرجتين فإنه يأتي إلى تركيَّا، إنه يعود إلى دمشق، وإلى الصالحيَّة، وإلى الشيخ محي الدين، عرودك، البيت الثالث وينزل في محله، أين كان ؟ كان في جنوبي إفريقيا، فمن دلَّه على الطريق ؟
 إن قلت: التضاريس. إنه يطير في الليل. فالموضوع دقيق جداً.

الله سبحانه وتعالى هو الذي يُلْهِم الطير إلى أن يصل إلى هدفه:

 هناك بحوث علميَّة حتى الآن لم يستطع العلم أن يقول: كيف يصل الطير في رحلته الطويلة إلى مكان خروجه ؟ إلى أن جاء بحثٌ يقول إن الطير (لا نظرية المغناطيسية صحيحة، ولا التضاريس صحيحة، ولا الشمس صحيحة، وكل النظريات التي وضعت لتفسير سر وصول الطائر إلى هدفه من دون دليل لم تنجح) فالله عزَّ وجل أشار في القرآن الكريم أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يُلْهِم الطير إلى أن يصل إلى هدفه..

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلا الرَّحْمَانُ ﴾

(سورة الملك: من آية " 19 " )

 عزا ذلك إلى ذاته مباشرةً، فالطير يصل إلى هدفه بإمساك الله له ويلهمه طريقه الصحيح مباشرةً، وأي نظريَّة لم تنجح إلى الآن، فهناك بحوث بمئات الكتب، ومئات التجارب، فالطيور تلوَّن وتُرسل إلى أماكن بعيدة، إلى أستراليا، وهي في بريطانيا، يلونونها، وتعود إلى مكانها فكيف عرفت الطريق ؟ لو أنها سافرت كما هي العادة بخط نحو الجنوب فالآن أخذوها نحو الشرق وعادت، فكيف تعود ؟ إن عالم الطيور عالم قائم بذاته.

التفكر في عالم الأسماك يقودنا إلى الله عز وجل:

 عالم الأسماك فيه أشياء مذهلة، فالأسماك التي تعيش في ينابيع الأنهُر في أمريكا ؛ كنهر الأمازون، ونهر الميسسبي، تنتقل من ينابيع الأنهار إلى المحيط الأطلنطي إلى أوروبا (فهذا سمك السلمون) وحينما تعود هذه الأسماك تعود إلى مسقط رأسها في أعالي الأنهار، وتقاوم الشلالات. فهذه حينما تخرج من سواحل فرنسا وتتجه نحو أمريكا، مرَّة ثانية لو أخطأت درجة واحدة لجاءت في أمريكا الجنوبيَّة، وهذه في كندا، وهذه في أمريكا الشماليَّة، وهذه في المكسيك، وهذه في البرازيل، فكيف تتجه بزاوية دقيقة جداً ؟ لا أحد يعلم.
 وهناك أسماك تنتقل من ينابيع نهر النيل إلى بحر الشمال، فتقطع النيل بأكمله، وتدخل البحر المتوسِّط، وتتجه نحو الغرب إلى مضيق جبل طارق، وتتجه نحو الشمال محاذيةً لإسبانيا ثم فرنسا، تدخل إلى بحر المانش ثم إلى بحر الشمال هناك، والله غواصة تضل تحت البحار، فتجد فيها ربُّاناً يقودها وخرائط ولاسلكي ومع ذلك ضلَّت الطريق وغرقت، فهذه السمكة شكلها كشكل الأفاعي تنتقل من ينابيع نهر النيل إلى بحر الشمال وتعود، من ؟

﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلا الرَّحْمَانُ ﴾

( سورة الملك: من آية " 19 " )

 فعالم الأسماك عالم عجيب يجب أن نفكِّر فيه، لنعرف الله عزَّ وجل. عالم الأطيار.

تذليل الحيوان للإنسان بقدرة الله عز وجل:

 الآية اليوم:

﴿ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ (29) ﴾

(سورة الشورى)

 فهذه الكائنات، الآن الأنعام كيف أنها مذلَّلة، فلو أن الله عزَّ وجل وضع أخلاق الضبع في الغنمة، فلا تستطيع أن تأكل لحم غنم، ويقول لك: فلان مثل الغنمة ؛ أي مذلَّلة، والبقرة مذلَّلة، الجمل مذلَّل، وهذه كلُّها أنعام مذلَّلة، فهذه البقرة تصنع الحليب، والآن هناك نوع هجين يعطي ستين كيلو حليب في اليوم، فالحليب كيف يأتي ؟ الغدَّة الثديية للبقرة مثل قبَّة، خلايا ثديية محاطة بشبكة أوعية دمويَّة دقيقة جداً، فهذه الخليَّة تأخذ من الأوعيَّة الدمويَّة حاجتها، وحتى الآن لا أحد يعلم كيف يتم تصنيع الحليب في الخليَّة الثديية، ولكن الذي يعلمونه أن هناك مجموعة خلايا على شكل قبَّة في أعلاها شبكة أوعية دمويَّة، ويرشح الحليب من أسفلها، وكل أربعمئة لتر من الدم تشكل لتر حليب واحد، لأنها تجول في الغدَّة الثديية وهذا ثدي البقرة الكبير لو لم يكن له قواطع عرضيَّة وطوليَّة لتمزَّق، لأنه يحمل ستين كيلو، ولذلك له قواطع عرضيَّة وقواطع طوليَّة، أي أربعة أقسام، وكل حلمة لها قسم، ولو أن أربعةً كانوا شركاء في بقرة وأخذ كل واحد حلمة، فإنه يأخذ ربع الكميَّة بأكملها، فما هذا الثدي ؟ البقرة آية من آيات الله، والهنود عبدوها من دون الله، أما المؤمنون فيعبدون الذي خلقها وسخَّرها لهم.  فهذا الحليب مادَّة أساسيَّة جداً في حياتنا، وأنت عدِّد مشتقات الحليب، آيات كثيرة تؤكِّد هذا المعنى..

﴿ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ(66) ﴾

( سورة النحل )

من آيات الله الدالة على عظمته:

1 ـ الناقة:

 البقرة آية، و الغنمة آية، والناقة آية، من آيات الله الدالَّة على عظمته، مزوَّدة بعينين تُريان الجمل البعيد قريباً، والصغير كبيراً، ومزوَّدة بأهداب تمنع عنها غُبار الصحراء، فتستطيع الناقة أن تعيش بلا ماء ثلاثة أشهر، ثلاثة أشهر بإمكانها أن تأخذ ماء الخلايا من دون ماء ومن دون غذاء، إنه شيء لا يصدَّق..

﴿ أفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ(17)وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ(18)وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ(19)وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ(20)﴾

( سورة الغاشية )

 والناقة تجلس جلسة نظاميَّة، فلو أنها تجلس كما يجلس بقية الدواب لا يستطيع الإنسان أن يستخدمها، فكيف يحمِّل عليها وهي مضجعة على اليمين ؟ أما هي فتجلس جلسة نظاميَّة، يحمِّل بضاعته عليها ثم تنهض فهي تحمل كل هذا المتاع.
 ونحن لا نتحدَّث هنا حديثاً علمياً دقيقاً عن هذه الحيوانات، ولكن إشارات لكي تكون هذه الآيات دليلاً على عظمة الله عزَّ وجل.
 والجمال لا يستغنى عنها في بعض البلاد، رغم كل التطور التكنولوجي والميكانيكي للأسلحة، لأن الصحراء ليس هناك حيوان يستطيع أن يجتازها إلا الجمل، فالجمل آية، والغنم آية، والبقر آية.

 

2 ـ البقر:

 البقر مذلَّل، وهناك مرض يصيبه اسمه التوحُّش، فالبقرة تقتل أشخاصاً عدَّة، يأتي صاحبها مختاراً ويقتُلها وثمنها سبعون ألفاً، وهذا التوحُّش يريد أن يلفت لنا ربنا نظرنا إلى نعمة التذليل، وذللناها لكم أعرفتم هذه النعمة ؟ إن غفلتم عنها أريكم كيف تكون البقرة متوحِّشة. ذكر لي أخ كريم أن بقرة قتلت أول شخص والثاني، وكادت تقتل الثالث فأسرع صاحبها إلى المسدَّس وأطلق عليها النار وقتلها، وثمنها سبعون ألف ليرة، لأنها توحَّشت، عندما قال ربنا:

 

﴿ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ ﴾

(سورة يس: من آية " 72 " )

 هذه آية كونيَّة دقيقة، فعندما يرى الإنسان بقرة، وغنمة، ويأكل من السمك، و الدجاجة، وهذا شيء دقيق جداً، فهذه كلها حيوانات مذلَّلة، قال الله:

 

﴿ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ (29) ﴾

 

(سورة الشورى)

جمع الخلائق بعد الموت:

 ثم يقول الله عزَّ وجل:

﴿ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ(29) ﴾

(سورة الشورى)

 هذه الآية دقيقة تشير إلى أن الله سبحانه وتعالى سيجمع الخلائق بعد الموت، فكل إنسان سوف ينال حقَّه، لاحظوا أيها الأخوة أن الله سبحانه وتعالى أكثر شيء جمع بينهما الإيمان بالله واليوم الآخر، لماذا اليوم الآخر ؟ لأن الإنسان يفعل ما يشاء، ولكن كل شيء يفعله محاسبٌ عليه حساباً دقيقاً، وحساباً عادلاً، ولذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام قال:

 

(( أرجحكم عقلاً أشدُّكم لله حباً ))

 

[ ورد في الأثر ]

 وقال عليه الصلاة والسلام:

 

(( رأس الحكمة مخافة الله تعالى ))

 

[ الجامع الصغير: عن " ابن مسعود "]

 لكن هذا العقل الكبير الراجح من لوازمه الخوف من الله ومحبة الله، فأنت عاقلٌ بقدر ما تخاف من الله، وبقدر ما تحبُّه.

أعمال الإنسان مسجلة عليه و سيحاسب عليها حساباً دقيقاً:

 لذلك:

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ(29)﴾

(سورة الشورى)

 أي اعملوا ما شئتم لكن أعمالكم كلَّها مسجَّلة عند الله عزَّ وجل فالإنسان إذا أيقن أن الله موجود، وأن الله يعلم، وأن الله سيحاسب، وأن هناك ملائكة تُسَجِّل..

﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ(18) ﴾

( سورة ق )

 وأن هناك حياة أبديَّة لا تنتهي، فالإنسان إذا أيقن بهذا دخل في عالم الاستقامة، وعالم الاستقامة سبب للكرامة، فأنت تريد من الله الكرامة وهو يريد منك الاستقامة.

الاستقامة على أمر الله سبب دخولك الجنة:

 بصراحة أيها الأخوة دين من دون استقامة هو كلام فارغ، وثقافات، ومعلومات، ومقالات، ومحاضرات لكن مثله مثل أي شيء آخر، الدين عظمته أن الإنسان إذا استقام قطف كل الثمار، ولن تستطيع أن تقطف ثمار هذا الدين إلا إذا استقمت على أمر الله عزَّ وجل، ولذلك من يقول لك: أخي أنا فكري إسلامي. خير تشرَّفنا، أنا عندي عواطف إسلاميَّة، خير إن شاء الله، لا العواطف تنفعك، ولا هذا الفكر ينفعك، ومطالعاتي إسلاميَّة، ومكتبتي إسلاميَّة، وأساليبي كلها إسلاميَّة، وأنا أريد منك أن تستقيم على أمر الله وكفى، فإن استقمت على أمر الله قطفت كل الثمار، لذلك:

﴿ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ(29) ﴾

(سورة الشورى)

ما من مصيبةٍ في الكون أو في الأرض إلا بسبب معصية من الإنسان:

 الآن أيها الأخوة ندخل في آية جديدة:

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ (30) ﴾

(سورة الشورى)

 والله الذي لا إله إلا هو هذه الآية وحدها لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآية لكفتنا..

 

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ (30) ﴾

 

(سورة الشورى)

 هذه المِنْ يقول عنها علماء اللغة: لاستغراق أفراد النوع. لو قال الله عزَّ وجل: والمصائب التي تصيبكم بما كسبت أيديكم. المعنى غير المعنى الدقيق الذي تؤكِّده هذه الآية..

 

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ (30) ﴾

 

(سورة الشورى)

 مثلاً لو أن إنساناً قال لك: هل معك مال كي ننشئ مشروعاً تجارياً ؟ تقول له أنت: والله ما معي مالٌ. أنت معك مئتا ألف والمشروع يحتاج إلى مليونين، منك مليون ومنه مليون، إذا قلت: ما معي مالٌ. ماذا تقصد أنت بهذا ؟ أي ما معي مالٌ يكفي لهذا المشروع ولكن إذا قلت: ما معي من مالٍ، أي ولا ليرة سورية واحدة، فهذه المِنْ تفيد استغراق أفراد النوع، ولا ليرة سورية، ولا نصف ليرة، ولا رُبع ليرة، ما معك شيء، ما معي من مالٍ، من تفيد استغراق أفراد النوع.

كل شيء في الكون بيد الله عز وجل:

 والله عزَّ وجل قال:

﴿ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ﴾

( سورة هود: من آية " 56 " )

 أي لا توجد ولا حشرة سائبة:

﴿ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ﴾

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾

( سورة هود: من آية " 6 " )

 وحيثما قرأتم كلمة من الزائدة فهذه تفيد استغراق أفراد النوع، فهنا يقول الله عزَّ وجل:

 

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ (30) ﴾

 

(سورة الشورى)

 أي أقل مصيبة، ورد في الحديث الشريف:

 

(( ما من عثرةٍ ))

 شخص وقع في الطريق ما حصل له شيء، وقف ومشى فهذه مصيبة إذا قلت: من أين هذه مصيبة، ماشي في الطريق فخدش جلدك مسماراً فما حصل شيء إطلاقاً انتهت العملية، الحديث الشريف:

 

 

(( ما من عثرة ولا اختلاج عرق ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يغفر الله أكثر ))

 

[ من الجامع الصغير: عن " ابن عساكر عن البراء " ]

الجهل بمعرفة الله و أمره يؤدي بالإنسان إلى المعاصي:

 هذه الآية:

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ (30) ﴾

(سورة الشورى)

 ويمكنني أن أقول اعتماداً على هذه الآية: إنه ما من مصيبةٍ في الكون أو في الأرض (نحن نعيش على الأرض) إلا بسبب معصيتنا، وما من معصيةٍ إلا بسبب جهلٍ إما بمعرفة الله أو بأمره، فإن عرفته ولم تعرف أمره أصابتك المصيبة، وإن عرفت أمره ولم تعرفه فما طبَّقت أمره أصابتك المصيبة، إذاً هذه الآية:

 

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ (30) ﴾

 

(سورة الشورى)

 هذه الآية وحدها تكفي لتعاملك مع الله عزَّ وجل..

 

(( يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا ـ دقِّقوا الآن ـ فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ))

 

[ من صحيح مسلم: عن " أبي ذر " ]

كل مصيبةٍ أصابت الإنسان بسبب معصيةٍ لكن ما كل معصيةٍ يتبعها مصيبة:

 هذه الآية:

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ (30) ﴾

(سورة الشورى)

 وهناك مصائب أدبيَّة، انحرجت، في مصائب ماديَّة، فذهب منك مئة ألف، وهناك مصائب معنويَّة، أهانك إنسان لا سمح الله، وهناك مصائب أسريَّة ابن غالٍ مات، مرض، وأحياناً حبس حريَّة، وأحياناً إهانة، وأحياناً ذل، وأحياناً فقر مُدقع، وأحياناً ألم لا يُحتمل، وأحياناً انحرجت قليلاً، فذكرت رقماً غير صحيح، فقال لك شخص: الرقم غير صحيح من أين أتيت به ؟ فاستحيت في نفسك، فهذه كذلك مصيبة..

 

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ(30) ﴾

 

(سورة الشورى)

 العكس غير صحيح، أي أن كل شيء أصابك بسبب معصية، لكن ما كل مخالفة وذنب يتبعها مصيبة، هو يعفو عن كثير (فالمعنى دقيق) فكل مصيبةٍ أصابت الإنسان بسبب معصيةٍ أو ذنب، لكن ما كل ذنبٍ أو معصيةٍ يتبعها مصيبة..

الله عز وجل عفو يعفو عن الإنسان و يسامحه و يعطيه فرصاً كثيرة:

﴿ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ(30) ﴾

(سورة الشورى)

 فربنا عزَّ وجل يحاسب قليلاً ويعفو كثيراً، إذ يحاسبك عن واحدة ويسامحك بعشرة كي تتعظ، وكي تقترب، والله يعطي فرصاً كثيرة..

 

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ(30) ﴾

 

(سورة الشورى)

 وهذه الآية قد تكون شعاراً للإنسان يضعها في بيته، وفي مكتبه ودكَّانه حتى لا يتهم الخالق العظيم بشيء، الله عزَّ وجل عادل.

المصائب التي تنزل بالإنسان ما هي إلا معالجة من الله عز وجل:

 اسمعوا الآية الكريمة:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ﴾

( سورة النساء: من آية " 147 " )

 الله ماذا يفعل بالمصائب التي ينزلها بكم ؟ لا معنى لها بالنسبة له لكنها معالجة..

 

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ(30) ﴾

 

(سورة الشورى)

 هذه الآية يجب ألا تغيب عن أذهان إخواننا الكرام، لا يلومن إلا نفسه.

من تعامل مع الله عز وجل بصدق و استقامة نال:

1 ـ السرور و السعادة و التيسير:

 تعامل معه بصدق وباستقامة تر من السرور والسعادة ما لا سبيل إلى وصفه، وتر من التيسير..

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى(6)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾

( سورة الليل )

2 ـ الحياة الطيبة:

 وهذه واحدة، ترى الحياة الطيِّبة..

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

( سورة النحل: من آية " 97 " )

3 ـ دفاع الله عن الذين آمنوا:

 ترى أن الله يدافع عن الذين آمنوا، هذه الثالثة:

﴿ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ ﴾

( سورة الحج: من آية " 40 " )

4 ـ النصر و التأييد:

 والآية الرابعة..

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ(19) ﴾

( سورة الأنفال )

 فهو معهم بالنصر، والتأييد، والحفظ، والتوفيق، والدفاع عنك، والحياة الطيِّبة، والتيسير، فهذه كلها وعود الله عزَّ وجل، فإذا لم تتحقَّق هذه الوعود فلعلَّة أن هناك كسباً لا يرضي الله عزَّ وجل..

﴿ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ(30) ﴾

(سورة الشورى)

كل إنسان في قبضة الله عز وجل:

 الآن:

﴿ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ (31) ﴾

(سورة الشورى)

 فإنسان يظن نفسه قوياً ؟ فالقوي هو الله عزَّ وجل، ونقطة دم تتجمَّد في مكان بالدماغ فيقول لك: خثرة دماغيَّة، فشلل نصفي، وبمكان آخر جنون، وبمكان ثالث فقد ذاكرة، وفي مكان رابع عمى، وفي مكان خامس نِسيان، فالإنسان ضعيف جداً، في مكان ثالث يقول لك: درجتين لا يستطيع أن يمشي، إذا كان في القلب، وبالأعصاب، فشيء لا يحتمل..

 

﴿ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (31) ﴾

 

(سورة الشورى)

 فأنت في قبضة الله، فتصوَّر لو أن آلة تتحرَّك على الكهرباء وأنت عندك الفيش، لو كبست الزر وقفت كلها، إذا قالت لك الآلة: أنا قويَّة، وأنا كذا. ولا كلمة تكبس زراً فتقف، وكل من يقول: أنا، فهو جاهل، فكلمة أنا أي جاهل لا يعرف الله، وربنا عزَّ وجل حكمته عجيبة يجعل إنساناً عليلاً ثلاثين سنة على الفراش، وإنساناً يموت مثل الحصان بلا سبب، فحالات كثيرة جداً يقول لك: سكتة قلبيَّة، أو سكتة دماغيَّة ولم يكن فيه شيء، وهو يسوق سيارته، ويشتغل، وهو قاعد سهران مال برأسه فإذا هو قد مات..

 

﴿ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (31) ﴾

 

(سورة الشورى)

الموت و الحساب نهاية كل إنسان:

 نحن جميعاً في قبضة الله فكيف نعصيه ؟ وكيف ننسى ساعة اللقاء وساعة المغادرة ؟ وكل يوم فيه خمسون أو ستون نعوة، وفيه خمسون مثلهم بغير نعوات، إعلان بالمآذن، فخمسون شخصاً غادروا من مدينتنا إلى غير رجعة، فماذا بعد الموت ؟

﴿ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (31) ﴾

(سورة الشورى)

 أغنياء يموتون، وفقراء يموتون، وأقوياء، وضعفاء، وجبابرة، ومستضعفون، وأذكياء، وأغبياء، وكل إنسان يموت، وكل مخلوقٍ يموت..

 

﴿ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (31) ﴾

 

(سورة الشورى)

 فالله عزَّ وجل قادر أن ينهي الحياة، وقادر أن يجعل الحياة جحيماً لا يُطاق..

 

﴿ وَمَا وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ(31) ﴾

 

(سورة الشورى)

 فالولي هو الذي يولِّيكم، والنصير هو الذي ينصُركم، من دون الله لا ولي ولا نصير، فالله هو الولي والله هو النصير.

من أصابته مصيبة فليبحث عن السبب و ليتوب إلى الخالق لتنزاح عنه:

 إخواننا الكرام تطبيقاً لهذه الآية: إذا أصابت الإنسان مصيبة من كل أنواع المصائب ؛ أدبيَّة، أو معنويَّة، أو ماديَّة، أو جسميَّة، أو في أسرته، أو في بيته، أو في عمله، أو أي نوع من أنواع المصائب إذا أصابته (لا سمح الله ولا قدَّر) فالموقف الأخلاقي العلمي الدقيق أن يحاسب نفسه حساباً عسيراً، فإذا عرف السبب بطل العجب.
 فكل أخ كريم (لا سمح الله ولا قدَّر) أزعجته قضيَّة فيقول: يا أخي في الدنيا حلو وحامض ولفَّان (كأنواع الرُمَّان ) وهذا كلام العوام، فالدهر يومان يومٌ لك ويومٌ عليك، وهذا كلام عوام أيضاً، فالقدر سخر منه، وهذا كلام فلاسفة بعيدين عن الله عزَّ وجل، والدنيا حظوظ، لا ليست حظوظاً فهذا كلام كذلك ليس له معنى، وليس له وزن في الدين إطلاقاً الوزن في الدين الإنسان إذا أصابه شيء ليقف عند هذه الآية، إله يقول لك:

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ (30) ﴾

(سورة الشورى)

 ليبحث عن السبب فإذا وصل إليه، يتوب منه، وتزاح عنه المصيبة..

﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾

( سورة الرعد: من آية " 11 " )

نوع المصيبة يتوافق مع الذنب الذي أصابت الإنسان من أجله:

 يوجد آية ثانية جميلة جداً:

﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ ﴾

 أن الله عادل، وحكيم، والله ليس له مصلحة أن يعذِّبنا، ومن يؤمن بالله، بكمالاته، وحكمته، ورحمته، وعدالته وتربيته

﴿ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾

 إلى حكمة المصيبة:

﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾

( سورة التغابن: من آية " 11 " )

 وكأن ربنا عزَّ وجل من حكمته أنه إذا ساق لإنسان مصيبة ينفث في روعه، أو يلهمه أن هذه من أجل كذا، أو أن نوع المصيبة يتوافق مع الذنب الذي أصابته من أجله.
 فعندنا إشارتان، شخص بخل بالزكاة، وهي قصَّة واقعة مع أحد الأشخاص الذين أثق بكلامهم، عليه زكاة فرضاً أحد عشر ألفاً وستمئة وخمسون ليرة، فما دفع الزكاة، واستجاب لضغط زوجته: أنها نريد ترتيب البيت، وتريد أن تدهنه. فلم يدفع الزكاة، صُدمت مركبته، فكان التجليس والقطع والدهان أحد عشر ألفاً وستمئة وخمسين ليرة بالضبط وهذه إشارة لعدم دفع الزكاة.

المؤمن الصادق يلهمه الله الحكمة من وراء المصيبة التي أصابته:

 أغلب المصائب تأتي من جنس الذنب، فإذا وجد تكبُّراً تجد إهانة، وإذا وجد إسرافاً أو تقتيراً، أو إهمالاً لزوجة ابنك في البيت فيأتي إهمال لابنتك من زوجها بالمقابل، وإذا حصل إهمال للوالد يأتي إهمال للابن، وأغلب الظن تأتي المصائب بشكل يوحي للإنسان بسببها، إما أن التوافق بين المصيبة وبين الذنب، أو أن الله عزَّ وجل يلقي في روع المؤمن الصادق: أن يا عبدي هذه من أجل كذا، فانتبه. إما منام، أو إلهام، على كلٍ..

﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾

( سورة التغابن: من آية " 11 " )

 إلى حكمتها.

كلما كبر عقل الإنسان ازداد محبة لله و خوفاً منه:

 إخواننا الكرام كلَّما كبر عقل الإنسان يزداد خوفه من الله، فيضبط لسانه، ويضبط سمعه، وبصره، وبيته، وعمله، فلا كذبة، ولا غش، ولا حركة، وكلَّما كبر العقل يزداد الخوف، وكلَّما كبر العقل تزداد المحبَّة لله عزَّ وجل، احفظوا هذين الحديثين أرجحكم عقلاً أشدُّكم لله حباً.

(( رأس الحكمة مخافة الله تعالى ))

[ الجامع الصغير: عن " ابن مسعود "]

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ(30) ﴾

(سورة الشورى)

 لا أحد يتملَّق نفسه فيقول: أخي هذه ترقية، أنا لي عند الله مقام، فلولا هذه ما ارتقيت لهذا المقام. لا إذا أصيب أخوك بمصيبة فالأدب أن تقول: هذه ترقية، وإيَّاك أن تتهم أخاك إذا ألمَّت به مصيبة أنه مقصِّر بذنب، لا هذا من سوء أخلاق المؤمن مع إخوانه، فإذا أصابت المصيبة أخاك فأحسن الظن به وقل: هذه ترقيه إلى مستوى أعلى، أما إذا أصابت الإنسان مصيبة فلا يتملَّق نفسه، ولا يرش على الموت سكَّراً، ليكن مع نفسه صريحاً وجريئاً، وليبحث عن الذنب، فإذا تعامل مع الله بهذه الطريقة قطع أربعه أخماس الطريق إلى الله، وبالتعبير العامي ـ بدأ يفهم على الله ـ قال له: يا رب لقد عصيتك ولم تعاقبني. قال: " يا عبدي لقد عاقبتك ولم تدر، ألم أحرمك لذَّة مناجاتي ".

كلَّما شعر الإنسان بمشكلة عليه أن يترك الحل الأرضي ويبحث عن العلَّة السماويَّة:

 الآن هنا مصائب من نوع جديد للمؤمنين، ما فيه شيء، كل شيء على أحسن ما يرام ولكن يحجبك عنه، فالصلاة ما فيها شيء، تقرأ قرآناً ولا تشعر بشيء، وتذكر وما تحس بشيء، وبالذكر لا تذوق حلاوة، وبالتلاوة لا تجد لذة، ومعنى هذا فأنت محجوب، ولماذا أنت هكذا ؟ اعلم أن عندك مشكلة فابحث عنها. فالإنسان إذا ارتقى يعاقب بالحَجب فقط وأموره كلها منتظمة وليس عنده مشكلة، ولكن إذا صلَّى لا يشعر بطعم الصلاة، فهو محجوب، قال له: " ألم أحرمك لذَّة مناجاتي".
 فيا إخواننا الكرام هذا كلام رب العالمين، كلام الذي خلقنا والذي إليه المصير، لا أحد يتملَّق نفسه، ولا أحد يغطي..

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ(30) ﴾

(سورة الشورى)

 وكلَّما شعرت بمشكلة اترك الحل الأرضي وابحث عن العلَّة السماويَّة.

من أصابته مصيبة عليه أن يرجع إلى كتاب الله و يتعامل معها تعاملاً علمياً:

 أحياناً هناك بلاد أصابها مصيبة، وهي بلاد بأكملها، فالله قال:

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(112)﴾

(سورة النحل )

 ارجع إلى كتاب الله دائماً، فهذه الآية يمكن أن تكون شعاراً لكل مؤمن يضعها في بيته، ويضعها في عمله، وفي مكتبه، وفي محفظته..

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ(30) ﴾

(سورة الشورى)

 ويتعامل مع المصائب تعاملاً علمياً، فهذه لماذا ؟ شخص راكب مركبة فوقفت في الطريق، فبدأ يبكي، ارفع الغطاء وانظر ماذا يوجد ؟ بدل من أن تبكي وتنادي وتصيح افتح وانظر ما سبب وقوفها، وقوف المركبة فيها سبب، في محركها علَّة، وبدل أن تعمل صخباً، وضجيجاً وصياحاً. لا لا، دعك من هذا فهذا موقف غير علمي، هذا موقف جهلي فافتح وابحث عن السبب، فإذا ظهر السبب بطل العجب، والله كريم وكلنا عباده..

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾

( سورة الحجرات: من آية " 13 " )

العلاقة الوثيقة بين الذنب و المصيبة:

 هناك خطأ بكسب المال، فنقص منك مبلغ، وجاء إنسان وحمَّلك غرامة كبيرة، لأنه بالكسب يوجد خطأ، فصار خلاف زوجي ومعنى هذا هناك إطلاق بصر، ومن ذلك كان أحد الأشخاص رجلاً معتبراً موظَّفاً وعنده خمس أو ست بنات متزوجات، وعنده هواية بسيطة ينزل من حي المزَّة إلى طريق الصالحيَّة في أيام الصيف، مارين يمتِّع نظره بالنساء فصار معه مرض، ارتخاء الجفون، فإذا أراد أن يرى إنساناً فإنه يمسك الجفن ويفتحه وينظر إليه..

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ (30) ﴾

(سورة الشورى)

 انظر علاقة المصيبة: ارتخاء الجفون بسبب إطلاق البصر، والشقاق الزوجي من إطلاق البصر، وذهاب المال وإتلافه من كسبه، فكسب المال قد يكون حراماً، فكل إنسان ينتبه، فإذا انتبه يكون قد قطع أربعة أخماس الطريق إلى الله، وهذه الآية اجعلها شعاراً لك..

 

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ(30) ﴾

 

(سورة الشورى)

الحياة الطيبة ثمن الاستقامة على أمر الله عز وجل:

 كل مصيبة وراءها ذنب، ولكن ما كل ذنبٍ وراءه مصيبة لأن الله عفو كريم، يريحك قليلاً، ثم يبعث لك واحدة فانتبه، يريحكم فترة طويلة شهراً أو شهرين ولا يحدث لك شيئاً، إذ يكون عندك أخطاء ولكن يريحك مرَّة ثانية فتأتي مشكلة ثانية، إلى أن تستقيم وجهَتك إلى الله، ويستقيم عملك تماماً فتجد الحياة أصبحت طيِّبة كما قال الله عزَّ وجل:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

( سورة النحل: من آية " 97 " )

 هذا كلام رب العالمين، فهذه الآية ليست آية خلافية، وليست آية معقَّدة تحتاج إلى مفسِّرين، ومعاجم لغة، أخي آراء الأشعريين كذا، لا تحتاج لأنها آية واضحة، وهي مفسَّرة بنفسها، والقرآن بعض آياته متشابهة وأغلبه محكم، لا تحتاج لمفسِّر..

 

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ(30) ﴾

 

(سورة الشورى)

 هذه بدون تفسير، هذه اجعلها شعاراً لك، وضعها في بيتك، وفي مكتبك، وجيبك.

من دقق في كل شيء توجه إلى الله عز وجل و نال رضاه:

 كلَّما شعرت بشيء غير طبيعي تذكَّر الآية، ماذا فعلت ؟ ماذا حكيت ؟ أين كنت ؟ ومن أين جئت ؟ وكيف تكلَّمت ؟ وكيف بعت هذه البيعة ؟ واحد من إخواننا عنده معمل ألبسة صغير، وقد جاءه شخص درويش فقال له: بعني خمس قطع، وهو يبيع ثلاثمئة، أو خمسمئة، فعندما طلب منه خمس قطع رأى ذلك إهانة له، فقال له: ليس عندي مفرَّق. قال له: لا تؤاخذني. وخرج، يقسم لي بالله ثلاثة وعشرين يوماً ما دخل لمعمله زبون، وقال لي: نشف دمي، لماذا صار معي هذا ؟ لا يوجد بيع أبداً ؟ تذكَّر الذي كسر خاطره، وطلب منه خمس قطع ولم يرضَ أن يبيعه، فالآن أصبح يبيع قطعة واحدة، فالله أدَّبه، ولكن عندما حرمه الله من الزبُن ثلاثة وعشرين يوماً ونشَّف له دمه وألقى في روعه: أن عبدي هذه من أجل تلك، تتذكَّر فلاناً الذي جاء لعندك وطلب خمس قطع بأدب وهو فقير، فلو بعتها له. وأنت رأيتها إهانة لك فحرمك الله البيع ثلاثة وعشرين يوماً، وعلى هذا فقِسْ، فما من شيء يقع إلا في حكمة منه، ولكن نحن لا نعرف، يقول لك: فلان صار معه هذا، وفلان صار معه هكذا، فلو أنت دقَّقت تجد كل شيء بحساب دقيق، وهذه الطريقة تعين على التوجُّه إلى الله سبحانه وتعالى.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018